أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد
لا يمكن لأي خلاف إقليمي أو مواجهة عسكرية أن يبرر انتهاك سيادة دولة عربية مستقلة أو تحويل أراضيها إلى ساحة لتصفية الحسابات بين القوى المتحاربة. والأردن، الذي أكد منذ بداية الحرب أنه لا يريد أن يكون طرفاً فيها ولا يسمح باستخدام أراضيه للإضرار بأي دولة، يتعرض اليوم لسلسلة اعتداءات إيرانية بالصواريخ والطائرات المسيّرة، في تصعيد خطير يمثل انتهاكاً واضحاً للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، ويهدد أمن المدنيين واستقرار المنطقة بأسرها.
إن استهداف المدن والمطارات والموانئ والقواعد الواقعة داخل الأراضي الأردنية لا يمكن تبريره تحت أي ذريعة، سواء كانت ملاحقة القوات الأمريكية أو الرد على الضربات الغربية. فسيادة الدول ليست قابلة للتجزئة، وأمن الشعب الأردني ليس ورقة تفاوض في أي صراع إقليمي. ومن هذا المنطلق، فإن الاعتداءات الإيرانية على الأردن تستحق إدانة عربية ودولية واضحة، لأنها توسع دائرة الحرب وتهدد بتحويل المنطقة بأكملها إلى ساحة مفتوحة للمواجهة.
لماذا أصبح الأردن هدفاً؟
منذ اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإيران في أواخر شباط 2026، حاول الأردن النأي بنفسه عن الصراع، وأكد رسمياً أنه لن يكون منطلقاً لأي عمل عسكري ضد إيران، كما لن يسمح باستخدام أراضيه أو أجوائه للإضرار بأي دولة.
لكن إيران تبنت تفسيراً مختلفاً، معتبرة أن وجود قوات وقواعد أمريكية داخل الأردن يجعلها أهدافاً مشروعة ضمن ردها على العمليات العسكرية الأمريكية.
وبناءً على هذا المنطق، بدأت الصواريخ الإيرانية والطائرات المسيّرة تتجه بصورة متكررة نحو الأراضي الأردنية، في تطور نقل المملكة من موقع الدولة المحايدة سياسياً إلى موقع الدولة المستهدفة عسكرياً.
أحدث الهجمات… الصواريخ تصل إلى العقبة
في 22 تموز 2026 أعلنت القوات المسلحة الأردنية رصد ستة صواريخ أطلقت من إيران باتجاه المملكة.
وأكد الجيش الأردني أنه:
- اعترض أربعة صواريخ بواسطة منظومات الدفاع الجوي.
- سقط صاروخان في مناطق نائية غير مأهولة.
- لم تقع أي إصابات بشرية أو أضرار مادية.
- تعاملت فرق سلاح الهندسة الملكي مع مواقع السقوط والمخلفات العسكرية.
وفي الوقت نفسه أفادت تقارير دولية بأن الهجوم استهدف مدينة العقبة الساحلية، بينما لم يسم البيان العسكري الأردني المدينة بالاسم، واكتفى بالقول إن الصواريخ استهدفت الأراضي الأردنية.
لماذا العقبة تحديداً؟
العقبة ليست مدينة عادية.
فهي:
- المنفذ البحري الوحيد للأردن.
- تضم الميناء التجاري الرئيسي.
- تضم مطار الملك حسين الدولي.
- تعتبر مركزاً لوجستياً واقتصادياً مهماً.
- تقع مقابل مدينة إيلات الإسرائيلية.
- تشكل إحدى أهم عقد النقل البحري في شمال البحر الأحمر.
ولذلك فإن استهدافها يحمل رسائل عسكرية وسياسية واقتصادية في آن واحد، إذ يضغط على الأردن، ويوجه رسالة إلى الولايات المتحدة وإسرائيل، ويهدد أحد أهم الممرات التجارية في المنطقة.
إيران: نستهدف الأمريكيين لا الأردن
الحرس الثوري الإيراني أعلن أكثر من مرة أن أهدافه داخل الأردن هي القواعد الأمريكية، وعلى رأسها قاعدة موفق السلطي الجوية في الأزرق.
وخلال الأيام الماضية أعلن الحرس الثوري تنفيذ عدة موجات من الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة ضد هذه القاعدة، معتبراً أنها تستخدم في العمليات الأمريكية ضد إيران.
لكن عملياً فإن أي صاروخ يسقط داخل الأراضي الأردنية يمثل اعتداءً مباشراً على سيادة المملكة، بغض النظر عن الهدف المعلن، لأن الدولة الأردنية هي صاحبة السيادة على كامل أراضيها.
سلسلة الاعتداءات على الأردن
لم يكن هجوم العقبة الأول.
فمنذ بداية الحرب تعرض الأردن لسلسلة طويلة من الهجمات.
28 آذار
أعلن الجيش الأردني أنه منذ اندلاع الحرب:
- تم إطلاق 262 صاروخاً وطائرة مسيرة باتجاه المملكة.
- اعترضت الدفاعات الجوية 242 منها.
- لم يتم اعتراض 20 مقذوفاً سقط بعضها داخل الأراضي الأردنية.
9 تموز
اعترض الجيش الأردني ثمانية صواريخ إيرانية دخلت الأجواء الأردنية دون وقوع إصابات.
12 تموز
سقطت ثلاثة صواريخ داخل المملكة، وأحدثت أضراراً مادية طفيفة دون إصابات، وأكد الجيش أن الأردن لن يسمح بتحويل أراضيه إلى ساحة حرب.
13 تموز
اعتراض أربعة صواريخ إيرانية.
14 تموز
اعتراض أربعة صواريخ جديدة.
15 تموز
اعتراض ثلاثة صواريخ باليستية.
16 تموز
اعتراض ثمانية صواريخ.
17 تموز
اعتراض ثلاثة صواريخ جديدة.
20 تموز
اعتراض ثلاثة صواريخ أخرى دخلت المجال الجوي الأردني.
21 تموز
اعتراض خمس طائرات مسيرة إيرانية صباحاً، ثم اعتراض ثلاثة صواريخ أخرى خلال اليوم نفسه دون وقوع خسائر.
22 تموز
الهجوم الجديد بستة صواريخ الذي أدى إلى اعتراض أربعة وسقوط اثنين في مناطق غير مأهولة.
الهجوم على قاعدة موفق السلطي
من أخطر التطورات خلال الحرب تعرض قاعدة موفق السلطي الجوية في الأردن لهجوم صاروخي إيراني أدى إلى مقتل عدد من العسكريين الأمريكيين وإصابة آخرين، الأمر الذي دفع الولايات المتحدة إلى توسيع عملياتها العسكرية ضد إيران.
وتعتبر طهران هذه القاعدة هدفاً عسكرياً مشروعاً بسبب وجود القوات الأمريكية فيها، بينما تؤكد عمان أن أي استهداف داخل أراضيها يشكل اعتداءً على سيادتها.
الموقف الأردني
الموقف الأردني بقي ثابتاً منذ بداية الأزمة.
وأكدت المملكة:
- أنها ليست طرفاً في الحرب.
- أنها لن تسمح باستخدام أراضيها ضد أي دولة.
- أنها لن تسمح أيضاً باستخدام أجوائها أو أراضيها للاعتداء عليها.
- أنها ستتصدى لأي صاروخ أو طائرة مسيرة تخترق أجواءها.
- أنها ستتخذ جميع الإجراءات الكفيلة بحماية المواطنين وسيادة الدولة.
كما استدعت وزارة الخارجية الأردنية القائم بالأعمال الإيراني وسلمته احتجاجاً شديد اللهجة، مطالبة بوقف الهجمات فوراً، ومؤكدة أن أمن الأردن وسلامة مواطنيه «خط أحمر».
موقف أردني داعم للدول العربية
في الوقت نفسه أدانت عمّان الهجمات الإيرانية على البحرين والكويت وقطر، وأعلنت تضامنها الكامل مع دول الخليج، معتبرة أن هذه الاعتداءات تمثل انتهاكاً للقانون الدولي وتهديداً مباشراً لأمن المنطقة.
لماذا تصر إيران على استهداف الأردن؟
يمكن تلخيص الأسباب في ستة عوامل رئيسية:
أولاً، وجود قواعد أمريكية تعتبرها طهران جزءاً من العمليات العسكرية ضدها.
ثانياً، الموقع الجغرافي للأردن بين العراق وسوريا وإسرائيل والسعودية.
ثالثاً، محاولة الضغط على الولايات المتحدة عبر استهداف مواقع قواتها خارج الأراضي الأمريكية.
رابعاً، توجيه رسالة ردع للدول الحليفة لواشنطن.
خامساً، تهديد الموانئ وخطوط الملاحة في البحر الأحمر، وعلى رأسها العقبة.
سادساً، السعي إلى توسيع كلفة الحرب على خصومها الإقليميين.
هل دخل الأردن الحرب؟
سياسياً، لا.
فالأردن لم يعلن الحرب على إيران، ولم يعلن مشاركته في العمليات العسكرية ضدها.
أما عسكرياً، فإن المملكة أصبحت جزءاً من مسرح العمليات بحكم تعرضها المتكرر للهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة، واضطرارها يومياً إلى استخدام دفاعاتها الجوية لحماية أراضيها وسكانها.
الخلاصة
تثبت التطورات الأخيرة أن الأردن أصبح أحد أبرز خطوط التماس في الحرب الإقليمية، رغم إعلانه المتكرر أنه ليس طرفاً فيها. فإيران، التي تقول إنها تستهدف القواعد الأمريكية، تنقل المعركة عملياً إلى داخل الأراضي الأردنية، وهو ما يشكل انتهاكاً لسيادة دولة عربية ويعرّض المدنيين والبنية التحتية لخطر مباشر.
إن احترام سيادة الأردن ليس مجرد مطلب أردني، بل هو ضرورة لحماية الأمن العربي والإقليمي. فاستمرار إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة باتجاه المملكة لا يهدد الأردن وحده، بل يفتح الباب أمام توسع الحرب إلى ساحات جديدة ويزيد احتمالات الانزلاق إلى مواجهة إقليمية أشمل، ستكون كلفتها باهظة على جميع شعوب المنطقة.



