أخباركم – أخبارنا/ أكرم محمود
لم تعد جبهة شرق أوروبا ومسار الحرب الروسية-الأوكرانية يُداران بالمنطق التقليدي الذي ساد خلال السنوات الأربع الماضية؛ فخلف الأبواب المغلقة لقمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) الـ36، التي اختتمت أعمالها في العاصمة التركية أنقرة في الثامن من يوليو/تموز 2026، برزت ملامح “هندسة إستراتيجية جديدة” قادها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. هذه الرؤية تقوم على نقل العلاقة مع كييف من مربع “الإغاثة والمساعدات المفتوحة” إلى مربع “التمكين، التوطين الصناعي، والاستثمار التجاري المتبادل”، بهدف صياغة “شبكة أمان” متكاملة تضمن عدم خسارة أوكرانيا للحرب، وتمنح واشنطن في الوقت عينه سقفاً تفاوضياً صلباً لفرض تسوية شاملة تجمد الصراع وتتيح لها التفرغ لملفات دولية وإقليمية أخرى.
أولاً: المظلة المالية المستدامة وتوزيع الأعباء الأطلسية
جاء الإقرار الرسمي في البيان الختامي لقمة أنقرة بتقديم حزمة مساعدات عسكرية استثنائية لأوكرانيا بقيمة 70 مليار يورو لعام 2026، مع التزام سيادي صريح ومماثل بالحفاظ على ذات المستوى من الدعم لعام 2027، ليمثل تحولاً عميقاً في بنية التمويل الدولي للحرب.
هذا الضخ المالي الضخم لم يأتِ من الخزينة الأمريكية وحدها، بل عكس “تكتيك التدوير والضغط” الذي مارسه ترامب على الحلفاء الأوروبيين وكندا لرفع الإنفاق الدفاعي. ومن خلال تفعيل آلية القروض الأوروبية المتعددة السنوات ، نجحت المقاربة الأمريكية في جعل أوروبا تدفع الفاتورة الأكبر لحماية أمنها الإقليمي، معتبرة أن أوكرانيا باتت عنصراً بنيوياً في استقرار منطقة اليورو-أطلسي. هذه الكتلة المالية الضخمة والجداول الزمنية الممتدة لعامين أرسلت رسالة شديدة الوضوح للكرملين مفادها: “القدرة الاستمرارية والتمويلية للجبهة الأوكرانية مؤمنة ومحصنة، والرهان على عامل الوقت واستنزاف الغرب لم يعد مجدياً”.
ثانياً: توطين الردع وتراخيص “الباتريوت”.. البراغماتية في أبهى صورها
لعل الإعلان الأكثر إثارة ومفصلية في كواليس القمة كان كشف الرئيس ترامب عن منح أوكرانيا ترخيصاً رسمياً لإنتاج صواريخ اعتراضية لنظام الدفاع الجوي “باتريوت” محلياً، بالتوازي مع استبعاده تزويد كييف بصواريخ أمريكية جاهزة نظراً لحاجة واشنطن الماسة إليها في مسارح عمليات أخرى (مثل تأمين الملاحة ومضيق هرمز).
هذه الخطوة تختزل جوهر عقيدة “أمريكا أولاً” البراغماتية من خلال بعدين إستراتيجيين:
- حماية المخزون الأمريكي الحرج: تجنب استنزاف ترسانة الدفاع الجوي الأمريكية الجاهزة، والاحتفاظ بها كأوراق قوة رادعة في ظل بيئة دولية شديدة الاضطراب والتنافس الجيوسياسي.
- بناء الضمانات الأمنية الذاتية: نقل التكنولوجيا الصناعية الحساسة لداخل الأراضي الأوكرانية يحول كييف إلى قوة قادرة على حماية أجوائها ذاتياً على المدى الطويل. هذا هو المفهوم الحقيقي لـ “الضمانات الأمنية البالغة الأهمية” التي تعهد بها ترامب؛ تمكين الحليف من حماية نفسه بدلاً من إبقاء واشنطن في دور المغذي اللوجستي الدائم.
ثالثاً: اقتصاد الحرب المتبادل واستثمار تكنولوجيا المسيّرات
في تحول نوعي غيّر طبيعة العلاقات التحالفية التقليدية، أعلن ترامب أن الولايات المتحدة تعتزم شراء طائرات مسيّرة من أوكرانيا وعقد صفقات تجارية دفاعية بهذا الشأن. هذا الاعتراف لم يأتِ من فراغ، بل تقاطع مع معطيات ميدانية وتقنية أثبتت فيها الصناعات العسكرية الأوكرانية كفاءة استثنائية فرضتها ظروف القتال القاسية.
لقد تحولت أوكرانيا على مدار سنوات الحرب إلى أكبر مختبر حي ومتقدم عالمياً لتقنيات الذكاء الاصطناعي العسكري وحرب المسيرات والابتكارات المضادة لها، والتي كان آخرها تطوير مركبات مدرعة بدون طيار ويتم التحكم بها عن بعد (مثل النسخ المطورة من المدرعة M-2) القادرة على نقل الذخائر والمعدات الحيوية للخطوط الأمامية مع تزويدها بنظم دفاع نشطة ضد الدرونز المهاجمة. ترامب، بعقليته التجارية والبراغماتية، رفض أن تسير العلاقة في اتجاه واحد (منح ومساعدات)، بل أراد تحويل المقاربة إلى “شراكة استثمارية وعسكرية متبادلة النفع” تتيح للجيش الأمريكي الاستفادة من الابتكارات الأوكرانية الميدانية وتوطينها لصالح مشاريعه الدفاعية الخاصة.
رابعاً: إغلاق الأجواء والاتصال ببوتين.. هندسة “التفاوض من موقع القوة الأقصى”
شكل تلويح ترامب بإمكانية أن تتولى الولايات المتحدة الإشراف على “إغلاق المجال الجوي” فوق أوكرانيا كجزء من ترتيبات الضمانات الأمنية المستقبلية، بالتزامن مع إعلانه إجراء اتصال هاتفي بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ذروة التكتيك والتفاوض من موقع القوة الأقصى.
إن فرض حظر الطيران أو إغلاق الأجواء كان بمثابة خط أحمر إستراتيجي تحاشته الإدارات الأمريكية السابقة لتجنب الصدام العسكري المباشر مع روسيا. طرح هذا الخيار الآن كجزء من سلة الضمانات هو رسالة ضغط أمريكية حاسمة وبمثابة “العصا الغليظة” المرفوعة خلف الأبواب المغلقة؛ فالرسالة الموجهة لبوتين قبل الاتصال تختصر المشهد: “الناتو ضمن تمويل الـ 70 مليار يورو، والمستشار ألماني فريدريش ميرتس يعلن صراحة أن روسيا لا تملك فرصة للفوز عسكرياً في هذه الحرب، وواشنطن مستعدة للذهاب إلى خيارات إغلاق الأجواء وحظر الطيران لحماية أمن يورو-أطلسي؛ بالتالي فإن الخيار الأوحد والمنطقي هو الجلوس إلى طاولة المفاوضات لصياغة اتفاق سلام ينهي الصراع وفق رؤية تضمن عدم خسارة أوكرانيا لسيادتها وأراضيها”. وكما أردف ترامب نفسه ببراعته المعهودة: “في حال التوصل لاتفاق سلام، فلن تكون هناك حاجة لإغلاق المجال الجوي”.
خاتمة المقال: ملامح التسوية المتبادلة
في المحصلة، نجح دونالد ترامب عبر قمة أنقرة 2026 في إعادة صياغة الملف الأوكراني بما يخدم إستراتيجيته العالمية الكبرى. لم يعد الدعم لكييف شيكاً على بياض، بل أصبح “قوة ردع صناعية واقتصادية ممكّنة ذاتياً وممولة أوروبياً”. ومن خلال تثبيت جدار الصد هذا، والتلويح بأوراق القوة مثل إغلاق الأجواء وترخيص الباتريوت، يمهد ترامب الطريق لفرض تسوية واقعية ومتبادلة تضمن تجميد الحرب الروسية-الأوكرانية بشروط لا تجعل كييف الطرف الخاسر، مما يتيح للإدارة الأمريكية سحب جزء رئيسي من ثقلها العسكري والتفرغ الكامل لإعادة ترتيب أوراق الشرق الأوسط، وتحجيم النفوذ الإيراني، وتأمين خطوط الملاحة الدولية في مضيق هرمز.



