أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد
لم يعد استهداف أربيل حدثاً عابراً يمكن التعامل معه بوصفه حادثاً أمنياً منفصلاً، بل أصبح جزءاً من مشهد إقليمي معقد تتداخل فيه الحسابات العسكرية والسياسية. فكل هجوم جديد بالطائرات المسيّرة يؤكد أن هناك من يريد إبقاء إقليم كردستان في دائرة الضغط، وأن استقراره لم يعد شأناً محلياً، بل بات مرتبطاً بالصراع الدائر في المنطقة.
الهجوم الأخير على أربيل يعيد طرح السؤال نفسه: لماذا أصبحت المدينة هدفاً متكرراً؟ الجواب لا يكمن في طبيعة الهدف الذي يُضرب، بل في الرسالة التي يراد إيصالها. فالطائرات المسيّرة لم تعد تستخدم لتحقيق مكاسب عسكرية كبيرة، وإنما لإثبات القدرة على الوصول، وخلق حالة من القلق، والتأثير في القرار السياسي والاقتصادي.
أربيل ليست مجرد عاصمة لإقليم كردستان، بل أصبحت مركزاً سياسياً واقتصادياً ودبلوماسياً مهماً، وتستضيف بعثات أجنبية وشركات دولية ومقار استثمارية، ولذلك فإن أي استهداف لها ينعكس مباشرة على صورة العراق أمام العالم.
كما أن تكرار الهجمات على الإقليم يهدد قطاع الطاقة والاستثمار، ويبعث برسائل سلبية إلى الشركات الأجنبية التي تبحث عن بيئة مستقرة للعمل. فالأمن ليس مجرد ملف عسكري، بل هو أساس التنمية والاقتصاد وثقة المستثمرين.
وتأتي هذه التطورات في وقت تؤكد فيه الحكومة العراقية أنها تعمل على حصر السلاح بيد الدولة وتعزيز سيادتها. غير أن هذا الهدف لن يتحقق إذا بقيت الطائرات المسيّرة قادرة على اختراق الأجواء العراقية واستهداف مواقع داخل البلاد من دون ردع حقيقي.
إن أي اعتداء على أربيل هو اعتداء على سيادة العراق، سواء استهدف موقعاً أمنياً أو اقتصادياً أو مدنياً. فالدولة التي لا تستطيع حماية مدنها ستجد صعوبة في إقناع مواطنيها والعالم بأنها تحتكر القرار الأمني.
لقد أصبحت الطائرات المسيّرة إحدى أبرز أدوات حروب الوكالة في الشرق الأوسط، لأنها منخفضة الكلفة، وسهلة التشغيل، وقادرة على تحقيق أثر سياسي وإعلامي يفوق أحياناً أثرها العسكري. ولذلك فإن مواجهة هذا النوع من التهديد لا تكون فقط بمنظومات الدفاع الجوي، بل أيضاً بتفكيك الشبكات التي تخطط وتمول وتنفذ هذه العمليات.
إن استقرار أربيل ليس مصلحة كردية فقط، بل مصلحة عراقية وإقليمية. فكل هجوم جديد يوسع دائرة عدم الاستقرار، ويمنح القوى التي تؤمن بمنطق السلاح فرصة جديدة لفرض معادلاتها على حساب الدولة.
ويبقى التحدي الأكبر أمام بغداد وأربيل هو تحويل شعار سيادة الدولة إلى واقع عملي، بحيث لا تبقى أي جهة قادرة على استخدام الأراضي العراقية أو أجوائها لتوجيه رسائل عسكرية أو سياسية.
فالعراق لا يحتاج إلى المزيد من ساحات الصراع، بل إلى دولة قوية تحمي جميع مدنه، وتمنع أن تتحول أربيل، أو أي مدينة أخرى، إلى صندوق بريد تتبادل عبره القوى الإقليمية رسائلها بالنار.



