أخباركم – أخبارنا/ أكرم محمود
تشهد منطقة الشرق الأوسط في هذه المرحلة تحولاً دراماتيكياً بالغ الأثر، يتجاوز كونه مجرد جولة جديدة من جولات الصراع التقليدي، ليرقى إلى مرتبة الهجوم الاستراتيجي الشامل الذي يقوده الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بهدف تقويض ركائز النفوذ الذي بنته طهران على مدى عقود. هذا الهجوم المعاكس لم يأتِ من فراغ، بل يمثل ارتداداً حتمياً لسياسات سابقة تركت للمشروع الإيراني مساحات واسعة للحركة، ومحطة تلاقٍ مع متغيرات ميدانية وعسكرية كبرى عصفت بأوراق القوة التي طالما تحصنت بها طهران.
من التمدد في ظل الدبلوماسية إلى الصدمة الأولى
لفهم الجذور العميقة للهجوم الحالي، لا بد من العودة إلى الحقبة التي يرى خصوم إيران أنها مهدت لتمددها الإقليمي؛ حيث منحت إدارة باراك أوباما، عبر الاتفاق النووي لعام ألفين وخمسة عشر ورفع العقوبات المرتبط به، هامشاً واسعاً من حرية التصرف والسيولة المالية لطهران. استغلت القيادة الإيرانية تلك المرحلة لترسيخ حضورها كلاعب مهيمن في عدة عواصم عربية، من بغداد إلى دمشق، وبيروت، وصنعاء.
غير أن هذا المشهد شهد انقلاباً جذرياً مع صعود دونالد ترامب الذي أدرك مبكراً قواعد اللعبة الإيرانية القائمة على المناورة وكسب الوقت. افتتح ترامب هجومه المضاد بضربة قاصمة تمثلت في اغتيال الجنرال قاسم سليماني في مطلع عام ألفين وعشرين. لم تكن هذه العملية مجرد تصفية لقائد عسكري، بل كانت تفكيكاً للعقل المدبر والمهندس الميداني الذي يربط خيوط الشبكة الإقليمية المعقدة، ومؤشراً على بدء مرحلة أمريكية جديدة لا تقيم وزناً للخطوط الحمر التقليدية ولا تمنح فرصة للمماطلة.
زلزال الشام وخنق الرئة المالية في العراق
تدرج هذا الهجوم المعاكس لينتقل من تصفية الرموز إلى تفكيك البنى الهيكلية واللوجستية للنفوذ الإيراني. وفي هذا السياق، جاء سقوط نظام بشار الأسد في سوريا ليمثل الضربة الأكثر إيلاماً وقصماً لظهر الاستراتيجية الإيرانية برمتها. فالجغرافيا السورية لم تكن مجرد ساحة نفوذ عادية، بل كانت الشريان الحيوي البري والقلب اللوجستي الذي يربط طهران بالبحر الأبيض المتوسط وبيروت. ومع انهيار هذا النظام، انقطع الجسر البري الإيراني تماماً، وتحول الوجود اللوجستي والعسكري الإيراني في الشام إلى جيوب معزولة ومحاصرة، مما أصاب خطوط الإمداد والتواصل بعطب بنيوي يستحيل تعويضه.
أما الضرب المكمل والبالغ الخطورة، فيجري حالياً على الساحة العراقية من خلال استهداف الرئة المالية التي طالما تنفست منها إيران لتفادي العقوبات الدولية القاسية. لقد فرضت وزارة الخزانة الأمريكية قيوداً وإجراءات تدقيق صارمة على حركة العملة الصعبة والنقد الأجنبي داخل القطاع المصرفي العراقي، مما قطع قنوات تهريب الدولار وتسييله لصالح الأذرع الإيرانية. هذا الخنق المالي المنهجي وضع النظام المصرفي العراقي والحكومة في بغداد أمام خيارات حاسمة، وجفف بالتبعية منابع التمويل النقدي المتدفقة إلى الحلفاء الإقليميين في دمشق وبيروت وصنعاء
.
حسابات الحقل ونتائج حرب الإسناد العكسية
في خضم هذا الحصار المالي والعسكري، جاءت التطورات الميدانية الأخيرة في غزة وجنوب لبنان بمثابة نقطة التحول الكبرى التي أطاحت بحسابات الردع الإيرانية. الحرب التي بدأت تحت عنوان طوفان غزة وجبهات الإسناد المرافقة لها، والتي أرادها المحور استعراضاً للقوة لفرض معادلات تفاوضية جديدة، ارتدت بنتائج عكسية تماماً على أصحابها.
فمن جهة، أدت العمليات العسكرية المكثفة والمستمرة في قطاع غزة إلى تفكيك القدرة العسكرية والتنظيمية لحركة حماس، مخرجة إياها من حسابات التأثير الإستراتيجي الفعلي ومجردة طهران من ورقة ضغط جنوبية بالغة الأهمية. ومن جهة أخرى، تلقى حزب الله في لبنان، الذي يمثل درة التاج وخط الدفاع الأمامي والأقوى عن العمق الإيراني، ضربات استخباراتية وعسكرية غير مسبوقة أدت إلى تصفية جيل كامل من قادته التاريخيين والعسكريين على رأسهم أمينه العام السيد حسن نصر الله، فضلاً عن تدمير نسبة هائلة من ترسانته الصاروخية وبنيته التنظيمية. هذه النتائج أدت عملياً إلى تعرية العمق الإيراني وإضعاف أوراق قوته التفاوضية، تاركة طهران مكشوفة في مواجهة مباشرة أمام الضغوط الخارجية دون حواجز صد إقليمية فاعلة.
مفارقة الوجود الأمريكي والشرعية المجانية لـ “الخوة” في هرمز
تتجلى المفارقة الأكبر والغرابة الصارخة في هذا الصراع عند تأمل النتائج غير المباشرة للسياسات الإيرانية؛ فبدلاً من أن تؤدي مواجهتها مع الغرب إلى إخراج القوات الأجنبية كما كانت تدعي، لم تسفر سياساتها الإقليمية المزعزعة للاستقرار إلا عن زيادة الذرائع وتثبيت الوجود العسكري والنفوذ الأمريكي في مياه المنطقة ومضائقها الحيوية.
وفي مشهد يجمع بين السخرية السياسية والواقع المرير، يطل اليوم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مطالباً بفرض رسوم حماية أو ما يشبه الجباية المالية بنسبة عشرين بالمئة على السفن المارة بمضيق هرمز لتغطية تكاليف الوجود العسكري الأمريكي هناك. والمضحك المبكي في هذا السياق هو التناغم الإيراني الرسمي مع هذا الطرح؛ إذ علق وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي على تصريح ترامب بالقول إن مَن يؤمن المضيق يستحق المقابل المالي، معتبراً أن بلاده هي حامية المضيق التاريخية والجديرة بتحصيل هذه الرسوم ولكن بنسب منصفة.
هذا الموقف الإيراني لا يمثل فقط اعترافاً ضمنياً بشرعية منطق الجباية والخوة الذي يطرحه ترامب، بل يظهر إيران في مظهر المتناقض الذي يعرض بنفسه أمن المضيق للخطر عبر تحركاته العسكرية، ثم يسارع لتقديم نفسه كشريك في جباية الرسوم بذريعة الحماية. لقد منحت هذه السياسات فرصة ذهبية للإدارة الأمريكية لمأسسة نفوذها الاقتصادي والعسكري بغطاء وتناغم من الخصم نفسه.
نهاية لعبة المماطلة والخيارات الصفرية
لطالما اعتمدت الدبلوماسية الإيرانية على النفس الطويل والمناورة الدبلوماسية لكسب الوقت بانتظار تغير الظروف السياسية أو حدوث تبدلات في الإدارات الغربية وحكومات المنطقة، كالرهان على سقوط سياسي لنتنياهو أو تبدل في الرئاسة الأمريكية. لكن القيادة الأمريكية الحالية قطعت الطريق تماماً على هذا الأسلوب التقليدي؛ إذ أظهر ترامب حزماً قاطعاً في التعامل مع محاولات الالتفاف والتراجع عن التفاهمات، مفضلاً اللجوء الفوري للردع العسكري والاقتصادي المباشر، مثل فرض الحصار البحري والتهديد باستهداف البنى التحتية الحيوية في حال استمرار التسويف.
يقف المشهد الإقليمي اليوم عند مفترق طرق تاريخي؛ حيث يجد صانع القرار في طهران نفسه محاصراً بانهيار الجبهات الأمامية وتجفيف الروافد المالية وسقوط الحليف السوري الاستراتيجي، أمام رئيس أمريكي لا يتردد في استخدام القوة القصوى لفرض شروطه. إن الهجوم المعاكس يتجاوز اليوم كونه مجرد ضغط سياسي، بل هو عملية إعادة صياغة قسرية لموازين القوى في المنطقة، تضع المشاريع الإقليمية العابرة للحدود أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الإذعان التام لشروط تسوية تقيد الطموحات النووية والإقليمية بالكامل، أو مواجهة انهيار هيكلي شامل تحت وطأة الحصار العسكري والاقتصادي المتكامل.



