أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد
ليست كل زيارة إلى منزل صديق لقاءً عابراً، وليست كل جلسة سياسية مجرد تبادل للمعلومات والمواقف. بعض اللقاءات تتحول إلى مساحة حقيقية للعصف الفكري، وإلى محاولة لفهم ما يجري في إيران والمنطقة من خلال تجربة مناضل عاش المواجهة، ويعرف النظام الإيراني وأساليبه وأدواته وتحالفاته.
كان اللقاء مع حافظ فاضلي، عضو المكتب السياسي لحزب التضامن الديمقراطي الأهوازي، فرصة لا تُفوّت. فهو مناضل شرس في مواجهة نظام الملالي في إيران، وصديق موثوق للحركة الوطنية الكردستانية الإيرانية، ويتمتع بموقع احترام واضح بين صفوفها وقياداتها.
لذلك فإن دخول منزله، والجلوس معه، والاستماع إلى تحليله، واستشارته في ما يجري، لم يكن أمراً عادياً. لقد امتدت الجلسة طويلاً، وتحولت إلى عصف فكري تناول إيران ومستقبل النظام، ودور الحرس الثوري، ومصير مجتبى خامنئي، ومحمود أحمدي نجاد، والقضية الأهوازية، والعلاقة مع الكرد، والعلاقة مع المعارضة الفارسية، والمزاج الشعبي في الخليج، وصولاً إلى لبنان وسوريا ومستقبل المنطقة.
مجتبى خامنئي… حتى لو لم يمت فهو بحكم الميت
بدأت الحديث بالسؤال عن الرجل الذي يبحث الجميع عن أخباره ومصيره: مجتبى خامنئي.
قال حافظ فاضلي إن معرفة ما إذا كان مجتبى خامنئي حياً أو ميتاً لم تعد هي المسألة الأساسية، لأن مركز القرار الحقيقي، وفق قراءته، انتقل إلى الحرس الثوري.
وقال بوضوح:
«حتى لو كان مجتبى خامنئي غير ميت، فهو بحكم الميت، والحرس الثوري هو الذي يأخذ زمام الأمور».
وبحسب تقديره، لم تعد المسألة مرتبطة فقط بشخص داخل بيت المرشد، بل ببنية عسكرية وأمنية باتت تمسك بمفاصل النظام وتحدد اتجاهاته الأساسية.
هل قررت أميركا إسقاط النظام أم إضعافه وتطويعه؟
سألته بعد ذلك عن احتمال سقوط النظام الإيراني.
قال إن إسقاط النظام هو هدف جميع القوى المعارضة، وإنهم يعملون من أجل تحقيقه، لكنه رأى أن السؤال الأهم لا يتعلق بما تريده المعارضة وحدها، بل بما قررته الولايات المتحدة.
وصاغ المسألة على النحو الآتي:
«هل أخذت أميركا قرار إسقاط النظام، أم أن قرارها هو إضعافه وتطويعه؟».
وبحسب رؤيته، هناك فارق كبير بين مشروع يهدف إلى إنهاء النظام، وسياسة تسعى فقط إلى تقليص قوته وإجباره على تقديم تنازلات وتغيير سلوكه.
خامنئي والعودة إلى أقسى درجات القوقعة
وعن طبيعة المرحلة التي دخلها النظام الإيراني، قال حافظ فاضلي إن النظام عاد إلى أقسى درجات القوقعة والتحجر.
وتوقف بصورة خاصة عند خطاب علي خامنئي بعد حرب الأحد عشر يوماً، عندما تكلم باللغة العربية.
وبرأيه، لم يكن اختيار العربية مجرد تفصيل لغوي، بل كان إعلاناً غير مباشر عن تمسك خامنئي بالجانب الراديكالي والأيديولوجي الأكثر تشدداً في النظام.
فبدلاً من أن تؤدي الحرب إلى مراجعة سياسية أو إلى انفتاح على الداخل والخارج، رأى حافظ أن النظام عاد إلى صورته العقائدية الأكثر تصلباً، وأعلن تمسكه بخياراته القديمة وبخطابه الراديكالي.
أحمدي نجاد… ابن النظام لا خصمه
سألته عن محمود أحمدي نجاد، وعن الأخبار التي يجري تداولها بشأن تجنيده أو انتقاله إلى موقع معارض للنظام.
قال حافظ إن الصحفيين الذين ينشرون ويسوقون مثل هذه الأخبار هم، في رأيه، صحفيون يتبعون النظام الإيراني ويعملون في مؤسسات صحفية دولية، ويستخدمون وجودهم داخل تلك المؤسسات لتسويق أفكار النظام ورواياته.
ولم يقل إن أحمدي نجاد أصبح ملكياً أو أنه خرج من بنية الجمهورية الإسلامية، بل قال إن النظام نفسه صدّره واستخدمه لتبني خطاب يقوم على القومية والملكية، بهدف التأثير في جمهور معين وسحب هذا الخطاب من خصومه.
ثم شرح فكرته بالقول إن إسرائيل، عندما أبرزت ابن الشاه رضا بهلوي وقدمته إلى الواجهة، سحبت البساط من تحت أقدام النظام ومن المشروع الذي كان يريد استخدام أحمدي نجاد من خلاله.
وبحسب حافظ، عندما أصبح رضا بهلوي الوجه الأبرز لهذا الخطاب، عاد النظام إلى صورته الأصلية، وأسقط القناع القومي والملكي الذي حاول استخدامه.
وكانت خلاصته واضحة:
«أحمدي نجاد ابن النظام».
أي أن أحمدي نجاد، وفق اعتقاد حافظ فاضلي، لم يخرج فعلياً من النظام، بل بقي جزءاً من أدواته ومشروعاته السياسية والإعلامية.
الأهواز… ضعف الإمكانات وغياب الدعم العربي
وعن وضع القضية الأهوازية، قال حافظ إن الإمكانات المتوافرة ضعيفة، وإن العرب تخلوا عن الحركة الأهوازية، ولم يعد هناك أي نوع حقيقي من الدعم.
وعندما سألته عن سبب هذا الموقف، قال:
«عقدة إسرائيل التاريخية».
وشرح أن أحداً من العرب لا يريد أن يدخل التاريخ على أنه خاض حرباً ضد إيران إلى جانب إسرائيل أو في الخندق نفسه معها.
وبرأيه، فإن هذا القلق التاريخي والسياسي يجعل الدول العربية تتردد في تقديم دعم فعلي للحركات التي تواجه النظام الإيراني، حتى عندما تكون هذه الحركات عربية وتطالب بحقوق شعب عربي داخل إيران.
تغير المزاج الشعبي في قطر وعُمان
وتحدث حافظ عن تغير بدأ يظهر، بحسب ملاحظته، في المزاج الشعبي داخل دول مثل قطر وسلطنة عُمان.
وقال إن الناس بدأوا يسألون حكوماتهم:
ما سبب السكوت عن الضربات الإيرانية التي استهدفت أراضينا؟ ولماذا ندافع عن دولة تعادينا؟ ولماذا نسهل مفاوضاتها مع الآخرين، بينما تستهدف أمننا وأرضنا؟
وبرأيه، فإن هذه الأسئلة تعكس تحولاً مهماً في نظرة قطاعات من الرأي العام الخليجي إلى إيران، ولا سيما بعد انتقال التهديدات أو الضربات من مستوى الخطاب العام إلى المساس المباشر بأراضي دول الخليج.
شيعة الخليج… رسالة واضحة وسحب الجنسيات في الكويت
وعن وضع شيعة الخليج وعلاقتهم بإيران، قال حافظ فاضلي إن رسالة واضحة قيلت لهم:
«تريدون إيران وتساندونها؟ اذهبوا إليها، ونحن نسهل ترحيلكم».
وأضاف أن الكويت، وفق حديثه، اتخذت خطوة متقدمة في هذا الاتجاه من خلال سحب جنسيات.
ويرى حافظ أن دول الخليج لم تعد تنظر إلى الارتباط بإيران باعتباره مجرد موقف فكري أو مذهبي، بل بوصفه مسألة تمس الولاء السياسي والأمن الوطني، خصوصاً عندما يتحول هذا الارتباط إلى دعم مباشر لسياسات طهران أو أدواتها.
الكرد… أمل إيران وأقلياتها
عندما انتقل الحديث إلى الكرد، تكلم حافظ بمحبة واحترام واضحين.
قال إن كل إيران، وأقلياتها وقومياتها المختلفة، تتطلع إلى الكرد، وترى فيهم قوة سياسية وتنظيمية أساسية في مستقبل البلاد.
وأضاف أن القوى الأهوازية وغيرها من القوى القومية تقلق من أي خلاف بين الأحزاب الكردية، لأنها تعرف أن قوة الكرد ووحدتهم وتنسيقهم تنعكس على جميع المكونات الإيرانية.
وقال إنهم يتطلعون إلى أعلى درجات التنسيق بين الحزبين الكرديين الكبيرين: حزب كوملة الكردستاني الإيراني والحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني.
نحن حلفاء ونريد أن نكون شركاء في القرارات
لكن حافظ لم يكتفِ بالإشادة بالكرد، بل وجه إليهم عتباً صريحاً.
قال:
«نحن حلفاء، ونريد أن نكون شركاء حقيقيين في كل القرارات. لا تتجاهلوا وجودنا».
فهو يرى أن العلاقة بين الحركة الأهوازية والقوى الكردية يجب ألا تبقى عند حدود التضامن والتحالف العام، بل يجب أن تنتقل إلى الشراكة الحقيقية في القرارات والمواقف والتحالفات التي تتعلق بمستقبل إيران وقومياتها.
تحالف الأحزاب الكردية السبعة
وعن تحالف الأحزاب الكردية السبعة، قال حافظ إن هذا شأن داخلي كردي، وإنهم يحترمون قرارات الأحزاب الكردية وخياراتها.
لكنه اعتبر أن وجود بعض الاحزاب قد يؤدي لمشاكل للكرد لا يتمناها لهم ولكن بالنهاية هم أدرى بمصالحهم ” أهل مكة أدرى بشعابها.
وأضاف أنه لا يتمنى اي مشاكل للكرد لأنهم، في رأيه، يمثلون أمل إيران وأقلياتها وقومياتها.
وأكد أنه ينظر بعين الأمل والمحبة إلى تحقيق أقصى درجات التعاون بين عبدالله مهتدي ومصطفى هجري، ووصفهما بأنهما زعيمان كرديان محترمان داخل صفوف المعارضة الإيرانية.
العلاقة مع المعارضة الفارسية… ضرورة واختيار دقيق
وعن العلاقة مع القوى والشخصيات الفارسية المعارضة للنظام، قال حافظ فاضلي إن هذه العلاقة ضرورية ومهمة، ولا يمكن بناء بديل سياسي جدي لإيران من دون تعاون بين القوميات غير الفارسية وبين المعارضة الفارسية.
لكنه شدد في الوقت نفسه على أن هذا التعاون يجب ألا يكون عشوائياً أو قائماً على الشعارات العامة، بل يجب اختيار المعارض الفارسي بعناية، والتأكد من موقفه الحقيقي من إسقاط النظام ومن حقوق القوميات والأقليات.
وقال:
«العلاقة مع الفرس ضرورية ومهمة، لكن علينا أن نختار بعناية المعارض الفارسي الذي يخدم إسقاط النظام ويعترف بحقوق الأقليات».
وبحسب رؤيته، لا ينبغي أن تُستخدم القوميات غير الفارسية مجرد قوة مؤقتة في معركة تغيير السلطة، ثم تُهمش حقوقها بعد سقوط النظام. فالشراكة الحقيقية، كما يراها، يجب أن تقوم على الاعتراف الواضح بحقوق العرب والكرد والبلوش والترك وسائر المكونات، وعلى ضمان ألا يعاد إنتاج المركزية القديمة بوجوه وشعارات جديدة.
لبنان… من إميل لحود إلى ميشال عون ورودولف هيكل
عندما انتقلنا إلى لبنان، قال حافظ:
«أعتذر منك لأنك لبناني».
ثم قدم قراءته القاسية للواقع اللبناني، فقال إن لبنان عاش حالة من الفساد والارتهان لإيران، وذكر بالاسم إميل لحود وميشال عون ورودولف هيكل.
وقال إن هؤلاء، وفق رأيه، سهلوا خرق حزب الله للجيش اللبناني.
ولم يكن حديثه مقتصراً على وجود نفوذ سياسي لحزب الله داخل الدولة، بل قال بوضوح إن الحزب اخترق الجيش اللبناني، وإن نصف الجيش، بحسب تعبيره وتقديره، أصبح للحزب.
ومن هنا فسّر عدم نجاح الجيش اللبناني في نزع سلاح حزب الله، إذ يرى أن المؤسسة التي يفترض أن تنفذ قرار نزع السلاح تعرضت لاختراق داخلي واسع من الحزب، ولم تعد قادرة على تنفيذ هذه المهمة بصورة مستقلة.
وكان كلامه المباشر:
«من إميل لحود إلى ميشال عون إلى رودولف هيكل، سهلوا خرق حزب الله للجيش اللبناني، ونصف الجيش للحزب، لذلك لم ينجح الجيش في نزع سلاح الحزب».
وهذه كانت قراءته الشخصية الصريحة، وقد نقلتها كما قالها، من دون تخفيف أو تبديل.
ما الحل لسلاح حزب الله؟
سألته: ما الحل لسلاح حزب الله إذا كان الجيش اللبناني، وفق قراءتك، غير قادر على نزعه؟
قال حافظ إن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أعلن في اليوم السابق أنه طلب من بنيامين نتنياهو الانسحاب من لبنان وسوريا.
ورأى حافظ أن هذا الانسحاب، إن حصل، لن يكون نهاية المواجهة، بل مقدمة لدخول الجيش السوري بقوة إلى لبنان من أجل ضرب حزب الله ونزع سلاحه.
وبحسب تصوره، فإن الجيش السوري سيكون القوة التي تتولى هذه المهمة بعد الانسحاب الإسرائيلي من لبنان وسوريا.
منطقة اقتصادية تجمع لبنان وسوريا والأردن وفلسطين وإسرائيل
أضاف حافظ أنه بعد إنهاء سلاح حزب الله، ستبدأ، وفق توقعه، مرحلة جديدة تقوم على إنشاء منطقة اقتصادية كبيرة تضم لبنان وسوريا والأردن وفلسطين وإسرائيل.
وبرأيه، فإن هذا المشروع سيغير وجه المنطقة، وينقلها من الصراعات الحدودية والعسكرية إلى شبكة من المصالح الاقتصادية الجديدة.
ولم يعرض حافظ هذا التصور على أنه قرار معلن أو خطة اكتملت تفاصيلها، بل بوصفه قراءته الخاصة للاتجاه الذي قد تسلكه المنطقة في المرحلة المقبلة.
ترامب وتغيير واقع سايكس–بيكو
في ختام الجلسة، قال حافظ إن ترامب يمثل، في نظره، أهم أمل لتغيير الواقع الذي صنعته اتفاقية سايكس–بيكو، وإعادة تشكيل وجه المنطقة.
وقال إنهم يتطلعون إلى هذا التغيير، ليس فقط باعتباره تعديلاً في الحدود أو التحالفات، بل بوصفه فرصة لإعادة بناء علاقات جديدة بين شعوب المنطقة وقومياتها ودولها.
خرجت من منزل حافظ فاضلي وأنا أشعر أنني لم أكن في جلسة عادية مع مسؤول حزبي، بل أمام مناضل يحمل في داخله تجربة الأهواز، وقلق القوميات الإيرانية، واحتراماً عميقاً للحركة الوطنية الكردستانية الإيرانية، ورؤية واسعة قد يختلف البعض معها أو يتفق، لكنها تستحق أن تُنقل بأمانة كاملة.
لقد قال حافظ رأيه بوضوح، من دون مواربة أو مجاملة. والأمانة تقتضي أن يُنقل كلامه كما قاله، وأن تُحترم رؤيته كما عبّر عنها، من دون حذف الأسماء التي ذكرها، أو تغيير المعنى السياسي لكلامه، أو إضافة ما لم يقله.



