أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد
لم يكن المشهد الذي رافق تشييع المرشد الإيراني مجرد حدث جنائزي، بل تحول إلى مادة سياسية وإعلامية أثارت نقاشاً واسعاً داخل إيران وخارجها. فبينما قدمت السلطات الحشود المليونية على أنها دليل على استمرار الالتفاف الشعبي حول النظام، يقدّم معارضون إيرانيون رواية مختلفة تماماً.
أحد المعارضين الإيرانيين قال لي إن جزءاً كبيراً من المشاركين لم يحضروا بدافع القناعة، بل نتيجة ضغوط مورست عليهم عبر المؤسسات الحكومية والجامعات والإدارات الرسمية، وهو أمر سبق أن تحدثت عنه منظمات حقوقية وتقارير إعلامية في مناسبات تعبئة جماهيرية سابقة داخل إيران. وفي المقابل، لا يمكن الجزم بأن جميع الحاضرين كانوا مكرهين؛ فمن المرجح أن الحشود ضمت أيضاً مؤيدين حقيقيين للنظام، إضافة إلى فضوليين ومشاركين لأسباب اجتماعية أو دينية.
لكن السؤال الأهم ليس عدد المشيعين، بل واقع الدولة بعد انتهاء مراسم التشييع.
فبحسب المعارض نفسه، يعيش الاقتصاد الإيراني مرحلة انهيار حاد؛ البنوك تعاني من أزمة سيولة، والحصول على الأموال أصبح أكثر صعوبة، فيما تتراجع قيمة العملة، وتزداد الضغوط المعيشية على المواطنين. وحتى لو اختلفت التقديرات بشأن حجم الأزمة، فإن المؤشرات الاقتصادية خلال السنوات الأخيرة تظهر بوضوح أن العقوبات، وسوء الإدارة، والإنفاق الإقليمي المرتفع، كلها عوامل دفعت الاقتصاد الإيراني إلى وضع بالغ الصعوبة.
التاريخ يعلمنا أن الأنظمة لا تُقاس فقط بقدرتها على حشد الجماهير في الساحات، بل بقدرتها على توفير حياة كريمة لمواطنيها. فالمشهد الجماهيري قد يستمر لساعات، أما الأزمات الاقتصادية فترافق الناس كل يوم: في المصارف، والأسواق، وفرص العمل، ومستوى المعيشة.
ولهذا، فإن قراءة المشهد الإيراني ينبغي أن تكون أكثر عمقاً من مجرد عدّ المشاركين في جنازة أو مظاهرة. فالمقياس الحقيقي لاستقرار أي دولة هو ثقة مواطنيها بمستقبلهم، وقدرة مؤسساتها على إدارة الاقتصاد، وحماية العملة، وتأمين الخدمات الأساسية. وإذا استمرت هذه الأزمات دون حلول جذرية، فإن أي مشهد جماهيري، مهما كان حجمه، لن يكون كافياً لإخفاء حجم التحديات التي تواجهها إيران في المرحلة المقبلة.



