الثلاثاء, يوليو 14, 2026
31.9 C
Beirut

لا للناتو ليست جريمة: الحزب الشيوعي التركي في مواجهة القمع الأطلسي في أنقرة

نشرت في

أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد

في الخامس من تموز/يوليو 2026، شهدت تركيا تحركاً سياسياً وشعبياً بارزاً ضد حلف شمال الأطلسي “الناتو”، قاده الحزب الشيوعي التركي في العاصمة أنقرة وعدد من المدن، قبيل انعقاد قمة الحلف. لم يكن التحرك مجرد مظاهرة احتجاجية عابرة، بل كان صرخة سياسية واضحة في وجه عسكرة المنطقة، ورفضاً لتحويل تركيا إلى منصة صامتة لسياسات الناتو وحروبه وتدخلاته.

خرج الشيوعيون الأتراك تحت شعار واضح: “مناهضة الناتو واجب”. لكن السلطات التركية واجهت هذا الشعار بالمنع والقمع والاعتقالات، لتكشف من جديد أن الحديث الرسمي عن السيادة والاستقلال لا يصمد أمام الاختبار حين يتعلق الأمر بموقع تركيا داخل الحلف الأطلسي. فقد جرى اعتقال 145 من أعضاء الحزب الشيوعي التركي في أنقرة وكوجالي وسوما، بينهم عضو في اللجنة المركزية وثمانية أعضاء من مجلس الحزب، إضافة إلى إصابة عدد من الرفاق نتيجة عنف الشرطة.

هذه الأحداث لم تكن معزولة عن السياق الدولي والإقليمي. فالعالم يعيش لحظة بالغة الخطورة: المجازر مستمرة في فلسطين، احتمالات التصعيد الأمريكي ـ الإسرائيلي ضد إيران مفتوحة، الحرب في أوكرانيا تهدد بالتوسع، والناتو يحاول إعادة تقديم نفسه بوصفه ضامناً للأمن، بينما تراه القوى المناهضة للإمبريالية أداة للحروب والانقلابات والاحتلالات.

بيان الحزب الشيوعي التركي: معارضة الناتو مسؤولية لا جريمة

في بيانه الصادر في 6 تموز/يوليو 2026، أكد الحزب الشيوعي التركي أن معارضة حلف الناتو ليست جريمة، بل مسؤولية سياسية وأخلاقية. واعتبر أن حكومة حزب العدالة والتنمية تحاول تجريم الاحتجاجات المناهضة للناتو في وقت تتصاعد فيه الحروب والأزمات في المنطقة والعالم.

وشدد الحزب على أن الناتو، الذي كان تاريخياً إحدى القوى المرتبطة بالانقلابات والاغتيالات السياسية والمجازر وعمليات الاحتلال، لا يمكن تلميع صورته أو إضفاء الشرعية عليه عبر قرارات وزارية أو أوامر أمنية أو مراسيم تصدر عن الولاة. فالحقيقة التاريخية، كما يؤكد الحزب، لا يمكن إعادة كتابتها بالقمع والمنع.

وأشار البيان إلى مفارقة سياسية واضحة: فحتى وقت قريب، كان المسؤولون الأتراك ومؤيدوهم يحمّلون الناتو والدول الإمبريالية الغربية مسؤولية محاولة الانقلاب في 15 تموز/يوليو 2016، ويتحدثون بفخر عن أن “هذه لم تعد تركيا القديمة”. أما اليوم، وبالشعار ذاته، تحاول السلطة ترهيب الوطنيين والثوريين والشيوعيين من أبناء الطبقة العاملة عبر التلويح بعلم الناتو.

تركيا والناتو: تاريخ طويل من التبعية والصراع

منذ انضمام تركيا إلى حلف شمال الأطلسي عام 1952، ظل موقعها داخل الناتو جزءاً من المعادلة الاستراتيجية الغربية في الشرق الأوسط والبحر الأسود وشرق المتوسط. وقد جرى تقديم هذا الانضمام دائماً باعتباره ضمانة لأمن تركيا، لكنه كان، في نظر الشيوعيين والقوى المناهضة للإمبريالية، مدخلاً لربط القرار السياسي والعسكري التركي بالمصالح الأمريكية والأطلسية.

يرى الحزب الشيوعي التركي أن قواعد هذا النظام لم تتغير منذ ذلك التاريخ. فالسلطات المتعاقبة، رغم اختلاف خطابها السياسي، لم تتخلَّ عن الطموح إلى لعب دور قوة إقليمية من خلال التحالف مع القوى الإمبريالية، وعلى رأسها الولايات المتحدة. وفي المقابل، لم يتخلَّ الشيوعيون الأتراك عن نضالهم ضد الإمبريالية ومؤسساتها، وفي مقدمتها الناتو.

لقد وقفوا ضد الأسطول السادس الأمريكي، وضد القواعد العسكرية الأجنبية، وضد الحروب والاحتلالات في المنطقة، وضد تحويل تركيا إلى أداة في المشاريع العسكرية الغربية. وهذا ما يجعل احتجاجات أنقرة امتداداً لتاريخ طويل من النضال، لا مجرد رد فعل على قمة أو حدث عابر.

الحزب الشيوعي التركي: نضال منذ التأسيس ومواجهة دائمة مع القمع

تعود جذور الحركة الشيوعية التركية إلى بدايات القرن العشرين، مع تأسيس الحزب الشيوعي التركي التاريخي عام 1920 بقيادة مصطفى صبحي ورفاقه. ومنذ تلك اللحظة، دفع الشيوعيون الأتراك ثمناً باهظاً بسبب مواقفهم من الرأسمالية، والتبعية، والاستغلال، والهيمنة الإمبريالية.

تعرض مصطفى صبحي ورفاقه للقتل عام 1921، لتبدأ صفحة طويلة من الحظر والملاحقة والعمل السري والاعتقالات. وعلى امتداد عقود، خصوصاً خلال فترات الانقلابات العسكرية والحرب الباردة، واجه الشيوعيون الأتراك القمع بسبب رفضهم للسياسات الأطلسية، ووقوفهم إلى جانب الطبقة العاملة، ودفاعهم عن استقلال تركيا الحقيقي خارج التبعية للغرب.

لذلك فإن ما يجري اليوم ضد الحزب الشيوعي التركي ليس حادثاً منفصلاً عن التاريخ، بل حلقة جديدة في سلسلة طويلة من اضطهاد الشيوعيين ومحاولة إسكات الأصوات التي تفضح التناقض بين خطاب السيادة الرسمي وواقع الارتباط بالناتو.

احتجاجات أنقرة: كسر الصمت ورفض التواطؤ

مع اقتراب قمة الناتو، فرضت السلطات التركية قيوداً واسعة على التظاهر والتجمعات العامة. وتحولت العاصمة أنقرة إلى مدينة مغلقة أمنياً، في محاولة لمنع أي صوت معارض من الوصول إلى الشارع. لكن الحزب الشيوعي التركي قرر تحدي الحظر، ونظم مظاهرته تحت شعار “مناهضة الناتو واجب”.

وقد اعتبر الحزب أن كل من رفض الغطرسة والقمع والعار، وكل من رفع صوته وتحرك فعلياً ضد الناتو، بغض النظر عن الحزب أو المنظمة أو الانتماء السياسي، قد مزّق وصمة “التواطؤ الجماعي” التي يراد فرضها على تركيا. فليس صحيحاً أن الشعب التركي يقف بالإجماع خلف الناتو، وليس صحيحاً أن تركيا كلها تقبل بأن تكون جزءاً من آلة الحرب الأطلسية.

إن الدعم الواسع للمظاهرة التي نظمها الحزب الشيوعي التركي في ساحة كيزيلاي بأنقرة يثبت أن التقاليد المناهضة للإمبريالية في تركيا لا تزال حية، رغم كل جهود السلطة لتهميشها وقمعها وتشويهها.

القمع يكشف حقيقة التحالف بين الناتو والسلطة

إن تدخل الشرطة بعنف، واعتقال 145 شيوعياً، وإصابة متظاهرين، وفرض الحظر على التجمعات، كلها دلائل على أن المسألة ليست أمنية فقط، بل سياسية بامتياز. فالسلطات التركية لم تكن تريد لصوت مناهض للناتو أن يظهر في لحظة تستقبل فيها قمة الحلف، ولم تكن تريد أن يرى العالم أن هناك قوى شعبية وسياسية داخل تركيا ترفض هذا الحلف وتربطه بالحروب والاحتلالات والتدخلات.

إن محاولة تجريم شعار “لا للناتو” تعني عملياً حماية الحلف من النقد الشعبي، وتحويل معارضته إلى خطر أمني. وهذا ما يفضح طبيعة العلاقة بين أجندة الناتو الحربية وبين تقييد الحقوق والحريات السياسية. فحيثما يحضر الناتو، تحضر معه إجراءات المنع والتكميم والقمع، لأن الحروب لا تحتاج فقط إلى دبابات وقواعد عسكرية، بل تحتاج أيضاً إلى إسكات الشعوب.

تضامن شيوعي وعمّالي واسع مع الحزب الشيوعي التركي

في مواجهة هذا القمع، شارك الحزب الشيوعي السوري وعدد كبير من الأحزاب الشيوعية والعمالية في بيان تضامني مع الحزب الشيوعي التركي المناضل، تحت عنوان: “أوقفوا القمع ضد حزب TKP والمتظاهرين المناهضين لحلف الناتو في تركيا”.

أدان البيان بشدة القمع الذي مارسته السلطات التركية ضد المظاهرة التي نظمها الحزب الشيوعي التركي في أنقرة احتجاجاً على قمة الناتو. واعتبر أن التدخل العنيف للشرطة، والإصابات التي لحقت بالمتظاهرين، واعتقال 145 شيوعياً، بينهم عضو في اللجنة المركزية وثمانية أعضاء من مجلس الحزب، يشكل هجوماً غير مقبول على الحق في التنظيم والاحتجاج.

وأكدت الأحزاب الموقعة أن الحظر الشامل على المظاهرات والتجمعات العامة، والذي حوّل العاصمة التركية عملياً إلى مدينة مغلقة قبل قمة الناتو، يكشف مرة أخرى أن أجندة الناتو الحربية تسير جنباً إلى جنب مع تقييد الحقوق والحريات السياسية.

كما شدد البيان على أن محاولة إسكات الشيوعيين لن تخفي الحقيقة: فحلف شمال الأطلسي تحالف إمبريالي عدواني جلب الحرب والاحتلال والدمار والمعاناة لشعوب العالم. ولن يرهب القمع أولئك الذين يرفعون أصواتهم ضد العسكرة والتدخلات الإمبريالية والحروب.

رسالة الحزب الشيوعي التركي إلى تركيا والمنطقة

إن موقف الحزب الشيوعي التركي لا يخص تركيا وحدها، بل يحمل رسالة إلى كل شعوب المنطقة. فالناتو ليس بعيداً عن فلسطين، ولا عن الحروب في الشرق الأوسط، ولا عن التصعيد ضد إيران، ولا عن عسكرة البحر الأسود وشرق المتوسط، ولا عن السياسات التي جعلت شعوباً كاملة تدفع ثمن صراعات القوى الكبرى.

من هنا تأتي أهمية هذا التحرك. فهو يربط بين النضال الوطني داخل تركيا وبين النضال الأممي ضد الإمبريالية. ويرى أن تحرير تركيا من الناتو ليس مسألة عسكرية فقط، بل مسألة سياسية واجتماعية وطبقية، لأن التبعية للحلف ترتبط أيضاً بالتبعية للاحتكارات متعددة الجنسيات، وبالاستغلال، وبمصادرة قرار الشعوب.

ولهذا قال الحزب الشيوعي التركي بوضوح إن مجرد مشاركة بضعة آلاف في بلد يبلغ عدد سكانه 85 مليون نسمة لا يكفي، وإن إثبات القدرة على تحدي القمع لا يعني أن النصر تحقق. فالمعركة أوسع وأعمق، خصوصاً في ظل سعي الأحزاب البرجوازية إلى إضفاء الشرعية على الناتو وتلقين أجيال كاملة أكذوبة أن الحلف يضمن أمن تركيا.

لا للناتو: من شعار احتجاجي إلى معركة تاريخية

إن عبارة “لا للناتو” ليست شعاراً عابراً في الشارع التركي، بل عنوان لمعركة سياسية وتاريخية. فهي تعني رفض الحروب، ورفض القواعد الأجنبية، ورفض التبعية، ورفض تحويل الشعوب إلى وقود في صراعات الإمبريالية. كما تعني الدفاع عن استقلال تركيا الحقيقي، وعن حق الطبقة العاملة والشعوب في تقرير مصيرها بعيداً عن الحلف الأطلسي ومؤسساته.

لقد أرادت السلطات التركية أن تجعل من قمة الناتو مناسبة للصمت والخضوع، لكن الحزب الشيوعي التركي جعل منها مناسبة للمواجهة وكسر الصمت. أرادت السلطة أن تقول إن تركيا تقف موحدة خلف الحلف، فجاء الشيوعيون ليؤكدوا أن هناك تركيا أخرى: تركيا العمال، والثوريين، والوطنيين، والمناهضين للإمبريالية.

المطلب العاجل: الإفراج عن المعتقلين ووقف القمع

إن الواجب اليوم هو رفع الصوت عالياً للمطالبة بالإفراج الفوري عن أعضاء الحزب الشيوعي التركي الـ145 المحتجزين في أنقرة وكوجالي وسوما، وعن جميع الثوار والمناضلين الذين تعرضوا للاعتقال أو السجن بسبب معارضتهم للناتو. كما يجب إسقاط جميع التهم الموجهة إليهم، ووقف كل الإجراءات التي تقيد النشاط السياسي المناهض للحلف.

إن قول “لا للناتو” ليس جريمة. الجريمة الحقيقية هي دعم الحروب، وتبرير الاحتلالات، وحماية الحلف الذي جلب الدمار لشعوب كثيرة، وقمع من يرفضون العسكرة والتبعية والاستغلال.

لقد ترك الحزب الشيوعي التركي بصمته في هذه اللحظة، لكنه، كما قال في بيانه، لا يريد فقط ترك أثر في التاريخ، بل يريد تغيير مساره. ومن أنقرة إلى كل شعوب المنطقة، تبقى الرسالة واضحة: لا حرية مع الناتو، ولا سيادة مع التبعية، ولا سلام مع الحروب الإمبريالية.

ارفعوا أيديكم عن الحزب الشيوعي التركي.

ارفعوا أيديكم عن المناضلين الشيوعيين والمناهضين للإمبريالية.

لا للناتو… لا للحرب… لا للقمع.

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

فاروق باباميري… عندما يكبر المناضل ولا يشيخ

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد هناك رجال يكبرون في العمر، لكنهم لا يكبرون على...

حين يتحول اليسار إلى حارس لأيديولوجيا الدولة!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد قراءة نقدية في افتتاحية جريدة «صوت الشعب» التونسية نشرت جريدة...

معركة مضيق هرمز في صحافة صباح اليوم: واشنطن توسّع ضرباتها وإيران تنقل الرد إلى القواعد الأميركية في المنطقة!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد قراءة مقارنة في الصحافة الأميركية والغربية والإيرانية والعربية الصادرة...

صراع إرادات في هرمز: أميركا والعالم بوجه البلطجة الإيرانية

أخباركم - أخبارنا/ حنا صالح وعندنا التدخل الإيراني عبر أتباعه يستهدف عنوان : الأرض...

More like this

جبهة النضال الشعبي في الذكرى الـ59 لانطلاقتها: تجديد المشروع الوطني وإنهاء الاحتلال وتعزيز الوحدة والديمقراطية

أخباركم - أخبارنا رام الله – أكدت اللجنة المركزية لجبهة النضال الشعبي الفلسطيني أن...

رحيل ليندسي غراهام: صقرُ الحروب الذي رأى الشرق الأوسط من بوابة إسرائيل ومواجهة إيران

أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد رحل السيناتور الجمهوري الأميركي ليندسي غراهام عن واحد وسبعين...

الشيوعي العراقي يدعو إلى جبهة شعبية واسعة: هل اقتربت لحظة كسر منظومة المحاصصة؟

أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد في بيان سياسي مطوّل نشرته صحيفة طريق الشعب، اليومية...