السبت, أغسطس 15, 2026
27.4 C
Beirut

فردنة الفعل السياسي في التنظيمات الشيوعية:في تفكيك أثر العقلانية النيوليبرالية في الحقل التنظيمي!

نشرت في

أخباركم – أخبارنا/ دينا الطائي

قد يميل البعض إلى تفسير الظواهر المستجدة داخل عدد من الأحزاب والتنظيمات الشيوعية المعاصرة باستعارة مصطلح «التنمية البشرية»؛ غير أن هذا التفسير يبقى قاصراً وسطحياً. فما تسرّب إلى الحقل التنظيمي ليس أدبيات التنمية البشرية ومفرداتها، بل الحالة العميقة التي تقف خلفها. ولأن تعبير التنمية البشرية يظل في النهاية عنواناً فضفاضاً وسوقياً وإعلامياً، فإنه يعجز عن تفكيك البنية الحقيقية للمشكلة. والأجدر، من منظورٍ نقديّ أكثر صرامة، أن تُعاد تسمية هذه الظاهرة بـ «فردنة الفعل السياسي»، وتوصيفها بوصفها أثراً من آثار العقلانية النيوليبرالية في حقلٍ كان يُفترض أن يقوم، نظرياً وعملياً، على نقيضها.

فالمسألة لا تتعلق بمجرد رواج نصائح التحفيز، ولا بانبهار بعض الأفراد بخطاب «النجاح»، بل بتسرّب منطقٍ كامل إلى الوعي والممارسة: منطق يعيد تعريف الإنسان باعتباره مشروعاً ذاتياً، ورصيداً قابلاً للاستثمار، ووحدةً للأداء والتقييم، لا كائناً اجتماعياً يتحدد داخل علاقات موضوعية وتناقضات تاريخية وصراع طبقي.

إن النيوليبرالية، بهذا المعنى، ليست مجرّد سياسة اقتصادية، بل نمطٌ لإنتاج الذوات. إنّها لا تكتفي بإعادة تنظيم السوق والدولة، بل تُعيد تشكيل الإنسان نفسه باعتباره «رأس مال بشرياً»، أي ذاتاً مطالبةً باستثمار نفسها، وتعظيم قيمتها، وتحويل كلّ بُعد من أبعاد وجودها إلى موردٍ قابلٍ للقياس والمردود. وبهذا المعنى، يغدو النجاح أثراً لجدارةٍ فردية، ويغدو الفشل علامةً على قصورٍ شخصي، وتُمحى البنية لحساب السيرة والأداء الفردي، ويُستبدل السؤال في شروط الوجود بالسؤال في معايير الكفاءة. وإذا كانت هذه العقلانية قد وُلدت في حقل الاقتصاد والسياسة العمومية، فإنها سرعان ما تمددت إلى الثقافة والتربية والعمل والعلاقات الاجتماعية، بل وإلى الحقول التي تُعلن خصومتها معها، ومنها التنظيمات الشيوعية نفسها.[1]

هنا تبدأ المسألة التي تستحق النقد. فحين تتسرّب هذه العقلانية إلى التنظيمات الشيوعية، لا تفعل ذلك بصورتها الخام، بل عبر جملة من الآليات التنظيمية والرمزية، تعمل في صيغ أكثر نعومةً وأشدّ خطورةً: عبر تمجيد الكفاءة الفردية المنفصلة عن الشرط الجماعي، وعبر رفع المبادرة من كونها لحظةً في سيرورة جماعية إلى كونها صفةً شخصيةً مستقلةً، وعبر تحويل النشاط السياسي إلى مجالٍ لتراكم الرصيد الرمزي، وعبر إعادة توزيع الاعتراف داخل التنظيم على أساس المرئي والقابل للعرض والقابل للنسبة إلى اسمٍ بعينه. وبهذا المعنى يمكن النظر إلى الفعل السياسي، في بعض هذه الحالات، بوصفه مهدداً بالتحول من ممارسةٍ جمعية تتحدد داخل خطٍّ وتنظيمٍ وتقسيمٍ للعمل، إلى اقتصادٍ داخليٍّ للمكانة، تُقاس فيه القيمة بما يظهر، لا بما يبني؛ وبما يُنسب، لا بما يتراكم؛ وبما يُرى، لا بما يؤسس.

إن أخطر ما في هذا التحول أنه لا يغيّر سلوك بعض الأفراد فحسب، بل يعيد صياغة صورة المناضل ذاتها. ففي التصور الماركسي-اللينيني، لا يكون المناضل كياناً مكتملاً سابقاً على التنظيم، بل يتكوّن سياسياً داخل ممارسةٍ جمعية، وداخل انضباطٍ واعٍ، وداخل علاقةٍ متبادلة بين النظرية والعمل.[2] أما حين تتقدم العقلانية النيوليبرالية داخل الحقل التنظيمي، فإن هذه الصورة تُستبدل بصورة أخرى: صورة الذات التي تتعامل مع موقعها التنظيمي كحيّزٍ لإدارة حضورها، وتحسين قابلية الاعتراف بها، وتعظيم أثرها الشخصي. عندئذٍ لا يضمحلّ التنظيم فوراً، لكنه يبدأ في الانزياح من كونه أداةً لإنتاج الإرادة الجماعية إلى كونه فضاءً لتزاحم الذوات داخل إطارٍ معلن من الانضباط ومحتوى مضمر من المنافسة.

ومن هنا يمكن اقتراح فهم ما يظهر في بعض التنظيمات الشيوعية لا بوصفه مجرد «ميل إلى الظهور»، بل بوصفه «فردنةً للفعل السياسي». ومعنى ذلك أن هذه الفردنة تشتغل عبر اختزال الممارسة -التي كان يُفترض أن تُفهم بوصفها ثمرةً لعملٍ تراكميٍّ موزع- في صفاتٍ فردية: هذا أكثر حضوراً، ذاك أكثر كفاءةً، هذا أكثر إنتاجاً، ذاك أقل تأثيراً. وفي هذه النقطة تحديداً يُعاد، من داخل حقلٍ مناهضٍ للرأسمالية، إنتاج أحد أكثر مبادئها رسوخاً: مبدأ الجدارة الفردية بوصفه المعيار الأعلى للقيمة. وما إن تُعاد صياغة العلاقات الداخلية وفق هذا المنطق، حتى تبدأ نتائجه بالظهور في تراجع اللغة السياسية لمصلحة لغةٍ تقويمية: لا يعود السؤال ما هو الخط السياسي؟ وما هو موقع العمل النضالي في التناقضات الفعلية؟ وما الذي أنجزه التنظيم بوصفه بنيةً؟ بل يصبح السؤال، ضمناً: من الأجدر؟ من الأبرز؟ من الأكثر فاعليةً؟ من الذي ينبغي أن يُلتفت إليه؟

غير أن هذا المنطق، حتى حين يبدو في ظاهره حافزاً على «الفاعلية»، يحمل في باطنه أثراً تفكيكياً عميقاً. فهو أولاً يطمس الشرط الجماعي الذي يجعل أيّ فعلٍ ممكناً أصلاً. فما يُنسب إلى فردٍ بعينه يكون، في الغالب، نتيجة تراكمٍ سابق، وعملٍ تنظيميّ غير مرئي، وتقسيمٍ للأدوار، وسندٍ جماعي، وذاكرةٍ سياسية مشتركة، وانضباطٍ يوميّ لا يتجسّد في مشهدية الاعتراف. وحين يُمحى هذا الشرط الجماعي من الإدراك، يُعاد تمثيل السياسة في صورة منجزاتٍ فردية متناثرة، لا في صورة بناءٍ تاريخي. وثانياً، يمكن أن ينتج هذا المنطق أثراً عاطفياً وتنظيمياً خطيراً، إذ يدفع عدداً من الكوادر إلى الانزلاق، صراحةً أو ضمناً، في علاقة مقارنةٍ دائمة مع غيرهم، فتتآكل الرفاقية بفعل المنافسة الصامتة، ويتحول الإحباط من إحباطٍ سياسيٍّ على تعثر الخط أو ضعف الصلة بالطبقات الشعبية، إلى ما يمكن تسميته بـ «الإحباط التنافسي»، أي ذاك الناجم عن الشعور بالتأخر في اقتصاد الاعتراف الداخلي. عندئذٍ لا يعود الإحباط مجرد انعكاسٍ لصعوبة النضال، بل يغدو، في بعض الحالات، أثراً من آثار السوق داخل التنظيم.

هنا تستعيد الماركسية-اللينينية ضرورتها النظرية لا بوصفها تراثاً لغوياً، بل بوصفها نقداً للبنية. فلينين، حين شدد على الصراع ضد العفوية، لم يكن يدافع عن شكلٍ تنظيميٍّ محض، بل عن فكرةٍ حاسمة: أن الوعي الثوري لا ينتج تلقائياً من تشتت التجارب، ولا من مبادرات الأفراد بمعزلٍ عن التنظيم، بل يحتاج إلى صياغةٍ واعية، وإلى مركزيةٍ في الفهم، وإلى انضباطٍ في الفعل، وإلى تجاوزٍ لمنطق الحلقة والمزاج والتبعثر.[3] ولذلك يمكن القول إن إحدى أخطر نتائج الفردنة النيوليبرالية داخل التنظيمات الشيوعية هي أنها تعيد، في لباسٍ جديد، إنتاج ما حاربه لينين قديماً: أي تفتت الفعل إلى مبادراتٍ جزئية، وتقديم الحركة المباشرة على البناء الواعي، وتحويل القيمة التنظيمية إلى أثرٍ فرديٍّ لا إلى تقدمٍ في الكلّ. ومن هذه الزاوية، لا تعود المسألة أخلاقيةً فحسب، بل مسألة صراعٍ بين منطقين: منطق التنظيم بوصفه حاملاً للوعي والتاريخ، ومنطق الذات بوصفها وحدةً للإنجاز والاعتراف.

أما غرامشي، فإنه يمنحنا الأداة لتفكيك بُعدٍ آخر في هذه المسألة: بعد الهيمنة. فالهيمنة لا تعني فقط أن تفرض الطبقة السائدة مصالحها عبر الدولة والاقتصاد، بل أن تجعل مقولاتها عن الإنسان والنجاح والقيمة والتقدم مقولاتٍ «طبيعية» حتى في وعي خصومها.[4] وحين تتكلم التنظيمات الشيوعية بلغة الأداء الفردي، والتميز الشخصي، ومعايير التقييم، فإن ذلك لا يدل فقط على خللٍ تنظيمي، بل على اختراقٍ هيمنيّ لمساحة الوعي ذاتها. أي إن الخصم لا يكون حاضراً فقط في الخارج، بل في صيغ إدراكنا لأنفسنا، وفي الطريقة التي نقيّم بها الفعالية السياسية، وفي المعايير التي نوزع بها الاعتراف. ولذلك فإن مقاومة هذه الظاهرة لا يمكن أن تكون بمجرد الحنين إلى «مُثُل الرفاق»، بل بتفكيك الشكل الهيمني الذي جعل الذات النيوليبرالية قابلةً للحياة داخل تنظيمٍ يُفترض أنه نقيضها.

وهنا أيضاً يكتسب نقد هوركهايمر أهميته. فالفكر النقدي، في معناه القوي، لا يكتفي بوصف الواقع أو تحسين التكيّف معه، بل يكشف التوسطات التي تجعل ما يبدو طبيعياً وليدَ تاريخٍ وهيمنةٍ وعلاقات قوة.[5] وعلى هذا الأساس، يمكن القول إن أخطر ما تصنعه الفردنة داخل التنظيمات الشيوعية هو أنها تُخضع السياسة لمنطق التكيّف مع المقاييس السائدة للنجاح والقيمة. بدل أن تكون التنظيمات الشيوعية فضاءً لإنتاج ذاتٍ مناضلةٍ تقطع مع المقاييس البرجوازية، تغدو، إذا لم تنتبه، مجالاً لإعادة تدويرها بصيغة داخلية: الاعتراف، التصنيف، التميّز، المقارنة، القابلية للقياس. وهكذا ينتقل التنظيم من كونه نقيضاً للواقع القائم إلى كونه موضعاً من مواضع إعادة إنتاجه، ولو تحت شعاراتٍ مغايرة.

وتتضح خطورة هذا الانزياح أكثر إذا قُرئ على ضوء نقد روزا لوكسمبورغ للإصلاحية. فالإصلاحية، في معناها الأعمق، ليست فقط تخلّياً عن الثورة لصالح تحسينات جزئية، بل هي أيضاً نزعةٌ لقطع الوسائل عن الغاية، وتحويل الحركة اليومية إلى أفقٍ مكتفٍ بذاته، بدل أن تكون لحظةً في مشروع تاريخي لتجاوز النظام القائم.[6] ومن هذه الزاوية، يمكن فهم الفردنة داخل التنظيمات الشيوعية بوصفها، في أحد أبعادها، إصلاحيةً على مستوى الذات: إذ يجري استبدال بناء الإرادة الجماعية الثورية ببناء «ذوات فعّالة» داخل القائم؛ ويجري استبدال التراكم السياسي الطويل ببروزٍ قصير المدى؛ ويجري استبدال التحول النوعي في الوعي والتنظيم بإدارةٍ يوميةٍ للاعتراف والتموضع. إن ما يبدو هنا نشاطاً مكثفاً قد يكون، في الواقع، عَرَضاً من أعراض الانزلاق من السياسة بوصفها تغييراً للتاريخ إلى السياسة بوصفها إدارةً للموقع داخل التنظيم.

من هذا المنظور، لا ينبغي فهم الإشكال باعتباره صراعاً بين «العمل الجماعي» و«العمل الفردي» بمعناهما المدرسي. فالماركسية لا تنفي دور الفرد، ولا تلغي أهمية الكادر، ولا تدعو إلى تسويةٍ شكلية بين الجميع. لكنها ترفض أن يتحول دور الفرد إلى مبدأ تفسيرٍ أعلى من البنية، أو أن يُنتزع من شروطه الجماعية فيظهر وكأنه مصدر ذاته وفعله وقيمته. فالفرد الثوري لا يكون ثورياً لأنه متفوقٌ في ذاته، بل لأنه لحظةٌ واعية من لحظات الإرادة الجماعية. والكفاءة السياسية لا تُقاس بكمية الأثر الشخصي الذي يتركه المرء خلفه، بل بمدى ما يضيفه إلى قدرة التنظيم على الفهم والفعل والاستمرار. وفي هذا المعنى، فإن التنظيمات الشيوعية لا تُضعفها قلة الكوادر البارزة، بقدر ما يضعفها تحوّل التميز نفسه إلى معيارٍ فوق-سياسي يعلو على الخطّ والبنية والهدف.

إن إحدى النتائج العملية لهذا المنطق هي إفقار مفهوم الانضباط ذاته. فالانضباط، في التقليد اللينيني، ليس امتثالاً إدارياً، بل شرطاً لفعالية الإرادة الجماعية ولمركزة الخبرة السياسية ولمراكمة القوة. أما في الحقل المشبع بالفردنة، فإن الانضباط يُعاد فهمه أحياناً كعائقٍ أمام الإبراز الشخصي، أو كقيدٍ على المبادرة، أو كحدٍّ من حرية التمايز. ومن هنا تتولد توتراتٌ متنامية بين الشكل التنظيمي وميول الذوات التي أُعيد إنتاجها اجتماعياً داخل الثقافة النيوليبرالية. لا يعود الإشكال فقط في خرق الانضباط، بل في البنية الإدراكية التي تنظر إلى التنظيم نفسه كإطارٍ ينبغي استعماله لا كإرادةٍ يجب بناؤها. وهذا من أخطر وجوه الأزمة، لأن التنظيم هنا لا يُنقَض من خارجه، بل يُفرَّغ من داخله.

ولا يقف الأثر التفكيكي لهذا المنطق عند حدود إفقار مفهوم الانضباط، بل يمتد ليضرب الشرط العلائقي الذي يقوم عليه التنظيم: أي الرابطة الرفاقية ذاتها. فحين يُعاد توزيع الاعتراف الداخلي وفق مقاييس «المرئي» و«القابل للعرض»، يقع تهميشٌ منهجي للعمل التراكمي الصامت الذي تمارسه بقية الكوادر. وهنا لا تنحصر النتيجة في شعورٍ عابر بالغبن، بل تتجلى في إعادة صياغة السلوك التنظيمي للآخرين؛ فإما أن يُستنزف الكادر في يأسٍ صامت يدفعه إلى الانكفاء وتجميد الفاعلية، بعد أن يدرك أن التنظيم أضحى يُكافئ الاستعراض على حساب العمل التنظيمي التراكمي، وإما أن يضطر، تحت ضغط هذه الهيمنة، إلى الانخراط في اللعبة ذاتها لحماية تموضعه داخل اقتصاد المكانة. وفي كلتا الحالتين، تتآكل الثقة بوصفها الشرط الموضوعي للتضامن التنظيمي، وينزاح الفضاء التنظيمي من كونه حقلاً لتوحيد الإرادات المشتتة، إلى سوقٍ داخلية تُستنزف فيها طاقات الكوادر في صراعٍ صامت على الرصيد الرمزي، بدل أن تتوجه نحو التناقض الرئيسي.

لذلك فإن نقد الفردنة النيوليبرالية داخل التنظيمات الشيوعية ينبغي أن يبدأ من استعادة مركزية السؤال السياسي: كيف تُبنى الإرادة الجماعية؟ كيف يجري توزيع العمل بحيث لا يتحول إلى اقتصادٍ للمكانة؟ كيف يُعاد الاعتبار للأعمال غير المرئية التي يقوم عليها أي تراكم تنظيمي؟ كيف يُفصل بين قيمة الفعل وبين قابليته للعرض؟ كيف يُحمى الحقل التنظيمي من تحوّل الاعتراف إلى سوقٍ داخلية؟ وكيف يُربّى الكادر على أن يرى نفسه لا بوصفه حاملاً لملفه الخاص، بل بوصفه جزءاً من سيرورةٍ تاريخية أكبر منه؟

إن الإجابة عن هذه الأسئلة لا تمرّ عبر إنكار المبادرة أو الشكوى الأخلاقية من «نزعة إبراز الذات»، بل عبر إعادة بناء الحسّ التنظيمي نفسه على أسسٍ مغايرة. أي عبر ترسيخ أن المبادرة ليست صفةً نفسيةً معزولةً، بل وظيفةٌ سياسية داخل كلّ؛ وأن الكفاءة ليست رأسمالاً ذاتياً، بل علاقةٌ بقدرة التنظيم على التقدم؛ وأن الاعتراف لا ينبغي أن يُوزع وفق منطق المشهدية، بل وفق منطق البناء؛ وأن الإحباط لا يُعالَج برفع وتيرة التنافس، بل بإعادة وصل الأفراد بمعنى الفعل الجماعي. فحيثما يحضر التنافس بوصفه آليةً صامتةً للتقويم، تتآكل الثقة؛ وحيثما تتآكل الثقة، تتراجع الرفاقية؛ وحيثما تتراجع الرفاقية، يفقد التنظيم شرطاً من شروط وجوده النوعي.

وفي المحصلة، ليست القضية أن التنظيمات الشيوعية قد «استعارت» بعض مفردات العصر فحسب، بل أن العصر نفسه، بوصفه عصراً تحكمه عقلانية نيوليبرالية شاملة، يسعى إلى إعادة تشكيل حتى خصومه على صورته. ولذلك فإن معركة التنظيمات الشيوعية اليوم ليست فقط ضد الرأسمال والدولة والإمبريالية في الخارج، بل أيضاً ضد الأشكال التي يعيد بها المجتمع البرجوازي الحديث إنتاج ذاته في بنيتها الداخلية: في اللغة، في التقييم، في التصورات، في توزيع القيمة، وفي نمط فهم المناضل المعاصر لنفسه. ولا تكون مقاومة ذلك بالبلاغة، بل بإعادة تأسيس الفعل السياسي على قاعدته الماركسية-اللينينية: لا ذاتٌ بلا تنظيم، ولا تنظيم بلا وعي، ولا وعي بلا إدراكٍ للكلّ الاجتماعي، ولا قيمة سياسية لما يُعظّم الأثر الشخصي على حساب بناء الإرادة الجماعية.

وحين تُستعاد هذه القاعدة، يتضح أن ما ينبغي نقده ليس «الأفراد» في حدّ ذاتهم، بل الصيغة التاريخية التي تجعل الفرد يُدرك نفسه كأنّه مركز الفعل ومصدر القيمة ومعيار التقدم. تلك هي الصيغة النيوليبرالية للذات. وما لم تُفكَّك هذه الصيغة داخل التنظيمات الشيوعية، فإن كثيراً من أزماتها سيظل يُقرأ على نحوٍ سطحيٍّ: مرةً كمسألة أخلاقية، ومرةً كمسألة مزاجية، ومرةً كصراع شخصي. بينما المسألة، في عمقها، أبعد من ذلك بكثير: إنها صراع بين تصورين للسياسة، وصورتين للمناضل، ومعيارين للقيمة؛ بين منطق الإرادة الجماعية ومنطق الفردنة، بين التنظيم بوصفه أداةً للتاريخ، والذات بوصفها مشروعاً للتثمير الرمزي.


الهوامش:

[1] ميشيل فوكو، مولد السياسة الحيوية
[2] فلاديمير لينين، ما العمل؟، الفصل الثاني: «عفوية الجماهير ووعي الاشتراكيين-الديمقراطيين»
[3]المصدر السابق
[4] أنطونيو غرامشي، دفاتر السجن.
[5] ماكس هوركهايمر، النظرية التقليدية والنظرية النقدية.
[6] روزا لوكسمبورغ، إصلاح اجتماعي أم ثورة.22 تموز 2026

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

ماركس وباكونين: الصراع الذي شقّ الثورة إلى طريقين!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد من الأممية الأولى إلى مؤتمر لاهاي: من كان أقرب...

هالة نهرا ووجدي أبو ذياب في عملٍ إبداعيّ: من سلوفينيا إلى العالم!

أخباركم - أخبارنا تجلببتْ قصيدة «يا ضوء الأضواء» للشاعرة اللبنانية والعربية هالة نهرا، من...

اليسار الفلسطيني أمام مرآة الحقيقة: أزمة المشروع أم أزمة الاستقلال السياسي؟

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد ردّ على مقالة «اليسار الفلسطيني أمام لحظة الحقيقة.. من...

الحجّاج والسفّاح: هل يعيد التاريخ إنتاج وجهي السلطة؟

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد يصعب فهم الحجّاج بن يوسف الثقفي وأبي العباس السفّاح...

More like this

اليسار الفلسطيني أمام مرآة الحقيقة: أزمة المشروع أم أزمة الاستقلال السياسي؟

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد ردّ على مقالة «اليسار الفلسطيني أمام لحظة الحقيقة.. من...

الحجّاج والسفّاح: هل يعيد التاريخ إنتاج وجهي السلطة؟

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد يصعب فهم الحجّاج بن يوسف الثقفي وأبي العباس السفّاح...

تلازم السيادة والحل السياسي: تفكيك فخ الترتيبات الأمنية في التفاوض اللبناني!

أخباركم - أخبارنا/ أكرم محمود تقف الدولة اللبنانية عند مفترق طرق تاريخي في إدارتها لملف...