أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد
هناك رجال يكبرون في العمر، لكنهم لا يكبرون على الفكرة. وهناك آخرون يبقون أسرى أفكار صاغها زمن مضى، فيعيشون خارج الواقع بينما يتغير العالم من حولهم. أما فاروق باباميري، فكان من أولئك الذين حافظوا على المبادئ، وامتلكوا في الوقت نفسه شجاعة مراجعة الوسائل، فبقوا أوفياء للعدالة والحرية، دون أن يصبحوا أسرى للماضي.
رجل يقرأ المجتمع قبل السياسة
عرفته عن قرب، لا من خلال البيانات الحزبية، بل عبر جلسات طويلة كان فيها الحديث عن إيران أكثر من كونه حديثاً عن السياسة. كان يتكلم بهدوء الواثق، ويستمع أكثر مما يتحدث، وحين يبدأ بتحليل المشهد الإيراني تشعر أن الرجل لا يقرأ الأخبار، بل يقرأ المجتمع نفسه.
وفي كل لقاء معه كنت أكتشف جانباً جديداً من شخصيته؛ تواضع لا يحتاج إلى استعراض، وانضباط حزبي لا يتحول إلى تعصب، وهدوء يسبق الكلمة ويمنحها وزناً. لم يكن يبحث عن الأضواء، ولم يكن يرى في السياسة طريقاً إلى المكانة الشخصية، بل مسؤولية أخلاقية تجاه شعب دفع أثماناً باهظة من أجل الحرية.
ماركسي يراجع الوسائل ولا يتخلى عن المبادئ
كان من أبناء المدرسة الماركسية الأصيلة؛ المدرسة التي تؤمن بأن الفكر وُجد لفهم الواقع وتغييره، لا لتقديس النصوص. ولذلك لم يكن مستغرباً أن يقف إلى جانب عبدالله مهتدي عندما بدأ مشروع المراجعة الفكرية والتنظيمية داخل كومله.
لقد أدرك أن الجمود لا يصنع المستقبل، وأن الحزب الذي يريد قيادة شعبه لا بد أن يتغير مع الزمن، من دون أن يتخلى عن قيم العدالة الاجتماعية والديمقراطية.
ولم يكن هذا التغيير، في نظره، تنازلاً عن المبادئ، بل حفاظاً عليها. فالعدالة لا تتناقض مع الديمقراطية، والهوية الكردية لا تتناقض مع بناء إيران ديمقراطية، والواقعية ليست استسلاماً، بل هي أعلى درجات المسؤولية السياسية.
قراءة مختلفة لأزمة إيران
أكثر ما كان يلفتني في أحاديثه قراءته لإيران من الداخل. لم يكن ينظر إلى الأزمة باعتبارها أزمة بين الفرس والكرد، ولا بين القوميات المختلفة، بل كان يرى أن المأزق الحقيقي يكمن في هيمنة المؤسسة العسكرية والأمنية على الدولة، وتحول القرار السياسي إلى رهينة للقوة المسلحة.
وكان يؤكد، في أحاديثنا الخاصة، أن الشعب الإيراني، بمختلف قومياته، يستحق دولة مدنية، وأن مستقبل إيران لا يمكن أن يُبنى في ظل استمرار تغوّل الأجهزة العسكرية والأمنية على مؤسسات الدولة والمجتمع. وأورد هذا الانطباع هنا بوصفه خلاصة لما سمعته منه في لقاءات شخصية، لا باعتباره اقتباساً منشوراً.
رؤية تتجاوز الانقسام
كان يتحدث عن الكرد، لكنه لا يحصر رؤيته بالكرد. ويتحدث عن الديمقراطية، لكنه لا يجعلها شعاراً فارغاً. ويتحدث عن إيران وكأنه يريد إنقاذها من نفسها، لا الانتقام منها.
ولذلك كان يرى أن مستقبل البلاد لن يصنعه السلاح وحده، بل توافق وطني يعيد السلطة إلى المؤسسات المدنية، ويمنح جميع القوميات والشعوب حقوقها في إطار نظام ديمقراطي يحترم القانون والكرامة الإنسانية.
رفيق درب في مشروع التغيير
وربما لهذا السبب بقي إلى جانب عبدالله مهتدي. فلم تكن العلاقة مجرد علاقة تنظيمية بين رفيقين، بل كانت شراكة في الإيمان بأن الأحزاب التي لا تراجع نفسها تموت، وأن الأفكار التي تخاف النقد تتحول إلى عقائد جامدة، وأن القائد الحقيقي هو من يمتلك شجاعة التغيير عندما يفرض الواقع ذلك.
انطباع شخصي
خرجت من لقاءاتي مع فاروق باباميري بقناعة شخصية أن الرجال لا يُقاسون بعدد الخطب التي يلقونها، بل بعدد العقول التي يفتحون لها أبواب التفكير. فقد وجدت فيه سياسياً ملتزماً، ومثقفاً هادئاً، ومناضلاً لم يفقد إنسانيته رغم عقود طويلة من الصراع والمنفى والخسارات.
قد لا يملأ حضوره شاشات التلفزة، لكنه من أولئك الذين يتركون أثراً عميقاً فيمن يجالسهم. رجال يفضلون بناء المؤسسات على صناعة الأبطال، ويؤمنون بأن التاريخ يكتبه أصحاب النفس الطويل، لا أصحاب الضجيج.
ولهذا، كلما التقيت فاروق باباميري، ازددت اقتناعاً بأن النضال الحقيقي ليس أن تتمسك بالماضي، بل أن تحمل قيمه معك وأنت تعبر نحو المستقبل.



