السبت, أغسطس 15, 2026
25.2 C
Beirut

عبد الرحمن قاسملو… دخل المفاوضات حاملاً سلام شعبه فاغتالوه على الطاولة

نشرت في

أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد

في الثالث عشر من تموز عام 1989، لم يُغتل قائد كردي في شقة هادئة بمدينة فيينا فحسب؛ بل أُطلقت النار على فكرة سياسية كاملة كانت تقول إن الشعوب تستطيع أن تدافع عن حقوقها من دون أن تتخلى عن إنسانيتها، وإن القائد الحقيقي يستطيع أن يقاوم عندما تُفرض عليه المقاومة، وأن يفاوض عندما تظهر فرصة جدية لحماية شعبه ووقف نزيف الدم.

كان الدكتور عبد الرحمن قاسملو قد دخل غرفة المفاوضات أعزل، يحمل قضية شعب عانى طويلاً من الإنكار والتمييز والقمع. جلس إلى ممثلي الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ومنحهم الأمان الذي تفرضه حرمة التفاوض، وتعامل معهم بوصفهم وفداً جاء للبحث عن حل سلمي للقضية الكردية.

أما هم، فقد دخلوا المكان بعقلية أخرى.

بينما كان قاسملو يتحدث عن الحقوق والحكم الذاتي والسلام، كانت الجريمة تتحرك تحت الطاولة. أنهوا المفاوضات بالرصاص، وتركوا جسده وجسدي رفيقيه عبد الله قادري آذر والدكتور فاضل رسول غارقين في الدم.

أمّن لهم، وجالسهم، واستمع إليهم، فغدروه بدم بارد ومن دون تردد.

اغتالوه لأنهم لم يستطيعوا هزيمته في ميدان الفكر والسياسة، ولأن صوته الديمقراطي كان أخطر عليهم من السلاح.

ابن كردستان الذي حمل مهاباد في ذاكرته

وُلد عبد الرحمن قاسملو في الثاني والعشرين من كانون الأول عام 1930، في قرية قاسملو القريبة من مدينة أرومية، ونشأ في مرحلة كانت فيها الهوية الكردية محاصرة بسياسات الإنكار والقمع والمركزية الشديدة.

كان فتى في الخامسة عشرة تقريباً عندما تأسست جمهورية كردستان في مهاباد بقيادة القاضي محمد عام 1946. لم تكن الجمهورية بالنسبة إليه حدثاً عابراً، بل كانت لحظة وعي كبرى رأى فيها أن الشعب الكردي قادر على بناء مؤسساته، وإدارة شؤونه، وحماية لغته وثقافته، وصياغة مستقبله السياسي.

انضم في شبابه المبكر إلى الحزب الديمقراطي الكردستاني، وعندما سقطت جمهورية مهاباد وأُعدم القاضي محمد ورفاقه في ساحة جارجرا، لم تسقط الجمهورية من ذاكرته. تحولت التجربة القصيرة إلى مدرسة سياسية رافقته طوال حياته، ورسخت فيه قناعة أن القضية الكردية لا تحتاج إلى الشجاعة وحدها، بل إلى العلم والتنظيم والواقعية والقدرة على بناء التحالفات.

كان يدرك أن العاطفة القومية، مهما كانت صادقة، لا تكفي وحدها لصناعة الانتصار، وأن الشعب الذي لا يحول تضحياته إلى مشروع سياسي واضح قد يبقى أسيراً لدورات متكررة من الثورة والقمع.

المثقف الذي جعل المعرفة جزءاً من النضال

غادر قاسملو إيران لمتابعة دراسته، وانتقل إلى أوروبا، ودرس العلوم السياسية والاقتصاد في براغ، ثم واصل نشاطه الأكاديمي ودرّس الاقتصاد.

لم يكن قائداً عسكرياً بالمعنى التقليدي، ولم يكن زعيماً يكتفي بالشعارات الحماسية. كان مثقفاً واسع الاطلاع، متعدد اللغات، يمتلك قدرة نادرة على مخاطبة الفلاح والمقاتل والطالب والأكاديمي والدبلوماسي من دون أن يفقد وضوحه أو تواضعه.

درس الاقتصاد لأنه فهم مبكراً أن حرية الشعوب ليست علماً ونشيداً وطنياً فقط، بل مدارس ومستشفيات وفرص عمل وتنمية وعدالة في توزيع الثروة. ودرس السياسة لأنه عرف أن القضية العادلة قد تُهزم إذا أُديرت بطريقة خاطئة، وأن صدق المطالب لا يعفي القيادة من فهم موازين القوى والظروف الإقليمية والدولية.

كتب عن كردستان وتاريخها وقضيتها، وساهم في تعريف الرأي العام الأوروبي بالشعب الكردي وحقوقه. لم يقدم الكرد إلى العالم بوصفهم جماعة تبحث عن الشفقة، بل شعباً يمتلك تاريخاً وثقافة وإرادة سياسية، ويطالب بحقوق يمكن الدفاع عنها أخلاقياً وسياسياً وقانونياً.

كان يعرف أن أحد أخطر أشكال القمع هو أن ينجح المضطهِد في رواية قصة ضحيته بدلاً عنها؛ لذلك جعل من المعرفة واللغة والعلاقات الدولية أدوات نضال لا تقل أهمية عن سلاح المقاتلين في الجبال.

من الماركسية إلى الاشتراكية الديمقراطية

بدأ قاسملو حياته الفكرية متأثراً بالماركسية، كما كان حال كثير من المثقفين والمناضلين في عصره، لكنه لم يحول النظرية إلى عقيدة جامدة، ولم يمنح أي حزب أو دولة الحق في التفكير بالنيابة عنه.

أدت تجربة تشيكوسلوفاكيا واجتياح قوات حلف وارسو لها عام 1968 إلى مراجعة عميقة في أفكاره. رأى كيف يمكن لنظام يرفع راية الاشتراكية أن يسحق الحرية بالدبابات، وكيف تستطيع الشعارات الثورية أن تتحول إلى غطاء للاستبداد.

ابتعد تدريجياً عن النموذج الشمولي، واقترب من الاشتراكية الديمقراطية التي تربط العدالة الاجتماعية بالتعددية السياسية وحقوق الإنسان وتداول السلطة.

كان اشتراكياً منحازاً إلى الفقراء، لكنه رفض أن تكون العدالة الاجتماعية ذريعة لإلغاء الحريات. وكان قومياً كردياً صلباً، لكنه رفض أن تتحول القومية إلى تعصب أو إلى إنكار حقوق الآخرين.

كانت شجاعته الفكرية في قدرته على المراجعة والتطور، لا في التمسك الأعمى بكل ما آمن به في شبابه. فالقائد الذي يتعلم من التاريخ أكثر صدقاً من قائد يقضي حياته أسيراً لعبارات قديمة، حتى عندما يتغير العالم من حوله.

الديمقراطية لإيران والحكم الذاتي لكردستان

عندما انتُخب قاسملو أميناً عاماً للحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني في المؤتمر الثالث للحزب عام 1973، بدأت مرحلة جديدة في تاريخ الحزب والحركة الكردية في إيران.

بلور الشعار الذي أصبح عنوان مشروعه السياسي:

«الديمقراطية لإيران والحكم الذاتي لكردستان».

لم يكن الشعار مناورة لغوية أو ترتيباً عابراً للكلمات، بل معادلة سياسية متكاملة. كان قاسملو يرى أن حقوق الكرد لن تكون محمية داخل نظام استبدادي، وأن أي اتفاق يمنح كردستان بعض الحقوق من دون تغيير طبيعة الدولة الإيرانية سيظل معرضاً للإلغاء عند أول تبدل في موازين القوى.

وفي المقابل، كان يرى أن الديمقراطية الإيرانية لن تكون حقيقية إذا استمرت في إنكار حقوق الشعوب والقوميات المكوّنة لإيران. لذلك ربط بين المسألتين: لا حل دائماً للقضية الكردية من دون ديمقراطية في إيران، ولا ديمقراطية حقيقية في إيران من دون حل عادل للقضية الكردية.

كان هذا الربط من أهم إسهاماته الفكرية. فقد رفض أن تُختصر القضية الكردية في مسألة إدارية أو أمنية، ورفض في الوقت نفسه فصلها عن الصراع العام من أجل الحرية والديمقراطية في إيران.

لم يكن يريد حرية للكرد على حساب الفرس أو العرب أو البلوش أو الآذريين، بل دولة تحترم جميع مكوناتها، وتقوم على المواطنة والتعددية وتقاسم السلطة.

وكان مشروعه واضحاً: كردستان تتمتع بحق إدارة شؤونها، ضمن إيران ديمقراطية تُبنى وحدتها على إرادة شعوبها، لا على الجيش والسجون والإعدامات.

الوحدة التي تُبنى ولا تُفرض

أدرك قاسملو أن اتهام الكرد بالانفصال كان السلاح الأسهل الذي تستخدمه السلطات المركزية للهروب من مناقشة مطالبهم الحقيقية. لذلك ظل يؤكد أن مشروع حزبه يقع ضمن إطار حل ديمقراطي للقضية الكردية في إيران.

لم يرَ تناقضاً بين الهوية الكردية والانتماء إلى دولة متعددة القوميات، إذا قامت تلك الدولة على المساواة والشراكة والاختيار الحر.

لكنه لم يكن يقبل أن تتحول «الوحدة» إلى أداة لابتلاع الشعوب، أو أن يصبح الانتماء إلى إيران مرادفاً للتنازل عن اللغة والهوية والحقوق السياسية.

فالوحدة الحقيقية لا تُفرض بالدبابات، ولا تُحمى بحظر اللغات، ولا تُصان بإعدام المعارضين. الوحدة التي تستحق البقاء هي التي يشعر فيها الكردي والفارسي والعربي والبلوشي والآذري بأن الدولة دولتهم، وأن الدستور يحمي حقوقهم جميعاً.

أما الدولة التي تجعل الكردي مضطراً إلى الاختيار بين قوميته ومواطنته، فهي التي تهدد وحدتها، لا الكردي الذي يطالب بحقه في أن يكون كردياً وشريكاً كاملاً في الدولة في آن واحد.

الثورة التي تحولت إلى سلطة جديدة للقمع

عاد قاسملو إلى إيران عام 1978، مع اقتراب سقوط نظام الشاه. عاد من المنفى وهو يأمل أن تفتح الثورة باباً لبناء دولة ديمقراطية تعترف بتعدد شعوب إيران وحقوقها.

خرج الحزب الديمقراطي من العمل السري إلى العلن، واتسعت قاعدته الشعبية بسرعة كبيرة. وفي انتخابات مجلس خبراء الدستور عام 1979، حصل قاسملو على أغلبية كبيرة من أصوات ناخبي أرومية، لكن السلطة الجديدة لم تسمح له بأداء الدور الذي انتُخب من أجله.

سرعان ما ظهر أن النظام الجديد لا يريد شراكة سياسية ولا تعددية حقيقية. استُبدلت دكتاتورية الشاه بسلطة دينية أكثر تشدداً، وبدأت طهران تنظر إلى المطالب الكردية باعتبارها تمرداً أمنياً يجب سحقه، لا قضية سياسية تحتاج إلى حل عادل.

رفض قاسملو دولة ولاية الفقيه، ودافع عن فصل الدين عن الدولة والحريات السياسية. وعارض حزبه الاستفتاء على إقامة الجمهورية الإسلامية بصيغتها المطروحة، لأنها لم تتضمن ضمانات للديمقراطية أو لحقوق الشعوب والقوميات.

رد النظام بالحملات العسكرية والفتاوى وإرسال الجيش والحرس الثوري إلى المدن الكردية. وجد الكرد أنفسهم مرة أخرى أمام سلطة تريد منهم الطاعة لا الشراكة، والانصهار لا المواطنة.

قاد قاسملو المقاومة في ظروف بالغة القسوة، لكنه لم يجعل الحرب غاية بذاتها. كان يعرف أن السلاح وسيلة اضطرارية للدفاع عن الشعب، وأن العمل السياسي يجب أن يبقى حاضراً حتى في أكثر مراحل الصراع دموية.

المرأة في مشروعه الديمقراطي

لم تكن الديمقراطية عند قاسملو مقتصرة على شكل الدولة أو العلاقة بين كردستان وطهران، بل امتدت إلى بنية المجتمع الكردي نفسه.

كان يرى أن الحركة التي تطالب بحرية شعبها لا تستطيع أن تبني داخلها مجتمعاً يستبعد نصف ذلك الشعب، وأن مشاركة المرأة في الحياة السياسية والاجتماعية ليست مسألة تجميلية أو شعاراً موسمياً، بل معياراً لتقدم المجتمع وحيوية الحركة الوطنية.

أراد لكردستان أن تتحرر من القمع القومي ومن التخلف الاجتماعي في الوقت نفسه. فالتحرر في فكره لا يتجزأ، ولا يمكن لحركة أن تطالب الدولة بالاعتراف بحقوقها، بينما تنكر داخل مجتمعها حقوق النساء والشباب والفئات الأضعف.

كانت رؤيته أبعد من تحرير الأرض؛ فقد أراد تحرير الإنسان أيضاً.

قائد البيشمركة الذي ظل يبحث عن السلام

امتلك قاسملو شجاعة رجل الجبال وعقل رجل الدولة. لم يرفض الكفاح المسلح عندما أصبح الدفاع عن المدن والسكان ضرورة، لكنه لم يمنح السلاح قداسة زائفة.

كان يرى أن القضية الكردية لا يمكن حسمها عسكرياً، وأن نهاية كل صراع ستكون سياسية مهما طال القتال. لم يكن السلام عنده استسلاماً، بل طريقاً لحماية الحقوق والحياة معاً.

ولم يفهم التضحية بوصفها دعوة مفتوحة إلى الموت، ولا رأى في كثرة الضحايا معياراً لصدق القضية. كان يدرك أن مسؤولية القائد ليست دفع الناس إلى المواجهة بلا حساب، بل أن يجعل لكل تضحية هدفاً سياسياً واضحاً، وأن يبحث دائماً عن الطريق الأقل كلفة للوصول إلى الحقوق.

هذه القناعة هي التي جعلته يقبل بمفاوضة ممثلي الجمهورية الإسلامية، رغم معرفته بتاريخها في القمع والاغتيال. كان يعرف المخاطر، لكنه آمن بأن القائد لا يملك حق إغلاق باب قد يؤدي إلى وقف الحرب وإنقاذ شعبه.

وهنا تكمن المفارقة القاسية في سيرته: الرجل الذي قاد المقاومة لم يُقتل في معركة، والرجل الذي كان يستطيع الاحتماء في الجبال لم يُغتل وهو يحمل بندقية، بل قُتل جالساً إلى طاولة الحوار؛ لأن خصومه أدركوا أن ثقته بإمكان الحل السياسي هي النافذة الوحيدة التي يستطيعون الوصول إليه عبرها.

«ليس لدي وقت… ولكن عِديني أن تكتبي»

كانت الصحافية والكاتبة كارول برونهوبير قد أجرت لقاءات مطولة مع قاسملو، وطلبت منه أن يكتب سيرته وقصة شعبه. فأجابها بما معناه:

«ليس لدي وقت، ولكن عِديني أنت أن تكتبيها».

تكشف هذه العبارة شيئاً عميقاً في شخصيته. كان يعرف أن حياته موزعة بين الحزب والجبهات والاجتماعات والرحلات السرية والمفاوضات، وأن الوقت الذي يحتاجه لكتابة قصته كان يستهلكه في محاولة تغيير مصير شعبه.

لم يكن يتحدث كمن يتوقع الموت في موعد محدد، لكنه عاش دائماً تحت ظله. وقد أدرك أن قصة الكرد يجب ألا تبقى بلا رواة، وأن الشعوب التي لا تكتب تاريخها ستجد الآخرين يكتبونه عنها وفق مصالحهم ورؤيتهم.

لم يجد الوقت ليكتب سيرته، فكتبها بقراراته ومواقفه ودمه.

الطريق إلى شقة الموت في فيينا

بعد انتهاء الحرب العراقية الإيرانية عام 1988، نُقلت إلى قاسملو رسائل تفيد برغبة الجمهورية الإسلامية في فتح مفاوضات بشأن القضية الكردية. وافقت قيادة الحزب على الدخول في الحوار، وعُقدت لقاءات سرية في فيينا أواخر عام 1988 ومطلع عام 1989.

تناولت المباحثات الحكم الذاتي لكردستان، ومستقبل العلاقة بين الحزب والدولة، وإمكان التوصل إلى تسوية تنهي سنوات المواجهة.

تعامل قاسملو مع المفاوضات بجدية. لم يتخلَّ عن ثوابته، لكنه اعتقد أن واجبه يفرض عليه اختبار فرصة السلام حتى النهاية.

في الثالث عشر من تموز عام 1989، وصل إلى شقة في شارع لينكه بانغاسه في فيينا، برفقة عبد الله قادري آذر، عضو اللجنة المركزية للحزب. وكان الدكتور فاضل رسول، المثقف الكردي العراقي الذي ساهم في ترتيب اللقاء، حاضراً بصفته وسيطاً.

جلس الرجال الثلاثة أمام الوفد الإيراني.

لم يحملوا السلاح، ولم يصطحبوا حراساً، ولم يتصوروا أن يتحول مكان المفاوضات إلى مسرح إعدام.

كان قاسملو يتحدث عن الحكم الذاتي وحقوق الكرد وضمان العمل السياسي، ثم دوّى الرصاص. أُطلق عليه الرصاص من مسافة قريبة، وقُتل إلى جانبه عبد الله قادري آذر وفاضل رسول.

كانت الجريمة رسالة لا إلى الحزب الديمقراطي وحده، بل إلى كل معارض إيراني يعتقد أن النظام يحترم حرمة الحوار: قد ندعوكم إلى المفاوضات، لكننا نتعامل مع طاولة التفاوض بوصفها امتداداً لساحة الاغتيال.

الغدر الذي اكتمل بالإفلات من العدالة

لم تتوقف المأساة عند الاغتيال. كان أعضاء الوفد الإيراني موجودين في مكان الجريمة، وأصيب أحدهم إصابة محدودة، بينما تمكن آخرون من المغادرة.

ورغم خطورة الملابسات، غادر المشتبه بهم الأراضي النمساوية، ولم تُجرَ محاكمة تتناسب مع خطورة جريمة ارتُكبت على أرض دولة أوروبية.

ظلت القضية مثالاً صارخاً على الطريقة التي يمكن أن تتقدم فيها الحسابات الدبلوماسية والمصالح السياسية على العدالة ودم الضحايا.

خاضت هيلين قاسملو، زوجة الدكتور ورفيقة حياته، معركة طويلة من أجل الحقيقة ومحاسبة المسؤولين، لكن العدالة الكاملة لم تتحقق.

كان الإفلات من العقاب خطيراً بقدر الجريمة نفسها. فعندما لا يُحاسب من يقتل معارضاً على طاولة التفاوض، يتحول الاغتيال من حادثة إلى سياسة، ويتلقى القاتل رسالة مفادها أنه يستطيع تكرار فعلته.

وبعد ثلاثة أعوام فقط، انتقلت آلة القتل من فيينا إلى برلين.

ميكونوس: الرصاص الذي لاحق خليفة قاسملو

في السابع عشر من أيلول عام 1992، اغتيل الدكتور صادق شرفكندي، خليفة قاسملو في الأمانة العامة للحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني، داخل مطعم ميكونوس في برلين، إلى جانب فتاح عبدلي وهمايون أردلان ونوري دهكردي.

لم تكن جريمة ميكونوس حادثاً جنائياً غامضاً أو تصفية نفذها أفراد تحركوا من تلقاء أنفسهم. فقد كشفت التحقيقات والمحاكمة الألمانية الطويلة أن العملية كانت اغتيالاً سياسياً منظماً استهدف قيادة كردية معارضة.

أدانت المحكمة كاظم دارابي، وهو إيراني مقيم في ألمانيا، بوصفه المنظم الميداني للعملية لمصلحة أجهزة الجمهورية الإسلامية، كما أدانت اللبناني عباس رايل، المتهم بإطلاق الرصاص القاتل، وحكمت على كليهما بالسجن المؤبد. وأدين لبنانيون آخرون بالمشاركة أو تقديم المساعدة، بينما بُرّئ متهم خامس.

كانت أهمية محاكمة ميكونوس في أنها لم تكتفِ بإدانة المنفذين المباشرين، بل خلصت إلى أن عملية الاغتيال جاءت نتيجة قرار سياسي صادر عن المستويات العليا في الدولة الإيرانية، ونُفذت عبر أجهزة وشبكات عملت خارج الحدود.

وبذلك كشفت القضية بنية متكاملة للاغتيال السياسي: قيادة تصدر القرار، وأجهزة تخطط، وعناصر محلية وعابرة للحدود تنظم وتنفذ، ثم شبكة سياسية ودبلوماسية تسعى إلى إبعاد المسؤولية عن مركز القرار.

دور العناصر المرتبطة بحزب الله

أظهرت قضية ميكونوس أن خلية التنفيذ لم تكن إيرانية خالصة، بل ضمت لبنانيين ارتبط بعضهم ببيئات تنظيمية وأمنية موالية لطهران، وفي مقدمتها حزب الله.

وارتبط اسم مطلق النار عباس رايل بحزب الله، كما تناولت التحقيقات والدراسات المتعلقة بالقضية دور شبكة لبنانية جرى تجنيدها أو استخدامها لتنفيذ العملية تحت إشراف إيراني.

وتقتضي الدقة القول إن المحكمة الألمانية أدانت أشخاصاً محددين بأسمائهم، ولم تصدر حكماً بإدانة حزب الله كله بوصفه مؤسسة قانونية متهمة في القضية. إلا أن مشاركة عناصر مرتبطة به، وعملها ضمن شبكة نفذت قراراً إيرانياً باغتيال معارضين كرد في قلب أوروبا، تطرح سؤالاً لا يمكن تجاهله عن وظيفة التنظيمات المسلحة المرتبطة بطهران.

فالعلاقة هنا لم تعد مجرد تقارب سياسي أو تحالف أيديولوجي، بل تحولت، في حالة ميكونوس، إلى مسار تنفيذي استخدمت فيه عناصر لبنانية في عملية اغتيال تخدم سياسة الدولة الإيرانية ضد معارضيها.

من فيينا إلى ميكونوس، ظهرت المنظومة نفسها: رأس يقرر، وأجهزة تخطط، ودبلوماسية توفر الغطاء، وأذرع تتحرك بعيداً عن المركز وتضغط على الزناد.

من سماها «أذرعاً» لم يخطئ

من وصف هذه التنظيمات بأنها «أذرع» لطهران لم يخطئ في توصيف طبيعة العلاقة. فالذراع، في معناها السياسي والأمني، هي الجهة التي تنفذ خارج حدود الدولة ما تقرره القيادة المركزية، وتمنحها القدرة على التأثير والضغط والقتال مع إبقاء مسافة شكلية بينها وبين مسرح العملية.

ومن طالب بقطع يد هذه الأذرع لم يكن بالضرورة يتحدث عن اختلاف فكري أو خصومة حزبية عادية، بل عن ضرورة وقف بنية تسمح لدولة باستخدام تنظيمات مسلحة خارج أراضيها لملاحقة المعارضين، وتهديد سيادة الدول، وتحويل المجتمعات إلى ساحات صراع مفتوحة.

وقطع يد الأذرع لا يعني استهداف طائفة أو جماعة بشرية، ولا تبرير العنف ضد المدنيين، بل يعني نزع القدرة العسكرية والأمنية غير الشرعية عن التنظيمات التي تجعل قرارها جزءاً من استراتيجية دولة أجنبية، وإخضاع السلاح لسلطة الدولة والقانون.

فالأذرع لا تحمي الأوطان عندما تتقدم مصلحة المركز الذي يحركها على مصلحة البلد الذي تنتمي إليه. بل تحوّل الدول إلى أوراق تفاوض، والمجتمعات إلى ساحات، والمواطنين إلى أثمان تُدفع في حروب لم يختاروها.

وفي ميكونوس لم تعد كلمة «الأذرع» وصفاً سياسياً مجرداً؛ فقد ظهرت شبكة تنفيذية جمعت بين القرار الإيراني والمنظم الميداني والعناصر اللبنانية التي شاركت في الجريمة.

لماذا كان قاسملو خطيراً عليهم؟

لم يكن النظام يخشى قاسملو لأنه يمتلك جيشاً قادراً على إسقاط الدولة الإيرانية، بل لأنه امتلك ما هو أخطر على الأنظمة الاستبدادية: الشرعية الأخلاقية والسياسية.

كان كردياً صلباً من دون تعصب، واشتراكياً من دون شمولية، وعلمانياً من دون عداء للدين، وثورياً من دون عشق للدماء، ومفاوضاً من دون استعداد للتنازل عن جوهر قضية شعبه.

استطاع أن يخاطب الكرد بلغتهم وذاكرتهم، والإيرانيين بلغة الديمقراطية والمواطنة، والعالم بلغة حقوق الإنسان والقانون.

لم يقدم نفسه زعيماً لمنطقة معزولة، بل قائداً لحركة وطنية ديمقراطية. ولم يسمح بأن تُختصر القضية الكردية في نزاع أمني أو صراع على المناصب؛ فقد ربطها باللغة والتعليم والتنمية والعدالة والمشاركة السياسية والكرامة الإنسانية.

كان يستطيع إقناع الآخرين بأن الاعتراف بحقوق كردستان لا يعني تدمير إيران، بل إن إنكار هذه الحقوق هو الذي يهدد استقرارها ووحدتها.

ولهذا كان خطيراً عليهم.

كان خطيراً لأنه معتدل من دون ضعف، وواقعي من دون استسلام، وقومي من دون كراهية، وديمقراطي لا يستطيع النظام أن يصوره بسهولة بوصفه عدواً للشعوب الإيرانية.

ولأنهم لم يستطيعوا إسقاط منطقه، قرروا إسكات صوته.

الرجل خلف صورة الزعيم

خلف الصورة الرسمية والملامح الحازمة كان هناك إنسان محب للحياة، معروف بروح الدعابة والقدرة على بناء علاقة مباشرة مع من حوله.

لم يكن من القادة الذين يصنعون بينهم وبين الناس جدراناً من الحرس والألقاب. عاش حياة المنفى والتنقل والمخاطر، ودفع مع أسرته ثمناً باهظاً لاختياره السياسي.

كان زوجاً وأباً، لكنه لم يمتلك حياة عائلية طبيعية. أخذت القضية منه الاستقرار والوطن، ثم أخذت حياته. ومع ذلك، لم تُظهر سيرته أنه ندم على الطريق الذي اختاره.

لم يكن بطلاً أسطورياً منزهاً عن الخطأ، بل سياسياً يعمل داخل واقع بالغ التعقيد ويتخذ قرارات صعبة يمكن الاختلاف حولها. غير أن عظمته كانت في قابليته للمراجعة والتطور، وفي رفضه ادعاء العصمة.

كان يعرف أن القائد ليس من يطلب من الناس أن يموتوا من أجله، بل من يتحمل الخطر كي يعيش شعبه.

لو كان قاسملو بيننا اليوم

لو كان عبد الرحمن قاسملو حاضراً اليوم، لما تعامل مع القضية الكردية باعتبارها مجموعة شعارات جامدة، ولا بوصفها مناسبة لإعادة إنتاج خطاب يعود إلى ظروف انتهت.

كان سيحافظ على جوهر شعاره التاريخي:

«الديمقراطية لإيران والحكم الذاتي لكردستان».

لكنه كان سيقرأ الواقع الجديد بواقعيته وشجاعته المعهودة. كان سيعرف أن الأسماء والصيغ الدستورية قد تتطور، وأن الحكم الذاتي الذي رفعه في زمانه قد يُترجم اليوم بصيغة اتحادية أو لا مركزية ديمقراطية أو نظام يضمن حق كردستان في إدارة شؤونها، لكن الثابت عنده سيكون رفض العودة إلى المركزية القسرية وإنكار الهوية الكردية.

لم يكن قاسملو ليقدّس المصطلحات على حساب مضمونها. كان سيسأل: هل يمتلك الكرد حق إدارة أرضهم؟ هل لغتهم معترف بها في التعليم والمؤسسات؟ هل يشاركون في اتخاذ القرار والثروة؟ هل تحمي حقوقهم ضمانات دستورية لا يستطيع الحاكم إلغاءها؟ وهل تقوم العلاقة مع بقية إيران على الشراكة أم على التبعية؟

كان واقعياً، لكنه لم يكن انتهازياً. والفرق كبير بين الواقعية التي تبحث عن أفضل طريق ممكن لتحقيق الحقوق، وبين التنازل الذي يبدد الحقوق بحجة الظروف.

كان سيقرأ موازين القوى بدقة، ويرفض دفع الشعب الكردي إلى مواجهة غير محسوبة، لكنه في الوقت نفسه لم يكن ليسمح بأن تتحول الواقعية إلى ذريعة للصمت أو التخلي عن القضية.

وكان سيفهم أن حل القضية الكردية لا يمر فقط عبر العواصم الأجنبية، بل يبدأ من تنظيم الداخل الكردي، وبناء قيادة موحدة، وتوسيع مشاركة النساء والشباب، وربط النضال القومي بالحركات الديمقراطية والاجتماعية في عموم إيران.

مسؤولية حزبه اليوم

يتحمل الحزب الذي قاده عبد الرحمن قاسملو مسؤولية تاريخية تتجاوز إحياء ذكراه ورفع صوره في المناسبات. فالوفاء لقاسملو لا يكون بتكرار كلماته فقط، بل باستخدام منهجه في فهم المتغيرات واتخاذ القرار.

مسؤولية الحزب الديمقراطي اليوم هي الحفاظ على التوازن الذي صنعه قاسملو بين الهوية الكردية والمشروع الديمقراطي العام، وبين التمسك بالحقوق والواقعية السياسية، وبين النضال القومي والانفتاح على شركاء محتملين في إيران والمنطقة والعالم.

عليه أن يحافظ على جوهر شعار قاسملو، وألا يسمح باختزال القضية الكردية في مجرد تبديل النظام الحاكم في طهران. فسقوط سلطة استبدادية لا يعني تلقائياً ولادة دولة تعترف بحقوق الكرد.

وقد أثبت التاريخ أن بعض قوى المعارضة قد تختلف مع الجمهورية الإسلامية في شكل الحكم، لكنها تلتقي معها عند رفض تقاسم السلطة والاعتراف بالتعدد القومي.

لذلك لا يكفي أن يسأل الحزب شركاءه: هل تعارضون النظام؟ بل يجب أن يسألهم بوضوح: ما موقفكم من حقوق الشعب الكردي؟ هل تقبلون بدستور ديمقراطي لا مركزي؟ هل تعترفون بحق كردستان في إدارة شؤونها؟ وهل تقبلون بتقاسم حقيقي للسلطة والثروة؟

وفي الوقت نفسه، تفرض مسؤولية الحزب ألا يعزل القضية الكردية عن بقية قضايا إيران. فقد علّم قاسملو حزبه أن كردستان لا تستطيع بلوغ حريتها داخل بحر من الاستبداد، وأن التحالف مع القوى الديمقراطية ضرورة، شرط ألا يكون ذلك على حساب وضوح المطالب الكردية.

ولو كان قاسملو معنا، لعمل على توحيد القوى الكردستانية حول برنامج حد أدنى، وخفض مستوى الصراعات الحزبية، ورفض أن تصبح المنافسة التنظيمية بديلاً عن القضية الأساسية.

كان سيقول إن الحزب الذي يستهلك طاقته في خلافاته الداخلية يترك خصمه الحقيقي أكثر قوة.

وكان سيمنح الداخل الكردي الأولوية، لأن الحزب الذي يفقد صلته بالناس يتحول تدريجياً إلى مؤسسة منفى مهما كان تاريخه عظيماً. سيستمع إلى العمال والطلاب والنساء والمعلمين والمثقفين وسكان المدن والقرى، ويعيد بناء البرنامج انطلاقاً من احتياجاتهم، لا من ذاكرة الماضي وحدها.

كما كان سيدرك حساسية أوضاع المدنيين والعائلات الكردية الموجودة خارج إيران، ويرفض تحويلهم إلى أوراق في الصراع. فحماية المدنيين، وفصلهم عن النشاط العسكري، واحترام قوانين الدول التي تستضيفهم، ليست مسائل ثانوية، بل جزء من المسؤولية الأخلاقية والسياسية للحركة.

ولو كان قاسملو بيننا، لحافظ على السلاح بوصفه حقاً في الدفاع عن النفس عندما تصبح حياة الناس مهددة، لكنه لما سمح له بأن يتقدم على السياسة. ولحافظ على المفاوضات بوصفها خياراً ضرورياً، لكنه لما ذهب إليها من دون ضمانات أو من دون تعلم دروس فيينا.

كان سيقول لحزبه إن الحوار ليس خطيئة، لكن الثقة العمياء ليست شجاعة؛ وإن الواقعية لا تعني نسيان طبيعة الخصم؛ وإن حماية القيادة والكوادر جزء من حماية القضية نفسها.

قاسملو ليس تمثالاً بل منهج

الخطر على إرث قاسملو لا يأتي فقط من الذين اغتالوه، بل قد يأتي أيضاً من تحويله إلى صورة معلقة فوق الجدران، تُرفع في الذكرى ثم تُترك أفكاره بعيداً عن القرار السياسي.

قاسملو ليس تمثالاً، بل منهج يقوم على المعرفة والمراجعة والواقعية والشجاعة الديمقراطية.

لم يكن أسير نص قديم، ولو عاش اليوم لتغيرت بعض أدواته ومصطلحاته وتحالفاته، لكن مبادئه الأساسية كانت ستبقى واضحة:

لا حرية لكردستان من دون ديمقراطية، ولا ديمقراطية حقيقية من دون الاعتراف بحقوق كردستان.

لا عدالة اجتماعية من دون حرية سياسية.

لا وحدة بالقوة، ولا شراكة من دون مساواة.

لا كفاح مسؤولاً من دون حساب موازين القوى، ولا واقعية مشروعة إذا تحولت إلى تنازل عن الحقوق.

لا حزب حياً من دون مشاركة النساء والشباب، ولا قيادة ناجحة من دون اتصال دائم بالداخل.

ولا تفاوض ناجحاً من دون حذر وضمانات واستعداد لمواجهة الغدر.

هذه هي المسؤولية التي تركها قاسملو لحزبه ورفاقه: ألا يحفظوا اسمه فقط، بل أن يظلوا جديرين بالمشروع الذي دفع حياته ثمناً له.

اغتالوا الجسد وبقيت المعادلة

بعد عقود على اغتياله، ما زالت معادلة قاسملو حاضرة: لا يمكن حل القضية الكردية بالقوة العسكرية، ولا يمكن بناء إيران مستقرة من خلال إنكار شعوبها، ولا يمكن فصل الديمقراطية عن الاعتراف بالتعدد القومي والثقافي.

ما زال النظام الإيراني يستخدم السجون والإعدام والملاحقة ضد النشطاء الكرد، وما زال يتعامل مع المطالبة بالحقوق بوصفها تهديداً أمنياً.

لكن استمرار القمع لم يلغِ القضية، بل أثبت صحة رؤية قاسملو: إن إنكار المشكلة لا ينهيها، وإن إغلاق أبواب السياسة يدفع المجتمعات إلى مزيد من الصراع.

كان يستطيع أن يختار حياة آمنة في الجامعات الأوروبية. كانت ثقافته وشهاداته ولغاته تفتح له أبواباً كثيرة. لكنه اختار شعباً حُرم من حقوقه، وحمل قضيته من مهاباد إلى براغ وباريس وفيينا.

وعندما جلس إلى مفاوضيه، لم يكن جاهلاً بطبيعة النظام، لكنه كان أميناً لفكرته. آمن بأن على القائد أن يمنح السلام فرصة، حتى عندما تكون المخاطرة كبيرة.

أما الذين قتلوه، فقد أثبتوا أنهم كانوا أضعف من مواجهة منطقه، وأعجز من الرد على مطالبه، وأجبن من أن يتركوا الحوار يصل إلى نهايته.

في الذكرى… العدالة لا تسقط بالتقادم

ذكرى عبد الرحمن قاسملو ليست مناسبة للبكاء على قائد راحل فقط، ولا طقساً حزبياً يتكرر كل عام. إنها مطالبة متجددة بكشف الحقيقة كاملة، ومحاسبة من خطط ونفذ وسهّل الهروب، ومساءلة كل من قدّم المصالح السياسية على دماء ثلاثة رجال قُتلوا وهم يفاوضون.

وهي أيضاً ذكرى صادق شرفكندي ورفاقه الذين لحق بهم الرصاص الإيراني في ميكونوس، وذكرى كل معارض سقط لأن نظاماً قرر نقل إرهابه إلى خارج حدوده.

فالجريمة التي لا تُحاسب تتحول إلى سياسة، والصمت عن إرهاب الدول لا يحمي الاستقرار، بل يمنح القتلة وقتاً إضافياً لإعداد جرائم أخرى.

اغتال النظام الإيراني قاسملو وهو يمد يده إلى الحوار، لكنه لم يستطع اغتيال السؤال الذي حمله إلى الطاولة: كيف يمكن لإيران أن تكون وطناً للجميع إذا بقيت حقوق شعوبها رهينة سلطة مركزية ترفض الاعتراف بهم؟

ولم يستطع اغتيال شعاره الذي أصبح جزءاً من الذاكرة السياسية الكردية:

«الديمقراطية لإيران والحكم الذاتي لكردستان».

في الثالث عشر من تموز نستعيد رجلاً لم يفصل يوماً بين حرية شعبه وحرية الآخرين، ولم يجعل من قوميته جداراً، بل جسراً نحو دولة عادلة.

نستعيد القائد الذي حمل السلاح عندما فُرضت عليه الحرب، وحمل الكتاب عندما احتاج شعبه إلى المعرفة، وحمل قضيته إلى العالم، ثم حمل ثقته إلى طاولة المفاوضات.

دخل الغرفة وفي قلبه أمل بإنقاذ الأرواح.

ودخلوا إليها وفي أيديهم قرار اغتياله.

غدروه بدم بارد، لكنهم لم ينتصروا عليه؛ لأن القاتل لم يترك خلفه سوى اسمه في ملف الجريمة، بينما ترك عبد الرحمن قاسملو شعباً يتذكره، وفكرة تقاوم، وشعاراً لم يفقد معناه، وطريقاً ما زال يقود نحو الحرية.

سلام على عبد الرحمن قاسملو يوم وُلد، ويوم اختار طريق شعبه، ويوم ارتقى شهيداً على طاولة كان يريد أن يصنع فوقها السلام.

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

ماركس وباكونين: الصراع الذي شقّ الثورة إلى طريقين!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد من الأممية الأولى إلى مؤتمر لاهاي: من كان أقرب...

هالة نهرا ووجدي أبو ذياب في عملٍ إبداعيّ: من سلوفينيا إلى العالم!

أخباركم - أخبارنا تجلببتْ قصيدة «يا ضوء الأضواء» للشاعرة اللبنانية والعربية هالة نهرا، من...

اليسار الفلسطيني أمام مرآة الحقيقة: أزمة المشروع أم أزمة الاستقلال السياسي؟

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد ردّ على مقالة «اليسار الفلسطيني أمام لحظة الحقيقة.. من...

الحجّاج والسفّاح: هل يعيد التاريخ إنتاج وجهي السلطة؟

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد يصعب فهم الحجّاج بن يوسف الثقفي وأبي العباس السفّاح...

More like this

من فيصل وبوتو إلى مكة: هل وُلدت المظلة النووية السعودية في السبعينيات وتستعد إسرائيل اليوم لمواجهتها؟

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد هناك سؤال يبدو في ظاهره بسيطاً، لكنه قد يكون مفتاحاً...

نحو شرق أوسط جديد!

أخباركم - أخبارنا/ حنا صالح على مدى الأشهر التي تلت كارثة طوفان الأقصى، زعم...

سلسلة تعيينات باسم خامنئي: هل بدأت عملية إعادة بناء السلطة من داخل السلطة ام نفذ انقلاب ابيض؟

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد ما جرى في إيران خلال الأيام الأخيرة من تعيينات...