السبت, أغسطس 15, 2026
25.2 C
Beirut

المؤتمر الأربعون للحزب الشيوعي الفرنسي: من مقاومة التراجع إلى «شيوعية الفتوحات» واستعادة مشروع التغيير!

نشرت في

أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد

عقد الحزب الشيوعي الفرنسي مؤتمره الوطني الأربعين في مدينة ليل بين الثالث والخامس من يوليو/تموز 2026، في لحظة فرنسية وأوروبية شديدة التعقيد، تتداخل فيها الأزمة الاجتماعية مع تراجع الصناعة والخدمات العامة، وتصاعد اليمين المتطرف، واتساع العزوف الانتخابي، وتفاقم الحروب والتوترات الدولية.

لم يكن المؤتمر اجتماعاً تنظيمياً عادياً أو مناسبة لتجديد قيادة الحزب فقط، بل محاولة لإعادة تعريف وظيفة الحزب الشيوعي الفرنسي في المجتمع، بعد سنوات من العمل على وقف تراجعه واستعادة حضوره السياسي المستقل. وقد اختار المؤتمر عنواناً دالاً لوثيقته الأساسية: «شيوعية الفتوحات» أو، بالمعنى السياسي الأدق، «شيوعية المكاسب والانتصارات».

فالعنوان لا يتحدث عن الحفاظ على المواقع القائمة، ولا عن إدارة الانحسار، بل عن الانتقال إلى الهجوم السياسي والاجتماعي، واستعادة الطبقات الشعبية، وخوض معركة السلطة، وإعادة بناء نفوذ الحزب داخل أماكن العمل والأحياء والمدن والقرى.

انتخب المؤتمر فابيان روسيل مجدداً أميناً وطنياً للحزب لولاية ثالثة، لكنه خرج أيضاً بخط سياسي يتجاوز مسألة الأشخاص، يقوم على إعادة طرح الاشتراكية بوصفها مرحلة انتقالية ممكنة وضرورية في فرنسا القرن الحادي والعشرين، وربط المشروع الشيوعي بالنضال من أجل العمل والسيادة الشعبية والسلام والخدمات العامة وإعادة التصنيع.

مؤتمر جاء بعد مرحلتي وقف التراجع واستعادة الظهور

تضع الوثيقة الأساسية المؤتمر الأربعين في سياق استمرارية مع المؤتمرين الثامن والثلاثين والتاسع والثلاثين.

كان المؤتمر الثامن والثلاثون قد وضع هدف وقف «محو» الحزب الشيوعي من الحياة السياسية، واستعادة ظهوره المستقل في النقاش العام بعد سنوات أصبح خلالها مهدداً بالتحول إلى قوة ملحقة داخل تحالفات أوسع.

أما المؤتمر التاسع والثلاثون، فقد عمل على تثبيت الاستقلال السياسي للحزب، وتطوير مشروعه الخاص، وإعادة بناء حضوره بين العمال والموظفين والطبقات الشعبية.

وجاء المؤتمر الأربعون ليعلن الانتقال إلى مرحلة جديدة: لم يعد المطلوب أن يبقى الحزب مرئياً فقط، بل أن يصبح قادراً على المبادرة، وتنظيم الصراع، وتحقيق مكاسب، وبناء أغلبية اجتماعية وسياسية، وطرح مسألة السلطة من جديد.

وتقول الوثيقة إن الحزب لا يريد أن يعود مجرد قوة مساندة لقوى أخرى في اليسار، بل قوة سياسية لها مشروعها واستراتيجيتها ودورها المركزي في تنظيم عالم العمل وقيادة عملية التغيير.

معنى «شيوعية الفتوحات»

لا تستخدم الوثيقة مفهوم «الفتوحات» بالمعنى العسكري، وإنما بالمعنى الاجتماعي والسياسي: فتح مواقع جديدة أمام عالم العمل، وانتزاع حقوق وسلطات من رأس المال، وتحقيق انتصارات ملموسة تغير حياة الناس وتعيد إليهم الثقة بقدرتهم على الفعل الجماعي.

وتقوم الفكرة على رفض شيوعية الاحتجاج الدائم من دون نتائج، ورفض الاكتفاء بإدانة الرأسمالية أو انتظار انهيارها. فالشيوعية التي يقترحها الحزب يجب أن تكون حركة قادرة على تحقيق مكاسب فورية، وفي الوقت نفسه ربط كل مكسب جزئي بمشروع أوسع لتجاوز الرأسمالية.

وتشمل هذه المكاسب رفع الأجور والمعاشات، وتقليص ساعات العمل، وتوسيع الضمان الاجتماعي، وإعادة بناء الخدمات العامة، وفرض رقابة اجتماعية على الاستثمارات، وتمكين العمال من التدخل في قرارات الشركات، وإعادة الصناعة إلى فرنسا، وتأميم القطاعات الاستراتيجية، وضمان حق المواطنين في تقرير الأولويات الاقتصادية.

بهذا المعنى، تحاول الوثيقة تجاوز الفصل التقليدي بين «الإصلاح» و«الثورة». فالإصلاحات ليست هدفاً نهائياً، لكنها ليست أيضاً أموراً هامشية. إنها حلقات في عملية تغيير طويلة، شرط أن تؤدي إلى تعديل موازين القوى وتوسيع سلطة العمال والمواطنين وتقليص سلطة رأس المال.

تشخيص الأزمة: الرأسمالية لم تعد قادرة على حل أزماتها

تنطلق الوثيقة من اعتبار أن الرأسمالية دخلت مرحلة جديدة من أزمتها، تجمع بين الأزمة الاقتصادية والاجتماعية والبيئية والديمقراطية والجيوسياسية.

وتربط الوثيقة بين عدد من الظواهر التي تبدو منفصلة ظاهرياً: تراجع الأجور، وانتشار العمل الهش، وتفكيك الصناعة، وضعف الخدمات العامة، وارتفاع الأسعار، وأزمة السكن، وتخريب البيئة، وتنامي اليمين المتطرف، وتفكك المجتمع، وتصاعد التوترات العسكرية.

وترى أن هذه المشكلات ليست نتائج أخطاء عرضية أو سوء إدارة يمكن تصحيحه ببعض الإصلاحات التقنية، بل هي نتائج مباشرة لنظام يجعل ربح رأس المال والعائد المالي معياراً أعلى من حاجات المجتمع.

كما تعتبر أن الاقتصاد الفرنسي أصبح خاضعاً للتمويل والمضاربات، وأن القرارات المتعلقة بالإنتاج والاستثمار والتكنولوجيا تُتخذ وفق متطلبات الأسواق المالية، لا وفق الحاجات الوطنية والاجتماعية والبيئية.

وتشير الوثيقة إلى أن السياسات النيوليبرالية أضعفت الجهاز الإنتاجي الفرنسي، وسرعت إغلاق المصانع، ووسعت الفوارق الاجتماعية والإقليمية، وحولت الدولة من أداة للتنمية العامة إلى أداة لدعم أرباح الشركات الكبرى.

وتربط هذا التراجع بتهميش فرنسا دولياً، معتبرة أن الدولة التي تفقد صناعتها واستقلالها الطاقي والغذائي والتكنولوجي تفقد أيضاً استقلالها السياسي وقدرتها على المبادرة.

إعادة بناء الوعي الطبقي

أحد أكثر محاور الوثيقة أهمية هو إقرارها بأن الطبقات العاملة لم تختف، لكن وعيها المشترك تعرض للتفكيك.

فالعمل تغير، وتوسعت الخدمات واللوجستيات والمنصات الرقمية والعمل المؤقت، وتراجع نموذج المصنع الكبير الذي كان يجمع آلاف العمال في مكان واحد. وظهرت فئات واسعة من الموظفين والتقنيين والمهندسين والعاملين في الرعاية والتعليم والنقل والتجارة والتكنولوجيا.

وترفض الوثيقة حصر الطبقة العاملة في العامل الصناعي التقليدي. وهي ترى أن العامل والموظف والتقني والمهندس والممرض والمعلم والعامل في المستودعات والمنصات الرقمية يخضعون، بدرجات مختلفة، لسيطرة واحدة: فقدان القرار بشأن العمل، والخضوع لمتطلبات الربح، وعدم امتلاك السلطة على الإنتاج أو الاستثمار.

ومن هنا تطرح الوثيقة مهمة «إعادة تركيب» عالم العمل سياسياً، أي بناء هوية ومصالح مشتركة بين فئاته المتعددة، بدلاً من تركه منقسماً على أساس المهنة أو المنطقة أو الأصل أو الوضع القانوني.

وتعتبر أن تراجع الوعي الطبقي فتح المجال أمام اليمين المتطرف ليعيد تفسير الأزمة بلغة الهوية والهجرة والخوف من الآخر. فبدلاً من أن يوجه الغضب نحو رأس المال وسياسات الأجور والخصخصة، يجري توجيهه نحو المهاجرين أو العاطلين أو سكان الأحياء الشعبية.

لذلك لا ترى الوثيقة أن مواجهة اليمين المتطرف تتحقق بالمواعظ الأخلاقية وحدها، بل بإعادة توحيد الطبقات الشعبية حول مصالح ملموسة، وبإثبات أن لديها خصماً اجتماعياً مشتركاً ومشروعاً بديلاً.

العمل مركز المشروع الجديد

تمنح الوثيقة للعمل مكانة مركزية، لكنها لا تدافع عن العمل بوصفه مجرد وظيفة أو وسيلة للحصول على راتب.

فالعمل، في منظورها، هو النشاط الذي ينتج الثروة والمعرفة والخدمات ويقيم علاقة الإنسان بالمجتمع. والمشكلة ليست في العمل نفسه، بل في خضوعه لسلطة رأس المال وتحوله إلى وسيلة لاستنزاف البشر وزيادة الأرباح.

وتتحدث الوثيقة عن «العمل الممنوع» أو «العمل المعاق»، في إشارة إلى ملايين الأشخاص الذين يعرفون كيف يمكن أداء مهامهم بطريقة أفضل وأكثر فائدة، لكنهم ممنوعون من ذلك بسبب الإدارة المالية ونقص الموارد والضغط على الوقت.

يظهر ذلك في المستشفيات عندما يُطلب من العاملين إنجاز عدد أكبر من العمليات بموارد أقل، وفي المدارس عندما يعجز المعلم عن أداء رسالته بسبب اكتظاظ الصفوف، وفي الصناعة عندما تغلق شركة مربحة مصنعاً لأن الاستثمار في المضاربة يحقق عائداً أسرع، وفي الخدمات الرقمية عندما تحدد الخوارزميات سرعة العمل وتقييم العامل.

ومن هنا تقترح الوثيقة نقل الصراع من المطالبة بالأجر فقط إلى المطالبة بالسلطة على العمل نفسه: من يحدد ما الذي يُنتج؟ وكيف يُنتج؟ ولأي غرض؟ وبأي تكنولوجيا؟ وتحت أي شروط؟ وكيف توزع الثروة المتولدة؟

وهذه النقلة من الدفاع عن الوظيفة إلى السيطرة الديمقراطية على الإنتاج تمثل أحد أهم أبعاد التطوير الفكري في الوثيقة.

عودة الاشتراكية إلى الخطاب الرسمي للحزب

من أبرز التحولات التي أقرها المؤتمر إعادة استخدام مفهوم الاشتراكية بوضوح في الوثيقة السياسية الأساسية، بعد غياب نسبي لهذا المفهوم عن الصياغات المركزية للحزب منذ تسعينيات القرن الماضي.

لكن الاشتراكية التي تعرضها الوثيقة ليست استنساخاً لنموذج تاريخي سابق، ولا نظاماً إدارياً تفرضه الدولة من أعلى، بل عملية انتقال طويلة تتعايش داخلها أشكال متناقضة من الملكية والسلطة والإنتاج.

وتعرفها الوثيقة باعتبارها مرحلة انتقال من الرأسمالية نحو مجتمع يتراجع فيه حكم رأس المال، وتتوسع فيه الملكية الاجتماعية والديمقراطية الاقتصادية.

وتقول إن الاشتراكية تبدأ عندما ينتزع المجتمع سلطة حقيقية على الإنتاج والاستثمار والائتمان والتكنولوجيا واستخدام الموارد وتنظيم العمل وتوزيع الثروة.

ولا تتصور الوثيقة أن الملكية الاجتماعية تعني حصراً تحويل كل شركة إلى مؤسسة حكومية. فهي تفتح المجال لأشكال متنوعة، منها الملكية العامة، والتعاونيات، وملكية البلديات، والمشروعات الاجتماعية، وصناديق العمال، والرقابة الديمقراطية على الشركات الخاصة الكبرى.

كما تربط الاشتراكية بالديمقراطية السياسية، وترفض الفصل بين التحرر الاجتماعي والحريات العامة. فالانتقال الاشتراكي، وفق الوثيقة، يجب أن يقوم على مشاركة المواطنين والعمال، وانتخابات حرة، وتعددية سياسية، وتوسيع سلطة المجالس المنتخبة، لا على احتكار القرار من جهاز بيروقراطي.

«اشتراكية بألوان فرنسا»

تستخدم الوثيقة تعبير «الاشتراكية بألوان فرنسا» لإبراز أن التحول لا يمكن أن يكون استنساخاً لتجربة أجنبية، بل يجب أن ينطلق من التاريخ الوطني والاجتماعي الفرنسي.

وتربط المشروع الجديد بإرث الثورة الفرنسية، والجمهورية الاجتماعية، وكومونة باريس، والمقاومة ضد الاحتلال النازي، والمجلس الوطني للمقاومة، والضمان الاجتماعي، والحقوق النقابية والخدمات العامة.

ولا يعني ذلك تبني قومية منغلقة، بل الجمع بين السيادة الشعبية والأممية. ففرنسا المنشودة ليست دولة تتفوق على الشعوب الأخرى، بل دولة مستقلة تتعاون معها، وتضع قدراتها الاقتصادية والدبلوماسية في خدمة السلام والتنمية المشتركة.

ويحاول هذا المفهوم استعادة اللغة الوطنية من اليمين المتطرف. فالحزب لا يريد ترك الحديث عن الأمة والسيادة والجمهورية لليمين، بل يعيد تعريفها اجتماعياً: الأمة ليست ملكاً للأثرياء، والسيادة لا تقتصر على الحدود، بل تشمل حق الشعب في التحكم بالمصانع والطاقة والغذاء والمال والقرارات الاستراتيجية.

الجمهورية الديمقراطية والاجتماعية

تربط الوثيقة التغيير الاقتصادي بإعادة بناء الجمهورية. وهي تنتقد النظام الرئاسي الفرنسي الذي يركز سلطات واسعة في يد رئيس الجمهورية، ويضعف البرلمان ويحد من مشاركة المواطنين.

وتدعو إلى جمهورية جديدة أكثر ديمقراطية، تقوم على تعزيز سلطة البرلمان، وتوسيع التمثيل النسبي، وضمان مشاركة المواطنين، ومنح العمال سلطات داخل الشركات، وتقوية البلديات والمجالس المحلية، وإخضاع القرارات الاقتصادية الكبرى للرقابة العامة.

وبهذا لا تقتصر الديمقراطية على اختيار ممثلين كل عدة سنوات. فالديمقراطية يجب أن تدخل المصنع والمصرف وشركة الطاقة والمستشفى والمدرسة. ومن غير المقبول، وفق هذا المنطق، أن يكون المواطن صاحب صوت في الانتخابات لكنه يفقد كل سلطة بمجرد دخوله إلى مكان العمل.

إعادة التصنيع والتخطيط البيئي

ترفض الوثيقة الفصل بين الصناعة والبيئة. وهي ترى أن إزالة الصناعة من فرنسا لم تقلل التلوث عالمياً، بل نقلت الإنتاج إلى دول أخرى، ووسعت النقل البحري، وزادت اعتماد أوروبا على سلاسل توريد طويلة وهشة.

لذلك تدعو إلى إعادة التصنيع، ولكن ليس بإعادة نموذج الإنتاج الملوث القديم. والمطلوب هو بناء صناعة جديدة تستند إلى التخطيط البيئي والتكنولوجيا الحديثة والحاجات الاجتماعية.

وتشمل الأولويات المقترحة النقل العام والسكك الحديدية، والإسكان والعزل الحراري، والمعدات الطبية والأدوية، والطاقة، والصناعات الزراعية والغذائية، والاتصالات، وأشباه الموصلات والتكنولوجيا الرقمية.

وتعني الخطة أن يقرر المجتمع أين يستثمر، وما القطاعات التي يجب تطويرها، وكيف تخفض الانبعاثات، وكيف تُحمى الوظائف أثناء الانتقال البيئي.

وتنتقد الوثيقة فكرة أن السوق والأسعار وحدهما قادران على قيادة التحول المناخي. فالاستثمار في مشاريع طويلة الأمد قد لا يحقق أرباحاً سريعة، ولذلك يجب أن تتولى الدولة والمصارف العامة والمؤسسات الاجتماعية توجيه الائتمان والاستثمار.

الخدمات العامة أساس الحضارة الجديدة

لا تقدم الوثيقة الخدمات العامة باعتبارها شبكة أمان للفقراء فقط، بل تعتبرها أساساً لنمط حضاري مختلف عن السوق.

فالخدمة العامة تعني أن الحق في العلاج أو التعليم أو النقل أو الطاقة لا يعتمد على القدرة الشرائية، بل على المواطنة والحاجة الإنسانية.

وتدعو الوثيقة إلى توسيع القطاع العام في مجالات الصحة والتعليم والطاقة والنقل والإسكان والاتصالات والدواء والتمويل.

كما تقترح إخراج قطاعات استراتيجية من منطق الربح، وإعادة بناء التخطيط الوطني، وإحياء المؤسسات العامة القادرة على تنفيذ المشاريع الكبرى.

وتربط ذلك بإصلاح النظام الضريبي، وفرض ضرائب أكبر على الثروات والأرباح، ومكافحة التهرب الضريبي، وإلغاء الإعفاءات غير المشروطة الممنوحة للشركات الكبرى.

الضمان الاجتماعي كمدخل إلى ما بعد الرأسمالية

تنظر الوثيقة إلى الضمان الاجتماعي الفرنسي بوصفه أحد أهم المكاسب التاريخية التي انتزعتها الطبقة العاملة، ونموذجاً مصغراً لكيفية إدارة الثروة خارج منطق الربح.

فالضمان الاجتماعي يمول من الثروة التي ينتجها العمل، ويعيد توزيعها وفق الحاجات، لا وفق حجم الممتلكات أو القدرة على الدفع.

ومن هنا تدعو إلى توسيعه ليشمل احتياجات جديدة، مثل الاستقلالية والرعاية الطويلة الأجل والسكن والتدريب، وإلى إعادة إدارته ديمقراطياً بمشاركة ممثلي العمال.

كما يطرح الحزب تطوير ضمان اجتماعي مهني يسمح للعامل بالاحتفاظ بالدخل والحقوق بين وظيفة وأخرى، بما يقلل من خوف البطالة ويضعف قدرة أصحاب العمل على ابتزاز العامل.

الهجرة: أممية وحقوق متساوية لا «أوروبا حصينة»

تتبنى الوثيقة سياسة هجرة تقوم على أربعة مرتكزات: التعاون الدولي لمعالجة أسباب الهجرة القسرية، والمساواة في الحقوق، وتسوية أوضاع العمال غير النظاميين، والاستقبال الكريم والآمن للمهاجرين.

وترفض تصوير المهاجرين باعتبارهم مصدر الأزمة الاجتماعية، وترى أن التنافس بين العمال من جنسيات مختلفة يخدم أصحاب العمل الذين يستفيدون من العمالة الرخيصة ومن انقسام الطبقات الشعبية.

وتعارض إنشاء مراكز احتجاز خارج الأراضي الأوروبية، وسياسات الطرد الجماعي، وتقليد نماذج قمعية في إدارة ملف الهجرة.

وتربط مواجهة العنصرية بالصراع الطبقي، وتؤكد أن الدفاع عن حقوق العامل المهاجر يحمي حقوق جميع العمال، لأن وجود فئة محرومة من الحقوق يسمح لأصحاب العمل باستخدامها لخفض الأجور والشروط الاجتماعية.

مواجهة اليمين المتطرف

احتل خطر وصول التجمع الوطني إلى السلطة موقعاً مركزياً في المؤتمر.

وترى الوثيقة أن اليمين المتطرف لا يمثل تمرداً على النظام الاقتصادي، بل يشكل أحد الحلول التي يمكن أن يلجأ إليها رأس المال عندما تعجز القوى التقليدية عن إدارة الأزمة.

فالتجمع الوطني، رغم خطابه الاجتماعي، لا يطرح نقل السلطة إلى العمال أو فرض ضرائب حقيقية على الثروات الكبرى أو إخضاع الشركات للرقابة. بل يحول الغضب الاجتماعي إلى عداء ضد المهاجرين والأقليات.

وتحذر الوثيقة من الاعتقاد بأن هزيمة اليمين المتطرف يمكن أن تتحقق فقط عبر اتفاقات انتخابية بين الأحزاب. فالتحالفات قد تمنع فوزه في جولة انتخابية، لكنها لا تعالج الأسباب التي تمنحه قوته.

وتقترح استراتيجية طويلة تستعيد المناطق الصناعية والريفية والمدن الصغيرة التي تراجع فيها اليسار، من خلال التنظيم اليومي، والدفاع عن الخدمات، والنضال من أجل الأجور والعمل والسكن والنقل.

علاقة الحزب بقوى اليسار

أكد المؤتمر استقلال الحزب الشيوعي، لكنه لم يدعُ إلى الانغلاق أو رفض الوحدة.

والفكرة المركزية هي أن الوحدة يجب أن تقوم على برنامج ومصالح اجتماعية واضحة، لا على مجرد جمع القيادات أو توزيع الدوائر الانتخابية.

يريد الحزب بناء تجمع شعبي يضم العمال والموظفين والشباب والمتقاعدين والفلاحين والحركات النسوية والبيئية والنقابية، ويكون أوسع من التحالف الحزبي التقليدي.

وفي الوقت نفسه، تعكس الوثيقة نقداً لتجربة ذوبان الحزب داخل تحالفات يقودها آخرون. وهي تعتبر أن غياب الصوت الشيوعي المستقل أضعف اليسار كله، لأنه حرمه من قوة مرتبطة تاريخياً بالعمل والصناعة والخدمات العامة.

انتخابات الرئاسة عام 2027

كان الاستحقاق الرئاسي أحد أكثر موضوعات المؤتمر حساسية.

أقرت الوثيقة بأن الشيوعيين يمتلكون الشرعية لتقديم مرشح من صفوفهم، وأن المشاركة في الانتخابات الرئاسية ضرورية لعرض المشروع الشيوعي ومخاطبة الممتنعين واستعادة قطاعات من الطبقة العاملة.

وأعلن فابيان روسيل استعداده لخوض المعركة مجدداً، على أن يعود القرار النهائي إلى تصويت حزبي لاحق.

ولا تقدم الوثيقة الترشيح باعتباره مسألة شخصية أو هدفاً منفصلاً، بل جزءاً من حملة أوسع تشمل الانتخابات التشريعية وبناء النفوذ التنظيمي.

لكن هذا الخيار لم يكن موضع إجماع كامل. فقد رأى معارضون داخليون أن ترشيحاً شيوعياً مستقلاً قد يزيد انقسام اليسار ويضعف فرص وصول مرشح موحد إلى الجولة الثانية.

وطالب بعضهم بآلية تسمح بإعادة تقييم الترشيح وفق تطور موازين القوى، إلا أن المؤتمر ثبت الاتجاه نحو خوض الانتخابات وعدم الانسحاب المسبق لصالح مرشح آخر.

أوروبا: لا خروج انعزالياً ولا قبول بالاتحاد القائم

يقدم موقف الوثيقة من أوروبا محاولة للجمع بين رفض الاتحاد الأوروبي بصيغته النيوليبرالية الحالية، ورفض الانسحاب القومي المنعزل.

فالحزب يرى أن الاتحاد الأوروبي بُني على مبدأ المنافسة الحرة، وعلى إعطاء الأولوية للأسواق والمال، وتقليص قدرة الدول على دعم الصناعة والخدمات العامة.

وينتقد قواعد العجز والدين، وسياسات المنافسة، والقيود المفروضة على المساعدات الحكومية، واتفاقيات التجارة الحرة، ودور البنك المركزي الأوروبي.

ويرى أن هذه القواعد ساهمت في تفكيك الصناعة، وإضعاف الزراعة العائلية، وتعميم التقشف والخصخصة، وتعميق الفوارق بين شمال أوروبا وجنوبها وبين المناطق داخل كل دولة.

لكن الوثيقة لا تتبنى شعار الخروج الفوري من الاتحاد الأوروبي. فهي تدعو إلى إعادة تأسيس أوروبا، أي خوض صراع سياسي داخل الدول والمؤسسات الأوروبية لتغيير المعاهدات وكسر القواعد النيوليبرالية.

السيادة الشعبية في مواجهة الفيدرالية المفروضة

تعارض الوثيقة أي انتقال إضافي نحو فيدرالية أوروبية تُفرض من فوق على الشعوب.

فالتكامل الأوروبي، في نظر الحزب، لا يكون ديمقراطياً عندما تنتقل صلاحيات واسعة إلى مؤسسات لا تخضع فعلياً للمحاسبة الشعبية، أو عندما تصبح التشريعات الأوروبية أعلى من خيارات الناخبين الوطنية.

وتطالب بأن تبقى الشعوب صاحبة القرار، وأن يقوم التعاون الأوروبي على السيادة المشتركة لا على إلغاء السيادة.

ولا تعني السيادة هنا أن تتصرف كل دولة منفردة، بل أن تختار الشعوب بحرية المجالات التي تريد التعاون فيها، وأن تخضع المؤسسات المشتركة لرقابة ديمقراطية حقيقية.

تغيير دور البنك المركزي الأوروبي

يمثل إصلاح البنك المركزي الأوروبي محوراً اقتصادياً رئيسياً.

فالحزب ينتقد توجيه السياسة النقدية أساساً نحو استقرار الأسواق والأسعار وحماية مصالح المصارف، ويطالب بأن يصبح تمويل العمل والخدمات العامة والتحول البيئي من أهدافها الأساسية.

ويقترح إنشاء صندوق أوروبي للتنمية الاجتماعية والبيئية، يمول مشاريع البنية التحتية والخدمات العامة والصناعة النظيفة بفوائد منخفضة أو معدومة.

كما يدعو إلى سياسة ائتمانية انتقائية: تحصل المشاريع التي تخلق الوظائف وتخفض الانبعاثات وتطور الصناعة على تمويل ميسر، بينما ترتفع كلفة التمويل على المضاربات والعمليات التي تدمر الوظائف.

بهذا تحاول الوثيقة نقل النقاش الأوروبي من حجم الموازنات فقط إلى طبيعة الائتمان: من يحصل على المال، وبأي شروط، ولأي نشاط؟

أوروبا اجتماعية وبيئية

تطرح الوثيقة جعل الحقوق الاجتماعية والبيئية أعلى من قواعد المنافسة.

وتدعو إلى وضع حد أدنى أوروبي للحقوق والأجور يراعي مستوى كل دولة ويمنع الإغراق الاجتماعي، وتوسيع الخدمات العامة، وحماية العمال الذين ينتقلون بين الدول، ومكافحة نقل الشركات بحثاً عن أجور أقل.

كما تطالب بسياسة صناعية أوروبية تقوم على التعاون بين الدول، لا على التنافس بينها، وبحماية القطاعات الاستراتيجية من الهيمنة الخارجية.

وترفض اتفاقيات التجارة الحرة التي تسمح للشركات باستيراد منتجات مصنعة بشروط اجتماعية وبيئية أدنى، وتعتبر أن التجارة يجب أن تخضع لمعايير العمل والمناخ والتنمية المتبادلة.

أوروبا مستقلة عن الولايات المتحدة

تنتقد الوثيقة خضوع الاتحاد الأوروبي للولايات المتحدة، خصوصاً في السياسة الخارجية والدفاع والتكنولوجيا والمال.

وتعتبر أن أوروبا لا ينبغي أن تكون امتداداً للسياسة الأميركية أو سوقاً تابعة لشركاتها، بل قوة مستقلة تعمل من أجل السلام والتعاون.

كما ترفض تحويل الاتحاد إلى اقتصاد حرب، وزيادة النفقات العسكرية على حساب الخدمات العامة، وربط مستقبل أوروبا بحلف شمال الأطلسي.

ويطالب الحزب بخروج فرنسا من حلف الناتو، باعتبار ذلك خطوة نحو بناء نظام أمن جماعي أوروبي مستقل، يمتد من الأطلسي إلى الأورال، ويقوم على الاتفاقات والضمانات المتبادلة لا على منطق الأحلاف العسكرية.

ولا يدعو هذا الموقف إلى نزع سلاح فرنسا من طرف واحد، بل إلى سياسة دفاع مستقلة وإلى مفاوضات دولية للحد من التسلح والأسلحة النووية.

علاقة أوروبا بالجنوب العالمي

يطرح الحزب تغيير علاقة أوروبا بأفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية.

فبدلاً من الاستمرار في العلاقات غير المتكافئة ونهب الموارد وفرض اتفاقيات التجارة الحرة، يدعو إلى شراكات تقوم على التنمية المشتركة ونقل التكنولوجيا واحترام السيادة.

وتنظر الوثيقة باهتمام إلى صعود الجنوب العالمي وتجمع بريكس، وترى فيه تعبيراً عن تراجع النظام الأحادي الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والدولار.

لكنها لا تقدم جميع دول بريكس باعتبارها اشتراكية أو تقدمية، بل تنظر إلى صعودها بوصفه فرصة لكسر الاحتكار الغربي وإقامة نظام دولي أكثر تعددية.

وتطالب بأن تتجه أوروبا جنوباً، وأن تبني علاقات تعاون مع القوى والدول التي تسعى إلى قواعد دولية أكثر توازناً.

إصلاح المؤسسات الدولية

لا تقتصر رؤية الحزب على الاتحاد الأوروبي. فهي تدعو إلى إصلاح شامل للنظام الدولي.

ومن بين مقترحاتها تعزيز دور الأمم المتحدة، وإصلاح مجلس الأمن، وإعادة تنظيم صندوق النقد الدولي، وتغيير قواعد منظمة التجارة العالمية، وإنشاء أدوات نقدية دولية أقل خضوعاً للدولار، وربط التمويل الدولي بالتنمية والخدمات العامة.

وتريد الوثيقة تحويل التجارة من غاية بحد ذاتها إلى أداة لخدمة العمل والصحة والتعليم والمناخ.

فالنجاح لا يقاس بزيادة حجم الصادرات والاستثمارات فقط، بل بمقدار مساهمتها في تطوير المجتمعات وتقليص الفوارق وحماية البيئة.

الحرب والسلام

تجعل الوثيقة السلام ركناً أساسياً من المشروع الشيوعي.

وترى أن الرأسمالية المعاصرة تنتج التنافس على الأسواق والموارد والممرات والطاقة، وأن تصاعد العسكرة ليس منفصلاً عن الأزمة الاقتصادية.

وتعارض اندفاع فرنسا وأوروبا نحو اقتصاد الحرب، وتدعو إلى إعادة الاعتبار للدبلوماسية والأمم المتحدة والأمن الجماعي.

وفي شأن أوكرانيا، تدعو إلى سلام تفاوضي يقوم على القانون الدولي وتقرير المصير وضمانات الأمن المتبادل، وترفض توسيع الحرب وتحويلها إلى مواجهة مفتوحة بين القوى النووية.

كما تدعو إلى الحد من التسلح وتوقيع فرنسا على معاهدة حظر الأسلحة النووية، مع الإقرار بأن موضوع الردع النووي يظل موضع نقاش داخل الحزب.

فلسطين والشرق الأوسط

جدد المؤتمر دعم حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته وإنهاء الاحتلال.

وطالب بتجسيد الاعتراف الفرنسي بدولة فلسطين، وتطبيق القانون الدولي، ووقف الاستيطان، وتعليق اتفاق الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل.

كما دعا إلى الإفراج عن الأسرى السياسيين الفلسطينيين، وفي مقدمتهم مروان البرغوثي، وإلى تعزيز التحالف الدولي من أجل حقوق الشعب الفلسطيني.

وتضع الوثيقة فلسطين ضمن معركة أوسع ضد الاستعمار والهيمنة، لكنها تشدد في الوقت نفسه على النضال ضد العنصرية ومعاداة السامية وكل أشكال الكراهية الدينية والقومية.

البيئة بوصفها صراعاً على نمط الإنتاج

لا تعالج الوثيقة البيئة كمجموعة من السلوكيات الفردية، بل كسؤال عن الملكية والإنتاج.

فالشركات الكبرى، بحسب تصور الحزب، تقرر أين تستثمر وكيف تستخدم الموارد، بينما يُطلب من الأفراد تحمل مسؤولية الأزمة عبر الضرائب أو ارتفاع أسعار الطاقة.

لذلك تطرح الوثيقة «العدالة البيئية»، أي ألا يدفع العمال والفقراء ثمن الانتقال، وأن تضمن الدولة الوظائف والتدريب والدخل للعاملين في القطاعات التي تحتاج إلى التحول.

كما تدعو إلى تطوير الطاقة منخفضة الكربون، والنقل العام، وتجديد المساكن، وتقليص استهلاك الموارد، وتطوير البحث العلمي.

ويظل الحزب مؤيداً لاستخدام الطاقة النووية ضمن مزيج طاقي عام وتحت رقابة الدولة، مع توسيع الطاقات المتجددة، وهو موقف يميزه عن قطاعات واسعة من اليسار البيئي الفرنسي.

النسوية ومواجهة التمييز

تربط الوثيقة بين الاستغلال الاقتصادي والتمييز القائم على الجنس أو الأصل أو اللون أو الدين أو التوجه الجنسي.

وتعتبر أن النساء يتعرضن لاستغلال مضاعف بسبب انخفاض الأجور، والعمل الجزئي المفروض، وتحمل العبء الأكبر من الرعاية المنزلية، وتمثيلهن الواسع في القطاعات منخفضة الأجر.

وتدعو إلى المساواة الفعلية في الأجر، وتطوير خدمات الطفولة والرعاية، ومواجهة العنف، وضمان الحقوق الإنجابية والصحية.

كما تؤكد مكافحة العنصرية ومعاداة السامية والإسلاموفوبيا والتمييز ضد المهاجرين، وترفض استخدام العلمانية لتبرير استهداف فئة دينية.

الحزب الذي تريده الوثيقة

تعترف الوثيقة بأن المشروع السياسي الكبير لا يمكن تنفيذه بتنظيم ضعيف أو حزب يظهر فقط في الانتخابات.

لذلك تخصص مساحة واسعة لإعادة بناء الحزب في أماكن العمل والأحياء الشعبية.

وتدعو إلى زيادة عدد الخلايا في الشركات، وتدريب الكوادر، وتطوير الصحافة الحزبية، وتحسين النشاط الرقمي، وتوسيع العضوية بين الشباب والعمال، وتقوية التنسيق بين الفروع المحلية والقيادة الوطنية.

كما تشدد على ضرورة الانتقال من تنظيم يدور حول الاجتماعات الداخلية إلى تنظيم يحدد أهدافاً اجتماعية ملموسة ويقيس تقدمه في تحقيقها.

وتتحدث عن استعادة «ثقافة التنظيم»، أي القدرة على الاستمرار والانضباط وتوزيع المهام والمتابعة والتقييم، من دون خنق النقاش الديمقراطي.

التغيير الفكري الذي حملته الوثيقة

يمكن تلخيص التطوير الفكري والسياسي الذي طرحته الوثيقة في عدة انتقالات أساسية.

أولها الانتقال من الدفاع عن وجود الحزب إلى السعي لاستعادة السلطة والنفوذ.

وثانيها الانتقال من تعريف الطبقة العاملة تعريفاً ضيقاً إلى عالم عمل واسع يشمل الصناعة والخدمات والوظائف التقنية والفكرية.

وثالثها الانتقال من المطالبة بتوزيع أفضل للدخل إلى المطالبة بالسلطة على الإنتاج والاستثمار والتكنولوجيا.

ورابعها إعادة الاشتراكية إلى مركز الاستراتيجية، بوصفها عملية ديمقراطية طويلة لا نموذجاً جاهزاً.

وخامسها ربط السيادة الوطنية بالسيادة الشعبية والاجتماعية، بدلاً من ترك مفهوم الأمة لليمين المتطرف.

وسادسها الجمع بين إعادة التصنيع والتحول البيئي، بدلاً من وضعهما في تعارض.

وسابعها رفض الاتحاد الأوروبي الحالي من دون السقوط في قومية الانسحاب، عبر طرح مشروع إعادة تأسيس أوروبي.

وثامنها الانتقال من تحالفات اليسار الفوقية إلى بناء أغلبية شعبية تبدأ من العمل والصراعات الاجتماعية.

حدود الوثيقة وأسئلتها المفتوحة

على الرغم من طموحها، تترك الوثيقة أسئلة عملية صعبة.

كيف يمكن تغيير معاهدات الاتحاد الأوروبي في ظل موازين القوى الحالية؟

وماذا ستفعل حكومة شيوعية أو يسارية إذا رفضت المؤسسات الأوروبية سياساتها الصناعية والمالية؟

وكيف يمكن الجمع بين مشروع رئاسي مستقل والحاجة إلى منع اليمين المتطرف من الوصول إلى السلطة؟

وكيف يستعيد الحزب العمال الذين انتقلوا إلى التجمع الوطني، من دون تبني لغته بشأن الهجرة والهوية؟

وكيف تتحول الملكية الاجتماعية من مفهوم عام إلى مؤسسات قابلة للتطبيق؟

كما أن الحديث عن اشتراكية ديمقراطية يحتاج إلى تفصيل أكبر بشأن حدود الملكية الخاصة، ودور السوق، وتنظيم الشركات الصغيرة، والعلاقة بين التخطيط والمبادرة الفردية.

لكن أهمية الوثيقة لا تكمن في تقديم إجابات نهائية عن كل هذه الأسئلة، بل في إعادة فتحها بعد سنوات هيمنت فيها إدارة الأزمات والخيارات الانتخابية القصيرة على خطاب اليسار.

مؤتمر استعادة الطموح التاريخي

خرج المؤتمر الأربعون للحزب الشيوعي الفرنسي بمحاولة لإعادة وصل السياسة اليومية بأفق تاريخي أوسع.

فالحزب لا يقول إن كل معركة يجب تأجيلها إلى ما بعد تغيير النظام، ولا يقول إن تحسين الأجور والخدمات يكفي وحده. إنه يحاول بناء جسر بين الحاضر والمستقبل: مكاسب فورية تغير حياة الناس، وتراكم في الوقت نفسه قوة اجتماعية قادرة على نقل المجتمع إلى مرحلة جديدة.

ويتمثل جوهر «شيوعية الفتوحات» في أن الشيوعية ليست ذكرى ولا هوية ثقافية ولا مجرد احتجاج أخلاقي، بل مشروع للسلطة والديمقراطية والإنتاج والحياة اليومية.

إنها محاولة لإعادة الحزب إلى المصانع والمستشفيات والمدارس والأحياء، وإعادة الصراع الطبقي إلى قلب السياسة الفرنسية، وبناء وطن اجتماعي مستقل ومتعاون، وأوروبا للشعوب والعمل والسلام بدلاً من أوروبا السوق والتقشف والحرب.

ويبقى نجاح هذا الاتجاه مرتبطاً بقدرته على الانتقال من الوثيقة إلى الممارسة: استقطاب جيل جديد، واستعادة الطبقات الشعبية، وتحقيق انتصارات اجتماعية، وبناء وحدة لا تلغي استقلال الحزب ولا تحول الاختلافات اليسارية إلى قطيعة دائمة.

بهذا المعنى، لم يكن المؤتمر الأربعون مجرد مؤتمر لتجديد قيادة الحزب الشيوعي الفرنسي، بل إعلاناً عن محاولة جديدة للانتقال من منع الاختفاء إلى استعادة المبادرة، ومن إدارة الضعف إلى مشروع طويل الأمد هدفه أن يصبح عالم العمل قوة منظمة قادرة على الحكم وتغيير المجتمع.

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

ماركس وباكونين: الصراع الذي شقّ الثورة إلى طريقين!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد من الأممية الأولى إلى مؤتمر لاهاي: من كان أقرب...

هالة نهرا ووجدي أبو ذياب في عملٍ إبداعيّ: من سلوفينيا إلى العالم!

أخباركم - أخبارنا تجلببتْ قصيدة «يا ضوء الأضواء» للشاعرة اللبنانية والعربية هالة نهرا، من...

اليسار الفلسطيني أمام مرآة الحقيقة: أزمة المشروع أم أزمة الاستقلال السياسي؟

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد ردّ على مقالة «اليسار الفلسطيني أمام لحظة الحقيقة.. من...

الحجّاج والسفّاح: هل يعيد التاريخ إنتاج وجهي السلطة؟

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد يصعب فهم الحجّاج بن يوسف الثقفي وأبي العباس السفّاح...

More like this

ماركس وباكونين: الصراع الذي شقّ الثورة إلى طريقين!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد من الأممية الأولى إلى مؤتمر لاهاي: من كان أقرب...

فريدريك إنجلز .. الشريك الذي حجبه ظل ماركس .. لماذا لم ينل أحد مؤسسي الاشتراكية العلمية المكانة التي يستحقها؟

أخباركم - أخبارنا بقلم: مسعود محمد حين يُذكر تأسيس الاشتراكية العلمية، يتجه الذهن مباشرة إلى كارل...

تهديدات بالقتل تستهدف حمة الهمامي.. وتصاعد المخاوف من انزلاق الخطاب السياسي في تونس!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد أثار مقطع فيديو متداول على مواقع التواصل الاجتماعي موجة...