السبت, أغسطس 15, 2026
25.2 C
Beirut

ثلاث جلسات مع شيخ المناضلين عبدالله حسن زاده: عندما يتحول الحوار إلى مدرسة في السياسة والحكمة

نشرت في

أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد

ليست كل الجلسات السياسية متشابهة. هناك لقاءات تنتهي بانتهاء فنجان القهوة، وهناك لقاءات تبقى كلماتها تتردد في الذاكرة سنوات طويلة لأنها لا تنقل معلومات فحسب، بل تنقل تجربة عمر كامل من النضال والمنفى والمواجهة والخسارات والأمل.

هكذا كانت ثلاث جلسات عصف فكري مكثفة جمعتني بشيخ المناضلين الكرد الإيرانيين، الأستاذ عبدالله حسن زاده، السكرتير السابق للحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني، أحد الرجال الذين عاشوا تفاصيل الصراع مع الجمهورية الإسلامية منذ قيامها، ودفعوا أثماناً شخصية وسياسية باهظة دفاعاً عن قضية شعبهم.

لم يكن يتحدث بوصفه سياسياً يكرر المواقف الحزبية، بل بوصفه رجلاً اختبر الحرب والسلام، والانتصارات والانكسارات، وعرف أن القرار الخاطئ قد يكلّف شعباً بأكمله مستقبله.

تحييد المدنيين… قبل أي حساب سياسي

من أكثر الملفات حساسية التي ناقشناها، كان مستقبل الكرد الإيرانيين الموجودين في إقليم كردستان العراق، وبينهم أعداد كبيرة يتمتعون بالحماية الدولية عبر المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.

تحدثنا مطولاً عن احتمالات تعرض حكومة إقليم كردستان لضغوط إيرانية لإبعاد هؤلاء في ظل التطورات الإقليمية.

ولحساسية الموضوع، ولأن بعض النقاشات يجب أن تبقى في إطار المسؤولية لا الإعلام، سأكتفي بجملة واحدة تلخص جوهر ما دار:

“تحييد المدنيين عن الصراع العسكري والسياسي.”

أما بقية التفاصيل، فسأحتفظ بها احتراماً لحساسيتها، ولأن بعض المعلومات تكون مسؤولية قبل أن تكون مادة للنشر.

هل يسقط النظام الإيراني؟

سألت الرجل الذي قضى معظم حياته في مواجهة النظام الإيراني سؤالاً مباشراً:

هل ترى سقوط النظام قريباً؟

جاء الجواب هادئاً، خالياً من العاطفة التي قد يتوقعها البعض.

قال إنه لا يرى سقوط النظام قريباً، رغم أنه يتمنى ذلك.

لم يكن هذا تشاؤماً، بل قراءة سياسية لرجل يعرف طبيعة الدولة الإيرانية، وتركيبة مؤسساتها الأمنية والعسكرية، وتعقيدات المجتمع الإيراني، وحجم التوازنات الدولية المحيطة بها.

لقد فضّل الواقعية على الأمنيات، وهي سمة تكررت في معظم أجوبته.

وصية أب لابنه

من أكثر اللحظات تأثيراً في تلك الجلسات، عندما تحول الحديث من السياسة إلى أمني الشخصي.

لم يكن يتحدث إليّ كقيادي سياسي، بل كأب يخشى على ابنه.

قال بلهجة حاسمة:

“ابقَ في إيطاليا… حركتك منها أسهل.”

ثم أضاف وهو يستحضر سنوات طويلة من التجربة مع أجهزة النظام الإيراني:

“لا تستخف بإجرام النظام الإيراني.”

كانت الكلمات تخرج من رجل عرف الاغتيالات، والملاحقات، والخداع، ودفع أثماناً باهظة خلال عقود طويلة.

ثم جاءت وصيته الأكثر وضوحاً:

“لا تذهب إلى لبنان بأي ثمن.”

وبرر ذلك بقوله إن وجود الناشطين والمعارضين في الخارج يمنحهم مساحة أكبر لخدمة القضية الكردية، بينما قد يحول وجودهم في بيئات أكثر خطورة إلى عبء على أنفسهم وعلى قضيتهم.

كانت نصيحة تحمل خبرة عمر كامل، لا مجرد رأي عابر.

لماذا لم يقاتل كرد إيران؟

من أكثر المواضيع التي استغرقت وقتاً طويلاً في النقاش، كان السؤال الذي تكرر كثيراً خلال الحرب الأخيرة:

لماذا لم تشارك الأحزاب الكردية الإيرانية في القتال ضد النظام؟

كان جوابه حاسماً.

قال إن عدم المشاركة كان أحد أهم القرارات التي اتخذتها القيادة.

وأضاف بمعنى كلامه:

إن من كان يطالب الكرد بالدخول في الحرب، كان يطالبهم عملياً بالانتحار.

ثم طرح سؤالاً بسيطاً لكنه عميق الدلالة:

إذا كانت الولايات المتحدة، بكل ما تملكه من طائرات وصواريخ وتقنيات عسكرية، لم تتجرأ على خوض حرب برية مباشرة ضد إيران، فكيف يُطلب من مقاتل كردي لا يملك سوى بندقية كلاشنيكوف، ولا يمتلك حتى سيارة مصفحة، أن يهزم نظاماً يملك جيشاً وصواريخ وطائرات وحرساً ثورياً وأجهزة أمنية ضخمة؟

كان يرى أن السياسة ليست بطولة شعرية، بل حساب دقيق لموازين القوى.

درس كرمنشاه عام 1988

ولكي يوضح فكرته، أعاد التذكير بمحاولة دخول قوات منظمة مجاهدي خلق الإيرانية إلى كرمنشاه عام 1988، وهي العملية التي انتهت بهزيمة قاسية بعد أن واجهت القوات الإيرانية في ظروف عسكرية غير متكافئة.

استعاد تلك التجربة ليؤكد أن الحماسة وحدها لا تصنع الانتصارات، وأن تجاهل موازين القوى قد يقود إلى كوارث سياسية وعسكرية.

وقال إن الأحزاب الكردية كانت قد تعرضت خلال السنوات الماضية لضربات قاسية، ولم تكن تملك الإمكانات التي تسمح لها بخوض حرب من هذا النوع.

ولهذا، فإن الامتناع عن المشاركة لم يكن تراجعاً، بل قراراً عقلانياً لحماية ما تبقى من القوة السياسية والعسكرية.

عندما يعرف السياسي حدود معرفته

طرحت عليه أيضاً سؤالاً عن موقف الصين من التطورات.

كان بإمكانه أن يقدم تحليلاً سريعاً، كما يفعل كثيرون.

لكنه فاجأني بإجابة مختلفة.

قال إنه لا يريد إعطاء رأيه في هذا الملف لأنه يتعلق بسياسات دولية عليا، وإن إصدار موقف يحتاج إلى معطيات كاملة لا يمتلكها.

في زمن أصبحت فيه الأحكام القطعية أسهل من البحث، كان هذا الجواب درساً في التواضع العلمي والسياسي.

أحياناً تكون عبارة “لا أملك المعلومات الكافية” أكثر قيمة من عشرات التحليلات التي تبنى على التخمين.

مدرسة في الواقعية السياسية

خرجت من تلك الجلسات وأنا أكثر اقتناعاً بأن القيادة الحقيقية ليست في إطلاق الشعارات، بل في معرفة اللحظة المناسبة للفعل، واللحظة التي يصبح فيها الامتناع عن القتال أكثر شجاعة من القتال نفسه.

تعلمت أن السياسة ليست اندفاعاً عاطفياً، وأن حماية الإنسان قد تكون في أحيان كثيرة أسمى من تحقيق مكسب إعلامي عابر.

وربما كان أهم ما خرجت به من شيخ المناضلين عبدالله حسن زاده، أن القائد الذي عاش الحروب لا يتمنى الحرب، وأن من عرف ثمن الدم لا يوزعه بسهولة، وأن الحكمة التي تصنع المستقبل تبدأ دائماً من سؤال بسيط: هل ما نفعله يخدم شعبنا حقاً، أم يدفعه إلى معركة لا يملك أدواتها؟

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

ماركس وباكونين: الصراع الذي شقّ الثورة إلى طريقين!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد من الأممية الأولى إلى مؤتمر لاهاي: من كان أقرب...

هالة نهرا ووجدي أبو ذياب في عملٍ إبداعيّ: من سلوفينيا إلى العالم!

أخباركم - أخبارنا تجلببتْ قصيدة «يا ضوء الأضواء» للشاعرة اللبنانية والعربية هالة نهرا، من...

اليسار الفلسطيني أمام مرآة الحقيقة: أزمة المشروع أم أزمة الاستقلال السياسي؟

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد ردّ على مقالة «اليسار الفلسطيني أمام لحظة الحقيقة.. من...

الحجّاج والسفّاح: هل يعيد التاريخ إنتاج وجهي السلطة؟

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد يصعب فهم الحجّاج بن يوسف الثقفي وأبي العباس السفّاح...

More like this

من فيصل وبوتو إلى مكة: هل وُلدت المظلة النووية السعودية في السبعينيات وتستعد إسرائيل اليوم لمواجهتها؟

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد هناك سؤال يبدو في ظاهره بسيطاً، لكنه قد يكون مفتاحاً...

نحو شرق أوسط جديد!

أخباركم - أخبارنا/ حنا صالح على مدى الأشهر التي تلت كارثة طوفان الأقصى، زعم...

سلسلة تعيينات باسم خامنئي: هل بدأت عملية إعادة بناء السلطة من داخل السلطة ام نفذ انقلاب ابيض؟

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد ما جرى في إيران خلال الأيام الأخيرة من تعيينات...