السبت, أغسطس 15, 2026
25.2 C
Beirut

حين يتحول اليسار إلى حارس لأيديولوجيا الدولة!

نشرت في

أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد

قراءة نقدية في افتتاحية جريدة «صوت الشعب» التونسية

نشرت جريدة «صوت الشعب»، لسان حال حزب العمال التونسي، في العدد 134 الصادر يوم 19 جوان/يونيو 2026، افتتاحية بعنوان «إيران توجه ضربة موجعة للغطرسة الأمريكية». واللافت أن الافتتاحية جاءت من دون توقيع، ما يعني أنها تعبّر عن الموقف السياسي للجريدة والحزب أكثر مما تعبر عن رأي كاتب بعينه.

تقوم الافتتاحية على فرضية مركزية مفادها أن إيران خرجت من المواجهة الأخيرة منتصرة، وأنها فرضت معادلة استراتيجية جديدة، وأثبتت أنها أصبحت القوة الإقليمية الأكثر تأثيراً، وأن الولايات المتحدة اضطرت إلى التراجع والقبول بالأمر الواقع.

وتقول الافتتاحية حرفياً إن الاتفاق الذي أعقب المواجهة:

«يعكس حقيقة التحولات الحاصلة في المنطقة والعالم، وهو ضربة موجعة لسياسة ترامب–نتنياهو.»

كما تضيف:

«لقد أثبت الصمود الإيراني ضربة للخطة الصهيونية الأمريكية لوضع اليد بالكامل على المنطقة.»

وتخلص إلى أن:

«إيران أثبتت لدى كل العالم أنها أصبحت لاعباً إقليمياً أساسياً.»

هذه العبارات تكشف أن المقال لا يكتفي بتحليل نتائج المواجهة العسكرية، بل ينتقل إلى تقديم الجمهورية الإسلامية باعتبارها رأس مشروع تحرري يخدم مصالح الشعوب، وهو استنتاج يستحق نقاشاً فكرياً عميقاً.

من ينتصر؟ الدولة أم الشعب؟

يعتبر المقال أن صمود الدولة الإيرانية يعني انتصاراً للشعب الإيراني وللشعوب العربية. لكن هذا الاستنتاج يناقض أبسط مبادئ التحليل الماركسي.

لقد كتب كارل ماركس في رأس المال:

«إن تراكم الثروة في قطب هو في الوقت نفسه تراكم للبؤس في القطب المقابل.»

السؤال الذي كان ماركس سيطرحه ليس: كم صاروخاً أطلقت إيران؟ بل: كيف يعيش العامل الإيراني؟ وما هو وضع النقابات؟ ومن يملك الثروة؟ وكيف توزع السلطة الاقتصادية؟ وما هو نصيب الطبقات الفقيرة من هذا “الانتصار”؟

إن الافتتاحية لا تذكر العامل الإيراني مرة واحدة، ولا تناقش الأجور، ولا البطالة، ولا التضخم، ولا أوضاع المتقاعدين، ولا حرية التنظيم النقابي، وكأن المجتمع الإيراني اختفى ولم يبق سوى الدولة.

وهنا تتحول الماركسية إلى مجرد خطاب جيوسياسي يفقد جوهرها الطبقي.

الصراع الطبقي اختفى… وبقي صراع الدول

يرى المقال أن الصراع الأساسي في المنطقة هو بين إيران والإمبريالية الأمريكية.

لكن ماركس لم يقل يوماً إن الصراع الرئيسي هو بين الدول، بل أكد في افتتاح البيان الشيوعي:

«إن تاريخ كل مجتمع حتى يومنا هذا هو تاريخ صراع الطبقات.»

أين صراع الطبقات داخل إيران في هذه الافتتاحية؟

أين العمال؟

أين الفلاحون؟

أين النساء؟

أين الأقليات القومية؟

أين النقابات المستقلة؟

كل هؤلاء اختفوا، وحلّت محلهم الدولة.

وهنا يصبح اليسار مدافعاً عن سلطة، لا عن مجتمع.

هل كل من يعادي واشنطن يصبح يسارياً؟

تتعامل الافتتاحية مع الجمهورية الإسلامية كما لو أنها تمثل مشروعاً تقدمياً لمجرد أنها تواجه الولايات المتحدة.

لكن ماركس لم يربط يوماً بين معاداة الغرب وبين الاشتراكية.

بل كتب في نقد برنامج غوتا:

«التحرر الحقيقي للعمال يجب أن يكون من صنع العمال أنفسهم.»

ولم يقل إن تحرر العمال يتحقق عبر دولة دينية، أو عبر سلطة تقوم على ولاية الفقيه، أو عبر مؤسسة دينية تحتكر القرار السياسي.

إن معاداة الولايات المتحدة لا تحول أي نظام إلى نظام اشتراكي، تماماً كما أن معاداة الاستعمار لا تجعل أي سلطة ممثلة للطبقة العاملة.

أين الديمقراطية التي دافع عنها ماركس؟

يركز المقال على الصواريخ والردع، لكنه يتجاهل تماماً سؤال الحرية.

لقد كتب فريدريك إنجلز في رسالته إلى أوغست بيبل:

«لا يمكن للطبقة العاملة أن تستخدم جهاز الدولة القائم كما هو، بل عليها أن تغيّره جذرياً.»

أما الافتتاحية فتتعامل مع جهاز الدولة كما لو كان هدفاً بحد ذاته، لا أداة يجب أن تخضع للمساءلة الشعبية.

وهذا انتقال من الفكر الاشتراكي إلى فكر الدولة الأمنية.

مقاومة الإمبريالية لا تعني تبرئة السلطة

لا أحد ينكر أن الولايات المتحدة ارتكبت أخطاءً كبيرة في المنطقة، ولا أحد يعترض على حق إيران في الدفاع عن سيادتها.

لكن هذا لا يمنح أي سلطة حصانة من النقد.

لقد كتب فلاديمير لينين في الدولة والثورة:

«من دون حرية النقد لا توجد حركة ثورية.»

فكيف يصبح نقد السلطة الإيرانية اليوم نوعاً من الخيانة؟

وكيف يصبح الدفاع عن حقوق الإيرانيين أقل أهمية من الدفاع عن النظام الإيراني؟

هذا منطق لا يمت بصلة إلى التراث الماركسي.

الجمهورية الإسلامية ليست دولة ماركس

الدولة التي قامت على ولاية الفقيه ليست دولة علمانية.

وليست دولة تقوم على سلطة العمال.

وليست دولة تقودها المجالس العمالية.

وليست دولة تقوم على الديمقراطية الاشتراكية.

إنها دولة ذات مرجعية دينية، تقوم على شرعية فقهية، وتمنح المؤسسة الدينية موقعاً فوق المؤسسات المنتخبة.

ولذلك فإن تصويرها بوصفها امتداداً للفكر اليساري يمثل قطيعة مع التراث الماركسي نفسه.

فكارل ماركس كتب في مقدمة نقد فلسفة الحق عند هيغل:

«الدين هو زفرة المخلوق المقهور… وهو أفيون الشعب.»

سواء اتفقنا أو اختلفنا مع هذه المقولة، فإنها تكشف بوضوح أن ماركس لم يكن ينظر إلى الدولة الدينية بوصفها مشروعاً للتحرر الاجتماعي.

يسار يعيش خارج الزمن

تكشف هذه الافتتاحية أزمة جزء من اليسار العربي الذي لم يغادر عقلية الحرب الباردة.

فكل من يعادي واشنطن يصبح تلقائياً في نظره ممثلاً للتقدم.

وكل من يختلف مع إيران يصبح تلقائياً في معسكر الإمبريالية.

وهكذا يختفي التفكير النقدي، ويحل محله الاصطفاف الأيديولوجي.

لقد أصبح بعض اليسار يبحث عن الاتحاد السوفيتي في طهران، وعن الثورة الاشتراكية في الجمهورية الإسلامية، حتى بات يتعامل سياسياً مع علي خامنئي كما لو كان الوريث الطبيعي لكارل ماركس.

لكن الحقيقة أن خامنئي ليس ماركس، وأن ولاية الفقيه ليست ديكتاتورية البروليتاريا، وأن الحرس الثوري ليس اتحاداً للعمال، وأن الدولة الدينية لا تصبح اشتراكية لأنها تختلف مع الولايات المتحدة.

إن الدفاع عن حق إيران في مواجهة أي عدوان خارجي لا يفرض الدفاع عن كل سياسات النظام الإيراني.

كما أن رفض الهيمنة الأمريكية لا يعني التخلي عن المبادئ التي قام عليها الفكر الماركسي: الحرية، والعدالة الاجتماعية، وحقوق العمال، والديمقراطية، واستقلال الحركة الشعبية عن أجهزة الدولة.

لقد نجحت افتتاحية «صوت الشعب» في الدفاع عن الدولة الإيرانية، لكنها فشلت في الدفاع عن المجتمع الإيراني.

وبين الدولة والمجتمع، كان ماركس سيختار المجتمع. وبين السلطة والطبقة العاملة، كان سينحاز إلى الطبقة العاملة. وبين الأيديولوجيا والواقع، كان سيختار الواقع.

المراجع

  1. صحيفة صوت الشعب (تونس)، العدد 134، 19 جوان/يونيو 2026، افتتاحية: «إيران توجه ضربة موجعة للغطرسة الأمريكية».
  2. كارل ماركس، رأس المال، المجلد الأول.
  3. كارل ماركس وفريدريك إنجلز، البيان الشيوعي (1848).
  4. كارل ماركس، نقد برنامج غوتا (1875).
  5. كارل ماركس، مقدمة نقد فلسفة الحق عند هيغل (1844).
  6. فريدريك إنجلز، رسالة إلى أوغست بيبل (1875).
  7. فلاديمير لينين، الدولة والثورة (1917).

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

ماركس وباكونين: الصراع الذي شقّ الثورة إلى طريقين!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد من الأممية الأولى إلى مؤتمر لاهاي: من كان أقرب...

هالة نهرا ووجدي أبو ذياب في عملٍ إبداعيّ: من سلوفينيا إلى العالم!

أخباركم - أخبارنا تجلببتْ قصيدة «يا ضوء الأضواء» للشاعرة اللبنانية والعربية هالة نهرا، من...

اليسار الفلسطيني أمام مرآة الحقيقة: أزمة المشروع أم أزمة الاستقلال السياسي؟

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد ردّ على مقالة «اليسار الفلسطيني أمام لحظة الحقيقة.. من...

الحجّاج والسفّاح: هل يعيد التاريخ إنتاج وجهي السلطة؟

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد يصعب فهم الحجّاج بن يوسف الثقفي وأبي العباس السفّاح...

More like this

ماركس وباكونين: الصراع الذي شقّ الثورة إلى طريقين!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد من الأممية الأولى إلى مؤتمر لاهاي: من كان أقرب...

فريدريك إنجلز .. الشريك الذي حجبه ظل ماركس .. لماذا لم ينل أحد مؤسسي الاشتراكية العلمية المكانة التي يستحقها؟

أخباركم - أخبارنا بقلم: مسعود محمد حين يُذكر تأسيس الاشتراكية العلمية، يتجه الذهن مباشرة إلى كارل...

المؤتمر الأربعون للحزب الشيوعي الفرنسي: من مقاومة التراجع إلى «شيوعية الفتوحات» واستعادة مشروع التغيير!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد عقد الحزب الشيوعي الفرنسي مؤتمره الوطني الأربعين في مدينة...