السبت, أغسطس 15, 2026
27.4 C
Beirut

رحيل ليندسي غراهام: صقرُ الحروب الذي رأى الشرق الأوسط من بوابة إسرائيل ومواجهة إيران

نشرت في

أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد

رحل السيناتور الجمهوري الأميركي ليندسي غراهام عن واحد وسبعين عاماً، بعد مسيرة سياسية امتدت أكثر من ثلاثة عقود، كان خلالها أحد أكثر الأصوات تأثيراً في رسم توجهات السياسة الخارجية الأميركية، ولا سيما تجاه الشرق الأوسط. وبرحيله، تطوى صفحة أحد أبرز دعاة استخدام القوة العسكرية في مواجهة إيران، وأحد أكثر السياسيين الأميركيين دعماً لإسرائيل، وأكثرهم حضوراً في ملفات لبنان وسوريا والعراق وأوكرانيا.

كان غراهام شخصية يصعب تجاهلها. أحبه مؤيدوه بوصفه سياسياً واضحاً لا يساوم في قضايا الأمن القومي، وانتقده خصومه باعتباره من أبرز رموز المدرسة الأميركية التي ترى أن القوة العسكرية هي الطريق الأقصر لحل الأزمات الدولية. وبين الموقفين، يبقى الرجل أحد أكثر السياسيين الأميركيين تأثيراً في السنوات الأخيرة.

من محامٍ عسكري إلى أحد صقور السياسة الأميركية

ولد ليندسي أولين غراهام في ولاية كارولاينا الجنوبية عام 1955، وخدم في القوات الجوية الأميركية كمحامٍ عسكري قبل أن يدخل الحياة السياسية. انتخب عضواً في مجلس النواب عام 1994، ثم عضواً في مجلس الشيوخ منذ عام 2003.

برز اسمه إلى جانب السيناتور الراحل جون ماكين، وشكلا معاً تياراً جمهورياً يؤمن بأن الولايات المتحدة لا تستطيع الحفاظ على مكانتها العالمية إلا من خلال الحضور العسكري والتحالفات الدولية واستخدام القوة عند الضرورة.

أيد غزو العراق عام 2003، ودافع عن زيادة القوات الأميركية فيه، وطالب بتدخل عسكري أكثر حسماً في سوريا، ورفض أي سياسة يعتبرها متساهلة مع إيران أو روسيا أو التنظيمات المسلحة.

تحالفه مع ترامب

كان غراهام من أشد منتقدي دونالد ترامب خلال الانتخابات الرئاسية عام 2016، لكنه بعد وصول ترامب إلى البيت الأبيض أصبح من أقرب حلفائه في مجلس الشيوخ.

ورغم بعض الخلافات، بقي غراهام يعتبر أن ترامب هو الشخصية القادرة على إعادة فرض الهيبة الأميركية في العالم، بينما وجد ترامب في غراهام مستشاراً مؤثراً في ملفات الأمن القومي والشرق الأوسط.

الشرق الأوسط بعين إسرائيل

لم يخفِ ليندسي غراهام يوماً أن أمن إسرائيل يحتل أولوية مطلقة في رؤيته للشرق الأوسط.

كان يعتبر أن إسرائيل تمثل خط الدفاع الأول عن المصالح الأميركية في المنطقة، وأن أي تهديد لها هو تهديد مباشر للولايات المتحدة.

ولهذا السبب دعم معظم العمليات العسكرية الإسرائيلية، ودافع عن استمرار المساعدات العسكرية الأميركية، ورفض فرض أي قيود على الجيش الإسرائيلي خلال حرب غزة.

كما رأى أن إيران تمثل الخطر الأكبر على استقرار المنطقة بسبب برنامجها النووي ودعمها لحزب الله وحماس والجماعات المسلحة في العراق واليمن.

لبنان في فكر ليندسي غراهام

احتل لبنان مساحة مهمة في مواقف غراهام خلال العام الأخير من حياته.

كان مقتنعاً بأن مستقبل لبنان مرتبط بإنهاء وجود السلاح خارج سلطة الدولة، وأن قيام دولة لبنانية قوية لن يكون ممكناً في ظل استمرار حزب الله كقوة عسكرية مستقلة.

واعتبر أن الجيش اللبناني يجب أن يكون القوة المسلحة الوحيدة في البلاد، وأن المجتمع الدولي ينبغي أن يربط أي دعم اقتصادي أو سياسي للبنان بتنفيذ هذا الهدف.

زيارته إلى بيروت

في أغسطس 2025 زار بيروت ضمن وفد من مجلس الشيوخ الأميركي، والتقى الرئيس اللبناني العماد جوزاف عون وعدداً من المسؤولين.

وقال بعد اللقاء إن لبنان يقف أمام فرصة تاريخية لبناء دولة قوية إذا نجح في حصر السلاح بيد الجيش.

وأكد أن الولايات المتحدة مستعدة لدعم لبنان اقتصادياً وعسكرياً إذا تمكنت الدولة من إنهاء وجود السلاح خارج المؤسسات الرسمية.

بل ذهب أبعد من ذلك عندما طرح فكرة اتفاق دفاع مشترك مستقبلي بين الولايات المتحدة ولبنان، معتبراً أن مثل هذا الاتفاق قد يغيّر تاريخ لبنان إذا أصبح الجيش اللبناني القوة الوحيدة التي تحمل السلاح.

رسالته إلى اللبنانيين

خلال زيارته شدد غراهام على أن المجتمع الدولي مستعد للاستثمار في لبنان إذا تمكن من استعادة سيادة الدولة الكاملة.

ورأى أن لبنان يمتلك فرصة حقيقية للخروج من أزماته المالية والسياسية، لكن هذه الفرصة لن تتحقق طالما بقي القرار الأمني موزعاً بين الدولة وحزب الله.

كما دعا إلى تعزيز الجيش اللبناني وتزويده بالمعدات والدعم اللازم ليكون قادراً على حماية الحدود والدولة.

من بيروت إلى تل أبيب

بعد مغادرته لبنان توجه إلى إسرائيل حيث صعّد لهجته بصورة كبيرة.

قال إن الوقت قد حان لإنهاء وجود حزب الله العسكري، وإنه إذا لم تنجح الجهود السياسية في تحقيق ذلك فقد يصبح الخيار العسكري مطروحاً.

ورأى أن استمرار امتلاك الحزب ترسانة صاروخية ضخمة يشكل تهديداً دائماً لإسرائيل وللاستقرار الإقليمي.

موقفه من الجيش اللبناني

في مطلع عام 2026 زار قائد الجيش اللبناني واشنطن.

وخلال اللقاء سأله غراهام بصورة مباشرة إن كان يعتبر حزب الله منظمة إرهابية.

وعندما أجابه قائد الجيش بأن هذا ليس التصنيف الرسمي للدولة اللبنانية، أنهى غراهام الاجتماع سريعاً، معلناً أنه فقد ثقته بقدرة القيادة العسكرية اللبنانية على تنفيذ مهمة نزع سلاح الحزب.

كما اعتبر أن الولايات المتحدة يجب أن تعيد تقييم مساعداتها إذا لم يتحرك الجيش بصورة أكثر وضوحاً تجاه حزب الله.

وقد أثارت هذه التصريحات جدلاً واسعاً داخل لبنان، لأن كثيرين رأوا أن قائد الجيش ملتزم بالموقف الرسمي للدولة اللبنانية وليس بالموقف الأميركي.

رؤيته للبنان

كان غراهام يؤمن بأن لبنان يستطيع أن يتحول إلى دولة مستقرة ومزدهرة إذا تمكن من تحقيق ثلاثة أهداف:

أولاً، حصر السلاح بيد الجيش.

ثانياً، إنهاء النفوذ العسكري الإيراني داخل لبنان.

ثالثاً، إقامة شراكة استراتيجية طويلة الأمد مع الولايات المتحدة والغرب.

إلا أن منتقديه رأوا أنه لم يعطِ الاهتمام نفسه لمسائل الاحتلال الإسرائيلي والخروقات الجوية والاعتداءات المتكررة على الأراضي اللبنانية، وأن مقاربته ركزت بصورة شبه كاملة على حزب الله.

إيران… العدو الأول

لم تكن إيران بالنسبة إلى ليندسي غراهام مجرد خصم سياسي، بل كانت تمثل التهديد الأكبر للمصالح الأميركية في الشرق الأوسط.

كرر مراراً أن الجمهورية الإسلامية لا تسعى فقط إلى امتلاك سلاح نووي، بل إلى فرض هيمنتها على المنطقة عبر الحرس الثوري وشبكة واسعة من الحلفاء.

ورأى أن أي اتفاق نووي لا يشمل البرنامج الصاروخي الإيراني ودعم الجماعات المسلحة سيكون اتفاقاً ناقصاً.

دعمه للاحتجاجات الإيرانية

أعلن غراهام دعمه العلني للاحتجاجات الشعبية داخل إيران.

وقال إن الشعب الإيراني يستحق الحرية والديمقراطية، وإن الإيرانيين لا يطالبون فقط باتفاق نووي جديد، بل يتطلعون إلى مستقبل مختلف لبلادهم.

كما شبه الوضع الإيراني في إحدى تصريحاته بسقوط جدار برلين، معتبراً أن النظام الإيراني يواجه لحظة تاريخية قد تغيّر مستقبل البلاد.

الحرب مع إيران

كان غراهام من أكثر السياسيين الأميركيين دعماً للضربات العسكرية ضد المنشآت النووية الإيرانية.

واعتبر أن تلك الضربات ضرورية لمنع إيران من امتلاك السلاح النووي.

كما دعا إلى مواصلة الضغط العسكري والاقتصادي حتى تتخلى طهران عن برامجها النووية والصاروخية.

ورأى أن الردع العسكري هو اللغة الوحيدة التي يفهمها النظام الإيراني.

الخليج ومضيق هرمز

طالب غراهام دول الخليج بالوقوف إلى جانب الولايات المتحدة في مواجهة إيران.

كما دعا إلى ضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز بالقوة إذا حاولت إيران تعطيل حركة التجارة العالمية.

واعتبر أن المجتمع الدولي يجب ألا يسمح لطهران باستخدام النفط أو الممرات البحرية وسيلة للضغط السياسي.

القضية الفلسطينية

كان ليندسي غراهام من أكثر أعضاء مجلس الشيوخ دعماً لإسرائيل.

ورأى أن إسرائيل تملك الحق الكامل في الدفاع عن نفسها، ودافع عن استمرار الدعم العسكري الأميركي لها.

في المقابل، تعرض لانتقادات واسعة لأنه لم يمنح القضية الفلسطينية الاهتمام نفسه، ولم يركز على حق الفلسطينيين في إقامة دولتهم أو على حجم الخسائر الإنسانية التي خلفتها الحروب في غزة.

ورأى كثير من منتقديه أن مقاربته للصراع انطلقت من الاعتبارات الأمنية الإسرائيلية أكثر مما انطلقت من مبادئ القانون الدولي أو حقوق الإنسان.

ما له وما عليه

يحسب لليندسي غراهام أنه كان سياسياً واضحاً في مواقفه، ولم يخفِ قناعاته أو يبدلها تبعاً للضغوط الإعلامية.

كما كان من أكثر الداعمين لاستمرار التحالف الأميركي مع حلفائه التقليديين، ومن أشد المعارضين للأنظمة التي اعتبرها تهدد الأمن الدولي.

في المقابل، يؤخذ عليه إيمانه الكبير بالحلول العسكرية، ودعمه الواسع للحروب والتدخلات الخارجية، وانحيازه شبه المطلق لإسرائيل، وإعطاؤه أولوية للاعتبارات الأمنية على حساب المعالجات السياسية والدبلوماسية.

كما انتقده كثيرون لأنه تعامل مع لبنان من زاوية سلاح حزب الله فقط، من دون إيلاء الاهتمام الكافي لتعقيدات الواقع اللبناني أو للاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على الأراضي اللبنانية.

رجل سيبقى مثيراً للجدل

برحيل ليندسي غراهام يغيب أحد أبرز رموز المدرسة الأميركية التي تشكلت بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وهي المدرسة التي آمنت بأن الولايات المتحدة تستطيع إعادة تشكيل الشرق الأوسط عبر الردع والتحالفات والقوة العسكرية.

وسيظل اسمه مرتبطاً بالدفاع غير المحدود عن إسرائيل، وبالمواجهة المفتوحة مع إيران، وبالدعوة المستمرة إلى إنهاء نفوذ حزب الله في لبنان، وبالاعتقاد الراسخ أن الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط يبدآن من كبح المشروع الإيراني.

لكن السنوات المقبلة ستبقى تطرح السؤال ذاته الذي رافق مسيرته السياسية: هل استطاعت سياسة القوة التي دافع عنها أن تقود المنطقة إلى سلام أكثر استقراراً، أم أنها أسهمت، إلى جانب عوامل أخرى، في إطالة عمر الصراعات التي ما زال الشرق الأوسط يعيشها حتى اليوم؟

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

ماركس وباكونين: الصراع الذي شقّ الثورة إلى طريقين!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد من الأممية الأولى إلى مؤتمر لاهاي: من كان أقرب...

هالة نهرا ووجدي أبو ذياب في عملٍ إبداعيّ: من سلوفينيا إلى العالم!

أخباركم - أخبارنا تجلببتْ قصيدة «يا ضوء الأضواء» للشاعرة اللبنانية والعربية هالة نهرا، من...

اليسار الفلسطيني أمام مرآة الحقيقة: أزمة المشروع أم أزمة الاستقلال السياسي؟

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد ردّ على مقالة «اليسار الفلسطيني أمام لحظة الحقيقة.. من...

الحجّاج والسفّاح: هل يعيد التاريخ إنتاج وجهي السلطة؟

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد يصعب فهم الحجّاج بن يوسف الثقفي وأبي العباس السفّاح...

More like this

سورية.. كم كانت متطوّرة.. قراءة في تاريخ الحياة الحزبية والديمقراطية في سورية

أخباركم - أخبارنا بقلم: نجم الدين الخريطالأمين العام للحزب الشيوعي السوري الموحد وعضو الكتلة...

ست سنوات على انفجار مرفأ بيروت .. القرار الظني يقترب… فهل تقترب العدالة من أصحاب النفوذ والسلاح؟

أخباركم- أخبارنا/ مسعود محمد بيروت تستعيد لحظة الموت… واللبنانيون لا يصدقون الوعود في الرابع من آب...

3 آب 2014: حين أُبيحت سنجار باسم الدين وعادت أسواق العبيد في زمن القانون الدولي

بقلم: مسعود محمد في الثالث من آب/أغسطس 2014، لم يشن تنظيم داعش هجوماً عسكرياً عادياً...