السبت, أغسطس 15, 2026
25.2 C
Beirut

تسعة شهداء على طريق الحرية… سنقاتل بالكلمة والسياسة حتى يأتي يوم الحساب

نشرت في

أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد

عملت بلا كلل من أجل وحدة الأحزاب الكردستانية الإيرانية، لأنني آمنت دائماً بأن تشتت القوى التي تحمل قضية واحدة لا يخدم سوى النظام الذي يقتل أبناءنا، ويطارد قادتنا، ويقصف مقراتنا ومخيماتنا.

وتبنيت، بلا تردد، شعار الشهيد الدكتور عبد الرحمن قاسملو:

«الديمقراطية لإيران والحكم الذاتي لكردستان إيران».

لم يكن هذا الشعار بالنسبة إليّ مجرد عبارة سياسية أرددها، بل مشروعاً واقعياً وعادلاً، لا مزايدة فيه ولا مغامرة ولا شعارات منفصلة عن الواقع. إنه مشروع يجمع بين تحرير إيران من الاستبداد، وضمان الحقوق القومية والسياسية والثقافية للشعب الكردي داخل دولة ديمقراطية تحترم جميع مكوناتها.

لم يتحدث أكراد إيران، في خطابهم السياسي الأساسي، عن الانفصال. لم يطلبوا اقتلاع البلاد أو تقسيمها، بل طالبوا بحقهم في العيش أحراراً داخل بلد ديمقراطي؛ بلد لا تتحول فيه اللغة الكردية إلى تهمة، ولا تصبح فيه الهوية جريمة، ولا يكون الانتماء إلى كردستان سبباً للسجن والإعدام والاغتيال.

لكن النظام الإيراني لم يقابل هذا الاعتدال السياسي بالاعتدال، ولم يرد على دعوات الحوار بالحوار. فمنذ وصول الملالي إلى الحكم، لم تتوقف عمليات القتل والملاحقة والإعدام والقصف. وامتدت أذرع النظام من مدن كردستان وسجونها إلى فيينا وبرلين، ومن داخل الحدود الإيرانية إلى إقليم كردستان العراق.

وفي السابع عشر من يوليو/تموز 2026، سقط تسعة شهداء من حزب كومله الكردستاني الإيراني جراء عدوان نفذه النظام الإيراني بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة على مقر للحزب قرب منطقة زَرگويز في محافظة السليمانية.

{“data”:{“product”:”tiktok”,”editingEffectsList”:[],”isSaveLocalReupload”:false,”is_default_prop”:”MA==”}}

تسعة شهداء من حزب كومله، لا أرقاماً مجهولة ولا ضحايا عابرين في نشرة أخبار. كانوا أبناء قضية، وأصحاب حلم، ورفاقاً آمنوا بأن الشعب الكردي يستحق أن يعيش بحرية وكرامة. سقطوا لأن نظاماً يملك الصواريخ يخاف من كلمة الحرية، ويرتعب من حزب سياسي، ويعتبر كل كردي يرفض الخضوع خطراً يجب إسكاته.

هؤلاء لم يعبروا الحدود لمهاجمة المدن الإيرانية، ولم يطلقوا الصواريخ على المدنيين، ولم يهددوا شعوب المنطقة. كانوا في مواقعهم حين قرر النظام الإيراني أن يلاحقهم بصواريخه، وأن يضيف أسماء جديدة إلى سجل طويل من الشهداء.

لقد ناشدنا الدول العربية والغربية، وناشدنا أحرار العالم، وقلنا لهم إن قضيتنا واحدة: مواجهة الاستبداد، ومنع النظام الإيراني من فرض هيمنته على الشعوب، ووقف أذرعه التي تتدخل في شؤون الدول وتسلبها قرارها وسيادتها.

قلنا لهم إن من يقصف الكرد اليوم، ويغتال قادتهم، هو النظام نفسه الذي يهدد دول المنطقة، ويقصف أراضيها، ويمول الميليشيات، ويلاحق المعارضين في عواصم العالم.

صرخنا، وكتبنا، وطرقنا الأبواب، لكن أحداً لم يستمع إلى صرخاتنا كما ينبغي. بقي الكرد وحدهم أمام الصواريخ، وبقيت دماؤهم تُراق فيما العالم يراقب أو يصمت أو يكتفي بعبارات القلق والإدانة.

وقد قال لي ذلك الصحفي المخضرم، وهو يفسر موقف الدول العربية:

«هم عقلاء، لا يريدون تدمير دولهم، ولذلك لن يقاتلوا».

هم أحرار في اختيار الطريق الذي يرونه مناسباً لحماية بلدانهم. أما نحن الكرد، فليس أمامنا إلا أن ندافع عن حقنا ضمن إمكانياتنا المحدودة. سنقاتل بالسياسة، وسنقاتل بالكلمة، وسنقاتل بالحقيقة، وسنطرق أبواب العالم لكي نظهر حقوقنا ونفضح الجرائم التي ترتكب بحق شعبنا.

نحن لم نختر الحرب، ولم نقاتل هجوماً أو طمعاً في أرض الآخرين. حمل الكرد السلاح في مراحل تاريخية دفاعاً عن النفس، بعدما أغلقت في وجوههم أبواب السياسة، وقصفت مدنهم وقراهم، وأعدم شبابهم، واغتيل قادتهم داخل إيران وخارجها.

لقد خدع النظام الإيراني الدكتور عبد الرحمن قاسملو، واستدرجه إلى طاولة المفاوضات في فيينا، ثم اغتاله وهو يحاول الوصول إلى حل سياسي. حتى التفاوض، الذي يفترض أن يكون مساحة آمنة للخصوم، حوّله النظام إلى كمين للقتل.

وبعد ذلك امتدت الجريمة إلى برلين، حيث اغتيل الدكتور صادق شرفكندي ورفاقه في مطعم ميكونوس. ولم تكن الإشارة إلى مشاركة حزب الله اللبناني في هذه الجريمة اتهاماً سياسياً أطلقه خصومه، بل أثبتت المحاكمة الألمانية مشاركة عناصر لبنانية منتمية أو مرتبطة بحزب الله في شبكة التنفيذ، إلى جانب المسؤولية الإيرانية المباشرة عن التخطيط وإصدار الأمر.

وأثبت حكم ميكونوس أن الاغتيال لم يكن حادثاً فردياً، بل عملية أمرت بها أعلى المستويات في النظام الإيراني، ونفذتها شبكة جمعت الاستخبارات الإيرانية بعناصر لبنانية مرتبطة بحزب الله.

لهذا لا يجوز حذف دور حزب الله من سرد جريمة ميكونوس، ولا يجوز التعامل معه كأمر ثانوي. لقد استخدم النظام الإيراني أذرعه وشبكاته اللبنانية للمشاركة في ملاحقة قادة الكرد واغتيالهم داخل أوروبا. إنها حلقة من حلقات مشروع عابر للحدود، يحول الحلفاء والميليشيات إلى أدوات لتصفية المعارضين وإسكات الأصوات الحرة.

ولو كنت في السليمانية يوم دفن الشهداء، لقدمت السلاح تحية لمن استشهدوا من أجل حريتنا. لا دعوة إلى حرب عمياء، ولا احتفالاً بالموت، بل تكريماً لمن حملوا السلاح دفاعاً عن أنفسهم، ثم سقطوا تحت صواريخ نظام لم يترك لهم أمناً ولا مأوى.

لقد استشهدوا من أجل حريتنا، ومن أجل أن نعيش نحن بكرامة، ومن أجل ألا يرث أبناؤنا الخوف نفسه الذي ورثناه. كانوا يدافعون عن حق شعب كامل في الحياة، لا عن مجد شخصي ولا عن مكسب عابر.

ماتوا على طريق القائد الاستثنائي فؤاد مصطفى سلطاني، الذي لم تكن السياسة بالنسبة إليه منصباً أو امتيازاً، بل مسؤولية وتضحية. وماتوا على طريق الذين آمنوا بأن الحرية لا تمنح من الطغاة، وأن الكرامة لا تصل إلى الشعوب هبة من جلاديها.

إن دماء شهداء كومله التسعة ليست مناسبة للبكاء وحده، بل عهد سياسي وأخلاقي. عهد بأن نواصل العمل من أجل وحدة القوى الكردستانية الإيرانية، وأن نغادر الحسابات الصغيرة والانقسامات التي لا تليق بحجم الدماء والتضحيات.

الوحدة اليوم ليست ترفاً تنظيمياً، بل ضرورة وجودية. النظام الإيراني لا يميز بين حزب كردي وآخر عندما يطلق صواريخه، ولا يسأل الشهيد عن خلافاته التنظيمية قبل أن يقتله. وحين يكون القاتل واحداً، وتكون القضية واحدة، ويكون المصير واحداً، فلا بد أن تكون الجبهة السياسية الكردية واحدة أيضاً.

وأنا أوافق عبدالله مهتدي، سكرتير حزب كومله الكردستاني الإيراني:

سيأتي يوم الحساب.

سيأتي يوم الحساب، لا انتقاماً أعمى من الشعوب، ولا دعوة إلى قتل الأبرياء، بل عدالة تضع المسؤولين عن الاغتيالات والإعدامات والقصف أمام القضاء. سيأتي اليوم الذي تفتح فيه الملفات، وتكشف فيه الأوامر، ويعرف فيه من خطط، ومن مول، ومن نفذ، ومن تستر على الجرائم.

سيأتي يوم يسأل فيه قتلة قاسملو عن الدم الذي أراقوه على طاولة المفاوضات، ويسأل فيه قتلة شرفكندي ورفاقه عن جريمة ميكونوس، ويسأل فيه النظام الإيراني وعناصره وأذرعه عن كل صاروخ أطلقوه على كردستان، وعن كل شاب أعدموه، وعن كل أم تركوها تنتظر ابناً لن يعود.

قد يملكون الصواريخ والطائرات والسجون والمشانق، لكننا نملك قضية عادلة وذاكرة لا تموت. وقد يتمكنون من قتل المناضلين، لكنهم لن يتمكنوا من قتل معنى الحرية الذي عاش هؤلاء من أجله.

لقد مات شهداء كومله التسعة لكي نعيش نحن أحراراً.

وواجبنا ألا نترك دماءهم تتحول إلى خبر عابر، وألا نسمح للخلافات بأن تدفن تضحياتهم، وألا نتوقف عن الكلام والكتابة والعمل السياسي حتى يتحقق الشعار الذي حمله قاسملو، ودفع ثمنه شرفكندي، وسار على طريقه فؤاد سلطاني وشهداء كومله:

الديمقراطية لإيران، والحكم الذاتي لكردستان إيران.

وحتى ذلك اليوم، سنبقى نقولها بلا خوف:

الجرائم لا تسقط بالتقادم، ودماء الشهداء لا تضيع، وسيأتي يوم الحساب

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

ماركس وباكونين: الصراع الذي شقّ الثورة إلى طريقين!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد من الأممية الأولى إلى مؤتمر لاهاي: من كان أقرب...

هالة نهرا ووجدي أبو ذياب في عملٍ إبداعيّ: من سلوفينيا إلى العالم!

أخباركم - أخبارنا تجلببتْ قصيدة «يا ضوء الأضواء» للشاعرة اللبنانية والعربية هالة نهرا، من...

اليسار الفلسطيني أمام مرآة الحقيقة: أزمة المشروع أم أزمة الاستقلال السياسي؟

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد ردّ على مقالة «اليسار الفلسطيني أمام لحظة الحقيقة.. من...

الحجّاج والسفّاح: هل يعيد التاريخ إنتاج وجهي السلطة؟

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد يصعب فهم الحجّاج بن يوسف الثقفي وأبي العباس السفّاح...

More like this

اليسار الفلسطيني أمام مرآة الحقيقة: أزمة المشروع أم أزمة الاستقلال السياسي؟

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد ردّ على مقالة «اليسار الفلسطيني أمام لحظة الحقيقة.. من...

الحجّاج والسفّاح: هل يعيد التاريخ إنتاج وجهي السلطة؟

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد يصعب فهم الحجّاج بن يوسف الثقفي وأبي العباس السفّاح...

تلازم السيادة والحل السياسي: تفكيك فخ الترتيبات الأمنية في التفاوض اللبناني!

أخباركم - أخبارنا/ أكرم محمود تقف الدولة اللبنانية عند مفترق طرق تاريخي في إدارتها لملف...