أخباركم – أخبارنا/أكرم محمود
مقدمة: لقاء العقلانية بالمادية
في تاريخ الفكر الفلسفي، نادراً ما نجد تقاطعاً مثيراً كالذي يربط بين باروخ سبينوزا، فيلسوف القرن السابع عشر الذي عاش يطحن العدسات في أمستردام، وكارل ماركس، نبي الثورة في القرن التاسع عشر. ورغم الفارق الزمني، فإن ماركس الشاب فُتن بسبينوزا؛ فكلاهما انطلق من رغبة عارمة في تحطيم الثنائيات التقليدية (الروح والمادة، الله والعالم). لكن بينما اتجه سبينوزا نحو صياغة “هندسة أزلية للكون” يتصالح فيها الإنسان مع الضرورة الطبيعية، اتجه ماركس نحو صياغة “ديناميكية صراعية” تهدف إلى قلب الواقع المادي عبر الثورة. واليوم، ونحن نتأمل مآلات التكنولوجيا والعلم الحديث ومصائر الإمبراطوريات الأيديولوجية، يبدو أن فلسفة سبينوزا قد حققت انتصاراً صامتاً وحاسماً على اندفاعة ماركس الثورية.
أولاً: التلاقي المفهومي (أحادية الجوهر ونقد الميتافيزيقيا)
يلتقي الفيلسوفان في نقطة انطلاق مادية وجريئة؛ إذ ألغى سبينوزا ثنائية رينيه ديكارت (العقل المنفصل عن الجسد) وأعلن “أحادية الجوهر” في معادلته الشهيرة: الله أو الطبيعة. الوجود عنده نسيج واحد، وما الأفكار والأجسام إلا صفات لجوهر واحد.
ماركس تلقف هذه “الواحدية” وأنزلها من تجريدها الميتافيزيقي ليعيد صياغتها في “المادية الجدلية والتاريخية”. لا يوجد عالم غيبي محرك للتاريخ عند ماركس، بل إن الوعي البشري والأفكار والمنظومات الثقافية ليست سوى انعكاس للبنية المادية والظروف الاقتصادية الملموسة.
على صعيد نقد الدين، تلاقى الفيلسوفان؛ فبينما פירק سبينوزا النصوص الدينية واعتبر الخوف والجهل منبع الخرافة وأداة الطغاة لإخضاع الشعوب “لتقاتل من أجل عبوديتها”، صاغ ماركس العبارة الشهيرة “الدين أفيون الشعوب”، معتبراً إياه أداة تخدير وعزاء للطبقات المسحوقة تمنعها من الثورة وتخدم مصالح الطبقة الحاكمة.
ثانياً: الحتمية الكونية مقابل الحتمية التاريخية
يتشابه الرجلان في إقصائهما الشديد لمفهوم “الإرادة الحرة” التقليدي، لكنهما يختلفان في مسرح هذه الحتمية:
- حتمية سبينوزا: هندسية، صارمة، وأزلية. الكون يسير وفق قوانين رياضية وطبيعية لا تحيد، والإنسان خاضع تماماً لهذه الآلية. حرية الإنسان عنده لا تعني القدرة على خرق القوانين، بل هي “وعي هذه الضرورة” واستيعاب مكاننا الصغير في الكون للوصول إلى السلام الداخلي (الحب العقلي لله).
- حتمية ماركس: تاريخية واجتماعية. التاريخ البشري يتحرك حتماً وفق “قوانين حركة المجتمع” عبر جدلية الصراع الطبقي وتطور أدوات الإنتاج (من العبودية إلى الإقطاع، فالرأسمالية، وصولاً إلى المجتمع المشاعي).
ثالثاً: كيف فشل ماركس في ابتكار “فيزياء مغايرة” لطبيعة الأشياء؟
هنا تكمن نقطة الانكسار الجوهرية في المشروع الماركسي. لقد أراد كارل ماركس أن يقفز بفلسفته من فضاء “تفسير العالم” إلى فضاء “تغييره بالثورة”. وفي سبيل ذلك، افترض ماركس -ضمنياً- إمكانية صياغة “فيزياء اجتماعية وسياسية مغايرة” ؛ فيزياء قادرة على إلغاء طبائع وقوانين بشرية واقتصادية راسخة عبر الفعل الثوري العنيف والمنظم للبروليتاريا.
أراد ماركس صهر الطبيعة الإنسانية في قالب أيديولوجي يمحو الأنانية، والتنافس، والنزوع الفردي للتملك، معتبراً هذه الصفات مجرد “إفرازات ثانوية للنظام الرأسمالي” ستزول بزواله. لكن ما حدث في القرن العشرين كان اصطداماً مروعاً بـ “فيزياء الطبيعة البشرية” الحقيقية. عندما حاولت الأنظمة الشمولية (كالاتحاد السوفيتي) قسر المجتمعات على هندسة ماركس الطوباوية، تحولت إلى استبداد خانق انتهى بالانهيار المادي والافتصادي.
لقد فشل ماركس في ابتكار “فيزياء بديلة” لأن القوانين التي تحكم النفس البشرية، وآليات السوق العفوية، ونوازع الفرد، تبين أنها ليست مجرد مظاهر عابرة للنظام الاقتصادي، بل هي أقرب إلى قوانين الطبيعة السبينوزية: ثابتة، حتمية، وعصية على الإلغاء بالسلاح أو المراسيم الثورية. لا يمكنك إلغاء “الجاذبية” بالتمرد عليها، بل يمكنك فقط فهمها وهندسة الأدوات للتكيف معها.
رابعاً: انتصار سبينوزا الصامت في عصر العلم الحديث
في المحصلة، يبدو أن التاريخ قد انحنى أمام رؤية سبينوزا. فالتحرر الذي بشر به ماركس عبر الثورة المسلحة الجماعية غالباً ما انتهى باستبدال طبقة حاكمة بأخرى واستبداد بآخر. في المقابل، تحقق نبوءة سبينوزا في مختبرات العلم الحديث:
- في بيولوجيا الإنسان: أثبتت علوم الجينات وأبحاث الدماغ وعلم النفس العصبي أن خياراتنا ورغباتنا محكومة بآليات كيميائية وبيولوجية معقدة، مما يؤكد مقولة سبينوزا بأن أوهام الحرية تنبع من جهلنا بالأسباب الكامنة وراء أفعالنا.
- في فيزياء الكون: الرؤية العلمية المعاصرة -التي يمثلها أينشتاين المفتون بإله سبينوزا- ترى الوجود كتناغم كوني محكوم بقوانين رياضية صارمة لا غاية بشرية فيها، وليست مسرحاً لغايات غيبية أو لتغييرات إرادية خارقة.
خاتمة: انحناء التاريخ لطبيعة الأشياء
لقد كانت اندفاعة ماركس لتغيير العالم صرخة إنسانية نبيلة ضد الظلم والاستغلال، لكنها تأسست على وهم إمكانية قهر القوانين الحتمية للواقع وطبيعة البشر. أما سبينوزا، فقد جلس يراقب بصبر هندسة الوجود، مدركاً أن التحرر الحقيقي ليس هدم الكيان الخارجي، بل هو فعل داخلي عقلاني يبدأ بفهم قوانين الطبيعة والانسجام معها. وفي نهاية المطاف، انكسرت أمواج الثورة الماركسية الصاخبة على صخرة الواقع، بينما بقي بناء سبينوزا الهندسي قائماً، شاهداً على أن قوانين الطبيعة هي القدر الحقيقي للبشر.



