أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد
يعرف الناس عبدالله مهتدي زعيماً لحزب كومله الكردستاني الإيراني المعارض، وسياسياً مخضرماً أمضى عقوداً في العمل والنضال والتنظيم والحوار، لكنهم لا يعرفون دائماً عبدالله مهتدي الإنسان؛ الرجل الذي يعود في بيته إلى بساطته الأولى، ويترك خلفه لغة البيانات والاجتماعات، من دون أن يترك مسؤولياته أو اهتمامه بالناس.
يتحدث الإنكليزية بطلاقة، ويتقن الفارسية إلى حد تبدو فيه لغته قريبة من لغة أبناء الثقافة الفارسية نفسها. وليس ذلك غريباً، فهو ابن مدارس طهران وفضائها الثقافي، وعاش جزءاً مهماً من شبابه فيها، لكنه لم يسمح للمدينة أو المنفى أو سنوات السياسة الطويلة بأن تنتزع منه عاداته الكردية.
تدخل بيته فيستقبلك بعناية لا تبدو مصطنعة، ويتابع احتياجاتك بنفسه، ويحمل ما يستطيع حمله، ويخدم ضيوفه كما يفعل أبناء البيوت الكردية التي ترى في الضيف أمانة وفي إكرامه واجباً أخلاقياً.
ابن جمهورية مهاباد ومدارس طهران
وُلد عبدالله مهتدي عام 1949 في مدينة بوكان بكردستان إيران، في أسرة ارتبط تاريخها مبكراً بالقضية الكردية؛ فقد كان والده من المسؤولين في جمهورية مهاباد الكردية عام 1946. وبعد سقوط الجمهورية، انتقلت العائلة إلى طهران، حيث أكمل دراسته في مدارسها ثم درس إدارة الأعمال، فجمع بين الهوية الكردية والمعرفة العميقة بالمجتمع الإيراني ولغته وثقافته.
بدأ نشاطه السياسي في أواخر ستينيات القرن الماضي، وكان من مؤسسي تنظيم كومله عام 1969. اعتُقل ثلاث مرات في عهد الشاه وقضى أكثر من ثلاث سنوات في السجن بسبب نشاطه السياسي، ثم عاد بعد الإفراج عنه إلى إعادة بناء التنظيم والعمل السري حتى قيام الثورة الإيرانية.
هذه التجربة الطويلة في السجن والعمل السياسي المبكر صنعت شخصية شديدة الانضباط، وهو انضباط لا يزال يرافق يومه حتى الآن.
يوم يبدأ قبل الجميع
لا يعرف الكسل طريقاً إلى عبدالله مهتدي.
يبدأ يومه منذ ساعات الصباح الأولى، يقرأ الصحف والتقارير، ويتابع ما تنشره وسائل الإعلام، ويحلل التطورات، ويتلقى الاتصالات ويجريها. ساعات طويلة يقضيها بين القراءة والنقاش والتقييم، وكأن الزمن لم ينجح في إبطاء حركته أو التقليل من فضوله السياسي.
ورغم هذا الإيقاع المزدحم، لا يسمح للعمل بأن يسرق منه عائلته.
الجد الذي يعيش مع أحفاده
من أجمل ما تراه فيه علاقته بأحفاده.
يعرف اللاعبين الذين يشجعونهم، ويتابع المباريات معهم، ويعرف أسماء نجوم كرة القدم وتفاصيل مسيرتهم. يسأل حفيده عن اللاعب الإنكليزي الذي يفضله، ثم يبدأ بشرح سيرته وأسلوبه في اللعب، ويتحمس للمباراة كما يتحمس أي مشجع، ويشرح خطط اللعب واحتمالات الفوز والخسارة، ويحتفل مع من حوله عندما ينتصر الفريق الذي يشجعه.
في تلك اللحظات يختفي السياسي تماماً، ويظهر الجد الذي يريد أن يصنع مع أحفاده ذكريات جميلة لا تمحوها الأيام.
في البيت… لا يعرف الألقاب
قد يفاجئك بعد انتهاء الطعام واقفاً في المطبخ يبعد الأطباق ويرتب المكان بنفسه، أو يجلس ليجمع قطع كرسي اشترته زوجته عبر الإنترنت، يقرأ التعليمات ويركبه بهدوء وصبر.
يسأل زوجته دائماً إن كانت تحتاج إلى مساعدة، ويحضر اللبن والخيار، ويقطع البصل، ويشاركها أعمال المطبخ من دون أن يشعر أن ذلك ينتقص من مكانته.
في بيته لا يعيش بمنطق الزعيم، بل بمنطق الزوج والشريك.
وهذه التفاصيل الصغيرة ربما تقول عن الإنسان أكثر مما تقوله الخطب السياسية.
ذاكرة لا تنسى الناس
عبر الهاتف لا ينسى أحداً.
يسأل عن الزوجة والأولاد، ويتابع أحوال الأصدقاء، وإذا علم أن شخصاً يعيش وحيداً كان سؤاله الأول: هل لديك من يساعدك؟ وهل تحتاج إلى شيء؟
ويتصل بأصدقائه فقط ليطمئن إلى صحتهم، ويحرص على أن يسمع بنفسه أنهم بخير.
ولا يتردد في نصح من يحبهم بما ينبغي أن يأكلوا وما يجب أن يتجنبوه حفاظاً على صحتهم، ويشرح أسباب ارتفاع ضغط الدم وأهمية الاهتمام بالجسد كما يهتم الإنسان بعقله.
بين كرة القدم والسياسة
قد يكون منشغلاً بتحليل مباراة لكرة القدم، ثم ينتقل مباشرة إلى متابعة خبر وفاة السيناتور الأمريكي ليندسي غراهام، ويبحث فيما كُتب عن مواقفه الداعمة للكرد، ثم يعود ليتابع التطورات في تركيا، وسوريا، والعراق، وإيران، والتصريحات الدولية.
ينهمك بمحيطه كما ينهمك بنفسه، ويعيش تفاصيل السياسة كما يعيش تفاصيل الحياة اليومية، فلا يفصل بين اهتمامه بالعالم واهتمامه بالناس القريبين منه.
قائد يستمع قبل أن يقرر
بعكس الصورة التي قد يظنها البعض عن القادة، لا يحتكر عبدالله مهتدي القرار.
الاتصالات لا تتوقف، والاجتماعات شبه مفتوحة، والنقاشات مستمرة مع رفاقه. يستمع، ويسأل، ويطلب الرأي، ويوازن بين وجهات النظر قبل اتخاذ أي موقف.
وهو يؤمن بأن القيادة لا تعني امتلاك الحقيقة، بل القدرة على الإصغاء إليها عندما يقولها الآخرون.
ولهذا بقيت ثقافة التشاور جزءاً ثابتاً من أسلوبه في العمل طوال سنوات قيادته.
من المقاومة إلى العمل السياسي
بعد الثورة الإيرانية لعب دوراً أساسياً في تنظيم الحركة السياسية الكردية، وعندما اندلعت المواجهة مع النظام الإيراني أصبح أحد أبرز قادة كومله. كما شارك في جولات التفاوض مع ممثلي الحكومة الإيرانية، ثم تولى لاحقاً مواقع قيادية بارزة، قبل أن يصبح الأمين العام لحزب كومله الكردستاني الإيراني.
وعلى امتداد هذه العقود، ظل يدعو إلى إقامة إيران ديمقراطية تعددية لا مركزية، تُصان فيها حقوق جميع القوميات والمكونات، ويؤكد أن القضية الكردية جزء من مشروع ديمقراطي أوسع لإيران كلها.
الإنسان الذي يحمي السياسي
عبدالله مهتدي الإنسان ليس وجهاً آخر لعبدالله مهتدي السياسي، بل هو الأصل الذي انطلقت منه شخصيته العامة.
فالذي يحمل أطباق ضيوفه بنفسه، ويقف إلى جانب زوجته في المطبخ، ويتابع مباريات أحفاده، ويسأل أصدقاءه عن صحتهم، ويحرص على نصحهم، هو نفسه الذي أمضى أكثر من نصف قرن في العمل السياسي.
ربما لهذا بقي قريباً من الناس؛ لأن السياسة لم تنجح في انتزاع الإنسان الذي بداخله.
فالسنوات التي قضاها في السجون، وأيام البيشمركة، والمفاوضات، والمنفى، والعمل الحزبي، لم تصنع رجلاً قاسياً، بل زادت اقتناعه بأن القيادة تبدأ من احترام الإنسان.
ولعل أجمل ما يمكن أن يقال عنه، بعد كل هذه العقود، أنه لم يسمح للسياسة أن تسرق منه دفء البيت، ولا أن تنتزع من قلبه تلك البساطة الكردية التي ما زالت تستقبل الضيف بابتسامة، وتودعه بالدعاء، وتؤمن أن الإنسان يبقى أعظم من أي منصب، وأبقى من أي لقب.



