أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد
عاتبني ذلك الصحفي المخضرم، ابن المهنة القديمة وتجاربها الطويلة، على اندفاعي في الحديث عن قتال إيران وإسقاط نظامها. لم يجاملني، ولم يحاول أن يختار كلمات ترضيني، بل قالها بلهجته المباشرة:
«بدنا نروق».
كان يرى أن الحماسة السياسية، مهما كانت أسبابها مشروعة، لا تكفي وحدها لفهم الدول الكبرى، ولا تسمح لنا ببناء توقعات واقعية حول سقوط الأنظمة أو تغيير خرائط المنطقة. وقال لي إن معارضة سياسات إيران شيء، والانتقال من ذلك إلى الاعتقاد بأن إسقاطها بات قريباً أو ممكناً بفعل الحرب الخارجية شيء آخر تماماً.
ثم كلّمني عن كتاب The English Job: Understanding Iran and Why It Distrusts Britain، أي «المهمة الإنكليزية: فهم إيران ولماذا لا تثق ببريطانيا»، لوزير الخارجية البريطاني الأسبق جاك سترو. ونصحني بقراءته، لأنه، وفق رؤيته، يقدم مفتاحاً ضرورياً لفهم إيران قبل الحديث عن إسقاطها أو تفككها.
قال لي إن الكتاب لا يدافع عن الجمهورية الإسلامية، ولا يبرر قمعها الداخلي أو تدخلاتها الإقليمية، لكنه يشرح لماذا لا يمكن التعامل مع إيران كدولة هشة يمكن أن تسقط بضربة عسكرية أو موجة عقوبات أو انتفاضة عابرة. فإيران، كما يعرضها جاك سترو، ليست مجرد نظام سياسي تأسس عام 1979، بل دولة ذات تاريخ طويل، ومجتمع متماسك حول شعور قومي عميق، وذاكرة جماعية مشبعة بالشك في القوى الأجنبية.
يتتبع جاك سترو في كتابه تاريخ العلاقة المعقدة بين إيران وبريطانيا، منذ التدخلات البريطانية في العهد القاجاري، والامتيازات الاقتصادية والنفطية، والصراع على النفوذ، وصولاً إلى الدور البريطاني والأميركي في إسقاط حكومة محمد مصدق عام 1953 بعد تأميم النفط.
ويرى سترو أن تلك الأحداث لم تختفِ من الذاكرة الإيرانية، بل تحولت إلى جزء من الوعي السياسي للدولة والمجتمع. فكلما تعرضت إيران لضغوط أو تهديدات خارجية، تستحضر مؤسساتها السياسية تاريخ التدخل الأجنبي لتأكيد روايتها بأن البلاد مستهدفة، وأن هدف القوى الغربية لا يقتصر على تغيير سياسات النظام، بل يمتد إلى إخضاع إيران والسيطرة على قرارها ومواردها.
ويستند الكتاب أيضاً إلى تجربة جاك سترو الشخصية عندما كان وزيراً لخارجية بريطانيا بين عامي 2001 و2006، وإلى زياراته لإيران ولقاءاته مع مسؤوليها، ومن بينهم شخصيات إصلاحية ومحافظة شاركت في إدارة الدولة والملف النووي.
ومن خلال تلك التجربة، يقدم سترو إيران بوصفها دولة ذات مراكز قوى متعددة، ومؤسسات دينية وأمنية وعسكرية وسياسية متشابكة، لا يتحكم بها شخص واحد بالطريقة التي يتصورها البعض. هناك المرشد، والحرس الثوري، والحكومة، والبرلمان، والمؤسسات الدينية، وشبكات اقتصادية وأمنية متداخلة، إلى جانب مجتمع متنوع يختلف مع النظام في مسائل كثيرة، لكنه قد يلتف حول الدولة عندما يشعر بأن البلاد تتعرض لعدوان خارجي.
وكان الصحفي المخضرم يريد من خلال الكتاب أن يشرح لي قناعته بأن إيران لن تسقط بسهولة. لم يكن يقصد أن النظام خالد أو أنه لن يتغير، بل كان يميز بين التغيير الذي يمكن أن ينشأ من داخل المجتمع الإيراني، وبين مشروع إسقاط يُفرض من الخارج عبر الحرب.
وقال لي بوضوح:
«عندما تقول إسقاط إيران، فأنت تنفذ أجندة نتنياهو. إسرائيل وحدها تريد إسقاط إيران. لا الولايات المتحدة ولا الدول العربية تريد ذلك».
كان يرى أن الولايات المتحدة، رغم صراعها الطويل مع طهران، تريد احتواء إيران، وإضعاف قدراتها، ومنعها من امتلاك سلاح نووي أو تهديد المصالح الأميركية، لكنها لا تريد بالضرورة انهيار الدولة الإيرانية ودخول عشرات الملايين من الإيرانيين في فراغ أمني وسياسي لا يمكن توقع نتائجه.
أما الدول العربية، وفق تحليله، فهي تريد وقف تدخلات إيران وتهديداتها وأذرعها المسلحة، لكنها تخشى كذلك من أن يتحول انهيار إيران إلى فوضى إقليمية، أو حروب أهلية وقومية، أو موجات نزوح ضخمة، أو صراع مفتوح حول حدود الدولة وثرواتها ومكوناتها.
وكان يعتقد أن إسرائيل هي الطرف الأكثر اندفاعاً باتجاه إضعاف النظام الإيراني إلى حد إسقاطه، لأنها ترى في إيران التهديد الاستراتيجي الأكبر لها، لكنها لا تتحمل وحدها بالضرورة نتائج الفوضى التي قد تنتج عن سقوط دولة كبيرة ومعقدة مثل إيران.
ثم انتقل في حديثه إلى التجربة الكردية، وحذرني من الاعتقاد بأن القوى الكبرى يمكن أن تخوض معارك طويلة نيابة عن الشعوب التي تبحث عن حقوقها أو دولتها.
وروى لي أنه كان برفقة أحد الوزراء البريطانيين عندما زار جلال الطالباني ومسعود بارزاني لندن، في مرحلة كان فيها الزعيمان الكرديان يسعيان إلى حشد الدعم الدولي لإسقاط نظام صدام حسين.
وقال إنه سأل الوزير البريطاني آنذاك:
«هل ستسهّلون قيام دولة كردية؟»
وبحسب روايته، أجابه الوزير بما معناه:
«منذ ثمانين عاماً لم ننجح في حل القضية الفلسطينية وتثبيت الدولة الفلسطينية، فهل تريدنا أن نقاتل ثلاثمئة سنة من أجل الأكراد؟»
لم يورد الصحفي هذه الحكاية للسخرية من القضية الكردية، ولا للتقليل من عدالة حقوق الأكراد، بل ليقول إن الدول الكبرى لا تتحرك وفق العدالة التاريخية وحدها، ولا تخوض الحروب المفتوحة لمجرد أن شعباً يمتلك قضية عادلة. فالدول تحسب مصالحها وتوازناتها وكلفة حروبها، وقد تدعم شعباً في مرحلة، ثم تنسحب أو تغير موقفها عندما تتغير المصالح.
وأضاف أن أكراد سوريا دفعوا ثمناً كبيراً نتيجة توسع مشروعهم السياسي والعسكري، ونتيجة انفتاح بعض الأطراف الكردية على إسرائيل أو ظهور هذا الانفتاح في الخطاب السياسي والإعلامي.
وقال لي:
«محيطكم والدول التي تعيشون فيها تختلف على كل شيء، لكنها تتفق على عداوتكم».
كان يقصد أن الدول الأربع التي تتوزع بينها المناطق الكردية قد تختلف في ملفات إقليمية كبرى، وقد تدخل في صراعات مباشرة أو غير مباشرة، لكنها تصبح شديدة الحساسية عندما تعتقد أن الحركة الكردية تتجه نحو الاستقلال أو نحو بناء تحالفات خارجية يمكن أن تغير حدود المنطقة.
ومن وجهة نظره، فإن الرهان على إسرائيل أو على أي قوة خارجية لا يقدم ضمانة دائمة للأكراد، بل قد يمنح خصومهم الإقليميين حجة مشتركة لمحاصرتهم واتهامهم بأنهم جزء من مشروع يستهدف الدول التي يعيشون فيها.
ثم تحدث عن حزب الله، وكان موقفه واضحاً ودقيقاً. قال إنه يختلف مع الحزب في قضايا سياسية عديدة، لكنه لا يريد أن يحول هذا الاختلاف إلى هجوم دائم يلغي كل موقف اتخذه الحزب.
وقال لي إنه يقدّر موقف حزب الله في الوقوف إلى جانب الشعب الفلسطيني، ويقدّر دخوله في حرب الإسناد ومحاولته تخفيف الضغط عن غزة.
لم يكن ينقل موقف أنصار الحزب، ولم يقل إن الحزب يصف أفعاله بهذه الطريقة فقط، بل كان يعبر عن تقديره الشخصي لذلك الموقف، مع احتفاظه باختلافاته السياسية الأخرى مع الحزب.
وقال لي بما معناه:
«اختلف مع حزب الله، لكن لا تجعل خلافك معه يمنعك من شكره عندما يقف مع الشعب الفلسطيني. أنا أقدّر حرب الإسناد ومحاولة تخفيف الضغط عن غزة».
وكان يرى أن الموقف السياسي الناضج لا يقوم على تأييد طرف في كل شيء أو رفضه في كل شيء، بل على القدرة على التمييز بين الملفات. يمكن للمرء أن يعارض سلاح حزب الله في الداخل، أو ينتقد علاقته بإيران، أو يختلف معه حول الدولة ومؤسساتها، ثم يقر في الوقت نفسه بأنه اتخذ موقفاً رأى فيه دعماً للفلسطينيين خلال الحرب.
لم يكن حديث الصحفي المخضرم دعوةً لي إلى التخلي عن موقفي من النظام الإيراني، ولا إلى قبول تدخلاته في المنطقة، ولا إلى تجاهل ما ارتكبه الحرس الثوري وأذرعه من سياسات أضرت بإيران وجيرانها.
كان يريد أن يدفعني إلى الفصل بين الموقف الأخلاقي والتحليل السياسي؛ بين الرغبة في تغيير نظام قمعي، والاعتقاد بأن الحرب الخارجية ستصنع بالضرورة نظاماً أفضل؛ وبين حق الشعوب الإيرانية في الحرية، وتحويل مطالبها إلى جزء من مشروع عسكري إسرائيلي أو دولي قد تكون له أهداف مختلفة تماماً.
كتاب جاك سترو، كما شرحه لي، يقدم إيران دولةً تحمل إرث إمبراطورية وتاريخاً قومياً عريقاً، وليست مجرد جمهورية إسلامية يمكن أن تنتهي بانتهاء شخص أو مؤسسة. حتى الإيرانيون الذين يعارضون نظامهم قد يرفضون أن يروا بلادهم تتعرض للتفكيك أو الإذلال أو الاحتلال.
ولهذا قد تؤدي الحرب الخارجية، بدلاً من إسقاط النظام، إلى تقوية خطابه القومي والأمني، وإلى دفع جزء من المجتمع للالتفاف حول الدولة دفاعاً عن الوطن، حتى لو كان هذا المجتمع ناقماً على السلطة وسياساتها.
كما يوضح الكتاب أن العقوبات، رغم قدرتها على إنهاك الاقتصاد وإضعاف مستوى معيشة السكان، لا تؤدي تلقائياً إلى انهيار الأنظمة. بل قد تمنح الأجهزة الأمنية والاقتصادية التابعة للدولة فرصاً إضافية للسيطرة على السوق والموارد، فيما يتحمل المواطنون الجزء الأكبر من الخسائر.
ويرى سترو أن فهم إيران يتطلب التعامل معها بالدبلوماسية، والضغط المحسوب، ومعرفة حساسيتها التاريخية، وعدم اختزالها في صورة كاريكاتورية. وهو لا يطلب الثقة بالنظام الإيراني، بل يدعو إلى فهم الطريقة التي يرى بها الإيرانيون أنفسهم والعالم من حولهم.
أما الصحفي الذي حدثني عن الكتاب، فكان يعتقد أن المشكلة في شعار «إسقاط إيران» أنه لا يحدد ما المقصود بإيران: هل المقصود إسقاط النظام أم إسقاط الدولة؟ هل الهدف تغيير السلطة أم تفكيك البلاد؟ ومن سيملأ الفراغ؟ وكيف ستتعامل القوميات والمناطق والجيوش والمؤسسات الأمنية بعضها مع بعض؟
وكان يخشى أن يبدأ الشعار بإسقاط النظام، لكنه ينتهي عملياً إلى تفكيك الدولة، وإلى حرب مفتوحة يدفع الإيرانيون وشعوب المنطقة ثمنها، بينما تراقب القوى الكبرى النتائج من بعيد.
لذلك قال لي منذ البداية:
«بدنا نروق».
لم تكن دعوته إلى الهدوء تعبيراً عن اللامبالاة، بل عن خبرة رجل شاهد الحروب والتحالفات المتبدلة، وعرف أن الشعارات الكبرى لا تتحول دائماً إلى النتائج التي يتوقعها أصحابها.
كان يريد أن يقول لي إن معارضة إيران لا تستوجب إعلان الحرب عليها، وإن الدفاع عن حقوق الأكراد لا يجوز أن يتحول إلى ثقة عمياء بالدول الكبرى، وإن الاختلاف مع حزب الله لا يمنع الاعتراف بالموقف الذي يراه المرء إيجابياً في وقوفه مع فلسطين.
وكانت رسالته الأخيرة أن السياسة لا تُقرأ بالرغبات وحدها، بل بموازين القوى، وذاكرة الشعوب، ومصالح الدول، والنتائج التي قد تأتي مختلفة تماماً عن النوايا.
لهذا قدم لي كتاب جاك سترو بوصفه مدخلاً لفهم إيران، لا لتبرير نظامها، بل لفهم سبب صمودها، ولماذا لا يعتقد أن سقوطها قريب، ولماذا يرى أن من يدعو إلى حرب إسقاط شاملة قد يخدم، من حيث يدري أو لا يدري، مشروعاً لا يتطابق بالضرورة مع مصالح الإيرانيين أو العرب أو الأكراد.



