أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد
لم يكن اللقاء مع القياديين في الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني، مولود سوارا وفريد، مجرد جلسة سياسية عابرة. كان لقاءً امتزجت فيه الذاكرة بالواقع، والتاريخ بالحاضر، والأمل بالحذر. فكل حديث عن كردستان إيران يقود، عاجلاً أم آجلاً، إلى أسماء صنعت تاريخ الحركة الكردية، وإلى السؤال الكبير: متى تتغير إيران؟
قبل أن أصل إلى اللقاء، كنت قد خرجت من جلسة مع صحفي مخضرم تابع القضية الإيرانية لعقود. ابتسم وهو يستمع إلى تحليلاتي، ثم قال بلهجة هادئة: “خفّ عن إيران… فهي لن تسقط. بدنا نروق.” كانت نصيحته تعكس رؤية تقوم على أن النظام الإيراني ما زال يمتلك أدوات القوة، وأن الحديث عن سقوطه السريع أقرب إلى الرغبة منه إلى الواقع.
حملت هذا السؤال معي إلى الرفاق في الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني. سألتهم إن كانوا يرون أن قرار إسقاط النظام قد اتخذ دولياً أو إقليمياً. جاء الجواب واضحاً: “لا يبدو أنه هناك قرار بعد بإسقاط هذا النظام.”
لم يكن في كلامهم شيء من المبالغة أو الرغبة في رفع المعنويات. بل كان تقديراً سياسياً بارداً. أكدوا أن النظام الإيراني ما زال يضرب الداخل بيد من حديد ونار، وأنه يقمع أي محاولة تمرد بسرعة وعنف شديدين، وهو ما يجعل أي مواجهة غير محسوبة مغامرة قد يدفع ثمنها الشعب الكردي أولاً.
وقالوا إن قرار الحزب بعدم الانخراط في القتال خلال المرحلة الماضية كان قراراً مدروساً، لأن اللحظة السياسية والعسكرية لم تكن مناسبة. ثم جاءت العبارة التي لفتت انتباهي أكثر من غيرها: “الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني يقاتل بقراره الوطني، وليس بدفع أميركي… نحن لسنا PYD.”
كانت الرسالة واضحة: قرار السلاح لا يصنعه الخارج، بل تفرضه المصلحة الوطنية الكردستانية. وعندما تتوافر الظروف السياسية ويصبح القتال جزءاً من مشروع واضح يخدم قضية الشعب الكردي، فلن يتردد الحزب في العودة إلى الميدان، كما فعل في مواجهة نظام الخميني في سنوات الثورة الأولى.
وتوسع النقاش ليشمل تحالف الأحزاب الكردية الإيرانية السبعة. ولم يبدُ الرفاق في الحزب الديمقراطي متفائلين كثيراً بقدرة هذا الإطار على التحول إلى جبهة سياسية وعسكرية متماسكة. فوجود قوى مختلفة في المرجعيات الفكرية، ومتباينة في التحالفات الإقليمية والدولية، يجعل العمل الجبهوي الحقيقي مهمة شديدة الصعوبة، بل إن هذا القلق – كما قيل في الجلسة – موجود حتى داخل أوساط قيادية في الحزب نفسه.
وحين انتقل الحديث إلى العلاقة بين الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني وحزب كومله، بدا الاتفاق كاملاً على خلاصة سياسية مهمة: تقارب الحزبين يعزز المعارضة الكردستانية الإيرانية، بينما يؤدي تباعدهما إلى إضعافها. فالقضية الكردية في إيران، في ظل تعقيدات الداخل الإيراني والإقليم، تحتاج إلى أكبر قدر ممكن من التنسيق بين أكبر قوتين سياسيتين كرديتين.
ميكونوس… عندما تذكرت الدكتور شرفكندي
كنا نجلس في أحد المقاهي، فقلت لهم إن هذه الجلسة تعيد إلى ذاكرتي الدكتور صادق شرفكندي، الأمين العام للحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني، الذي اغتيل في مطعم ميكونوس ببرلين عام 1992 مع ثلاثة من رفاقه.

نظر إليّ مولود سوارا وسألني بهدوء: “هل تأخذ احتياطاتك الأمنية؟” ثم أضاف أن عدو الحركة الكردية الإيرانية لا يعرف التسامح، وأنه لا يتردد في استهداف حتى أصدقاء المعارضة الذين يكتبون عنها بجرأة ووضوح.
كانت لحظة صمت ثقيلة. فاغتيال شرفكندي لم يكن حادثة عابرة، بل واحدة من أشهر عمليات الاغتيال السياسي في أوروبا. وقد خلصت محكمة برلين، بعد محاكمة استمرت سنوات، إلى تحميل مسؤولين كبار في القيادة الإيرانية مسؤولية إصدار قرار الاغتيال. كما أدين في القضية منفذون ومتعاونون، وكان من بينهم عنصر لبناني مرتبط بـحزب الله، أدين بالمشاركة في تنفيذ العملية، وهو ما جعل قضية ميكونوس محطة مفصلية في كشف شبكة الاغتيالات التي استهدفت المعارضين الإيرانيين في الخارج.
فيينا… اغتيال الرجل الذي آمن بالحوار
وقبل شرفكندي، كان الدكتور عبد الرحمن قاسملو قد دفع حياته ثمناً لإيمانه بالحوار.
في تموز/يوليو 1989 ذهب إلى فيينا لإجراء مفاوضات مع ممثلين عن الجمهورية الإسلامية الإيرانية أملاً في الوصول إلى حل سياسي للقضية الكردية، لكنه قُتل داخل مكان المفاوضات مع اثنين من رفاقه.
تحول اغتياله إلى رمز للخيانة السياسية، لأن الرجل دخل الحوار وهو يعتقد أن السياسة يمكن أن تنتصر على الرصاص، بينما اختار الطرف الآخر أن يجعل الرصاص بديلاً عن السياسة.
وخلال اللقاء، تحدث مولود سوارا بعاطفة واضحة عن قاسملو، فهو من الجيل الذي عاصره وعمل معه، ثم أهداني الكتاب الذي أصدره عنه. لم يكن يتحدث عن قائد حزبي فحسب، بل عن مدرسة سياسية كاملة جمعت بين الهوية الكردية والانفتاح والحوار والعمل الديمقراطي.

حزب كتب تاريخه بدماء ثلاثة قادة
قلما يوجد حزب سياسي في الشرق الأوسط فقد ثلاثة من أبرز قادته التاريخيين شهداء.
فالحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني يحمل في ذاكرته أسماء ثلاثة أمناء عامين ورموز كبار ارتبط تاريخهم بالتضحية.
أولهم القاضي محمد، مؤسس الحزب ورئيس جمهورية مهاباد عام 1946، الذي أُعدم بعد سقوط الجمهورية، ليصبح رمزاً لبداية المشروع الوطني الكردي الحديث في إيران.

ثم جاء الدكتور عبد الرحمن قاسملو، الذي حاول أن يفتح باب الحل السياسي، فاغتيل في فيينا.
وبعده تولى الدكتور صادق شرفكندي قيادة الحزب، قبل أن يغتال هو الآخر في برلين في جريمة ميكونوس.
إنها سلسلة طويلة من التضحيات جعلت تاريخ الحزب مكتوباً بدماء قادته قبل بياناته السياسية.
واختتم اللقاء بالحديث عن موجة الإعدامات المتواصلة التي ينفذها النظام الإيراني بحق الشباب الكرد، وعن آلاف العائلات التي ما زالت تنتظر أبناءها في السجون أو على أعواد المشانق.
خرجت من الجلسة وأنا أفكر في المفارقة المؤلمة: صحفي مخضرم ينصحني بأن “أروق” لأن النظام لن يسقط قريباً، بينما يجلس أمامي رجال فقدوا قادتهم واحداً بعد آخر، ومع ذلك لم يفقدوا إيمانهم بأن الشعوب لا تعيش إلى الأبد تحت الخوف، وأن التاريخ قد يتأخر، لكنه لا يتوقف.



