أخباركم – أخبارنا/ حسين قاسم
الحلقة الخامسة
انتهت الحرب اللبنانية باتفاق الطائف، لكن الطائف لم يكن وليد لحظة سياسية عابرة، بل جاء نتيجة تقاطع عوامل داخلية وإقليمية ودولية، سبق أن تناولناها في الحلقة الرابعة من هذه السلسلة. فقد أدى تفكك الاصطفافات الطائفية، إلى جانب التحولات الكبرى في المنطقة والعالم، إلى إنهاء حرب استمرت خمسة عشر عاماً، حصدت البشر والحجر، ودمّرت الاقتصاد، وأضعفت الدولة، ومزقت النسيج الاجتماعي والثقافي للبنان.
عند تلك اللحظة المفصلية، أدرك اليسار اللبناني، وفي طليعته الحزب الشيوعي، أن القضية المركزية لم تعد الحرب، بل بناء السلام. ومن هنا جاءت الدعوة إلى المصالحة الوطنية، لا باعتبارها تسوية بين المتحاربين، بل شرطاً لإعادة تأسيس الدولة.
في هذا السياق، قام جورج حاوي بخطوة غير مسبوقة، فكان أول مسؤول عن أحد أطراف الحرب يزور قائد الطرف المقابل، الدكتور سمير جعجع. لم تكن الزيارة مجرد لقاء سياسي، بل إعلاناً بأن زمن البنادق يجب أن ينتهي، وأن زمن السياسة قد بدأ.
ولم يكتف الحزب الشيوعي بهذه المبادرة، بل أطلق مشروعه للمصالحة الوطنية من أنطلياس، داعياً إلى نقل الصراع من ساحات القتال إلى المؤسسات الدستورية، وإلى الالتفاف حول الدولة والعمل على تنفيذ اتفاق الطائف باعتباره الإطار الممكن لإعادة بناء الوطن.
ولخص جورج حاوي هذه الرؤية بعبارة أصبحت من أبرز مقولاته السياسية: «إذا سقط الطائف، فليكن سقوطه إلى الأمام لا إلى الوراء.» أي أن تطوير الاتفاق ممكن، أما العودة إلى منطق الحرب والانقسام فتعني إعادة إنتاج المأساة نفسها.
ثم جاء التحرير في أيار 2000 ليشكل محطة وطنية استثنائية. فقد اندحر الاحتلال الإسرائيلي عن معظم الأراضي اللبنانية، وسجل لبنان أول تجربة عربية يتحرر فيها الجزء الأكبر من أرضه من دون اتفاق سياسي مع المحتل أو تقديم أثمان مباشرة له.
في تلك اللحظة، بلغت الوطنية اللبنانية ذروة تجلياتها. وأعلن جورج حاوي، وكان يومها رئيس المجلس الوطني في الحزب الشيوعي، أن لبنان أصبح وطناً لا ساحة، ودولة لا ملعباً لتصفية حسابات الآخرين. ومن هذا المنطلق طالب بانسحاب القوات السورية تنفيذاً لاتفاق الطائف، وبانتشار الجيش اللبناني في الجنوب ليحمي الأرض المحررة ويكرس سيادة الدولة عليها.
لكن هذا المسار الوطني لم يكتمل.
ففي مهرجان النصر في بنت جبيل، أهدى الأمين العام الأسبق لحزب الله الانتصار إلى النظامين السوري والإيراني، لينتقل الإنجاز العسكري من كونه انتصاراً وطنياً جامعاً إلى عنوان في مشروع إقليمي أوسع. وفي الوقت نفسه، برز ملف مزارع شبعا ليصبح الذريعة السياسية التي استُخدمت لتبرير استمرار الوصاية السورية على لبنان، ولإبقاء السلاح مع حزب الله، وتأجيل استكمال تنفيذ اتفاق الطائف.
وبالتوازي مع هذه التحولات، بدأت موازين القوى تختل داخل الحزب الشيوعي نفسه. فاستقال جورج حاوي ثانيةً من رئاسة المجلس الوطني الذي كان يرأسه آنذاك، ثم أُبعدت مجموعة من القيادات التي كانت تمثل الخط الداعي إلى استقلال القرار الوطني عن النفوذ السوري.
ولم يكن ذلك مجرد خلاف تنظيمي، بل شكل نقطة تحول سياسية تركت آثارها على موقع الحزب ودوره. فبعد أن رفع راية البيان التاريخي الصادر عن المجلس الوطني في السابع من تموز عام 2000، بدأ يتجه تدريجياً نحو مواقف أكثر التباساً، متماهياً مع مواقف محور الممانعة، وهو انتقال لم تستطع البيانات العامة ولا الشعارات الفضفاضة أن تخفي حقيقته.
وجاءت انتفاضة الاستقلال الثاني عام 2005، عقب اغتيال الرئيس رفيق الحريري، لتفتح أمام اللبنانيين فرصة جديدة لاستكمال بناء الدولة واستعادة السيادة الوطنية. غير أن القوى التي قادت تلك الانتفاضة، رغم قدرتها على حشد الشارع، كانت تمثل في معظمها قوى اجتماعية وسياسية مترددة، تفتقر إلى رؤية تغييرية جذرية. أما اليسار، فدخل تلك المرحلة ضعيفاً ومشتتاً، بعدما فقد بوصلته الوطنية، ولم تشكل حركة اليسار الديمقراطي رافعة يسارية في تلك النهضة، فبدل ان تنقل معها المخزون الإيجابي لتجربة أفرادها في الحزب الشيوعي نقلت السلبيات الموروثة فانتكس اليسار مجدداً وضاعت قضيته المركزية وراحت السكرة ولم تأتِ الفِكرة.
فلو تموضع اليسار مجتمعاً إلى جانب الناس، وتمسك بهدف استكمال الاستقلال الوطني، لكان قادراً على مواصلة المسيرة حتى عندما تراجعت القوى التي أطلقت الانتفاضة، ولكان حجز لنفسه موقعاً وطنياً جديداً في الحياة السياسية اللبنانية.
ثم انسحب الجيش السوري من لبنان في نيسان 2005، لتنتهي مرحلة من الوصاية، لكن الفراغ لم يبق طويلاً. فقد تمدد النفوذ الإيراني عبر حزب الله، فعاد لبنان، مرة أخرى، إلى موقع الساحة الإقليمية. وبدلاً من أن يقرأ قسم كبير من اليسار هذا التحول بوصفه تحدياً جديداً للاستقلال الوطني، علق شعاراته على شماعة المقاومة، متجنباً مواجهة الواقع السياسي الذي كان يتشكل أمامه، ربما عادت إلى مخيلة بعضه مشاهد الاغتيالات التي طالت كوادره البارزة في مرحلة الثمانينيات.
وجاءت حرب تموز 2006 لتكرس هذا التحول. فقد تحولت الحرب، بما حملته من تداعيات داخلية وإقليمية، إلى محطة أعادت تثبيت لبنان في قلب الصراعات الإقليمية، وربطت مصيره، أكثر فأكثر، بالمواجهة الدائرة بين إيران والمجتمع الدولي، وبملفات تجاوزت حدود المصلحة اللبنانية المباشرة، ملفات لها علاقة بالتأثير على المحكمة الدولية الخاصة بلبنان وكذلك بمسألة مفاوضات ايران حول برنامجها النووي.
ثم أتيحت للبنان فرصة تاريخية جديدة مع انتفاضة السابع عشر من تشرين الأول. كانت تلك اللحظة مؤهلة لتأسيس كتلة وطنية عابرة للطوائف، قادرة على انتشال البلاد من أزماتها المتراكمة، وإعادة الاعتبار لفكرة الدولة.
لكن هذه الفرصة ضاعت أيضاً.
انشغل الخطاب السياسي، وحتى جزء كبير من قوى الاحتجاج، بالأزمة الاقتصادية والمالية والاجتماعية، على أهميتها، فيما بقيت القضية المركزية خارج النقاش. فالانهيار الاقتصادي لم يكن سوى نتيجة لمسار سياسي طويل، بينما ظل السلاح الخارج عن سلطة الدولة هو العنصر الحاسم الذي عطّل قيام الدولة وأعاق تنفيذ الدستور والقرارات الدولية.
ولعل المفارقة أن حزب الله نفسه كان أكثر إدراكاً من خصومه لطبيعة الصراع الحقيقي. لذلك لم ينتظر أن ترفع الانتفاضة شعار نزع سلاحه، بل بادر إلى قمع المحتجين، لأنه كان يعلم أن أي حركة شعبية تنجح في فرض مشروع الدولة ستصل، عاجلاً أم آجلاً، إلى طرح هذه المسألة بوصفها جوهر الأزمة اللبنانية.
وهكذا استمر اليسار في الهروب إلى الأمام، متنقلاً من تبرير إلى آخر، من دون أن يجري مراجعة نقدية حقيقية لمساره. ولم تدفعه الكوارث المتلاحقة، من انفجار مرفأ بيروت إلى مسلسل الاغتيالات، ولا التحولات الكبرى التي عصفت بلبنان والمنطقة، إلى إعادة تحديد القضية المركزية التي يفترض أن تدور حولها معركته الوطنية.
ذلك أن القوى السياسية لا تُقاس بعدد شعاراتها، بل بقدرتها على تحديد التناقض الرئيسي في كل مرحلة تاريخية. وعندما تخطئ في تحديد هذا التناقض، فإنها تخسر دورها، مهما كثرت شعاراتها، ومهما حسنت نياتها.
وهنا تكمن، في رأيي، المأساة الكبرى التي عاشها اليسار اللبناني خلال العقود الأخيرة.
ما هي القضية المركزية اليوم؟ ما ستحاول الحلقة السادسة الإجابة عليه.



