أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد
في بيان سياسي مطوّل نشرته صحيفة طريق الشعب، اليومية السياسية التي يصدرها الحزب الشيوعي العراقي، في عددها 133 من السنة الحادية والتسعين، الصادر يوم الأحد 12 تموز 2026، على الصفحتين الثانية والثالثة، قدّمت اللجنة المركزية للحزب قراءة شاملة للأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية في العراق، إلى جانب موقفها من التطورات الإقليمية والدولية، والتحضيرات الجارية لعقد المؤتمر الوطني الثاني عشر للحزب.
وحمل البيان، الصادر عن الاجتماع الاعتيادي للجنة المركزية، عنوانًا يعكس جوهر الرؤية التي يطرحها الحزب للمرحلة المقبلة:
«الشيوعي العراقي: معًا لبناء جبهة شعبية سياسية واسعة لإنهاء المحاصصة والفساد».
لا يكتفي البيان بتشخيص مظاهر الأزمة العراقية، بل يعيدها إلى جذورها السياسية والاقتصادية، معتبرًا أن استمرار منظومة المحاصصة، وسيطرتها على مؤسسات الدولة، وارتباطاتها بالمصالح الفئوية وشبكات النفوذ والفساد، جعلت الإصلاحات الجزئية عاجزة عن إحداث تغيير حقيقي.
الأزمة في المنظومة وليست في تبديل الوجوه
يرى الحزب الشيوعي العراقي أن الأزمة لا تُختزل في ضعف حكومة بعينها، أو في عجز مسؤول أو وزير، بل تكمن في طبيعة النظام السياسي الذي تشكل بعد عام 2003 على أساس المحاصصة وتقاسم مؤسسات الدولة بين القوى المتنفذة.
ويشير البيان إلى أن تشكيل أي حكومة جديدة وفق القواعد والتوازنات ذاتها لن يؤدي إلى نتائج مختلفة؛ لأن القوى التي تتولى إعادة توزيع المناصب هي نفسها التي أنتجت الأزمات المتراكمة، وحمت شبكات الفساد، وحوّلت المؤسسات العامة إلى ساحات للصراع الحزبي والفئوي.
وفي هذا السياق، يؤكد البيان أن التغيير المطلوب لا يمكن أن يتم عبر إعادة ترتيب موازين القوى داخل المنظومة ذاتها، بل من خلال مشروع سياسي يهدف إلى إنهاء نظام المحاصصة وإعادة بناء الدولة على أسس المواطنة والديمقراطية والعدالة الاجتماعية.
ويحذر الحزب من بقاء القرارات السياسية الكبرى خاضعة للتوافق بين القوى المتنفذة بدل خضوعها للدستور والقانون والمصلحة الوطنية، لأن ذلك يعني استمرار تقاسم الدولة بدل بنائها، وإعادة إنتاج الأزمات بدل معالجتها.
الفساد جزء من بنية النظام
يتعامل البيان مع الفساد بوصفه أكثر من مجرد مخالفات فردية أو تجاوزات إدارية. فهو، وفق رؤية الحزب، نتيجة مباشرة لنظام سياسي واقتصادي قائم على تقاسم السلطة والثروة والمناصب والعقود الحكومية.
ولهذا فإن ملاحقة عدد محدود من المتهمين، أو الإعلان عن فتح ملفات فساد متفرقة، لا يمكن أن يحقق إصلاحًا جذريًا ما دامت البيئة السياسية التي أنتجت الفساد ما تزال قائمة.
فالفساد لا يعيش خارج الدولة، بل داخل بنيتها، ويتغذى من ضعف المؤسسات الرقابية، وتسييس القضاء والإدارة، وغياب الشفافية، وتداخل المصالح الحزبية مع المال العام.
ويشدد الحزب على ضرورة استعادة الأموال المنهوبة، ومحاسبة كبار الفاسدين، ومنع الإفلات من العقاب، لكنه يربط ذلك بضرورة تفكيك منظومة المحاصصة التي توفر الحماية السياسية للفساد وتعيد إنتاجه باستمرار.
الاقتصاد الريعي وغياب التنمية
ينتقد البيان استمرار اعتماد الاقتصاد العراقي على العائدات النفطية، في ظل ضعف القطاعات الإنتاجية، ولا سيما الصناعة والزراعة، وتراجع دور الدولة في توفير الخدمات الأساسية والحماية الاجتماعية.
ويحذر من السياسات التي تدفع نحو الخصخصة غير المدروسة وفتح المجال أمام رأس المال المحلي والأجنبي من دون ضوابط تحمي حقوق المواطنين والعاملين.
وجاء في البيان أن التوجه الذي يقدم نفسه بوصفه إصلاحًا اقتصاديًا:
«ليس إصلاحًا فيما هو فيه، بل هو في جوهره ليبرالية متطرفة، وتخلٍّ عن مسؤولية الدولة ودورها الاجتماعي والاقتصادي والإنساني».
ويعكس هذا المقتطف رفض الحزب لتحويل الدولة إلى مجرد جهة تنظيمية تترك الصحة والتعليم والسكن والخدمات الأساسية لقوى السوق والاستثمارات الخاصة، في بلد يعاني نسبة مرتفعة من الفقر والبطالة والتفاوت الاجتماعي.
كما ينتقد البيان توسيع دور القطاع الخاص من دون بناء منظومة قانونية ورقابية تحمي العمال وتضمن الحقوق الاجتماعية، مشيرًا إلى أن الاستثمار يجب أن يكون جزءًا من خطة تنمية وطنية، لا وسيلة إضافية لنقل الثروة العامة إلى أيدي مجموعات محدودة.
العدالة الاجتماعية ليست ملفًا ثانويًا
يمنح البيان مساحة مهمة لمعاناة المواطنين اليومية، ويربطها مباشرة بطبيعة الخيارات السياسية والاقتصادية للسلطة.
فالبطالة، وانخفاض القدرة الشرائية، وتردي الخدمات الصحية والتعليمية، وأزمة السكن، وأوضاع العمال والفلاحين والمتقاعدين، ليست في رأي الحزب مشكلات منفصلة، بل مظاهر لأزمة واحدة عنوانها غياب العدالة الاجتماعية وسوء توزيع الثروة الوطنية.
ويؤكد البيان أن الإصلاح الاقتصادي الحقيقي لا يقاس بزيادة العائدات أو أرقام النمو المجردة، بل بمدى انعكاسه على حياة الناس، وقدرته على توفير العمل والسكن والتعليم والعلاج والضمان الاجتماعي.
ومن هنا يربط الحزب بين الديمقراطية السياسية والديمقراطية الاجتماعية، معتبرًا أن الانتخابات وحدها لا تكفي إن بقيت الثروة مركزة في أيدي قلة، وإن ظل ملايين المواطنين محرومين من أبسط حقوقهم.
الحقوق والحريات العامة
يتوقف البيان عند ضرورة حماية الحريات العامة وحقوق المواطنين، وينتقد محاولات التضييق على حرية التعبير والتظاهر والعمل النقابي والسياسي.
ويشير إلى أهمية رفض أي تشريعات أو إجراءات تمس الحقوق الدستورية أو تفرض قيودًا على النشاط العام، مؤكدًا أن الدولة الديمقراطية لا تُبنى بالقمع أو بتخويف المواطنين، بل باحترام القانون وضمان حرية التنظيم والمشاركة السياسية.
كما يؤكد ضرورة الدفاع عن حقوق المرأة والشباب والعمال والفلاحين والفئات الاجتماعية المهمشة، وعدم التعامل معها باعتبارها مطالب ثانوية يمكن تأجيلها.
الموقف من التطورات الإقليمية
تناول بيان اللجنة المركزية التطورات الخطيرة التي تشهدها المنطقة، واستمرار الحروب والتدخلات الخارجية وما تسببه من تهديد لأمن الشعوب وسيادة الدول.
وأدان الحزب الاعتداءات والحروب التي تستهدف دول المنطقة، مؤكدًا رفضه استخدام الأراضي العراقية أو أجواء العراق في الصراعات الإقليمية والدولية.
كما جدد تضامنه مع الشعب الفلسطيني وحقه في تقرير مصيره وإقامة دولته الوطنية المستقلة، ودعا إلى وقف الحرب والعدوان وإنهاء معاناة المدنيين.
ويؤكد البيان أن مصالح الشعب العراقي لا تتحقق بالانخراط في المحاور الإقليمية أو الدولية، بل باتباع سياسة خارجية مستقلة ومتوازنة تحمي سيادة العراق وتبعده عن ساحات المواجهة.
لماذا الجبهة الشعبية الواسعة؟
تشكّل الدعوة إلى بناء جبهة شعبية سياسية واسعة المحور الأساسي في بيان اللجنة المركزية. فالحزب يرى أن القوى الديمقراطية والوطنية واليسارية لا تستطيع مواجهة منظومة المحاصصة والفساد وهي مشتتة أو تعمل بصورة منفردة.
ويشرح البيان الأساس الموضوعي لهذه الدعوة بالقول:
«إن الحاجة إلى جبهة شعبية واسعة لا تنبع من رغبة تنظيمية مجردة، إنما تفرضها طبيعة الصراع الجاري نفسه».
فالمواجهة، بحسب البيان، ليست مع حزب واحد أو حكومة محددة، وإنما مع منظومة سياسية واقتصادية متكاملة تمتلك مؤسسات السلطة والمال والنفوذ ووسائل الإعلام وشبكات واسعة من المصالح.
ويضيف البيان:
«فالقوى الديمقراطية والوطنية واليسارية على وجه الخصوص تواجه منظومة متشابكة من السلطة والمال والسلاح والإعلام والتدخلات الخارجية».
ومن هنا، لا يطرح الحزب الجبهة الشعبية باعتبارها تحالفًا انتخابيًا مؤقتًا أو تجمعًا للأحزاب المتقاربة فكريًا فقط، بل بوصفها إطارًا سياسيًا واجتماعيًا يضم القوى الوطنية والديمقراطية والنقابية والاحتجاجية والحركات الاجتماعية والشخصيات المستقلة.
والهدف من هذه الجبهة هو تحويل حالة الرفض الشعبي الواسع إلى قوة سياسية منظمة، تمتلك برنامجًا واضحًا وأدوات عمل جماهيريًا قادرة على التأثير وتغيير موازين القوى.
الجبهة ليست جمعًا حسابيًا للأحزاب
يوضح البيان أن بناء الجبهة المطلوبة لا يعني جمع أسماء الأحزاب والتنظيمات في إطار شكلي، بل يتطلب الاتفاق على برنامج سياسي ملموس، تتصدره قضايا إنهاء المحاصصة، ومكافحة الفساد، وبناء دولة المواطنة، وحصر السلاح بيد الدولة، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وضمان الحقوق والحريات.
فنجاح الجبهة لا يقاس بعدد القوى التي تعلن الانضمام إليها، وإنما بقدرتها على الوصول إلى الجماهير وتمثيل مطالبها وتنظيم نضالاتها اليومية.
ولهذا يشدد الحزب على ضرورة توسيع العمل الجماهيري بين العمال والفلاحين والطلبة والشباب والنساء والمتقاعدين، وربط النشاط السياسي بالقضايا المباشرة التي تمس حياة المواطنين.
وتتجسد أهمية هذه الدعوة في أن القوى الاحتجاجية والمدنية في العراق عانت طويلًا من التشتت وغياب القيادة السياسية الموحدة، وهو ما سهّل على قوى السلطة احتواء الاحتجاجات أو قمعها أو تفريغها من مضمونها.
الرهان على الشعب
على الرغم من قتامة المشهد السياسي وصعوبة موازين القوى، يرفض الحزب الاستسلام أو التعامل مع منظومة المحاصصة بوصفها قدرًا دائمًا لا يمكن تغييره.
ويؤكد البيان:
«ويبقى الرهان الحقيقي على شعبنا، وعلى قدرته في فرض إرادته وانتزاع حقوقه المشروعة».
ويعكس هذا الموقف رؤية تقوم على أن التغيير لا يأتي فقط من التسويات التي تجري بين القوى السياسية، بل من تراكم الوعي والتنظيم والضغط الشعبي وتوحيد الحركات الاجتماعية حول أهداف مشتركة.
فالشعب، وفق هذا التصور، ليس مجرد جمهور انتخابي يُستدعى كل أربع سنوات، بل هو القوة الأساسية القادرة على فرض التغيير عندما يمتلك التنظيم والبرنامج والقيادة.
المؤتمر الثاني عشر وتجديد الحزب
تناول البيان كذلك التحضيرات الجارية لعقد المؤتمر الوطني الثاني عشر للحزب الشيوعي العراقي، معتبرًا المؤتمر محطة مهمة لتقييم التجربة السابقة وتطوير البرنامج السياسي والتنظيمي.
ويشير إلى ضرورة أن يكون المؤتمر مناسبة لمراجعة الأداء وتعزيز الديمقراطية الداخلية وتوسيع مشاركة الرفيقات والرفاق في مناقشة الوثائق وانتخاب الهيئات القيادية.
كما يدعو إلى إعطاء دور أكبر للشباب والنساء، وتجديد أساليب العمل الحزبي والإعلامي والجماهيري، بما يتناسب مع التحولات السياسية والاجتماعية والتكنولوجية التي يشهدها العراق والعالم.
ويؤكد البيان أن المؤتمرات الحزبية لا ينبغي أن تتحول إلى إجراءات تنظيمية روتينية، بل يجب أن تكون مساحات للنقد والمراجعة وتجديد الفكر والبرنامج والقيادة.
المقر الجديد رمز للاستمرار
تضمنت الصفحة التي نشرت البيان صورة للمقر الجديد للحزب الشيوعي العراقي وهو قيد الإنشاء، مع تعليق يشير إلى أن المشروع يرتفع بجهود المخلصين وتبرعاتهم، وأن البناء مستمر.
ولا تبدو الإشارة إلى المقر مسألة إنشائية فقط، بل تحمل دلالة رمزية على استمرار الحزب في العمل السياسي والتنظيمي بعد عقود طويلة من النضال والملاحقة والعمل السري والعلني.
فبناء المقر بالتبرعات يعكس، وفق ما يقدمه البيان، الاعتماد على أعضاء الحزب وأصدقائه وجمهوره، والتمسك بالاستقلال السياسي والمالي.
بين قوة التشخيص وصعوبة التنفيذ
يقدم بيان اللجنة المركزية تشخيصًا واسعًا ومترابطًا للأزمة العراقية، ويجمع بين السياسي والاقتصادي والاجتماعي، ويربط الفساد بالمحاصصة، والفقر بالاقتصاد الريعي، وضعف الدولة بتعدد مراكز القرار والسلاح والنفوذ.
كما يطرح بديلًا يقوم على بناء دولة مدنية ديمقراطية، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وتوحيد القوى الراغبة في التغيير ضمن جبهة شعبية سياسية واسعة.
لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في صياغة البرنامج وحده، بل في تحويله إلى ممارسة سياسية وتنظيمية قابلة للتنفيذ. فالقوى التي يطالب الحزب بتجميعها ما تزال تعاني الانقسام وضعف التنسيق واختلاف الأولويات، في حين تمتلك منظومة السلطة موارد مالية وإعلامية ومؤسساتية كبيرة.
ومع ذلك، تمثل الدعوة إلى الجبهة الشعبية محاولة جادة للانتقال من مرحلة الاحتجاج المتفرق إلى مرحلة بناء البديل السياسي المنظم.
فالعراق لا يعاني نقصًا في الغضب الشعبي، ولا في تشخيص مواطن الخلل، وإنما يعاني غياب الأداة القادرة على تحويل هذا الغضب إلى مشروع تغيير طويل النفس.
ويبقى السؤال الذي يطرحه البيان بصورة مباشرة وغير مباشرة: هل تستطيع القوى المدنية والديمقراطية واليسارية تجاوز خلافاتها، وتقديم المصلحة الوطنية على المصالح التنظيمية الضيقة، وبناء الجبهة التي يدعو إليها الحزب؟
الإجابة لن تقدمها البيانات وحدها، بل سيحددها العمل بين الناس، والقدرة على استعادة ثقتهم، وتنظيم مطالبهم، وبناء حركة سياسية واسعة تُخرج العراق من دائرة المحاصصة والفساد إلى فضاء الدولة المدنية الديمقراطية والعدالة الاجتماعية.
المصدر: صحيفة طريق الشعب، يومية سياسية يصدرها الحزب الشيوعي العراقي، العدد 133، السنة الحادية والتسعون، الأحد 12 تموز 2026، بيان الاجتماع الاعتيادي للجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي، الصفحتان 2 و3.



