أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد
هناك بيوت لا تُعرَف بأثاثها ولا بمساحتها، بل بالوجوه التي استقبلتها، والأفكار التي احتضنتها، والصداقات التي صنعتها، والمواقف التي خرجت منها.
على مدار سنوات طويلة عرفت السيدة بهار علي وزوجها الدكتور كاوا محمود في كردستان العراق. وكان منزلهما بالنسبة إلينا، نحن الأصدقاء والرفاق، أكثر من بيت عائلي؛ كان بيتاً مفتوحاً للمحبة والحوار والاختلاف، ومكاناً يلتقي فيه السياسي بالمثقف، والمناضل بالناشط المدني، من دون حواجز أو ادعاء.
كان ذلك البيت امتداداً لتاريخ طويل في مواجهة الدكتاتورية، والدفاع عن الإنسان، ومقاومة الفاشيات السياسية والدينية، وفي مقدمتها فكر «داعش» و«القاعدة» وكل خطاب يختزل البشر في عقائدهم، أو يمنح جماعة بعينها حق التفتيش في ضمائر الناس.
الدكتور كاوا محمود معروف في الحياة السياسية والثقافية الكردستانية، وقد شغل سابقاً موقع سكرتير الحزب الشيوعي الكردستاني. أما السيدة بهار علي، فلم تكن مجرد زوجة سياسي معروف، بل صاحبة مسيرة مستقلة في الدفاع عن المرأة، ورئيسة منظمة «ديدار» المعنية بحقوق النساء، وناشطة واجهت العنف والتمييز والفكر الذي يريد إعادة المرأة إلى دائرة الصمت والخضوع.
لذلك كان خبر توقيفها، على خلفية شكوى مرتبطة بما قالته في مقابلة تلفزيونية عن بعض الآيات القرآنية، صادماً ومقلقاً. وقد أُفرج عنها لاحقاً بكفالة، لكن الإفراج لا يلغي الأسئلة التي أثارتها القضية، ولا يبدد الخوف من أن تتحول الشكوى الدينية إلى باب مفتوح لملاحقة الباحثين والنساء والمثقفين وكل من يطرح سؤالاً أو يقدم قراءة مختلفة.
القضية هنا ليست الدفاع عن كل كلمة قالتها بهار علي، ولا مطالبة الناس بالموافقة عليها، بل الدفاع عن حقها في التفكير والتعبير، وعن حق الآخرين في نقدها والرد عليها بالكلمة، لا باستخدام القضاء أداة لإسكاتها.
من يحمي المجتمع: الحوار أم التخويف؟
من حق المؤمن أن يحترم مقدساته وأن يعترض على ما يراه إساءة إليها. ومن حقه أن يناقش ويرد ويحتج سلمياً. لكن احترام الدين لا يعني احتكار تفسيره، ولا منح أي جماعة سلطة تحديد ما يجوز للمجتمع أن يفكر فيه.
القرآن نفسه كان موضوعاً للتفسير والاجتهاد والاختلاف منذ القرون الإسلامية الأولى. وقد اختلف الفقهاء والمفسرون والمتكلمون والفلاسفة في فهم آيات كثيرة، ولم يكن هذا الاختلاف دليلاً على ضعف الدين، بل علامة على حيوية الفكر الإسلامي واتساعه.
المجتمع الذي يخاف من السؤال لا يحمي الإيمان، بل يكشف ضعف ثقته بنفسه.
أما المجتمع الواثق، فيواجه الفكرة بالفكرة، والتفسير بالتفسير، والحجة بالحجة. فالدين لا يحتاج إلى شرطة فكرية، والنصوص المقدسة لا يحميها تحويل المحاكم إلى ساحات لتصفية الخلافات الثقافية.
حين تبدأ الدولة بمعاقبة الناس بسبب تفسير أو قراءة أو رأي، فإنها لا تدافع عن المقدس، بل تمنح بعض المتحدثين باسمه سلطة فوق المجتمع والقانون.
حرية التعبير ليست حرية الآراء المريحة فقط
قالت روزا لوكسمبورغ:
«الحرية هي دائماً حرية من يفكر بصورة مختلفة».
وهذه المقولة تختصر جوهر المسألة. فالحرية التي تُمنح لمن يكرر رأي السلطة أو رأي الأغلبية ليست حرية، بل امتثال.
أما جورج أورويل فكتب:
«الحرية هي حرية القول إن اثنين زائد اثنين يساوي أربعة».
أي إن قيمة الحرية تظهر عندما يحاول الخوف أو الضغط أو السلطة إجبار الإنسان على إنكار ما يؤمن بأنه حقيقة.
وأكد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أن لكل إنسان الحق في حرية الرأي والتعبير، بما يشمل اعتناق الآراء من دون تدخل، والبحث عن المعلومات والأفكار وتلقيها ونقلها بمختلف الوسائل.
كما قررت لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة أن حظر إظهار عدم الاحترام لدين أو منظومة عقائدية لا ينسجم، في الأصل، مع حماية حرية التعبير، باستثناء الحالات التي تبلغ حد التحريض على التمييز أو العداوة أو العنف. وشددت اللجنة على أنه لا يجوز استخدام هذه القوانين لمنع النقد المشروع للزعماء الدينيين أو التعليق العقلاني على العقائد.[1]
وهنا يجب رسم خط واضح بين أمرين مختلفين:
الأول هو التحريض على قتل المؤمنين أو اضطهادهم أو ممارسة العنف ضدهم، وهذا يجب أن يواجهه القانون.
أما الثاني فهو نقد فكرة دينية أو مناقشة نص أو الاعتراض على تفسير فقهي، وهذا يدخل في صميم حرية الفكر، حتى عندما يكون الكلام حاداً أو غير مريح.
الأفراد لهم حقوق وكرامة ينبغي حمايتها، أما الأفكار والعقائد فهي قابلة للنقد والمناقشة. وإذا ساوى القانون بين نقد العقيدة والاعتداء على المؤمن، فإنه يحوّل الخلاف الفكري إلى جريمة.
من الشكوى إلى الحِسبة
تكمن خطورة قضية بهار علي في أنها قد تفتح الباب أمام نموذج عرفته مجتمعات عربية أخرى، يقوم على تمكين أفراد أو جماعات من ملاحقة الكتاب والمفكرين بدعوى الدفاع عن الدين أو الأخلاق العامة، حتى عندما لا يكون المدعي قد تعرض لضرر شخصي مباشر.
هذا هو منطق دعاوى الحِسبة: أن ينصّب شخص نفسه ممثلاً للمجتمع أو حارساً على عقيدة الآخرين، فيلاحق كاتباً أو باحثاً أو فناناً لأنه يرى أن كلامه يهدد الدين أو الآداب أو هوية الأمة.
والخطر لا يقتصر على الحكم القضائي. فمجرد تقديم الدعوى واستدعاء الشخص والتحقيق معه وتوقيفه قد يتحول إلى عقوبة بحد ذاته، وإلى رسالة تخويف لكل من يفكر في مناقشة الموضوع نفسه.
تبدأ المسألة بشكوى ضد ناشطة واحدة، ثم يصبح كل أستاذ جامعي أو صحافي أو فنان أو مدافع عن حقوق المرأة معرضاً للسؤال:
هل يمكن أن تُفسر كلماتي على أنها إساءة؟
هل سيقتطع أحدهم جملة من سياقها؟
هل أذهب من الاستوديو أو قاعة المحاضرة إلى مركز الشرطة؟
هكذا تتكون الرقابة الذاتية. لا تحتاج السلطة بعدها إلى منع الكتب، لأن الكتاب سيتوقفون عن الكتابة بأنفسهم. ولا تحتاج إلى إغلاق المنابر، لأن الخوف سيجعلها فارغة.
مصر: عندما خرجت الحِسبة من كتب الفقه إلى حياة المثقفين
تقدم التجربة المصرية تحذيراً بالغ الوضوح بشأن ما يمكن أن تفعله دعاوى الحِسبة والتكفير بالمجتمع.
كان المفكر المصري نصر حامد أبو زيد أستاذاً متخصصاً في الدراسات الإسلامية وتحليل الخطاب القرآني. لم يحمل سلاحاً، ولم يدعُ إلى العنف، بل قدم اجتهاداً أكاديمياً في فهم النص الديني.
لكن خصومه لم يواجهوا كتبه بكتب، بل لجؤوا إلى القضاء وأقاموا دعوى حِسبة تطالب باعتباره مرتداً والتفريق بينه وبين زوجته، على أساس أن المسلمة لا يجوز أن تبقى زوجة لمن حكموا عليه بالكفر.
وفي عام 1995 صدر حكم قضائي بتفريقه عن زوجته الدكتورة ابتهال يونس. واضطر الزوجان بعد ذلك إلى مغادرة مصر، بعدما تحول الخلاف الأكاديمي إلى تهديد لحياتهما وحريتهما وعلاقتهما الزوجية.[2]
لم تعاقب تلك القضية مفكراً واحداً فقط؛ لقد بعثت رسالة إلى الجامعة والمجتمع كله بأن الباحث قد يخسر وطنه وزواجه وأمنه بسبب اجتهاد فكري.
وكان نصر حامد أبو زيد يقول إن تكفير المفكر يبدأ باغتيال العقل قبل اغتيال الجسد. وهذا ما أثبتته التجربة المصرية بأقسى صورها.
فالكاتب فرج فودة تعرض لحملة تكفير واسعة بسبب دفاعه عن الدولة المدنية ونقده للإسلام السياسي، ثم اغتاله متشددون عام 1992. وبعد ذلك بعامين تعرض الروائي العالمي نجيب محفوظ لمحاولة اغتيال، بعدما اتُهمت روايته «أولاد حارتنا» بالإساءة إلى الدين. وقد أشارت مناقشات مصرية حول دعاوى الحِسبة إلى أن تلك البيئة استهدفت كتاباً ومثقفين وفنانين، وحولت الخلاف الثقافي إلى خطر أمني واجتماعي.[3]
لا يعني ذلك أن كل شكوى دينية ستقود بالضرورة إلى العنف. لكن تكمن الخطورة في بناء مناخ يجعل التكفير مقبولاً، ويمنح المتشدد شعوراً بأنه ينفذ حكماً أخلاقياً أو دينياً سبق أن مهّدت له منابر التحريض.
التكفير ليس رأياً عادياً؛ إنه نزع للشرعية الإنسانية والاجتماعية عن الآخر. وحين يُقال عن إنسان إنه مرتد أو عدو للدين، قد يفهم المتطرف أن دمه أو حريته أو كرامته أصبحت مباحة.
وهذا هو المسار الخطير:
تبدأ الحملة باتهام فكري، ثم تتحول إلى شكوى قضائية، ثم إلى تشهير اجتماعي، ثم قد تنتهي بتهديد أو عنف يرتكبه فرد يظن أنه يحمي الدين.
لا نريد استيراد النموذج المصري إلى كردستان
هل نريد أن نرى في إقليم كردستان قضايا شبيهة بقضية نصر حامد أبو زيد؟
هل نريد أن يصبح الزواج والحياة الخاصة والعمل الأكاديمي والنشاط النسوي رهائن بيد من يوزع شهادات الإيمان والكفر؟
هل نريد أن يتحول كل خلاف بشأن المرأة أو الدين أو التراث إلى ملف جنائي؟
إن نقل نموذج الحِسبة إلى كردستان سيكون انقلاباً على تاريخ المجتمع الكردستاني نفسه، بما عرفه من تعدد ديني وقومي وفكري، ومن تعايش بين المسلمين والمسيحيين والإيزيديين والكاكائيين وغيرهم.
كردستان ليست عقيدة واحدة ولا حزباً واحداً ولا تفسيراً دينياً واحداً. قوتها الحقيقية في أنها وطن لمكونات متعددة، وفضاء يفترض أن يتسع للمتدين والعلماني، ولليساري والليبرالي، وللمحافظ والمجدد.
ومن حق الإسلاميين أن تكون لهم أحزابهم وصحفهم ومنابرهم ومساجدهم، وأن يدافعوا عن أفكارهم بالطرق السلمية. لكن ليس من حق أي تيار، إسلامياً كان أم غير إسلامي، أن يحول معتقده إلى معيار قانوني يُفرض على جميع المواطنين.
الدولة لا تكون عادلة حين تتبنى عقيدة ضد أخرى، بل حين تحمي حق الجميع في الاعتقاد وعدم الاعتقاد، وفي التدين والنقد والاجتهاد، ما داموا لا يحرضون على العنف ضد الآخرين.
هل رحلت «داعش» وبقي منطقها؟
هُزمت «داعش» عسكرياً، لكن الأفكار التي ساعدت على نشوئها لم تختف كلها.
لا يصبح الإنسان داعشياً لأنه متدين أو محافظ، ولا يجوز اتهام عموم الإسلاميين بذلك. لكن هناك منطقاً فكرياً مشتركاً ينبغي الحذر منه: الاعتقاد بأن طرفاً واحداً يحتكر الحقيقة، وأن المختلف لا يستحق الحوار بل العقاب، وأن المجتمع يجب أن يخضع لتفسير ديني واحد.
هذا المنطق قد يظهر في تنظيم مسلح، وقد يظهر أيضاً في خطاب سياسي أو دعوى قضائية أو حملة تشهير إلكترونية. تختلف الوسائل، لكن الجوهر واحد حين يصبح الهدف إخافة المختلف وإسكاته.
مقاومة «داعش» لا تكتمل بتحرير المدن فقط؛ بل تحتاج إلى حماية المدارس والجامعات والإعلام والنساء والمثقفين من التفكير الذي يقسم المجتمع إلى مؤمنين وخونة، وأطهار ومنحرفين، وأصحاب حقيقة وأعداء للدين.
لقد واجه الأكراد «داعش» دفاعاً عن الحياة والتنوع وحق الإنسان في أن يكون مختلفاً. فلا يجوز أن ننتصر عليها في الجبال ثم نسمح لمنطق التكفير بأن يدخل المحاكم والمؤسسات من أبواب أخرى.
كثرة المساجد ليست بديلاً عن العدالة
أصبح الناس في أربيل يتداولون بسخرية أن كثرة المساجد قد تجعل لكل مواطن مسجداً، بينما لا يمتلك كل مواطن بيتاً أو وظيفة أو راتباً مستقراً.
المشكلة ليست في بناء المسجد، فهو مكان عبادة له احترامه ومكانته عند المؤمنين، ومن حق الناس أن يجدوا أماكن يمارسون فيها شعائرهم. لكن الخلل يبدأ عندما يُستخدم التوسع الديني لتعويض الفشل الاجتماعي، أو حين تهتم السلطة بالمظهر الديني أكثر من اهتمامها بحقوق الإنسان والخدمات والعدالة.
المجتمع لا يبنى بالمساجد وحدها، كما لا يبنى بالأسواق والأبراج وحدها. إنه يحتاج إلى مدارس جيدة، ومستشفيات، وفرص عمل، ورواتب منتظمة، ومحاكم مستقلة، وبيوت آمنة للنساء، ومؤسسات تحمي الأطفال، وفضاء يسمح للعقل بأن يعمل بلا خوف.
فما قيمة أن يكثر الوعظ بينما تبقى المرأة مهددة بالعنف؟
وما قيمة الخطاب الأخلاقي إذا كان الفساد يلتهم المال العام؟
وما قيمة الدفاع عن المقدسات إذا لم تُصن كرامة الإنسان الذي كرّمته الأديان؟
الدين الذي يتحول إلى ستار لإخفاء الفقر والبطالة والتمييز لا يُخدم، بل يُستغل.
حقوق المرأة في قلب القضية
ليس مصادفة أن تكون امرأة مدافعة عن حقوق النساء هي المستهدفة في هذه القضية.
فالمعارك المتعلقة بتفسير النصوص الدينية كثيراً ما تنفجر عندما تقترب المرأة من مناطق يعتبرها بعض المحافظين محرمة: المساواة، والأحوال الشخصية، والزواج والطلاق، والميراث، والعنف الأسري، وسلطة الرجل داخل الأسرة.
التيارات المتشددة لا تخشى كلمة المرأة لأنها ضعيفة، بل لأنها تكشف العلاقة بين التفسير الديني والسلطة الاجتماعية.
وعندما تناقش ناشطة آيات أو أحكاماً تُستخدم لتبرير التمييز، فإنها لا تدخل نقاشاً لاهوتياً مجرداً؛ بل تتحدث عن حياة نساء حقيقيات، وعن العنف والحرمان والقوانين التي تؤثر في مصائرهن.
من حق علماء الدين أن يردوا عليها، ومن حقها أن ترد عليهم. أما تحويل النقاش إلى اتهام جنائي، فيعني أن أحد الطرفين يريد لنفسه سلطة الكلام، ويريد من الطرف الآخر واجب الصمت.
إن حماية حقوق النساء لا تتحقق بإطلاق شعارات عامة، بينما تُلاحق الناشطات حين يناقشن الجذور الفكرية والقانونية للتمييز.
مسؤولية حكومة الإقليم
المسؤولية الأساسية تقع على حكومة إقليم كردستان ومؤسساته التشريعية والقضائية.
ليس المطلوب من الحكومة أن تتدخل لإصدار حكم لمصلحة شخص بعينه، ولا أن تمنع المواطنين من اللجوء إلى القضاء. المطلوب هو ضمان ألا تتحول النصوص القانونية الفضفاضة إلى أدوات لملاحقة الفكر، وأن يظل القضاء حارساً للحقوق لا ساحة للحِسبة.
على الحكومة أن تراجع القوانين التي تسمح بتجريم التعبير بسبب عبارات عامة من قبيل «إهانة المقدسات» أو «الإساءة إلى الشعور الديني»، ما لم يكن الفعل تحريضاً مباشراً على التمييز أو العنف.
فالمصطلحات الفضفاضة تسمح بأن يفسر كل شخص الإساءة وفق إحساسه الخاص، وتترك مصير الكاتب والباحث بيد أكثر القراءات تشدداً.
كما ينبغي للحكومة أن تضمن:
عدم توقيف أصحاب الرأي قبل المحاكمة إلا عند وجود ضرورة قانونية استثنائية واضحة.
الفصل بين نقد العقائد والتحريض ضد أتباعها.
حماية المتهمين من حملات التكفير والتهديد.
استقلال القضاء عن ضغوط الأحزاب والجماعات الدينية.
عدم استخدام الشكوى القضائية لمعاقبة الناشط قبل صدور الحكم.
مراجعة التشريعات بما ينسجم مع التزامات العراق الدولية في مجال حرية التعبير.
إن السلطة التي تخاف من غضب المتشددين وتضحي بحرية المثقفين لن تنجح في تهدئة التشدد، بل ستزيد شهيته. فكل تنازل يمنحه هدفاً جديداً، وكل صمت يشجعه على توسيع دائرة المحظورات.
الخوف من الإسلاميين لا يصنع دولة
يبدو أحياناً أن بعض الحكومات في المنطقة تخشى التيارات الدينية أكثر مما تحترم مبادئها الدستورية. فتقدم لها تنازلات، أو تترك لها تحديد حدود التعبير، أملاً في شراء الهدوء السياسي.
لكن الدولة التي تسترضي التطرف لا تحاصره؛ إنها تمنحه اعترافاً ضمنياً بأنه يملك حق تحديد ما يجوز قوله.
وقد أثبتت تجارب كثيرة أن المتشدد لا يكتفي. يبدأ بمنع كتاب، ثم يطالب بإغلاق مسرح، ثم بملاحقة صحافي، ثم بتغيير المناهج، ثم بالتدخل في ملابس النساء وحياتهن الخاصة.
الدولة المدنية لا تعادي الإسلاميين، لكنها لا تخضع لهم. تحمي حقهم في العمل السياسي مثل غيرهم، وتمنعهم، كما تمنع سواهم، من فرض معتقداتهم على المجتمع بقوة القانون أو التخويف.
من أجل كردستان لا تخاف من السؤال
الدفاع عن بهار علي ليس موقفاً ضد الدين، وليس مطالبة بإهانة معتقدات الناس. إنه دفاع عن حق الإنسان في أن يسأل، وعن حق المرأة في مناقشة النصوص والتقاليد التي تؤثر في حياتها، وعن حق المجتمع في التقدم عبر الحوار.
يمكن لمن يختلف معها أن يكتب ويرد ويناظرها علناً. ويمكن لعلماء الدين أن يوضحوا ما يرونه خطأ في كلامها. لكن المكان الطبيعي للرد على الرأي هو المنبر والكتاب والجامعة والشاشة، لا زنزانة التوقيف.
نحن لا نطلب امتيازاً لبهار علي لأنها صديقة ورفيقة عزيزة، ولا لأنها زوجة الدكتور كاوا محمود. نطالب بحقها لأنها مواطنة، ولأن الحرية لا تصبح حقاً حقيقياً إلا عندما تُمنح لمن نختلف معه.
إن كردستان التي حلمنا بها ليست كردستان الخوف من السؤال، ولا كردستان توزيع صكوك الإيمان، ولا كردستان محاكم التفتيش الحديثة.
هي كردستان التنوع، والمرأة الحرة، والمثقف الشجاع، والمؤمن الواثق من إيمانه، والقضاء الذي يحمي الإنسان من التعسف.
قد تُطلق السلطات سراح شخص بكفالة، لكن الخوف الذي تزرعه مثل هذه القضايا يبقى حراً يتجول في المجتمع. ولذلك لا يكفي الإفراج عن بهار علي؛ بل يجب منع تحول قضيتها إلى سابقة تُستخدم غداً ضد كاتب أو صحافية أو أستاذة أو شابة تجرأت على طرح سؤال.
السؤال الذي ينبغي أن يواجه حكومة الإقليم ليس: هل توافقون بهار علي على كلامها؟
بل:
هل تريدون لكردستان أن تكون وطناً للأحرار، أم مكاناً يخشى فيه الإنسان أن يفكر بصوت مرتفع؟
المراجع
[1] لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، التعليق العام رقم 34 بشأن المادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، 2011. (www2.ohchr.org)
[2] قضية نصر حامد أبو زيد والحكم بالتفريق بينه وبين زوجته وما أعقبه من مغادرتهما مصر. (Al Arabiya)
[3] مناقشات دعاوى الحِسبة في مصر، وقضايا نصر حامد أبو زيد وفرج فودة ونجيب محفوظ وآثارها على حرية الرأي والتعبير. (gate.ahram.org.eg)



