الثلاثاء, سبتمبر 8, 2026
27.4 C
Beirut

من «السلاح زينة الرجال» إلى «لن نسقط السلاح»… كيف صنعت التنظيمات الشيعية نفوذها المسلح على حساب الدولة وتنوّع لبنان؟

نشرت في

أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد

لا يمكن فهم صعود القوى السياسية الشيعية في لبنان من خلال سردية الحرمان وحدها، ولا من خلال رواية المقاومة وحدها. فقد كان الحرمان الاجتماعي والاقتصادي واقعاً تاريخياً لا يُنكر، وكانت الاعتداءات الإسرائيلية على الجنوب حقيقة متكررة، لكن معالجة هاتين المعضلتين لم تقتصر على المطالبة بدولة عادلة وقوية؛ بل انتقلت تدريجياً إلى بناء جماعة سياسية مسلحة تمتلك مؤسساتها وقرارها وقدرتها على فرض شروطها.

ومنذ ستينيات القرن الماضي، تشكل داخل البيئة الشيعية اللبنانية، بمعتدليها ومحافظيها وثورييها، اتفاق واسع على أن القوة المنظمة والسلاح هما الطريق الأسرع للخروج من الهامش وكسب النفوذ. اختلفوا في المرجعية واللغة والغاية النهائية، لكنهم التقوا عند قاعدة واحدة: الحقوق لا تُنتزع فقط بواسطة الدستور والانتخابات، بل تحتاج إلى قوة مادية تحميها وتفرضها.

لا يشمل هذا التوصيف جميع الشيعة، ولا يلغي وجود شخصيات شيعية مدنية ويسارية وليبرالية ودينية عارضت السلاح خارج الدولة. لكنه يصف المسار الذي فرضته القوى الأكثر تنظيماً، والذي جعل الطائفة تُختزل سياسياً بحركة أمل وحزب الله، ثم جعل السلاح شرطاً ضمنياً للاعتراف بزعامتهما واحتكارهما تمثيل الشيعة.

الحرمان الحقيقي وبداية التعبئة

عانى شيعة الجنوب والبقاع وأطراف بيروت طويلاً من الفقر وضعف الخدمات وغياب التنمية. وكان النظام الطائفي قد منح رئاسة مجلس النواب للشيعة، لكنه لم يمنح غالبية أبنائهم حضوراً متناسباً في الإدارة والتعليم والاقتصاد. كما سيطرت عائلات إقطاعية على التمثيل السياسي، فيما بقي الفلاحون والعمال وسكان القرى بعيدين عن مؤسسات الدولة.

في هذا المناخ ظهر الإمام موسى الصدر، فنجح في نقل الشيعة من جماعات محلية متفرقة إلى جماعة سياسية تعي نفسها ووزنها وحقوقها. أسس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، ثم شارك في تأسيس حركة المحرومين عام 1974، قبل إنشاء أفواج المقاومة اللبنانية، المعروفة اختصاراً باسم «أمل»، عام 1975.

كان شعار «حركة المحرومين» يتجاوز الشيعة نظرياً، ويقدمها حركة تطالب برفع الظلم عن جميع اللبنانيين. غير أن بنيتها الاجتماعية وقاعدتها الجماهيرية ومؤسساتها الدينية جعلتها عملياً الإطار السياسي الجديد للطائفة الشيعية.

هنا بدأ التحول السوسيولوجي الأهم: لم يعد الشيعي يرى نفسه فرداً مهمشاً يحتاج إلى دولة عادلة، بل عضواً في جماعة تتقدم بقيادتها الخاصة، ومؤسساتها الخاصة، ثم بسلاحها الخاص.

«السلاح زينة الرجال» وتأسيس ثقافة القوة

يُستشهد كثيراً بعبارة موسى الصدر: «السلاح زينة الرجال». والنص المحفوظ لدى مركز الإمام موسى الصدر يربط العبارة بإعداد أبناء الجنوب لمواجهة العدو المسلح والقضاء على وسيلة طغيان الإقطاع على الناس. لكن هذه الصياغة تكشف، حتى ضمن سياقها، أن السلاح لم يكن موجهاً إلى إسرائيل وحدها؛ بل قُدّم أيضاً أداة لتغيير ميزان القوة الاجتماعي والسياسي داخل البيئة الشيعية نفسها.

كان المقصود كسر سيطرة الإقطاع وإعطاء الفئات المحرومة القدرة على الدفاع عن نفسها. إلا أن السلاح، حين يدخل المجال الاجتماعي، لا يبقى مجرد أداة دفاع. فهو ينتج قيادة ومقاتلين وهرمية وطاعة وتمويلاً وحدوداً تفصل بين «أهل القضية» وخصومهم. وبذلك يتحول التنظيم المسلح إلى سلطة اجتماعية قبل أن يصبح سلطة سياسية.

لقد حررت الحركة الجديدة قطاعات واسعة من الشيعة من التبعية للعائلات التقليدية، لكنها نقلتهم إلى تبعية تنظيمية أكثر إحكاماً. حلّ القائد الحركي مكان الزعيم الإقطاعي، وحلّت المؤسسة الحزبية مكان الديوان العائلي، وحلّ المقاتل صاحب البندقية مكان الناخب الذي يستطيع تبديل ممثليه.

وهنا تكمن المفارقة: جرى إسقاط الإقطاع القديم، لكن لم تُبنَ مواطنة حرة مكانه؛ بل نشأت زعامة مسلحة أكثر قدرة على ضبط المجتمع وتحديد خياراته.

من حركة المحرومين إلى حركة أمل

نشأت حركة أمل بوصفها الذراع العسكرية لحركة المحرومين، ثم تحولت خلال الحرب الأهلية إلى ميليشيا واسعة النفوذ وإلى الممثل السياسي والعسكري الأكبر للشيعة. كان هدفها المعلن الدفاع عن الجنوب وحماية الطائفة وتحسين موقعها داخل النظام اللبناني، لكن توسعها العسكري منحها أهدافاً إضافية: السيطرة على المناطق الشيعية، احتكار قرارها، مواجهة المنافسين، وانتزاع حصة أكبر من مؤسسات الدولة.

لم تكن أمل مشروعاً لإقامة جمهورية إسلامية. كانت، مقارنة بحزب الله، أكثر براغماتية ولبنانية وأقرب إلى منطق التسوية داخل النظام الطائفي. لكنها شاركت في تثبيت الفكرة نفسها: لا تكفي الحصة الدستورية، بل يجب أن تقف خلفها قوة مسلحة.

خلال الحرب، خاضت أمل مواجهات مع قوى لبنانية وفلسطينية، ثم خاضت حرباً دامية مع حزب الله نفسه. وهذا يؤكد أن السلاح لم يكن في مواجهة إسرائيل حصراً، بل كان أداة لحسم سؤال داخلي: من يمثل الشيعة؟ ومن يسيطر على أرضهم ومؤسساتهم وقرارهم؟

وبعد اتفاق الطائف، انتقلت أمل من الميليشيا إلى الدولة من دون أن تتخلى عن ثقافة القوة وشبكات الزبائنية. استثمرت موقع رئاسة مجلس النواب، وحضورها في الإدارات والمجالس والمؤسسات، في بناء نظام نفوذ دائم. وهكذا تحولت من حركة ثورية ضد الحرمان إلى شريك أساسي في النظام الذي كانت تنتقده.

حزب الله: من التعبئة الاجتماعية إلى المجتمع العقائدي

بعد الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، تشكل حزب الله من مجموعات إسلامية شيعية متأثرة بالثورة الإيرانية، وبدعم مباشر من الحرس الثوري الإيراني. وقدّم نفسه منذ البداية لا كحزب لبناني تقليدي، بل كجزء من مشروع إسلامي أوسع يقوده الولي الفقيه.

في رسالته المفتوحة الصادرة عام 1985، أعلن الحزب هويته العقائدية وارتباطه بقيادة الخميني، وطرح تصوراً يتجاوز النظام اللبناني القائم. وبينما شدد على أنه لا يريد فرض الإسلام بالقوة، حمل خطابه المؤسس رفضاً عميقاً للصيغة السياسية والاجتماعية التي يقوم عليها لبنان، ونظر إلى الدولة بوصفها نتاجاً لنظام طائفي وتأثير غربي ينبغي تغييره. (CIA⁠)

لاحقاً، عدّل الحزب لغته وشارك في الانتخابات والحكومات، وتحدث عن التعددية والشراكة. لكن هذا التكيّف لم يُلغِ بنيته الأصلية: حزب عقائدي مسلح، مرجعيته السياسية العليا خارج الحدود، وقراره العسكري غير خاضع للدولة اللبنانية.

وهنا يختلف حزب الله عن أمل. فأمل أرادت حصة قوية داخل النظام، أما حزب الله فبنى نظاماً موازياً داخله: جهازاً عسكرياً وأمنياً، مؤسسات صحية وتربوية، جمعيات، كشافة، إعلاماً، اقتصاداً اجتماعياً، وشبكة دينية وثقافية تعمل على صناعة هوية جماعية متكاملة.

لم يعد الفرد داخل هذه البيئة مجرد مواطن شيعي، بل أصبح جزءاً من «مجتمع المقاومة»: يتعلم في مدارسها، ويتلقى العلاج في مؤسساتها، ويتابع إعلامها، ويشارك في مناسباتها، ويعيش ضمن سرديتها عن التاريخ والعدو والشهادة والانتصار.

البعد السوسيولوجي: من مواطن محروم إلى عضو في جماعة مقاتلة

يُظهر علم الاجتماع السياسي أن الجماعات المهمشة قد تلجأ إلى التضامن الداخلي حين تفشل الدولة في دمجها. وفي الحالة الشيعية اللبنانية، أنتج التهميش شعوراً جماعياً عميقاً بالمظلومية. ثم جاءت الاعتداءات الإسرائيلية والحرب الأهلية لتؤكدا لدى قطاعات واسعة أن الدولة عاجزة وأن الجماعة لا يحميها إلا تنظيمها.

بهذه الطريقة، تحولت المظلومية من وصف لحالة اجتماعية إلى مصدر دائم للشرعية السياسية. لم تعد القيادة مطالبة بتقديم دولة ناجحة أو اقتصاد منتج، بل يكفيها أن تقول لجمهورها: نحن من حماكم، ومن دوننا تعودون إلى الحرمان والخوف والإذلال.

هذا النوع من الشرعية يحتاج دائماً إلى تهديد. لذلك تتجدد صور العدو باستمرار: إسرائيل، الولايات المتحدة، التكفيريون، المتآمرون، السفارات، خصوم المقاومة، أو البيئة الداخلية التي يُتهم بعضها بخدمة الخارج.

وكلما شعر المجتمع بالخطر، ازداد التصاقه بالتنظيم المسلح، وقلت قدرته على محاسبته. فالأولوية تصبح حماية الجماعة، لا مساءلة القيادة عن الفساد أو الحروب أو السياسات الاقتصادية.

هذه إحدى الوظائف الاجتماعية الكبرى للسلاح: إنه لا يردع الخصوم فقط، بل يعيد ترتيب المجتمع من الداخل. يمنح المقاتل وعائلته مكانة رمزية، ويضع الشهادة في قمة السلم الأخلاقي، ويجعل التضحية بالحياة معياراً للانتماء، بينما يظهر الاعتراض وكأنه جبن أو خيانة أو ضعف في العقيدة.

«هيهات منا الذلة»: تحويل التاريخ الديني إلى برنامج سياسي

استُخدمت واقعة كربلاء وثنائية الحسين ويزيد في بناء الخطاب السياسي الشيعي الحديث. فأصبح الصراع السياسي يُصوّر باعتباره مواجهة بين الحق والباطل، وبين المستضعفين والطغاة، وبين من يقبلون الذل ومن يرفضونه.

شعار «هيهات منا الذلة» ليس في ذاته دعوة إلى الهيمنة، لكنه حين ينتقل من المجال الديني والأخلاقي إلى المجال السياسي اليومي، يجعل التسوية تبدو تنازلاً، والنقد الداخلي طعناً في المقاومة، والخضوع للدولة تخلياً عن الكرامة.

كما يُستخدم القول الشعبي «ما أُخذ بالقوة لا يُسترد بغير القوة» لتبرير الاعتقاد بأن الحقوق تحتاج إلى السلاح. ويُستعاد مثل «الحق بدو قوة تحميه»، حتى يصبح القانون بلا قيمة إن لم يقف خلفه تنظيم مسلح.

ثم جاءت شعارات حزب الله الأكثر مباشرة:

«المقاومة خيارنا».

«المقاومة باقية».

«الجيش والشعب والمقاومة».

«لن نترك الساحة… لن نسقط السلاح».

هذه العبارات لا تقدم السلاح كحل مؤقت ينتهي بزوال الخطر، بل كهوية مستمرة. والشعار الأخير، الذي استُخدم في مادة إعلامية للحزب، يربط بوضوح بين البقاء في المجال السياسي والاحتفاظ بالسلاح: لا خروج من الساحة ولا إسقاط لأداة القوة.

من حماية الوجود إلى الرغبة في الهيمنة

لا تبدأ الهيمنة عادة بإعلان صريح يقول: نريد السيطرة على الآخرين. تبدأ بادعاء امتلاك حقيقة أو تضحية أو شرعية أعلى من بقية المجتمع.

يقول التنظيم المسلح إنه لم يحمل السلاح لمصلحة طائفته، بل لحماية لبنان. ثم يعتبر نفسه، انطلاقاً من ذلك، أحق من غيره بتحديد مصلحة لبنان، وعدوه، وحلفائه، وموعد الحرب، وشروط السلام.

هكذا تتحول المقاومة من وظيفة وطنية يفترض أن تخضع للدولة إلى سلطة فوق الدولة. ويصبح الحزب الذي ضحى أكثر، بحسب روايته، صاحب حق أكبر في القرار.

في لبنان، ظهرت هذه النزعة عندما لم يعد المطلوب حماية الجنوب فقط، بل فرض «معادلات» على اللبنانيين جميعاً. فالحزب يقرر أن سلاحه شأن وطني، لكنه يرفض إخضاعه لقرار وطني. ويطلب من بقية الطوائف حماية المقاومة سياسياً، من دون أن يمنحها حق المشاركة الفعلية في قرارها العسكري.

وهذه هي الهيمنة في معناها السياسي: أن تفرض جماعة رؤيتها بوصفها المصلحة العامة، وأن تطلب من الآخرين التكيف معها، بينما تحتفظ لنفسها بحق استثنائي لا يتمتعون به.

عدم احترام تنوع لبنان

لبنان ليس مجتمعاً أحادي الهوية. إنه بلد يضم مسلمين ومسيحيين، متدينين وعلمانيين، عرباً ومن يركزون على الهوية اللبنانية، مؤيدين للغرب ومعارضين له، وقوى تنتمي إلى رؤى اقتصادية وثقافية وسياسية شديدة الاختلاف.

احترام هذا التنوع لا يعني أن تتنازل كل جماعة عن معتقداتها، بل أن تقبل ألا تفرضها على الآخرين بالقوة. أما امتلاك تنظيم واحد للسلاح وقرار الحرب، فهو يلغي عملياً المساواة بين الجماعات، حتى لو استمرت الانتخابات والبرلمان والحكومة.

فالمسيحي أو السني أو الدرزي أو الشيعي المعارض لا يستطيع أن يطرح رؤيته للأمن القومي من موقع متساوٍ مع حزب يمتلك جيشاً. يستطيع الكلام والتصويت، لكنه لا يستطيع منع الحزب من القتال أو الانتشار أو إعادة بناء ترسانته.

والتعددية التي تجري تحت ظل السلاح ليست تعددية كاملة، لأن أحد الأطراف يشارك في النقاش وهو يمتلك ما لا يملكه الآخرون: القدرة على الانتقال من السياسة إلى القوة.

ظهر عدم احترام التعدد اللبناني أيضاً في الخطاب الذي صنف الخصوم بين وطنيين وعملاء. فمن يعارض السلاح لا يُعامل دائماً بوصفه صاحب رأي سياسي مشروع، بل قد يُتهم بخدمة إسرائيل أو أميركا أو السعودية. وبذلك تُسحب منه أهليته الوطنية قبل مناقشة حجته.

هذا المنطق يناقض جوهر لبنان. فالبلد لا يمكن أن يُحكم بعقيدة واحدة، سواء كانت قومية أو دينية أو مقاومة أو انعزالية. وكل مشروع يحاول تحويل إحدى هويات لبنان إلى هوية وحيدة يهدد وجوده.

«الجيش والشعب والمقاومة»: مثلث غير متساوٍ

قدمت صيغة «الجيش والشعب والمقاومة» كإطار يجمع الدولة والمجتمع وحزب الله في منظومة دفاع واحدة. لكنها من الناحية السياسية لم تنشئ شراكة متوازنة.

فالجيش يخضع للحكومة والقانون والموازنة العامة، بينما تخضع المقاومة لقيادتها الحزبية ومرجعيتها الخاصة. والشعب لا يملك آلية دستورية لمحاسبة قيادة المقاومة أو تغيير قرارها. لذلك لا يقوم المثلث على ثلاثة أطراف متساوية، بل على دولة مقيدة وحزب مستقل وجمهور يُستدعى لإضفاء الشرعية.

كما أن هذه الصيغة قلبت العلاقة الطبيعية بين الدولة والتنظيم المسلح. فبدلاً من أن تكون المقاومة جزءاً خاضعاً لاستراتيجية الدولة، أصبحت الدولة مطالبة بحماية خيار المقاومة وعدم المساس به.

السلاح أداة تغيير اجتماعي أيضاً

لم يقتصر تأثير السلاح على السياسة العليا. فقد أعاد تشكيل القرى والمدن والأحياء الشيعية. نشأت حول التنظيمات شبكات خدمات وتوظيف ومساعدات، وأصبحت العلاقة بالحزب طريقاً للحصول على الفرص والحماية وحل المشكلات.

بهذا المعنى، لا تعمل الزبائنية منفصلة عن السلاح. فالمواطن يحصل على الخدمة من جهة تمتلك أيضاً سلطة أمنية ورمزية. لذلك يصبح الولاء أكثر من خيار انتخابي؛ يتحول إلى شبكة حياة كاملة يصعب الخروج منها.

كما أدى تمجيد المقاتل إلى تراجع صورة المواطن المدني المستقل. صار النموذج الأعلى هو الشهيد والمجاهد وعائلتهما، بينما بدا المثقف المعترض أو الناشط المدني أقل قيمة وأضعف شرعية.

وتحوّلت المناسبات الدينية إلى مناسبات للتعبئة السياسية، واختلطت الرموز المذهبية بصور القادة والأسلحة والجبهات. وهكذا أنتجت الثقافة المسلحة مجتمعاً يرى السياسة استمراراً للمعركة، لا مجالاً للتسوية والمحاسبة وتداول السلطة.

أمثلة على استخدام السلاح في الداخل

أحداث السابع من أيار 2008 كانت اللحظة الأوضح في سقوط الفصل بين «سلاح المقاومة» والسلاح الداخلي. فعندما اتخذت الحكومة قرارات مست شبكة اتصالات حزب الله وأمن المطار، رد الحزب وحلفاؤه بالقوة وسيطروا على مناطق من بيروت.

لم تكن المواجهة يومها ضد احتلال إسرائيلي، بل ضد قرارات صادرة عن حكومة لبنانية. وقد أثبتت الأحداث أن السلاح الذي يُقال إنه للدفاع الخارجي يستطيع أن يتحول فوراً إلى أداة لفرض ميزان سياسي داخلي.

ثم جاءت تسوية الدوحة لتمنح المعارضة الثلث المعطل في الحكومة، فبدا أن الاستعمال العسكري للقوة أنتج مكسباً سياسياً مباشراً. ومنذ ذلك الحين، لم يعد ضرورياً استخدام السلاح في كل أزمة؛ فقد أصبح مجرد وجوده كافياً للتأثير في حسابات الخصوم.

كما ظهر منطق الهيمنة في تعطيل الحكومات والاستحقاقات، وفي حماية شبكة الاتصالات، وفي رفض أي بحث جدي في استراتيجية دفاعية تضع السلاح تحت إمرة الدولة.

من المقاومة إلى حروب الإقليم

زاد تدخل حزب الله في الحرب السورية من وضوح التناقض بين ادعاء حماية لبنان وامتلاك مشروع إقليمي. فقد قاتل الحزب خارج الحدود دعماً لنظام بشار الأسد، من دون تفويض من الحكومة أو البرلمان، وقدم تدخله أولاً بوصفه دفاعاً عن المقامات والقرى الحدودية، ثم بوصفه حرباً استباقية ضد الجماعات المتطرفة.

ومهما كان الموقف من تلك الجماعات، فإن دخول الحرب أكد أن قرار استخدام القوة لم يعد مرتبطاً حصراً بتحرير أرض لبنانية، بل بمحور إقليمي تقوده إيران. وكان الحزب قد أعلن منذ تأسيسه ارتباطه العقائدي بالولي الفقيه، ثم ترجم هذا الارتباط عسكرياً في ساحات عربية متعددة.

وهكذا أصبح لبنان يتحمل نتائج قرارات لم تتخذها دولته، وأصبحت الطائفة الشيعية تدفع من دم أبنائها واقتصاد مناطقها واستقرارها ثمن صراعات تتجاوز المصلحة اللبنانية المباشرة.

المعتدلون الذين شرعنوا الطريق

لا تقع مسؤولية تكريس ثقافة السلاح على المتطرفين وحدهم. فقد ساهم معتدلون شيعة في منحها الشرعية، حين اعتبروا أن السلاح ضروري مؤقتاً، أو أنه يحمي موقع الطائفة، أو أن نزعه يهدد التوازن مع الطوائف الأخرى.

اعتقد بعضهم أن بالإمكان استخدام قوة حزب الله لتحسين شروط الشيعة داخل الدولة، ثم ضبط هذه القوة لاحقاً. لكن ما حدث كان العكس: التنظيم المسلح استخدم المؤسسات لتعزيز شرعيته، فيما بقي مستقلاً عنها.

كما قبل كثيرون معادلة تقول إن أمل تمثل الاعتدال وحزب الله يمثل المقاومة، وإن تحالفهما يضمن وحدة الشيعة. لكن هذه الوحدة تحولت إلى إلغاء للتعدد داخل الطائفة وإلى توزيع للنفوذ بين الطرفين.

المعتدل الذي يسكت عن السلاح لأنه يستفيد من نتائجه لا يبقى معتدلاً فعلياً؛ فهو يمنح القوة الخارجة عن القانون غطاءً سياسياً واجتماعياً، حتى إن لم يحمل السلاح بنفسه.

احتكار الشيعة قبل الهيمنة على لبنان

قبل أن تتمكن القوى المسلحة من التأثير في لبنان كله، كان عليها احتكار الطائفة أولاً. وقد تحقق ذلك عبر مزيج من الشرعية الدينية والخدمات والذاكرة الجماعية والسلاح والتحالف الانتخابي.

تراجع حضور القوى الشيعية المستقلة، وأصبح الوصول إلى البرلمان أو البلديات أو الوظائف في مناطق كثيرة مرتبطاً بالتفاهم مع الثنائي. كما صار المعارض الشيعي أكثر عرضة للتخوين والعزل من خصوم الحزب المنتمين إلى طوائف أخرى، لأن اعتراضه يُنظر إليه باعتباره انشقاقاً عن الجماعة.

وهذا الاحتكار هو الوجه الداخلي للهيمنة. فالتنظيم الذي يقول إنه يحمي الشيعة يمنعهم عملياً من إنتاج بدائل سياسية حقيقية. ويصبح السلاح موجهاً رمزياً إلى المجتمع نفسه، حتى عندما لا يُستخدم فعلياً.

هل كان الهدف إسقاط الدولة؟

لم يعلن موسى الصدر مشروعاً مباشراً لإسقاط الجمهورية اللبنانية، وكان خطابه يتضمن دعوات متكررة إلى الإصلاح والعيش المشترك. كما أن حركة أمل اختارت لاحقاً الاندماج الكامل في النظام.

لكن تأسيس تنظيم عسكري مستقل حمل في داخله تناقضاً بنيوياً: المطالبة بدولة قوية مع بناء قوة لا تخضع لها. وقد تطور هذا التناقض لاحقاً إلى معادلة دائمة: لأن الدولة ضعيفة نحتاج إلى السلاح، وبسبب وجود السلاح تبقى الدولة ضعيفة.

أما حزب الله، فقد حمل في بدايته تصوراً عقائدياً أكثر جذرية، ثم عدّل لغته بعد دخوله المؤسسات. إلا أن التغيير في الخطاب لم يؤد إلى تغيير جوهري في موقع السلاح.

لذلك ربما لم يكن إسقاط الدولة دائماً هدفاً معلناً، لكنه أصبح نتيجة عملية. فحين تُمنع الدولة من احتكار القوة، وتُنتزع منها قرارات الحرب والسلام، ويُفرض عليها قبول جيش موازٍ، فإنها تُفرغ من أحد أهم عناصر السيادة.

السلاح رفع الشيعة ثم جعلهم أسرى له

لا يمكن إنكار أن التعبئة السياسية والمقاومة كسرتا تهميش الشيعة ورفعتا مكانتهم داخل النظام اللبناني. لكن هذا الصعود لم يكتمل عبر بناء دولة المواطنة، بل عبر بناء قوة طائفية موازية.

أصبح الشيعة أكثر نفوذاً، لكن مناطقهم بقيت تعاني الفقر وضعف الخدمات والاقتصاد المنتج. امتلكوا تنظيماً عسكرياً من الأقوى في المنطقة، لكن أبناءهم واصلوا الهجرة بحثاً عن التعليم والعمل والاستقرار.

حصلت الطائفة على قوة تفاوضية كبيرة، لكنها فقدت جزءاً من تنوعها وحرية نقاشها الداخلي. وتحولت من جماعة تطالب بالدولة إلى جماعة يُطلب منها باستمرار التضحية من أجل مشروع يتجاوز الدولة.

لقد ساعد السلاح القوى الشيعية على الانتقال من الهامش إلى مركز القرار، لكنه لم يحرر المجتمع الشيعي من الزبائنية أو الفساد أو الفقر. بل أنتج طبقة سياسية جديدة، تجمع بين خطاب المظلومية وممارسة السلطة، وبين تمجيد الشهادة والاستفادة من مؤسسات الدولة.

الخلاصة: السلاح لا يحمي التنوع بل يلغيه

كانت مظلومية الشيعة في لبنان حقيقية، وكان نضالهم من أجل المساواة ضرورياً. لكن تحويل السلاح إلى وسيلة دائمة للتغيير والحماية أنتج مشروعاً تجاوز رفع الحرمان إلى السيطرة على قرار الطائفة، ثم فرض إرادتها المنظمة على الدولة.

من «السلاح زينة الرجال» إلى «هيهات منا الذلة»، ومن «المقاومة خيارنا» إلى «لن نترك الساحة ولن نسقط السلاح»، تشكلت ثقافة ترى القوة المسلحة مصدراً للكرامة والحقوق والوجود.

هذه الثقافة نجحت في بناء نفوذ، لكنها أخفقت في بناء وطن. فقد جعلت إحدى الجماعات أقوى من الدولة، وأضعفت المساواة بين اللبنانيين، وحولت الاختلاف السياسي إلى شبهة خيانة، وربطت مصير لبنان بصراعات إقليمية لا يقررها مواطنوه.

إن احترام تنوع لبنان يبدأ من قاعدة بسيطة: لا تملك أي طائفة، مهما بلغت تضحياتها ومهما كانت مظلوميتها، حق فرض رؤيتها على الآخرين بالسلاح. ولا توجد مقاومة وطنية حقيقية تستطيع أن تبقى إلى الأبد خارج الدولة وفوق إرادتها.

فالسلاح الذي لا يخضع للمؤسسات لا يحمي الوطن؛ بل يحمي سلطة حامله. والقوة التي تبدأ بتحرير الجماعة من التهميش قد تنتهي باستعبادها للقيادة، ثم بإخضاع بقية المجتمع لموازينها.

لقد آن للشيعة أن ينتقلوا من قوة السلاح إلى قوة المواطنة، ومن حماية التنظيم إلى حماية الدولة، ومن وحدة مفروضة بالخوف والولاء إلى تعددية سياسية تعيد إليهم حق الاختلاف. كما آن للبنان أن يخرج من معادلة الجماعات المسلحة إلى دولة واحدة، لا يكون فيها سلاح الرجال زينتهم، بل يكون القانون والحرية والمساواة مصدر كرامتهم.

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

الجنس المباح لدى العلويين!

أخباركم - أخبارنا عن صفحة الفيسبوك للكاتبة السورية علا عباس لم نكن ملزمات كنساء علويات...

النبطية التي كانت المقاومة فيها تحمي الناس… لا تتركهم للعدو

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد إلى الرفاق الأحبة في النبطية، من بقي منهم في المدينة...

حين أبحث في الجريدة الشيوعية عن الشيوعية.. من بائع الصحيفة إلى ملف الـPDF!

أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد تصلني من حين إلى آخر صحف الأحزاب الشيوعية بصيغة PDF....

حين يُدفن الجلاد بطلاً: ماذا نقول لضحايا راتكو ملاديتش؟

أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد أكثر ما صدمني في مشهد جنازة راتكو ملاديتش لم...

More like this

النبطية التي كانت المقاومة فيها تحمي الناس… لا تتركهم للعدو

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد إلى الرفاق الأحبة في النبطية، من بقي منهم في المدينة...

موازنة بلا إصلاح مالي: من لا يجيد إدارة الأزمة فليرحل

أخباركم - أخبارنا/ د. وفيق ريحان إن طرح مشروع الموازنة على مجلس الوزراء بهذه...

الكتلة التاريخية وإنقاذ لبنان من مخالب الصراع الإقليمي!

أخباركم - أخبارنا / أكرم محمود مقدمة: جغرافيا القدر وبحثاً عن المخرجعاش لبنان عقوداً طويلة...