السبت, أغسطس 15, 2026
27.4 C
Beirut

في ذكرى ميلاد السيد هاني فحص: الأب الروحي الذي أراد للشيعة أن يكونوا في قلب لبنان لا في حروب المحاور

نشرت في

أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد

من وصية مام جلال إلى لقاء الأب الروحي

لم تبدأ علاقتي بالسيد هاني فحص من لقاء عابر أو مناسبة اجتماعية جمعتنا مصادفة، بل بدأت من نصيحة حملت شيئاً من الدهشة والعتاب المحب. فقد طلب مني الرئيس العراقي الراحل جلال طالباني، مام جلال، أن أتعرف إلى السيد هاني، واستغرب أنني لم أكن أعرفه شخصياً، وهو الذي كان يرى فيه عقلاً عربياً وإسلامياً استثنائياً، قادراً على الجمع بين الإيمان والحرية، وبين الانتماء المذهبي والانفتاح الإنساني، وبين الالتزام بالقضايا الكبرى والشجاعة في نقد الذات.

كان استغراب مام جلال في مكانه. فعندما تعرفت إلى السيد هاني، لم أجد أمامي رجل دين بالمعنى التقليدي، ولا شخصية سياسية تحصي كلماتها وفق موازين المصالح، بل وجدت إنساناً واسع القلب، عميق الثقافة، حراً في تفكيره، حاضراً في هموم الشعوب، وقادراً على الاقتراب من المختلف من دون خوف أو ادعاء.

تطورت العلاقة سريعاً، ولم يعد السيد هاني بالنسبة إليّ مجرد صديق أو مفكر ألتقيه وأستمع إليه، بل أصبح أباً روحياً أعود إليه في الأسئلة الكبرى، وأجد في حضوره طمأنينة لا تلغي القلق الفكري، بل تحوله إلى قوة تدفع إلى البحث والمراجعة.

كان صديقاً صادقاً للكرد، محباً لهم، متفهماً لتاريخهم وآلامهم وتطلعاتهم، لا ينظر إلى قضيتهم من بعيد، ولا يتعامل معها بوصفها بنداً سياسياً عابراً. كان يرى في مأساة الكرد جزءاً من مأساة المشرق الذي أخفق طويلاً في الاعتراف بتعدده القومي والديني والثقافي، وكان يؤمن بأن إنصاف الكرد لا يهدد الشعوب الأخرى، بل يحرر المنطقة كلها من إرث الإنكار والاستبداد.

ومع مرور الأعوام، اكتشفت أن قربه من الكرد لم يكن مجاملة لشخص أو قيادة، بل امتداداً طبيعياً لفكره الذي انحاز دائماً إلى المظلوم، ودافع عن حق الإنسان في هويته وكرامته، ورفض أن تتحول الوحدة إلى إلغاء، أو تتحول الدولة إلى سلطة تفرض هوية جماعة واحدة على سائر مكوناتها.

في ذكرى رحيله، لا أستعيد وجه هاني فحص وصوته وحدهما، بل أستعيد حاجة لبنان والمنطقة كلها إلى ذلك العقل الذي كان يعرف كيف يكون الإنسان متديناً من دون تعصب، وشيعياً من دون انغلاق، وعربياً من دون إنكار الآخرين، ولبنانياً من دون انعزال عن قضايا المشرق والعالم.

ابن جبشيت والنجف وجبل عامل

ولد السيد هاني فحص سنة 1946 في بلدة جبشيت في قضاء النبطية بجنوب لبنان، في بيئة جبل عاملية عرفت بتاريخها الديني والثقافي وبحضورها في الحياة الفكرية والسياسية اللبنانية.

تلقى تعليمه الأول في بلدته، ثم تابع دراسته في مدينة النبطية، قبل أن ينتقل سنة 1963 إلى مدينة النجف في العراق، حيث درس العلوم الدينية واللغة العربية، والتحق بكلية الفقه التي كانت تمثل آنذاك مساحة تفاعل بين الدرس الديني والأدب والأسئلة الفكرية الحديثة.

لم تكن النجف بالنسبة إليه مكاناً لتلقي الفقه والعلوم الدينية وحدها، بل كانت فضاءً واسعاً للأدب والشعر والصحافة والسياسة. انفتح فيها على التيارات الفكرية والثقافية، وشارك في النشاط الأدبي والصحافي، واهتم بالقضية الفلسطينية وبالتحولات السياسية التي كانت تعيشها المنطقة.

وقد استعاد تلك المرحلة في مشروع سيرته «ماضٍ لا يمضي»، ولا سيما في كتابه «ذكريات ومكونات عراقية»، كما تحدث عنها بتفصيل في حواره المطول «أحوال خاصة في تحولات عامة»، الذي روى فيه علاقته بالنجف والعراق وبدايات تكوينه الأدبي والسياسي.[1]

عاد إلى لبنان سنة 1972 واستقر في بلدته جبشيت، حاملاً معه ثقافة دينية ولغوية واسعة، وتجربة فكرية تشكلت في واحدة من أكثر مراحل المنطقة اضطراباً وتحولاً.

فلسطين في القلب والمسيرة

لم يفصل هاني فحص بين تكوينه الديني وبين التزامه السياسي والإنساني. كانت فلسطين حاضرة في وجدانه منذ شبابه، وارتبط بالحركة الوطنية الفلسطينية وبحركة «فتح»، وكانت له علاقة وثيقة بالرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات.

لم تكن فلسطين بالنسبة إليه شعاراً موسمياً، بل قضية عدالة وحرية وكرامة. وظل مؤمناً بحق الشعب الفلسطيني في مقاومة الاحتلال واستعادة حقوقه، لكنه رفض في الوقت نفسه أن تتحول القضايا العادلة إلى ذريعة لإلغاء الدول والمجتمعات أو تعطيل حق الشعوب في بناء أوطانها ومؤسساتها.

كان قادراً على الجمع بين فلسطين ولبنان، وبين الانتماء العربي والخصوصية الوطنية، من دون أن يرى تناقضاً بين هذه الدوائر. لذلك لم يكن لبنان عنده ساحة مؤقتة لمعارك الآخرين، بل وطناً يستحق الحماية، ودولة ينبغي بناؤها، ومجتمعاً تعددياً يجب الدفاع عنه.

ترشح للانتخابات النيابية الفرعية سنة 1974 في أجواء تحالفه مع الحركة الوطنية اللبنانية وكمال جنبلاط، ثم انسحب من المعركة، كما خاض الانتخابات النيابية سنة 1992 عن محافظة النبطية ولم يفز. وتكشف هذه التجربة أنه لم يكن مثقفاً يقف خارج المجال العام، بل خاض السياسة من داخلها قبل أن يصبح الحوار الوطني والفكري ميدانه الأوسع والأكثر تأثيراً.[2]

هوية مركبة لا تلغي أحداً

كان هاني فحص يرفض الهويات المغلقة التي تطلب من الإنسان أن يختار بين دينه ووطنه، أو بين طائفته وإنسانيته، أو بين انتمائه العربي واعترافه بحقوق القوميات الأخرى.

وفي تعريفه لهويته، جمع بين انتمائه إلى جبشيت ولبنان والعروبة والإسلام والتشيع والإنسانية، مؤكداً أن الآخر المختلف لم يكن عابراً في وعيه، بل جزءاً مقيماً في عقله وقلبه.[3]

لم يكن ذلك التعريف وصفاً شخصياً فحسب، بل تلخيصاً لمشروعه الفكري كله. فهو لم يرَ في الهوية بناءً أحادياً مغلقاً، بل دوائر متكاملة: القرية والوطن والعروبة والإسلام والتشيع والإنسانية. لم تكن واحدة منها تلغي الأخرى، بل كانت كل واحدة توسع معنى الثانية وتمنعها من التحول إلى عصبية.

كان الآخر عنده سؤالاً يساعد الإنسان على اكتشاف ذاته، لا خطراً ينبغي إقصاؤه. ومن هنا جاء انفتاحه على المسيحيين والسنة والدروز والعلمانيين واليساريين والقوميين والكرد وغيرهم من مكونات المشرق.

الحوار اعتراف لا مجاملة

كان هاني فحص من أبرز دعاة الحوار الإسلامي–المسيحي في لبنان والعالم العربي. شارك في تأسيس الفريق العربي للحوار الإسلامي–المسيحي، وأسهم في مبادرات الحوار اللبناني، وكان حاضراً في اللقاءات التي سعت إلى تخفيف الانقسامات الطائفية وإعادة بناء الثقة بين اللبنانيين.

لم يكن الحوار عنده صورة تجمع رجال الدين أمام الكاميرات، ولا مناسبة لتبادل العبارات الدبلوماسية. كان اعترافاً حقيقياً بالآخر وبحقه في الاختلاف، واستعداداً لمراجعة الذات، وتفكيكاً للمخاوف والصور النمطية المتبادلة.

كان يعرف أن التعايش لا يتحقق بإنكار الاختلاف، بل بإدارته ضمن الدولة والقانون والمواطنة. فالاختلاف الديني والمذهبي والقومي، في نظره، ليس مرضاً ينبغي علاجه، وإنما حقيقة إنسانية يمكن أن تصبح مصدراً للغنى متى تحررت من الخوف والاستغلال السياسي.

لهذا كان لبنان بالنسبة إليه أكثر من مساحة جغرافية؛ كان تجربة تاريخية لإمكان العيش المشترك بين المسلمين والمسيحيين، ومختبراً لبناء عقد اجتماعي لا يفرض على أحد التخلي عن خصوصيته.

لبننة الشيعة لا التشكيك في لبنانيتهم

عندما نتحدث عن «لبننة الشيعة» في فكر هاني فحص، فإننا لا نعني أنهم غير لبنانيين ويحتاجون إلى من يمنحهم شهادة في الوطنية. فالشيعة مكون أصيل من مكونات لبنان، شاركوا في صنع تاريخه وثقافته ونضالاته، ودفعوا أثماناً باهظة في مواجهة الاحتلال والحرمان والتهميش.

المقصود بلبننة الشيعة هو تحرير قرارهم السياسي من الارتهان الخارجي، وإعادة وضع مصالحهم ومستقبلهم داخل إطار الدولة اللبنانية، ومنع اختزالهم في تنظيم واحد أو وظيفة عسكرية أو مشروع إقليمي.

وقد ناقش هاني فحص هذه الإشكالية في كتابه «الشيعة والدولة في لبنان: ملامح في الرؤية والذاكرة»، الصادر سنة 1996، متابعاً علاقة الشيعة اللبنانيين بالمؤسسات والدولة والحركات السياسية، ورافضاً اختزال تاريخهم في موقف جوهري رافض للدولة.[4]

وفي حواره مع صحيفة «الراي» الكويتية، رفض الصورة التي تقدم الشيعة، وخصوصاً شيعة لبنان، بوصفهم جماعة رافضة بطبيعتها لفكرة الدولة، ورأى أنهم تعرضوا للظلم عندما جرى اختزالهم في هذا التصور.[5]

كان يميز بين احتجاج الشيعة التاريخي على الظلم والحرمان، وبين رفض الدولة من حيث المبدأ. فالاعتراض على دولة غير عادلة لا يعني رفض فكرة الدولة، كما أن مواجهة التهميش لا تبرر إقامة دولة داخل الدولة أو تحويل الطائفة إلى مجتمع منفصل عن شركائه.

تحييد الشيعة عن المحاور لا عن الوطن

كان هاني فحص يريد تحييد الشيعة عن حروب المحاور الإقليمية، لا تحييدهم عن السياسة أو القضايا العادلة. أراد لهم أن يكونوا مواطنين فاعلين وشركاء في الدولة، لا جمهوراً دائماً لحروب تقرر خارج مؤسسات وطنهم.

والتحييد هنا لا يعني الحياد الأخلاقي تجاه الاحتلال أو الظلم، ولا التخلي عن فلسطين، بل يعني ألا تتحول طائفة لبنانية كاملة إلى ذراع في مشروع إقليمي، وألا يدفع أبناؤها وحدهم أثمان صراعات لا يملكون قرار بدايتها أو نهايتها.

كان يدرك أن ربط الشيعة بمحور خارجي يؤدي في النهاية إلى عزلهم عن شركائهم، وإلى إثارة المخاوف حولهم، وإلى تحويلهم من جماعة وطنية متنوعة إلى كتلة سياسية وعسكرية مغلقة.

وكان يدرك أيضاً أن المسؤولية لا تقع على الشيعة وحدهم. فالدولة التي تهمش مواطنيها، والنظام الطائفي الذي يحرمهم من العدالة، والطبقة السياسية التي تتقاسم المؤسسات، كلها تفتح الأبواب أمام الجماعات للبحث عن حماية خارجية.

لذلك لا تكتمل لبننة الشيعة إلا بلبننة الدولة نفسها، أي بتحويلها إلى دولة مواطنة وعدالة ومساواة، لا دولة حصص بين زعماء الطوائف.

نقد الشيعة من داخل البيت الشيعي

تكمن أهمية هاني فحص في أنه مارس النقد من داخل البيئة الشيعية، لا من موقع الكراهية أو الخصومة معها. كان يحمل هموم الشيعة ويدافع عن حقوقهم، لكنه رفض أن تتحول مظلوميتهم التاريخية إلى مبرر لإنتاج ظلم جديد أو لإلغاء الآخرين.

لم يتنكر لانتمائه، ولم يستخدم نقده وسيلة لاسترضاء خصوم الشيعة. كان نقده تعبيراً عن خوفه على طائفته من الاختزال، وعن إيمانه بأن التعدد داخل الجماعة حق لا يقل أهمية عن التعدد بين الجماعات.

رفض أن يحتكر حزب واحد تمثيل الشيعة، أو أن تصبح المعارضة داخل البيئة الشيعية خيانة، أو أن يُقاس إخلاص الفرد لطائفته بمدى طاعته لقيادتها السياسية.

كان يريد فضاءً شيعياً مدنياً وديمقراطياً متنوعاً يضم المؤمن والعلماني، واليساري والليبرالي والقومي، والمقاوم والناقد، من دون تخوين أو إقصاء.

لم تكن دعوته إلى تحرير الشيعة من الهيمنة السياسية دعوة إلى إضعافهم، بل إلى تقويتهم كمواطنين أحرار يمتلكون حق السؤال والاختيار والمحاسبة.

الدولة المدنية من أجل الدين والدنيا

كان هاني فحص واضحاً في دفاعه عن الدولة المدنية، ولم يرَ فيها عداءً للدين. بل كان يعتقد أن الدولة المدنية تحمي الدين من السلطة، وتحمي الدولة من احتكار رجال الدين، وتحمي المواطنين من التمييز على أساس العقيدة أو المذهب.

وفي كتابه «على مسؤوليتي»، وفي الندوات التي ناقشت أفكاره، دافع عن دولة مدنية تحمي الدين والمدنية معاً، لأن الدولة التي تنتج ديناً رسمياً، والدين الذي يسعى إلى احتكار الدولة، يعرضان الدولة والدين معاً للخراب.[6]

فالدولة الدينية، في نظره، لا تحمي الإيمان، بل تنتج ديناً رسمياً مرتبطاً بمصالح السلطة، وتحول الاعتراض السياسي إلى خروج على العقيدة، وتمنح الحاكم أو الحزب سلطة التحدث باسم المقدس.

كان يريد دولة مدنية لا تعادي الدين، وديناً أخلاقياً لا يسعى إلى ابتلاع الدولة. فالإيمان يكون أكثر صدقاً عندما يصدر عن حرية الضمير، لا عن الخوف من القانون أو سلطة المؤسسة الدينية.

علمانية تمر بالإسلام والمسيحية

لم يدعُ هاني فحص إلى استيراد نموذج جاهز للعلمانية، ولم ينظر إلى الدين باعتباره عقبة ينبغي اقتلاعها من المجتمع. كان يطرح البحث عن علمانية عربية ولبنانية تتشكل من داخل التاريخ والثقافة والتعددية المحلية.

كان يرى أن الفصل بين الدين والدولة لا ينبغي أن يتحول إلى قطيعة عدائية مع إيمان الناس، بل إلى نظام يحمي حرية الاعتقاد ويمنع احتكار السلطة باسم الله.

أدرك أن العلمانية التي تهين المؤمنين لن تبني مجتمعاً حراً، كما أن الدولة الدينية التي تقصي المختلف لن تبني مجتمعاً مؤمناً. لذلك بحث عن صيغة تصالح بين الحرية والإيمان، وتضع الإنسان وكرامته في مركز الحياة العامة.

التشيع أخلاق للعدل لا أداة للسلطة

كان هاني فحص يرى في التشيع ذاكرة للاحتجاج على الظلم والانحياز إلى العدالة، لكنه رفض تحويل هذه الذاكرة إلى وسيلة لاحتكار الحقيقة أو السلطة.

فالحسين عنده لم يكن شعاراً حزبياً لتعبئة الناس خلف مشروع سياسي، بل قيمة أخلاقية تتجسد في رفض الاستبداد والانتصار للمظلوم. ومظلومية التاريخ لا تمنح أحداً حق الاستبداد في الحاضر.

كان يؤمن بأن الدين الذي لا ينتج رحمة وعدالة وحرية يفقد معناه، وأن رجل الدين لا ينبغي أن يكون حارساً لحدود الطائفة، بل شاهداً أخلاقياً على السلطة والمجتمع.

وقد تناول المفكر العراقي عبد الجبار الرفاعي هذه السمة في شخصية هاني فحص، مقدماً إياه بوصفه رجل دين منفتحاً على المدنية، ومثقفاً لم تمنعه روحانيته من التفكير الحر وطرح الأسئلة المقلقة.[7]

رسالته المفتوحة إلى حزب الله: نقد المحب لا شماتة الخصم

في الرابع من آب 2014، وقبل رحيله بنحو ستة أسابيع، نشرت صحيفة «الراي» الكويتية رسالة السيد هاني فحص المفتوحة إلى حزب الله. كانت الرسالة واحدة من أكثر نصوصه السياسية صراحة وألماً، وبدت أشبه بوصية أخيرة إلى الحزب وإلى البيئة الشيعية التي خشي عليها من العزلة والاستنزاف.[8]

لم يكتب فحص من موقع عداوة للشيعة أو شماتة بالمقاومة، بل من موقع رجل عرف الحزب وبيئته، وقدّر التضحيات التي قدمت في مواجهة الاحتلال، لكنه رأى أن القوة العسكرية لا تعفي صاحبها من النقد والمراجعة والمحاسبة.

كان يخشى أن تتحول المقاومة من وسيلة للدفاع عن الوطن إلى مشروع سلطة يتجاوز الدولة وشركاء الوطن، وأن تقود الثقة المفرطة بالقوة إلى الاعتقاد بإمكان اتخاذ القرارات الكبرى منفرداً.

ولذلك خاطب الحزب قائلاً:

«تريدون أن تذهبوا إلى الجنة وحدكم! فهل تصلون؟ أشك».[8]

لم يكن يتحدث عن الجنة الدينية بالمعنى الضيق، بل عن وهم الخلاص المنفرد: أن يستطيع حزب واحد أن يحدد وحده طريق الوطن والطائفة، وأن يبلغ غايته من دون بقية اللبنانيين ومن دون الاعتراف بحقهم في المشاركة والاعتراض.

وانتقد تدخل حزب الله في سوريا، ورأى فيه انتقالاً خطيراً من مقاومة الاحتلال الإسرائيلي إلى القتال في نزاع داخلي عربي دفاعاً عن النظام السوري، واختصر هذا التحول بقوله:

«انصرفتم من حيفا إلى القصير».[8]

في هذه الكلمات القليلة لخّص انقلاب الأولويات كما رآه: من مواجهة الاحتلال في فلسطين ولبنان إلى الدخول في الحرب السورية، ومن مقاومة حظيت بتعاطف عربي واسع إلى قوة أصبحت طرفاً في صراع إقليمي ومذهبي عميق.

كما طالب الحزب بأن يقدم دليلاً على قدرة عقله السياسي على الموازنة بين المصالح والمفاسد في لبنان وسوريا والعراق. فامتلاك القوة لا يكفي، والانتصار العسكري في معركة جزئية قد ينتج هزيمة سياسية وأخلاقية ووطنية أوسع.

دعا حزب الله إلى العودة إلى لبنان وجبل عامل، وإلى المشاركة في بناء دولة الجميع، لأن المقاومة التي لا تصب تضحياتها في مشروع الدولة قد تتحول مع الزمن إلى قوة فوق المجتمع، وتضعف الوطن الذي يفترض أنها تدافع عنه.

لم تكن الرسالة إدانة للمقاومة بوصفها فعلاً مشروعاً في مواجهة الاحتلال، بل محاولة للفصل بين المقاومة والهيمنة، وبين الدفاع عن لبنان وتحويله إلى منصة لصراعات الإقليم، وبين حماية الشيعة وتحويلهم إلى جمهور ملزم بقرار سياسي وعسكري واحد.

الحرب السورية: التحذير الذي تحقق

لم يكن اعتراض هاني فحص على تدخل حزب الله في سوريا خلافاً تقنياً حول إدارة معركة عسكرية، بل اعتراضاً عميقاً على انتقال الحزب من وظيفة لبنانية معلنة، هي مقاومة الاحتلال الإسرائيلي، إلى وظيفة إقليمية مرتبطة بالدفاع عن النظام السوري ومحور تقوده إيران.

دخل مقاتلو حزب الله الحرب السورية بصورة واسعة إلى جانب قوات النظام، ولا سيما في معركة القصير سنة 2013. وأسهم هذا التدخل في نقل آثار الحرب السورية إلى الداخل اللبناني، وتعميق التوتر المذهبي، وتعريض مناطق لبنانية لهجمات وتفجيرات مرتبطة بالصراع السوري.[9]

كان هاني فحص يرى أن الحزب امتلك من المكانة والتأثير ما كان يمكنه من الدفع نحو تسوية سياسية، أو على الأقل تجنب التحول إلى طرف مباشر في الحرب، لكنه اختار المشاركة العسكرية، فربط الطائفة الشيعية اللبنانية بصراع لم يكن لبنان قادراً على تحمل نتائجه.

لم يكن دفاعه عن الشعب السوري عداءً للشيعة أو تقرباً من خصومهم، بل انسجاماً مع فكره الذي رفض أن تصبح المظلومية التاريخية ذريعة للوقوف إلى جانب الاستبداد في الحاضر.

حرب الإسناد وقرار الحرب المنفرد

في الثامن من تشرين الأول 2023، بدأ حزب الله شن هجمات عبر الحدود تحت عنوان إسناد غزة، وردت إسرائيل بقصف متصاعد على الأراضي اللبنانية. واستمرت المواجهات قبل أن تتحول سنة 2024 إلى حرب واسعة أوقعت أعداداً كبيرة من القتلى والجرحى، ودفعت مئات الآلاف إلى النزوح، وألحقت دماراً واسعاً بقرى الجنوب والضاحية الجنوبية والبقاع.[10]

لا يمكن تجاهل مسؤولية إسرائيل المباشرة عن القتل والتدمير واستهداف المدنيين والبنى الصحية والمدنية. وإدانة قرار حزب الله المنفرد لا تعني تبرئة إسرائيل من عدوانها أو إنكار حق اللبنانيين في الدفاع عن أرضهم.

لكن إدانة العدوان الإسرائيلي لا تلغي السؤال الوطني اللبناني: من يمتلك قرار الحرب والسلم؟ وهل يحق لحزب واحد، مهما كانت قوته أو تضحياته، أن يفتح جبهة باسم لبنان كله من دون قرار من الحكومة أو مجلس النواب أو المؤسسات الشرعية؟

لقد قرر الحزب فتح الجبهة، لكن الشعب اللبناني كله دفع الثمن. نزح الجنوبي من قريته، وخسر اللبناني بيته وعمله، وتضرر الاقتصاد، واتسعت الهجرة، بينما ظلت الدولة عاجزة عن التحكم في مسار الحرب أو إنهائها.

هنا تحديداً يصبح فكر هاني فحص ضرورياً؛ لأنه لم يكن يفصل بين عدالة القضية وبين مسؤولية الوسيلة، ولم يكن يقبل بأن تتحول فلسطين إلى ذريعة لإلغاء لبنان أو مصادرة حق شعبه في تقرير مصيره.

ماذا لو كان السيد هاني بيننا؟

لا يستطيع أحد أن يتحدث باسم الراحلين أو ينسب إليهم كلاماً لم يقولوه. لكن من يقرأ رسالة هاني فحص الأخيرة ومجمل كتبه ومواقفه يستطيع أن يستنتج الاتجاه الأخلاقي والسياسي الذي كان سيقف فيه أمام ما جرى لاحقاً.

لو كان السيد هاني بيننا اليوم، لرأى أن التحذيرات التي أطلقها لم تكن مبالغة. فالحزب الذي انصرف من حيفا إلى القصير لم يعد من سوريا إلى الدولة، بل توسع دوره الإقليمي، فيما بقي لبنان يدفع أثمان قرارات الحرب والسلم التي لم تتخذها مؤسساته الدستورية.

كان سيسأل حزب الله عن مسؤوليته في توريط لبنان في حربين: الأولى حين دخل الحرب السورية وربط أمن لبنان بصراع إقليمي مدمر، والثانية حين فتح جبهة الجنوب في تشرين الأول 2023 من دون قرار وطني جامع.

وربما كان سيقول للحزب: لا يجوز أن تجعلوا من محبة فلسطين ذريعة لأخذ لبنان كله إلى حرب لم يقررها، ولا أن تجعلوا من دماء أهل غزة غطاءً لربط الجنوب بحسابات محور إقليمي. ففلسطين قضية عدالة، وليست تفويضاً مفتوحاً لأي حزب كي يقرر منفرداً مصير وطن بأكمله.

وكان سيسأل: ماذا ربح الشيعة من هذه الحروب؟ هل أصبحت قراهم أكثر أمناً؟ هل أصبحت الدولة أقوى؟ هل بقي أبناؤهم في أرضهم، أم دفعوا أثمان النزوح والقتل والدمار والهجرة والعزلة السياسية؟

كان سيذكّر الحزب بأن الشيعة ليسوا وقوداً لحروب دائمة، وأن دماءهم ليست ملكاً لتنظيم أو محور، وأن أبناء الجنوب والبقاع يستحقون المدارس والمستشفيات وفرص العمل والاستقرار بقدر ما يستحقون الكرامة والدفاع عن الأرض.

وكان سيحذّر من أن تحويل الطائفة إلى جماعة عسكرية دائمة يجعلها رهينة للسلاح، ويمنعها من استعادة تنوعها السياسي والثقافي، ويقنع الآخرين خطأً بأن كل شيعي مسؤول عن قرارات الحزب.

وكان سيدعو حزب الله إلى مراجعة تاريخية شجاعة، لا إلى الاستسلام لإسرائيل أو التخلي عن حقوق لبنان. فالمراجعة ليست هزيمة، والعودة إلى الدولة ليست خيانة، ووضع قرار الحرب والسلم في يد المؤسسات الشرعية ليس تنازلاً عن السيادة، بل استعادة لها.

وكان سيطالب بالفصل بين الطائفة والسلاح، وبين التشيع والمشروع السياسي الإيراني، وبين الدفاع عن لبنان والقتال في ساحات الآخرين.

هذه ليست كلمات أنسبها إليه، بل قراءة في ضوء رسالته الأخيرة ومشروعه الفكري. فقد أمضى سنواته الأخيرة محذراً من اختزال الشيعة في حزب، ومن اختزال المقاومة في سلاح، ومن اختزال الوطن في ساحة، ومن اختزال الدين في سلطة.

من المقاومة إلى مشروع الدولة

لم يكن هاني فحص ضد مقاومة الاحتلال، ولم ينكر تضحيات أبناء الجنوب، لكنه كان يميز بين المقاومة بوصفها حقاً وطنياً، وبين تحويلها إلى نظام سياسي واجتماعي موازٍ للدولة.

كان يرى أن المقاومة تبلغ معناها الكامل عندما تصب تضحياتها في بناء الدولة واستعادة سيادتها، لا عندما تصبح بديلاً دائماً عنها. فالسلاح الذي لا يجد طريقه في النهاية إلى مؤسسة وطنية يتحول، مهما كانت نيات حامليه، إلى مصدر اختلال في الشراكة الداخلية.

تحرير الأرض لا يكتمل من دون تحرير الدولة من العجز، وحماية الحدود لا تنفصل عن حماية الدستور، وقوة الطائفة لا تقاس بما تملكه من سلاح، بل بمقدار ما يشعر أبناؤها بالأمان والمساواة داخل وطنهم.

فالشيعة لا يحتاجون إلى دولة داخل الدولة، بل إلى دولة عادلة يشعرون بأنها دولتهم. ولا يحتاجون إلى حماية دائمة من شركائهم، بل إلى شراكة تزيل الخوف المتبادل. ولا يحتاجون إلى عزل أنفسهم وراء السلاح، بل إلى استعادة تنوعهم الفكري والسياسي والثقافي.

الإمامان الصدر وشمس الدين في ذاكرته

تأثر هاني فحص بتجربتي الإمام موسى الصدر والإمام محمد مهدي شمس الدين، ورأى فيهما مشروعين مهمين لإدماج الشيعة في الدولة اللبنانية وفي المجال العربي العام.

تناول التجربتين في كتابه «الإمامان الصدر وشمس الدين: ذاكرة لغدنا»، فلم يتعامل معهما بوصفهما شخصيتين من الماضي، بل بوصفهما مصدرين للأسئلة المتعلقة بموقع الشيعة في الدولة، وحدود العلاقة بين الدين والسياسة، ومعنى المواطنة والشراكة.[11]

وكان قريباً من الإمام محمد مهدي شمس الدين، الذي دعا الشيعة إلى الاندماج الكامل في أوطانهم، ورفض إقامة مشروعات سياسية خاصة بهم خارج الدولة الوطنية.

التقى فكر هاني فحص مع هذه الرؤية؛ لأن مستقبل الشيعة، في نظره، لا يصنع في دولة مذهبية عابرة للحدود، بل في أوطانهم التي ينبغي إصلاحها والدفاع عنها وبناؤها على أساس المواطنة.

أبرز كتبه ومؤلفاته

ترك السيد هاني فحص عدداً من المؤلفات التي توزعت بين الفكر السياسي والديني والسيرة والذاكرة والحوار والأدب.

يعد كتابه «الشيعة والدولة في لبنان: ملامح في الرؤية والذاكرة»، الصادر عن دار الأندلس سنة 1996، من أبرز أعماله الفكرية، إذ تناول فيه علاقة الشيعة اللبنانيين بالدولة والمؤسسات والحركات السياسية، وناقش إشكالية الديني والسياسي.[4]

أما مشروع «ماضٍ لا يمضي»، فهو كتابة في السيرة والذاكرة استعاد من خلالها مراحل من حياته وتكوينه بين جبل عامل والنجف ولبنان وفلسطين.

وفي «ذكريات ومكونات عراقية»، تناول أثر العراق والنجف في تكوينه الثقافي والديني والسياسي، كاشفاً عمق صلته بالعراق لا بوصفه مكان دراسة فحسب، بل جزءاً من ذاكرته ووجدانه.

وفي «الإمامان الصدر وشمس الدين: ذاكرة لغدنا»، قرأ تجربتي الإمام موسى الصدر والإمام محمد مهدي شمس الدين من زاوية الدولة والمواطنة وموقع الشيعة في لبنان.

وفي «خطاب القلب»، ظهر الجانب الأدبي والوجداني في شخصيته، حيث تتداخل اللغة الروحية بالتأمل في الإنسان والحب والعلاقات.

كما صدر له كتاب «على مسؤوليتي»، الذي ضم مواقف ومقالات في الدولة المدنية والطائفية والحوار وعلاقة الدين بالسياسة، إضافة إلى أعمال ومحاضرات ومقالات أخرى في الوحدة الإسلامية والهوية والثقافة والذاكرة.

مفكر لا يخاف المراجعة

لم يكن هاني فحص مفكراً يقدم نفسه بوصفه مالكاً للحقيقة النهائية. عاش تجارب سياسية وفكرية متعددة، وانتقل بين مراحل مختلفة، ولم يحاول إخفاء تحولاته أو تناقضاته.

اقترب من الحركة الفلسطينية، وخاض السياسة والانتخابات، وعاش الحرب اللبنانية، ثم انصرف أكثر إلى الحوار والمواطنة والدولة المدنية. لم تكن مراجعاته دليلاً على ضعف، بل تعبيراً عن شجاعة الاعتراف بأن التجربة الإنسانية والفكرية لا تتوقف عند يقين واحد.

كان يرى أن السؤال أكثر حياة من الجواب المغلق، وأن الفكر الذي يخشى المراجعة يتحول إلى عقيدة جامدة. لذلك ظل منفتحاً على الشباب والعلمانيين والمسيحيين واليساريين والقوميين، يناقشهم ويستمع إليهم، ولا يتعامل معهم من موقع الواعظ الذي يمتلك الحقيقة وحده.

صديق الكرد وقضايا الشعوب

لم يكن تعاطف هاني فحص مع الكرد منفصلاً عن رؤيته العامة للإنسان والدولة. فقد كان يدرك أن إنكار الهوية القومية لا يصنع وحدة حقيقية، وأن الدولة التي تبنى على صهر مكوناتها بالقوة تحمل داخلها بذور الصراع.

كان محباً للكرد، قريباً من قضاياهم، متفهماً لآلامهم التاريخية. ولم يكن يحتاج إلى أن يصبح كردياً حتى يدافع عن حقوقهم؛ كان يكفيه أن يكون إنساناً يؤمن بأن العدالة لا تتجزأ.

وجدت فيه أباً روحياً وصديقاً صادقاً لا يتعامل مع الكرد من موقع التعالي أو الشفقة، بل من موقع الشراكة الإنسانية. كان يعرف أن للكرد ثقافة ولغة وذاكرة وتاريخاً، وأن الاعتراف بهم ليس هدية تقدمها الأكثرية، بل حق طبيعي لا يحتاج إلى إذن.

ولهذا كان اللقاء الذي اقترحه مام جلال بداية علاقة تجاوزت السياسة إلى الصداقة والأبوة الروحية، وأكدت لي أن الرجال الكبار لا تقاس قيمتهم بحجم المناصب التي شغلوها، بل بعدد الجسور التي بنوها بين البشر.

لماذا يحتاج لبنان إلى هاني فحص اليوم؟

يحتاج لبنان اليوم إلى فكر هاني فحص لأن الدولة تزداد ضعفاً، والطوائف تزداد خوفاً، والمحاور الخارجية تزداد حضوراً، فيما تتراجع السياسة والمواطنة والحوار.

يحتاجه الشيعة كي يستعيدوا تعددهم، ويخرجوا من الاختزال الذي يصورهم كتلة سياسية وعسكرية واحدة، وكي يعودوا شركاء كاملي الحضور في بناء الدولة، لا جماعة مطالبة دائماً بالاصطفاف خلف قيادة واحدة.

ويحتاجه بقية اللبنانيين لأن خطابه كان يطمئن الجميع من دون أن يطلب من أحد التخلي عن هويته أو ذاكرته.

ويحتاجه رجال الدين لأن تجربته تثبت أن رجل الدين يستطيع أن يكون حارساً للحرية لا موظفاً عند السلطة، وجسراً بين الناس لا حارساً لخنادق الطوائف.

ويحتاجه المثقفون لأنه لم ينظر إلى الدين باعتباره عدواً للتنوير، بل حاول اكتشاف إمكانات الحرية والتعدد والعدالة من داخل التراث الديني نفسه.

ويحتاجه حزب الله، ربما أكثر من غيره، لأن الحزب لم يعد في حاجة إلى من يمدحه أو يكرر خطابه، بل إلى من يجرؤ على مساءلته من داخل البيئة التي يهيمن على تمثيلها، ويذكره بأن الدماء والتضحيات لا تمنح أحداً عصمة سياسية ولا حقاً دائماً في تقرير مصير الوطن.

الغائب الحاضر

توفي السيد هاني فحص في بيروت يوم 18 أيلول 2014، عن ثمانية وستين عاماً، بعد معاناة مع المرض. ونقل جثمانه إلى بلدته جبشيت، حيث شاركت في وداعه شخصيات دينية وسياسية وفكرية من طوائف واتجاهات متعددة.[2]

رحل هاني فحص جسداً، لكنه ترك للبنان والمنطقة مجموعة من الأسئلة التي ما زالت حاضرة: كيف يحافظ الإنسان على هويته من دون أن يحولها إلى سجن؟ كيف يكون الشيعي وفياً لتشيعه من دون أن يصبح تابعاً لمشروع مذهبي عابر للحدود؟ كيف يبقى الدين قوة أخلاقية من دون أن يتحول إلى سلطة سياسية؟ وكيف تبنى دولة مدنية لا تعادي الإيمان، ومجتمع مؤمن لا يعادي الحرية؟

استعادة هاني فحص اليوم ليست احتفاءً بشخصية من الماضي، بل بحث عن إمكانية مستقبل مختلف؛ مستقبل يكون فيه الشيعة في قلب لبنان، شركاء في دولته لا بديلاً عنها، ويكون فيه جميع اللبنانيين مواطنين متساوين، ويكون فيه رجل الدين صوتاً للضمير لا أداة للسلطة.

لقد حاول هاني فحص أن يثبت أن الإنسان يستطيع أن يكون عاملياً ونجفياً، لبنانياً وعربياً، مسلماً وشيعياً وإنسانياً في الوقت نفسه، من دون أن تلغي هويةٌ هويةً أخرى.

وربما تكمن وصيته الأعمق في أن قوة لبنان لا تكون بانتصار طائفة على أخرى، ولا بامتلاك جماعة سلاحاً يفوق قوة شركائها، بل بأن يشعر كل مواطن أن الدولة دولته، وأن وطنه لا يطلب منه التخلي عن إيمانه، بل أن يجعل من هذا الإيمان طريقاً إلى الآخر، لا جداراً في وجهه.

ولو كان السيد هاني بيننا اليوم، لربما قال لحزب الله، بالصرامة المحبة نفسها التي كتب بها رسالته الأخيرة: عودوا إلى لبنان قبل أن يضيع لبنان، وعودوا إلى الشيعة قبل أن تجعلوا منهم وقوداً دائماً لحروب المحاور، وعودوا إلى الدولة قبل أن تصبح قوتكم سبباً في ضعف الوطن الذي تقولون إنكم تحمونه.

المراجع

[1] هاني فحص، «ماضٍ لا يمضي: ذكريات ومكونات عراقية»؛ وثناء عطوي، «حوار مع سماحة العلامة هاني فحص: أحوال خاصة في تحولات عامة»، مؤسسة مؤمنون بلا حدود، 19 كانون الأول 2013.

[2] موسوعة الجزيرة، «هاني فحص»، 15 كانون الأول 2014؛ والجزيرة، «رحيل العلامة اللبناني هاني فحص»، 18 أيلول 2014.

[3] «السيد هاني: الآخر… أنا»، ضمن المواد التعريفية والتأبينية المنشورة عن هاني فحص عقب وفاته، صحيفة الأخبار، 19 أيلول 2014.

[4] هاني فحص، «الشيعة والدولة في لبنان: ملامح في الرؤية والذاكرة»، تقديم نبيه بري، الطبعة الأولى، دار الأندلس للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، 1996.

[5] «السيد هاني فحص: حزب الله حوّل الطائفة الشيعية ريعية»، حوار مع صحيفة «الراي» الكويتية، 12 شباط 2012.

[6] هاني فحص، «على مسؤوليتي»؛ والندوة المخصصة لمناقشة الكتاب، بيروت، 2014.

[7] عبد الجبار الرفاعي، مقالات ودراسات في شخصية هاني فحص وفكره الديني والمدني.

[8] هاني فحص، «من السيد هاني فحص إلى حزب الله»، صحيفة «الراي» الكويتية، 4 آب 2014، وأعيد نشر الرسالة في صحف ومواقع لبنانية وعربية.

[9] وكالة رويترز، تقاريرها عن مشاركة حزب الله في الحرب السورية وتداعياتها على لبنان، 2013–2014.

[10] مجلس الأمن الدولي، تقارير الأمين العام عن تنفيذ القرار 1701، سنة 2024؛ ومكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، تقارير الضحايا والنازحين في لبنان، 2024؛ وهيومن رايتس ووتش، «التقرير العالمي 2025: لبنان».

[11] هاني فحص، «الإمامان الصدر وشمس الدين: ذاكرة لغدنا».

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

ماركس وباكونين: الصراع الذي شقّ الثورة إلى طريقين!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد من الأممية الأولى إلى مؤتمر لاهاي: من كان أقرب...

هالة نهرا ووجدي أبو ذياب في عملٍ إبداعيّ: من سلوفينيا إلى العالم!

أخباركم - أخبارنا تجلببتْ قصيدة «يا ضوء الأضواء» للشاعرة اللبنانية والعربية هالة نهرا، من...

اليسار الفلسطيني أمام مرآة الحقيقة: أزمة المشروع أم أزمة الاستقلال السياسي؟

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد ردّ على مقالة «اليسار الفلسطيني أمام لحظة الحقيقة.. من...

الحجّاج والسفّاح: هل يعيد التاريخ إنتاج وجهي السلطة؟

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد يصعب فهم الحجّاج بن يوسف الثقفي وأبي العباس السفّاح...

More like this

اليسار الفلسطيني أمام مرآة الحقيقة: أزمة المشروع أم أزمة الاستقلال السياسي؟

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد ردّ على مقالة «اليسار الفلسطيني أمام لحظة الحقيقة.. من...

الحجّاج والسفّاح: هل يعيد التاريخ إنتاج وجهي السلطة؟

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد يصعب فهم الحجّاج بن يوسف الثقفي وأبي العباس السفّاح...

تلازم السيادة والحل السياسي: تفكيك فخ الترتيبات الأمنية في التفاوض اللبناني!

أخباركم - أخبارنا/ أكرم محمود تقف الدولة اللبنانية عند مفترق طرق تاريخي في إدارتها لملف...