أخباركم – أخبارنا/ بيروت – واشنطن
اختتم الرئيس اللبناني العماد جوزاف عون، الثلاثاء 21 تموز/يوليو 2026، زيارة رسمية استمرت أربعة أيام إلى واشنطن، بلقاء مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب في البيت الأبيض، شكّل أول زيارة لرئيس لبناني إلى البيت الأبيض منذ نحو عقدين، وأول لقاء وجهاً لوجه يجمع عون بترامب منذ انتخاب الأول رئيساً للجمهورية.
وصول الرئيس إلى واشنطن
وصل عون برفقة زوجته السيدة الأولى نعمت عون، مساء السبت 18 تموز/يوليو، إلى قاعدة أندروز الجوية العسكرية قرب واشنطن، في مستهل الزيارة الرسمية التي جاءت بدعوة من الرئيس ترامب، بحسب ما أفاد بيان للرئاسة اللبنانية. وكانت هذه الزيارة الأولى من نوعها لرئيس لبناني إلى الولايات المتحدة منذ استقبال الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما للرئيس اللبناني الأسبق ميشال سليمان عام 2009.

وأثار الاستقبال البروتوكولي عند الوصول جدلاً إعلامياً وسياسياً في لبنان؛ إذ رأى منتقدون أن مستوى الاستقبال في قاعدة أندروز لم يكن يليق بزيارة رئيس دولة لواشنطن للمرة الأولى منذ نحو 17 عاماً، بينما اعتبر آخرون أن الأمر لا يخرج عن الطابع العملي التفاوضي للزيارة، وليس “زيارة دولة” بمراسمها المعتادة، بحسب ما تناولته تقارير لبنانية عدة، من بينها موقع “Cedar News” الذي نقل عن مصادر في الرئاسة اللبنانية نفيها القاطع لأي احتمال للقاء بين عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي.
لقاء مع روبيو يمهّد لقمة البيت الأبيض
في اليوم التالي، الأحد 19 تموز، استهل عون لقاءاته الرسمية باجتماع مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في وزارة الخارجية. ونقلت وسائل إعلام أميركية ولبنانية أن روبيو وصف اللقاء بأنه “إيجابي جداً”، محذراً من أن لبنان “لن ينعم بالسلام الكامل” ما دامت مسألة سلاح حزب الله قائمة، وقال: “كيف تستبدل حزب الله؟ تهزمه وتستبدله بحكومة قوية بما يكفي لتكون صاحبة السلاح الوحيد في البلاد”، مضيفاً أن الملف “ليس مجرد شأن عسكري” بل يستدعي استثماراً في البنية التحتية اللبنانية لتمكين الدولة الضعيفة.
كما تضمن برنامج الزيارة سلسلة لقاءات مع أعضاء في مجلس الشيوخ الأميركي ومسؤولين آخرين في الإدارة الأميركية، تركزت بحسب بيان الرئاسة اللبنانية على “الوضع في لبنان والسبل الآيلة إلى تثبيت وقف إطلاق النار”، إضافة إلى “انسحاب إسرائيل من المناطق اللبنانية التي تحتلها”.
لقاء المكتب البيضاوي: تعهدات أميركية بلا جدول زمني محدد
عقد الرئيسان اجتماعهما في المكتب البيضاوي ظهر الثلاثاء، وسط تغطية إعلامية واسعة من وكالات ووسائل أميركية وعربية وأوروبية. وبحسب وكالة أسوشيتد برس، تعهد ترامب بمساعدة لبنان “كثيراً”، قائلاً إن البلاد “عوملت بشكل سيئ للغاية لفترة طويلة، وسنجعلها تُعامل بشكل لائق وبالاحترام الذي تستحقه”. كما وصف ترامب لبنان بأنه بلد “شديد الاحترام”، معتبراً أن العلاقة بين البلدين “جيدة جداً”.

من جهته، قال عون خلال اللقاء إن استقرار لبنان والمنطقة هدف مشترك، مخاطباً ترامب: “سيكون هذا إرثك… معاً سنكون قادرين على تحقيق هذا الهدف. حان الوقت لكي يشهد لبنان والمنطقة بأكملها الاستقرار والأمن”، ووصف زيارته بـ”التاريخية”، شاكراً ترامب عليها.
أما بشأن الانسحاب الإسرائيلي الكامل من جنوب لبنان، فلم يقدّم ترامب جدولاً زمنياً محدداً، مكتفياً بالقول إن القوات الإسرائيلية “في طور الانسحاب” و”في طور إعادة الانتشار”، من دون مزيد من التفاصيل، بحسب ما نقلته شبكة “الجزيرة” ومحطة “PBS” الأميركية.
عرض لنزع سلاح حزب الله وانفتاح ترامب على الحوار معه
أفادت مصادر لبنانية، نقلت عنها وكالة رويترز وصحف عربية، أن عون حمل إلى واشنطن مقترحاً مكتوباً يحدد آلية لتفكيك ترسانة حزب الله، في مقابل استخدام الولايات المتحدة نفوذها للضغط على إسرائيل لاستكمال انسحابها من جنوب لبنان تنفيذاً لاتفاق الإطار الموقّع بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة في 26 حزيران/يونيو الماضي.
وفي تطور لافت، قال ترامب إنه مستعد للتحدث مباشرة مع حزب الله إذا طلبت منه بيروت ذلك، من دون أن يوضح طبيعة أي تواصل محتمل أو الإطار الذي قد يتم من خلاله، بحسب ما أوردته “يورونيوز” و”RT عربي”. وحين سُئل عما إذا كانت واشنطن ستقدّم مساعدة للجيش اللبناني المكلّف بنزع سلاح حزب الله، جاء رد ترامب غير حاسم، مشيراً إلى أن لديه “خططاً ملموسة جداً” في هذا الشأن سيناقشها مع عون على انفراد، وأن لبنان “يصبح أيضاً أكثر اكتفاءً ذاتياً”.
من جانبه، أعلن عون في تصريحات خلال اللقاء أن هدفه هو إنهاء حالة العداء بين لبنان وإسرائيل “إلى الأبد”، بحسب ما نقلته “تايمز أوف إسرائيل”، مؤكداً أن الجيش اللبناني يمثل “عمود الاستقرار” في البلاد، وطالباً من ترامب دعماً سياسياً أميركياً مستمراً لبيروت.
انتشار الجيش اللبناني في “زوطر الغربية” يتزامن مع القمة
تزامنت زيارة عون مع خطوة ميدانية اعتُبرت أول اختبار عملي لاتفاق الإطار: فقبل ساعات من لقائه ترامب، أعلن الجيش اللبناني بدء انتشاره في بلدة زوطر الغربية بمحافظة النبطية، بعد انسحاب القوات الإسرائيلية من مواقع عند أطرافها، في إطار ما يُعرف بـ”المنطقة النموذجية الأولى” من خطة الانسحاب التدريجي. وقامت وحدات هندسية عسكرية لبنانية بتفكيك الطرقات وإزالة الذخائر غير المنفجرة قبل انتشار وحدات إضافية، بحسب ما ذكره موقع “البوابة” (Al Bawaba).
ونقل موقع “أكسيوس” الأميركي عن مسؤول أميركي أن الجيش اللبناني سيتولى مسؤولية “المناطق التجريبية” وإخلاءها من سلاح حزب الله، مبيناً أن واشنطن لا تزال تتفاوض مع بيروت وتل أبيب حول الجهة التي ستتحقق من خلو هذه المناطق من السلاح، قبل الانتقال إلى مرحلة ثانية من الانسحاب.
سياق الزيارة: حرب 2024 ومفاوضات غير مسبوقة مع إسرائيل
تأتي الزيارة في أعقاب حرب دارت بين إسرائيل وحزب الله عام 2024، لا تزال تداعياتها قائمة مع احتلال قوات إسرائيلية أجزاءً من جنوب لبنان، ونزوح مئات الآلاف من اللبنانيين بسبب الضربات الإسرائيلية. وبحسب رويترز، قاد عون، القائد السابق للجيش اللبناني المدعوم أميركياً قبل انتخابه رئيساً للجمهورية العام الماضي، دعوة سريعة إلى محادثات مباشرة مع إسرائيل عقب اندلاع الحرب، في خطوة وُصفت بالتاريخية لدولة تعرّضت لغزوات إسرائيلية متكررة منذ عام 1978، ما أدى إلى أعلى مستوى من الاتصالات المباشرة بين البلدين منذ عقود. وقد بدأت لبنان وإسرائيل مفاوضات في نيسان/أبريل الماضي، هي الأولى من نوعها منذ عقود، بهدف انسحاب القوات الإسرائيلية وإنهاء حالة الحرب.
وكانت انتخاب عون رئيساً قد أنهى شغوراً رئاسياً دام عامين عقب انتهاء ولاية الرئيس السابق ميشال عون (لا صلة قرابة بينهما) المحسوب على حزب الله عام 2022. وسبق لعون، بصفته قائداً للجيش، أن حذّر من أن الانهيار المالي الذي ضرب لبنان عام 2019 قد يؤدي إلى انهيار الجيش اللبناني الذي وصفه بـ”العمود الفقري للبلد”، منتقداً في بيان سياسي غير معتاد لقائد عسكري تقاعس الطبقة السياسية الحاكمة.
ردود فعل وتحليلات الصحافة
- الصحافة الأميركية: تناولت “واشنطن بوست” و”أسوشيتد برس” و”يو إس نيوز” و”PBS” اللقاء من زاوية الرهانات الإقليمية، مشيرة إلى أن عون يسعى لتوليد ضغط أميركي على إسرائيل لإتمام انسحابها، في مقابل تقديم خطة لنزع سلاح حزب الله.
- الصحافة الإسرائيلية: ركزت “تايمز أوف إسرائيل” و”JNS” على تصريحات عون بشأن إنهاء “حالة العداء” مع إسرائيل بشكل دائم، وعلى انفتاح ترامب على حوار محتمل مع حزب الله.
- الصحافة العربية: تناولت “الجزيرة” و”سكاي نيوز عربية” و”يورونيوز عربي” و”البيان” و”البوابة” تفاصيل المقترح اللبناني لنزع سلاح حزب الله والضغوط الأميركية المصاحبة، إضافة إلى الجدل حول مستوى الاستقبال البروتوكولي.
- الصحافة اللبنانية: غطت “Lebanon Debate” و”Cedar News” برنامج الزيارة يوماً بيوم، فيما تناول موقع “الكتائب” الزيارة من زاوية سياسية داخلية، داعياً إلى أوسع دعم وطني لها ومحذراً من محاولات حزب الله لعرقلة المسار التفاوضي. وفيما يلي أبرز ما تناولته وسائل إعلام لبنانية رئيسية بالتفصيل:
- النهار: خصّصت الصحيفة عنوانها الرئيسي ليوم اللقاء لـ”قمة ترامب – عون ودعم سعودي للبنان”، مشيرة إلى دخول “المناطق التجريبية” حيّز التنفيذ بالتزامن مع القمة. كما نشرت الصحيفة تحليلاً سياسياً اعتبر أن لبنان، بفضل مسار التفاوض المباشر مع إسرائيل، بات “يتفاوض واشنطن مباشرة” بندّية نسبية، في مقابل ظهور رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو كشريك “هامشي” أقل قدرة على اتخاذ القرار بمعزل عن الإدارة الأميركية.
- نداء الوطن: تناولت الصحيفة، في مقالين لكاتبيها ألان سركيس وسامر زريق، الزيارة باعتبارها “محطة تأسيسية” قد تعيد رسم موقع لبنان في الإقليم بعد 35 عاماً من “التسويات والوصايات”، وقارنت لقاء عون بترامب بلقاءات رئاسية لبنانية سابقة في البيت الأبيض (الرئيس أمين الجميل مع ريغان، والرئيس سعد الحريري مع أوباما)، محذرة في الوقت ذاته من أن إيران تضغط عبر حزب الله “بشراسة” لاحتواء الزيارة وتحجيم مفاعيلها.
- MTV لبنان: واكبت القناة تفاصيل الدعوة الرسمية للرئيس عون منذ توجيهها من البيت الأبيض، ونشرت برقية التهنئة التي وجهها عون لترامب بمناسبة الذكرى الـ250 لاستقلال الولايات المتحدة، والتي دعا فيها إلى “الاستمرار في الوقوف الدائم إلى جانب قضايا لبنان المحقة”. كما تصدّرت نشرتها الإخبارية عناوين تحليلية من قبيل “هل ينجح عون في دفع ترامب لمزيد من الضغوط على نتنياهو؟” و”لماذا يكره الحزب جوزاف عون؟”.
- LBCI (تلفزيون لبنان والمشرق): تابعت القناة مجريات الزيارة أولاً بأول عبر تغطية مستمرة على منصاتها، وأبرزت تصريحات المسؤولين الأميركيين المرحّبة بالاتفاق الإطاري، إضافة إلى تغطية خاصة لما وصفته بـ”الفرصة الاستثنائية” التي تمثلها القمة للبنان بحسب تعليقات سياسية لبنانية داخلية، وسط تشديد على ضرورة مقاربة الاستحقاق “بروح وطنية مسؤولة”.
- تلفزيون الجديد: نقلت القناة أن الرئيس عون وضع خلال اللقاء مع ترامب ثلاثة عناوين أساسية على جدول المباحثات: المطالبة بالانسحاب الإسرائيلي الكامل، ودعم الجيش اللبناني، وإعادة إعمار المناطق المتضررة من الحرب، في تغطية ركزت على البعد المطلبي اللبناني من الزيارة.
- الصحافة الأوروبية: تناولت “فرانس24″ (بالعربية) و”يورونيوز” الزيارة من زاوية كونها الأولى لرئيس لبناني لواشنطن منذ 2009، وتوقفت عند تصريحات ترامب حول احتمال التحدث مع حزب الله ودور سوري محتمل في الترتيبات الإقليمية.
خلاصة
اختُتمت زيارة عون التي استغرقت أربعة أيام دون إعلان التزامات أميركية ملموسة أو جدول زمني محدد للانسحاب الإسرائيلي الكامل، لكنها أرست، بحسب المراقبين، أعلى مستوى تواصل مباشر بين بيروت وواشنطن منذ سنوات، وسط تعهدات أميركية عامة بـ”المساعدة” و”الدعم السياسي”، وترقب لبناني لمدى قدرة إدارة ترامب على الضغط فعلياً على إسرائيل لاستكمال الانسحاب، ومواكبة خطة نزع سلاح حزب الله التي بدأت خطواتها الميدانية الأولى بالتزامن مع الزيارة نفسها.
تم إعداد هذا التقرير بالاستناد إلى تغطية وكالات ووسائل إعلامية متعددة، من بينها: Associated Press، Reuters، The Washington Post، PBS News، Al Jazeera، Times of Israel، JNS، Al Bawaba، Axios، RT Arabic، Euronews Arabic، Sky News Arabia، France24 Arabic، وMiddle East Online، إضافة إلى وسائل الإعلام اللبنانية: النهار، نداء الوطن، MTV لبنان، LBCI، تلفزيون الجديد، Lebanon Debate، Cedar News، وKataeb.org، بتاريخ 18-22 تموز/يوليو 2026.



