الثلاثاء, سبتمبر 8, 2026
27.4 C
Beirut

جنبلاط يروي حكاية الحريري والأسد: «قال له بشار سأكسر لبنان»… ومن التمديد للحود إلى لحظة الاغتيال

نشرت في

أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد

في الحلقة الرابعة عشرة من شهادته لبرنامج «شاهد على العصر»، لم يتحدث وليد جنبلاط عن اغتيال رفيق الحريري بوصفه حادثاً منفصلاً وقع في الرابع عشر من شباط 2005، بل روى حكاية طويلة بدأت بالخوف، ومرّت بالتهديد والتمديد الرئاسي ومحاولات الاغتيال، وانتهت بانفجار غيّر وجه لبنان وأخرج الجيش السوري منه.

كانت البداية، في رواية جنبلاط، مع عهد الرئيس إميل لحود، الذي وصفه بأنه لم يقصّر في اضطهاده سياسياً، كما لم يقصّر في التضييق على رفيق الحريري، معتبراً أنه كان أداة طيّعة في يد الأجهزة الأمنية السورية واللبنانية.

لكن اللحظة الأخطر سبقت التمديد للحود عام 2004، عندما التقى رفيق الحريري بالرئيس السوري بشار الأسد. يروي جنبلاط أن اللقاء كان عاصفاً، وأن الأسد خاطب الحريري بلهجة تهديدية قائلاً له إن «لحود هو أنا»، وإن كان الرئيس الفرنسي جاك شيراك يريد إخراجه من لبنان، فإنه سيقوم بـ«كسر لبنان». وينقل عنه أيضاً قوله إن كان وليد جنبلاط يعتقد أن لديه دروزاً، فإن لدى النظام السوري دروزاً أيضاً.

كان جنبلاط يشعر بأن الخطر يقترب من الحريري. لذلك، عندما طلب منه الموافقة على إعادة انتخاب إميل لحود، لم يكن ذلك اقتناعاً بالتمديد، بل خوفاً على حياته. يقول إنه ظن، في تلك اللحظة، أنه يحمي رفيق الحريري من الأسوأ، وأن التنازل قد يجنّبه مواجهة مباشرة مع بشار الأسد.

غير أن الموافقة على التمديد لم توقف التصعيد. فقد رفض تسعة وعشرون نائباً تعديل الدستور وإعادة انتخاب لحود، ويرى جنبلاط أن ذلك زاد حقد الأسد على الحريري، الذي كان بالنسبة إلى النظام «الرجل السني واللبناني القوي»، القادر على بناء شبكة علاقات عربية ودولية لا تخضع بالكامل للقرار السوري.

وفي تلك المرحلة، كان القرار الدولي المطالب بانسحاب القوات السورية من لبنان قد أصبح محور الصراع. ينفي جنبلاط أن يكون رفيق الحريري قد صاغ القرار، ويعتبر أن اتهامه بذلك كان كذباً، لأن القرار كان نتاج إرادة دولية أوسع، ولم يكن سراً أو مؤامرة شخصية أعدّها رئيس الحكومة اللبناني.

ومع ذلك، لم يكن الحريري، بحسب جنبلاط، يعتقد أن بشار الأسد قد يصل إلى حد اغتياله. كان يدرك وجود خلاف كبير، لكنه لم يتصور أن القرار قد يصبح قراراً بالتصفية الجسدية.

مروان حمادة… الرسالة الأولى

بعد جلسة التمديد لإميل لحود، جاءت محاولة اغتيال النائب مروان حمادة. بالنسبة إلى جنبلاط، لم تكن العملية مجرد استهداف لصديق وحليف سياسي، بل رسالة مباشرة إلى رفيق الحريري.

يتحدث جنبلاط عن حمادة بعاطفة واضحة، ويقول إنه صديقه منذ أن كان صحافياً في جريدة «لوريان لوجور» قبل أكثر من خمسين عاماً. لذلك كان لاستهدافه معنى شخصي وسياسي في آن واحد.

يرى جنبلاط أن النظام أرسل من خلال محاولة الاغتيال تحذيراً واضحاً: إن معارضة التمديد، أو الاقتراب من مشروع إنهاء الوصاية السورية، لن تمر من دون عقاب.

وفي الوقت نفسه، كانت إشارات الخطر تصل إلى الحريري من داخل النظام السوري نفسه. يكشف جنبلاط أن عبد الحليم خدام، الذي كان قريباً من دوائر القرار السورية الضيقة، أرسل رسولاً إلى رفيق الحريري ينصحه بمغادرة لبنان.

لكن الحريري بقي.

الحريري يدخل لقاء البريستول

مع اتساع المواجهة السياسية، التحق رفيق الحريري باجتماعات لقاء البريستول، الذي جمع قوى معارضة للوصاية السورية. ويشير جنبلاط إلى أن النظام السوري حاول في تلك المرحلة المناورة وخداع الحريري.

فقد أبلغه وليد المعلم أن المخابرات السورية لم تعد مسؤولة عن الملف اللبناني. ويصف جنبلاط هذه الرسالة بأنها مناورة خبيثة، هدفها إيهام الحريري بأن مرحلة أمنية انتهت، وأن النظام بات مستعداً لتغيير طريقة تعامله مع لبنان.

لكن الوقائع، كما يرويها، كانت تسير في الاتجاه المعاكس.

الدخان الذي أعلن الكارثة

في يوم اغتيال رفيق الحريري، كان وليد جنبلاط في بيروت وبرفقته غازي العريضي. شاهدا الدخان يتصاعد، وشعر جنبلاط، كما يقول، بحدس داخلي ثقيل.

طلب من أحد مرافقيه أن يعرف من المستهدف.

جاء الجواب: الرئيس رفيق الحريري.

كانت لحظة يصعب عليه، حتى بعد مرور السنوات، أن يفصلها عن مشاعره. توجّه إلى قريطم، حيث كان أفراد العائلة والمحبون والمناصرون ينتظرون خبراً مؤكداً.

يروي أنه قال لبهاء الحريري: «الله كبير».

وكان هو من أعلن أمام الجمهور الموجود في قريطم أن رفيق الحريري استشهد.

يعترف جنبلاط بأنه بكى، وأن حزناً كبيراً اجتاحه. ويقارن بين شعوره يوم اغتيال والده كمال جنبلاط وشعوره عند اغتيال رفيق الحريري. عند استشهاد والده، كما يقول، غلبه الغضب. أما عند استشهاد الحريري، فقد كان الحزن هو الشعور الطاغي.

«القرار للأسد»

بعد الاغتيال، اجتمعت القوى المعارضة، من تجمع قرنة شهوان إلى لقاء البريستول، وأعلن جنبلاط أن المسؤول هو ما سمّاه «النظام الأمني السوري اللبناني المشترك».

ويقول إنه أدلى بشهادته أمام لجنة التحقيق الدولية، واستمع إلى الأسئلة المتعلقة بالجريمة وظروفها وسياقها السياسي.

وفي شهادته التلفزيونية، يذهب جنبلاط إلى أبعد من ذلك، قائلاً إنه كان يتمنى أن تتم إدانة بشار الأسد باغتيال رفيق الحريري.

ويضيف أنه لا يعرف من نفّذ العملية ميدانياً، وهل كان جهازاً أمنياً أو جهة مرتبطة بحزب الله، لكنه يجزم، في قراءته السياسية، بأن قرار الاغتيال كان قرار الأسد.

وهنا لا يتحدث جنبلاط عن حكم قضائي، بل عن قناعته السياسية التي كوّنها من طبيعة التهديدات، ومسار التصعيد، ومحاولة اغتيال مروان حمادة، والاغتيالات التي أعقبت اغتيال الحريري.

14 آذار… انتفاضة شعبية أنهت الوصاية

أدى اغتيال الحريري إلى انفجار حركة شعبية واسعة. يصف جنبلاط حركة 14 آذار بأنها حركة اعتراضية شعبية استطاعت تلبية مطلب اللبنانيين بالتخلص من النظام القمعي اللبناني السوري.

وعلى الرغم من أنه كان أحد أبرز رموز تلك المرحلة، يعترف بأنه لم يشارك في تظاهرة 14 آذار 2005 بسبب وصفه بـ«سبب سخيف»، من دون أن يلغي ذلك موقعه في المواجهة السياسية التي قادت إلى انسحاب الجيش السوري من لبنان.

ويشير إلى أن بشار الأسد كان يريد تأخير الانسحاب السوري، في حين كان الملك السعودي عبد الله بن عبد العزيز والرئيس المصري حسني مبارك يؤيدان خروج الجيش السوري. وهنا، برأيه، ظهرت قيمة رفيق الحريري وثقل علاقاته العربية والدولية.

كما يرى أن الرئيس الفرنسي جاك شيراك لم يكن يدرك مدى رسوخ نظام الأسد إقليمياً ودولياً، وظن أن الإطاحة به أو الضغط عليه ستكون عملية سهلة، لكن النظام السوري كان يمتلك شبكة مصالح وتحالفات أعمق مما تصوره الفرنسيون.

اغتيالات ما بعد الحريري

لم يتوقف مسلسل الاغتيالات عند رفيق الحريري.

يتحدث جنبلاط عن اغتيال الصحافي سمير قصير، الذي كان قد ذهب إلى دمشق خلال مرحلة «ربيع دمشق»، وكان يؤمن بأن الحرية في لبنان لا يمكن أن تكتمل من دون الحرية في سوريا.

يقول جنبلاط إن قصير كان على حق، وإنهم اغتالوه بسبب هذه الرؤية التي ربطت بين تحرر الشعبين اللبناني والسوري من منظومة القمع نفسها.

ثم جاء اغتيال جبران تويني، الذي كان في باريس قبل أن يقنعه أحدهم بالعودة إلى بيروت، ليُقتل بعد عودته. وبذلك، تحولت الاغتيالات إلى أداة لإفراغ قوى 14 آذار من شخصياتها الإعلامية والسياسية والفكرية.

ويتهم جنبلاط حسن نصرالله بأنه كان، سياسياً، خلف حملة اتهام شخصيات 14 آذار واستهدافها، ويتذكر السجال الذي وصف فيه سلاح حزب الله بأنه «سلاح الغدر»، قبل أن يرد عليه نصرالله بخطاب وصفه جنبلاط بأنه كان رهيباً.

سمرقند ورسالة «الحشاشين»

في إحدى جولات الحوار مع حزب الله، أهدى وليد جنبلاط حسن نصرالله رواية «سمرقند» للكاتب أمين معلوف.

لم تكن الهدية أدبية فقط، بل كانت رسالة سياسية متعمدة.

يقول جنبلاط إن المقصود كان تشبيه حزب الله بجماعة «الحشاشين»، التي ارتبط اسمها في التاريخ بالاغتيالات السياسية، ولا سيما اغتيال شخصيات وقادة من المسلمين السنّة.

كانت الرسالة تحدياً مباشراً، وتعبيراً عن انعدام الثقة الذي بلغ ذروته بين قوى 14 آذار وحزب الله بعد سلسلة الاغتيالات.

الحوار القاسي مع نصرالله

يصف جنبلاط جلسات الحوار الوطني بأنها كانت قاسية، باستثناء جلسة واحدة جرى فيها التوصل إلى توافقات مهمة.

بحسب روايته، وافق حسن نصرالله في تلك الجلسة على إنشاء المحكمة الدولية، كما وافق على ترسيم الحدود اللبنانية السورية، مع نصيحة باستخدام مصطلح «تحديد الحدود» بدلاً من «ترسيمها».

كما حصل اتفاق على ضرورة معالجة قضية السلاح الفلسطيني خارج المخيمات.

لكن هذه التفاهمات لم تتحول إلى مسار سياسي مستقر، وظل سلاح حزب الله والانقسام حول علاقة لبنان بسوريا وإيران من أبرز أسباب انهيار وحدة قوى ما بعد عام 2005.

عون والالتفاف على 14 آذار

بعد اللقاء الذي جمع ميشال عون بحسن نصرالله، بدأ الشك يتسلل إلى قوى 14 آذار بشأن نيات عون.

يقول جنبلاط إنهم شعروا بأن عون يريد الالتفاف على حركة 14 آذار، رغم أنه عاد إلى لبنان على موجة الانتفاضة الشعبية التي أعقبت اغتيال الحريري وانسحاب الجيش السوري.

ويعيد جنبلاط جزءاً من الانقسام الداخلي في قوى 14 آذار إلى منطق طائفي كان يقول إن الرئيس الماروني لا يمكن أن تتم إقالته بضغط شعبي، في إشارة إلى الخلاف حول استمرار إميل لحود في رئاسة الجمهورية بعد الانسحاب السوري.

نبيه بري ومعرفة طبيعة الأسد

في المقابل، يتحدث جنبلاط عن علاقته برئيس مجلس النواب نبيه بري بنبرة مختلفة.

يقول إن بري كان دائماً حريصاً على علاقته به وعلى ما تبقى من الوحدة الوطنية، وإنه كان يزوره من وقت إلى آخر خلال مرحلة 14 آذار.

ويلفت إلى أن نبيه بري لم يذهب إلى سوريا بعد اغتيال الحريري، معتبراً أنه كان يعرف طبيعة بشار الأسد ونواياه، ويدرك خطورة المرحلة التي دخلها لبنان.

«تحالف الأقليات» وإسرائيل الكبرى

يضع جنبلاط اغتيال رفيق الحريري في سياق إقليمي وتاريخي أوسع يعود، برأيه، إلى عهد حافظ الأسد، ويربطه بما يسميه «حلف الأقليات».

ويشرح هذا الحلف بأنه تحالف بين النظام العلوي في سوريا وقسم من المسيحيين وقسم من الدروز، ويرى أن هذا النموذج يخدم، في النتيجة، مصلحة إسرائيل التي تريد تفتيت المنطقة إلى كيانات طائفية ومذهبية متنازعة.

وبحسب قراءته، فإن تقسيم بلاد المسلمين وإضعاف الدول المركزية وتحويلها إلى كانتونات متصارعة يفتح الطريق أمام المشروع الإسرائيلي وحلم «إسرائيل الكبرى».

ويضيف أن العالم العربي رضخ طويلاً لهذا النوع من التحالفات، وأن خطرها يتزايد اليوم في ظل امتلاك إسرائيل حرية حركة واسعة في المنطقة.

سعد الحريري… الغائب الذي كان يجب أن يبقى

في نهاية روايته، يتوقف جنبلاط عند ابتعاد سعد الحريري عن الحياة السياسية اللبنانية.

يقول إن سعد أُبعد عن الساحة لظروف لا يريد الدخول في تفاصيلها، لكنه يعتبر أن إبعاده كان خطأ.

فغياب سعد الحريري، في نظره، لم يكن مجرد غياب زعيم سياسي، بل غياب لامتداد سياسي وشعبي لرفيق الحريري، وللتوازن الذي مثّله حضوره داخل النظام اللبناني.

هكذا يروي وليد جنبلاط حكاية بدأت بمحاولة حماية رفيق الحريري عبر القبول بالتمديد لإميل لحود، وانتهت بالوقوف في قريطم لإعلان استشهاده.

بين الخوف والندم والحزن والغضب، يرسم جنبلاط صورة مرحلة كان فيها القرار اللبناني محاصراً بين أجهزة الأمن والتهديدات والاغتيالات، وكان فيها رفيق الحريري يعتقد أن الخلاف السياسي، مهما اشتد، لن يتحول إلى قرار بقتله.

لكن الدخان الذي ارتفع من وسط بيروت في 14 شباط 2005 قال شيئاً آخر، وفتح فصلاً لم يغلقه لبنان حتى اليوم.

يمكن اختصار النص إلى نسخة صحافية أكثر حدة وتركيزاً للنشر على موقع إخباري أو فيسبوك.

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

الجنس المباح لدى العلويين!

أخباركم - أخبارنا عن صفحة الفيسبوك للكاتبة السورية علا عباس لم نكن ملزمات كنساء علويات...

النبطية التي كانت المقاومة فيها تحمي الناس… لا تتركهم للعدو

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد إلى الرفاق الأحبة في النبطية، من بقي منهم في المدينة...

حين أبحث في الجريدة الشيوعية عن الشيوعية.. من بائع الصحيفة إلى ملف الـPDF!

أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد تصلني من حين إلى آخر صحف الأحزاب الشيوعية بصيغة PDF....

حين يُدفن الجلاد بطلاً: ماذا نقول لضحايا راتكو ملاديتش؟

أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد أكثر ما صدمني في مشهد جنازة راتكو ملاديتش لم...

More like this

نداء النبطية الثاني: أرسلوا الجيش فوراً إلى النبطية .. أنقذوا عاصمة جبل عامل وحاضرته التاريخية

أخباركم - أخبارنا دعوة إلى التوقيع سيُصار إلى نشر هذا النداء مرفقاً بأسماء الموقّعين اليوم...

نداء من النائب فراس حمدان لإنقاذ النبطية .. بعد علي الطاهر هل تكون عاصمة جبل عامل وإقليم التفاح التاليين؟

أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد وجّه النائب فراس حمدان نداءً عاجلاً إلى الجيش اللبناني ورئاسة...

عيترون التي يبكيها رفاقنا: حين يُمحى الحجر ويبقى تاريخ المقاومة

أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد يتداول رفاق يساريون وشيوعيون منذ أيام مقطعاً مصوراً من عيترون....