الثلاثاء, سبتمبر 8, 2026
27.4 C
Beirut

كوزو أوكاموتو… رحيل «أحمد الياباني» الذي حمل فلسطين من أقصى الشرق إلى بيروت

نشرت في

أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد

أعلنت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، اليوم الخميس 23 يوليو/تموز 2026، وفاة المناضل الياباني كوزو أوكاموتو، المعروف فلسطينياً وعربياً باسم «أحمد الياباني»، في العاصمة اللبنانية بيروت، بعد حياة امتدت نحو ثمانية عقود، ارتبط معظمها بالقضية الفلسطينية وبواحدة من أكثر مراحل العمل الثوري الأممي إثارةً للجدل في القرن العشرين.

ونعت الجبهة الشعبية أوكاموتو باسم أمينها العام ونائبه ومكتبها السياسي ولجنتها المركزية وأعضائها وأنصارها في الوطن والشتات، ووصفته بـ«الرفيق المناضل والأممي الثوري الكبير»، وأحد المشاركين في عملية مطار اللد التي نفذها عناصر من الجيش الأحمر الياباني بالتعاون معها في 30 مايو/أيار 1972.

وقالت الجبهة في بيانها إن أوكاموتو رحل في «ضاحية العز والكرامة» في بيروت، بعد مسيرة طويلة إلى جانب القضية الفلسطينية، مؤكدة أنه ظل متمسكاً بمواقفه حتى السنوات الأخيرة من حياته. ورأت أنه كان جزءاً من تاريخ النضال الأممي الذي جمع، خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، حركات وقوى ثورية من آسيا وأوروبا وأميركا اللاتينية والعالم العربي حول قضايا التحرر الوطني ومواجهة الاستعمار والإمبريالية.

من اليابان إلى فلسطين

ولد كوزو أوكاموتو في السابع من ديسمبر/كانون الأول 1947 في مدينة كوماموتو جنوبي اليابان، وكان الأصغر بين سبعة إخوة وأخوات في أسرة من الطبقة المتوسطة. درس علم النبات في اليابان، قبل أن تجذبه التحولات السياسية والاجتماعية التي شهدها العالم خلال عقد الستينيات، من الاحتجاجات الطلابية والحرب في فيتنام إلى حركات التحرر الوطني في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية.

كانت تلك مرحلةً آمنت فيها قطاعات من اليسار العالمي بأن معارك الشعوب لم تعد منفصلة بعضها عن بعض، وأن تحرير فلسطين أو فيتنام أو الجزائر أو أي بلد خاضع للاحتلال والهيمنة يمثل جزءاً من معركة عالمية واحدة.

ومن داخل هذه البيئة الفكرية والسياسية ظهر الجيش الأحمر الياباني، الذي تبنى رؤية ماركسية ثورية راديكالية، وسعى إلى نقل نشاطه خارج اليابان وربط نفسه بحركات التحرر في العالم. ولم تكن فلسطين بالنسبة إلى أعضائه قضية عربية أو شرق أوسطية بعيدة، بل أصبحت، في تصورهم، جبهةً مركزية في الصراع العالمي ضد الإمبريالية.

انتقل أوكاموتو من اليابان إلى الشرق الأوسط، وانخرط في العلاقة التي نشأت بين الجيش الأحمر الياباني والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. ومنذ تلك اللحظة، أصبح الشاب القادم من أقصى شرق آسيا واحداً من أبرز رموز الأممية الثورية المرتبطة بالقضية الفلسطينية.

الجبهة الشعبية وتدويل القضية الفلسطينية

كانت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، بقيادة مؤسسها جورج حبش، من أكثر الفصائل الفلسطينية اهتماماً ببناء علاقات مع الحركات الثورية العالمية. فقد انطلقت من رؤية قومية ويسارية ربطت تحرير فلسطين بمواجهة الاستعمار والإمبريالية والصهيونية، واعتبرت أن الصراع لا يمكن أن يبقى محصوراً في الحدود الجغرافية لفلسطين أو العالم العربي.

ومن خلال علاقاتها الدولية، تمكنت الجبهة من تحويل القضية الفلسطينية إلى قضية حاضرة داخل أوساط شبابية ونقابية ويسارية وثورية في أوروبا واليابان وأميركا اللاتينية وأفريقيا. وأصبحت صور المقاتلين الفلسطينيين ومعسكراتهم وخطابات قادتهم جزءاً من المشهد السياسي العالمي الذي صنعته ثورات التحرر والحركات الطلابية خلال الستينيات والسبعينيات.

وفي هذا المناخ ظهرت داخل الجبهة الشعبية تشكيلات عُرفت باسم «العمليات الخارجية» أو «العمليات الخاصة»، ارتبطت بصورة أساسية باسم وديع حداد، أحد مؤسسي حركة القوميين العرب والجبهة الشعبية. وقد اعتمد هذا التيار على نقل المواجهة مع إسرائيل إلى خارج الحدود التقليدية، بهدف لفت أنظار العالم إلى قضية شعب اقتُلع من أرضه، وإجبار المجتمع الدولي على التعامل مع وجوده السياسي وحقوقه الوطنية.

أثارت هذه العمليات منذ ذلك الوقت نقاشاً واسعاً، حتى داخل الحركة الفلسطينية نفسها. ففي حين اعتبرها مؤيدوها محاولة لكسر التعتيم الدولي المفروض على القضية الفلسطينية، انتقد آخرون وسائلها والنتائج الإنسانية والسياسية المترتبة عليها، ولا سيما عندما سقط خلالها مدنيون.

إلا أن المؤكد تاريخياً أن تلك المرحلة أسهمت في إخراج القضية الفلسطينية من العزلة، وجعلتها حاضرة في الصحافة العالمية والجامعات والاتحادات العمالية والحركات المناهضة للحرب والاستعمار.

عملية مطار اللد

ارتبط اسم كوزو أوكاموتو بصورة مباشرة بعملية مطار اللد، التي وقعت في 30 مايو/أيار 1972، ونفذها ثلاثة من أعضاء الجيش الأحمر الياباني بالتعاون مع الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.

وصل المنفذون الثلاثة إلى المطار على متن رحلة قادمة من أوروبا، وكان اختيار عناصر يابانيين جزءاً من عنصر المفاجأة، إذ لم تكن أجهزة الأمن الإسرائيلية تتوقع أن يأتي الهجوم من أشخاص لا يحملون ملامح عربية ولا يندرجون ضمن الصور الأمنية النمطية السائدة آنذاك.

تحولت العملية إلى واحدة من أشهر وأكثر أحداث تلك المرحلة دمويةً وإثارةً للجدل، إذ قُتل وأصيب خلالها عدد كبير من الأشخاص، من بينهم مدنيون. وقُتل اثنان من المنفذين، فيما أصيب أوكاموتو واعتُقل، ليصبح الناجي الوحيد من المجموعة.

أعلنت الجبهة الشعبية مسؤوليتها السياسية عن العملية، وكان الأديب والصحافي غسان كنفاني، الناطق الإعلامي باسمها آنذاك، من أبرز من تحدثوا عنها في وسائل الإعلام. وبعد أسابيع قليلة، في الثامن من يوليو/تموز 1972، اغتالت إسرائيل كنفاني في بيروت بتفجير سيارته، فقُتل مع ابنة شقيقته لميس نجم.

قدّمت الجبهة الشعبية عملية اللد باعتبارها تعبيراً عن وصول التضامن مع فلسطين إلى أقصى الشرق، بينما بقيت العملية، بسبب سقوط المدنيين، موضوعاً مفتوحاً للنقاش التاريخي والأخلاقي والسياسي. ولا يمكن كتابة تاريخها بجدية من دون ذكر ضحاياها، كما لا يمكن فهمها خارج أجواء العنف والحروب والتهجير والصراع الدولي التي طبعت تلك الحقبة.

ثلاثة عشر عاماً في السجون الإسرائيلية

حُكم على أوكاموتو بالسجن، وقضى ثلاثة عشر عاماً في المعتقلات الإسرائيلية، أمضى قسماً كبيراً منها في ظروف عزل وحبس انفرادي قاسية.

وخلال سنوات سجنه تحول إلى رمز لدى الجبهة الشعبية وأنصارها، ليس فقط بسبب مشاركته في العملية، بل بسبب هويته اليابانية والطريق الطويل الذي قطعه للانضمام إلى القضية الفلسطينية. وقدمت صورته بوصفها دليلاً على أن فلسطين لم تكن قضية شعب واحد أو قومية واحدة، بل قضية تحرر جذبت أشخاصاً من ثقافات وبلدان بعيدة.

وفي 20 مايو/أيار 1985، أُفرج عنه ضمن صفقة تبادل الأسرى المعروفة باسم «عملية الجليل»، التي أبرمتها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين – القيادة العامة مع إسرائيل. وشملت الصفقة إطلاق سراح مئات الأسرى الفلسطينيين والعرب مقابل جنود إسرائيليين كانوا محتجزين لدى التنظيم.

بعد الإفراج عنه، انتقل أوكاموتو بين عدد من البلدان، قبل أن يستقر في لبنان. وفي عام 2000، منحته السلطات اللبنانية اللجوء السياسي، بينما سُلّم أو رُحّل عدد من رفاقه اليابانيين إلى بلادهم.

ومنذ ذلك الحين عاش أوكاموتو في لبنان بعيداً نسبياً عن الظهور الإعلامي، وظل اسمه حاضراً في مناسبات الجبهة الشعبية وفعاليات التضامن مع الأسرى والقضية الفلسطينية. وفي عام 2016 كرّمته الجبهة تقديراً لما وصفته بعطائه وتضحياته إلى جانب الشعب الفلسطيني.

الأممية التي صنعتها فلسطين

لم يكن أوكاموتو أول أجنبي ينخرط في قضية شعب بعيد عن وطنه، ولن يكون الأخير. فقد عرف القرن العشرون تجارب عديدة لمقاتلين وأطباء وصحافيين ومتطوعين تركوا بلدانهم والتحقوا بثورات وحروب اعتبروها جزءاً من معركتهم الشخصية والأخلاقية.

قاتل متطوعون من بلدان متعددة في الحرب الأهلية الإسبانية، ووقف أوروبيون وأميركيون إلى جانب حركات التحرر في أفريقيا، والتحق ناشطون من قارات مختلفة بالثورة الجزائرية وبالمقاومة الفيتنامية. وفي فلسطين تلاقت تيارات قومية وماركسية وثورية ودينية، وجاء إليها متضامنون من اليابان وأوروبا وأميركا اللاتينية ودول أخرى، لأنهم رأوا في مأساة الفلسطينيين صورةً مكثفة عن الاستعمار والاقتلاع واللجوء وحرمان الشعوب من حقها في تقرير مصيرها.

كان ذلك هو المعنى العميق للأممية: ألا يسأل الإنسان عن عرق الضحية أو لغتها أو دينها قبل أن يقف إلى جانب حقها. لكن الأممية، مثل كل التجارب الثورية، لم تكن خاليةً من الأخطاء والتناقضات. فقد امتزج فيها التضامن الصادق بالأيديولوجيا المغلقة، واختلط النضال من أجل التحرر بأساليب عنيفة أصابت أحياناً أبرياء لا علاقة لهم بالقرارات السياسية والعسكرية.

ومن هنا فإن قراءة تجربة كوزو أوكاموتو لا ينبغي أن تتحول إلى تمجيد غير نقدي ولا إلى إدانة تقتطع الرجل من زمنه. إنها قراءة في جيل اعتقد أن العالم كله ساحة واحدة، وأن هزيمة الاستعمار في بلد هي انتصار لجميع الشعوب، وأن الحدود والجنسية واللغة لا تقف أمام الانتماء إلى قضية عادلة.

فلسطين التي جاء الجميع من أجلها

لم تكن فلسطين في الوعي الثوري العالمي مجرد مساحة جغرافية. كانت عنواناً لشعب طُرد قسم كبير منه من مدنه وقراه، وعاش في المخيمات، وحُرم لعقود من العودة وإقامة دولته المستقلة.

من أجل فلسطين حمل الفلسطيني السلاح، وكتب الشاعر قصيدته، ورسم الفنان ملصقه، ونظم العامل تظاهرته، وخاطر الصحافي بحياته، وجاء المتضامن من أبعد نقطة في العالم ليقول إن العدالة لا جنسية لها.

قاتل فيها القومي والماركسي واليساري والإسلامي، واختلفوا لاحقاً على الرؤية والسلطة وأسلوب المقاومة، لكنهم التقوا عند حقيقة أن الشعب الفلسطيني لا يمكن أن يُمحى، وأن الاحتلال مهما امتلك من قوة لا يستطيع إلغاء شعب وذاكرته وحقوقه.

وكانت الجبهة الشعبية جزءاً أساسياً من هذه التجربة. فقد جمعت بين الهوية الفلسطينية والفكر القومي والماركسي، ورفعت شعار تحرير فلسطين في إطار مشروع تحرر عربي وعالمي. وقدمت قادة ومفكرين وشهداء، من جورج حبش ووديع حداد إلى غسان كنفاني وأبو علي مصطفى، وتركت أثراً عميقاً في الثقافة السياسية الفلسطينية والعربية، سواء اتُّفق مع خياراتها وأساليبها أم اختُلف معها.

رحيل آخر شهود المرحلة

برحيل كوزو أوكاموتو، يختفي أحد آخر الشهود الأحياء على مرحلة كان فيها شاب ياباني يستطيع أن يرى في مخيم فلسطيني وطناً سياسياً له، وأن يعتبر القضية الفلسطينية امتداداً لنضالات شعبه ولثورات الشعوب البعيدة.

وقد اختارت الجبهة الشعبية في نعيها أن تسميه «أحمد الياباني»، وهو الاسم الذي عُرف به في الأوساط الفلسطينية واللبنانية. وقالت إنه «كان عضواً أصيلاً في الجسد الفلسطيني الثوري، وعنواناً للأممية الحقيقية»، وإنه ولد في اليابان وحمل روحه إلى فلسطين، ثم أنهى حياته في بيروت.

ومهما اختلفت التقييمات السياسية والأخلاقية لتجربته وللعملية التي ارتبط اسمه بها، فإن كوزو أوكاموتو سيبقى جزءاً من تاريخ القضية الفلسطينية، ومن تاريخ الجبهة الشعبية والجيش الأحمر الياباني، ومن ذاكرة مرحلة آمنت بأن الثورات لا تعترف بالجغرافيا، وأن الإنسان يمكن أن يختار القضية التي ينتمي إليها حتى لو كانت على بعد آلاف الأميال من مكان ولادته.

رحل كوزو أوكاموتو في بيروت، المدينة التي احتضنت المقاومة الفلسطينية والثقافة الثورية العربية، وشهدت الحروب والاجتياحات والاغتيالات، وبقيت رغم كل ذلك مساحةً للمنفيين والثوار والكتّاب والصحافيين والحالمين بالتغيير.

رحل «أحمد الياباني»، وبقيت قصته شاهداً على زمن كانت فلسطين فيه قادرة على جمع أشخاص من أقصى الأرض حول حلم تحريرها، وعلى مرحلة بكل بطولاتها وتضحياتها وأخطائها، لا يمكن محوها من تاريخ المنطقة والعالم.

وإذ تنعى الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين رفيقها الأممي، فإن رحيله يعيد طرح السؤال الذي رافق القضية الفلسطينية منذ النكبة: كيف استطاعت فلسطين، رغم كل ما تعرضت له، أن تصبح وطناً معنوياً لكل من رأى في حريتها جزءاً من حرية الإنسان؟

إنه سؤال سيظل حاضراً بعد رحيل أوكاموتو، ما دامت فلسطين تنتظر حريتها، وما دام شعبها يواصل المطالبة بحقوقه الوطنية، وما دام في العالم من يؤمن بأن العدالة لا تتوقف عند حدود الدول.

المجد لكل من ناضل بإخلاص من أجل حرية الشعوب، والرحمة للضحايا الأبرياء جميعاً، والحرية لفلسطين وشعبها

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

الجنس المباح لدى العلويين!

أخباركم - أخبارنا عن صفحة الفيسبوك للكاتبة السورية علا عباس لم نكن ملزمات كنساء علويات...

النبطية التي كانت المقاومة فيها تحمي الناس… لا تتركهم للعدو

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد إلى الرفاق الأحبة في النبطية، من بقي منهم في المدينة...

حين أبحث في الجريدة الشيوعية عن الشيوعية.. من بائع الصحيفة إلى ملف الـPDF!

أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد تصلني من حين إلى آخر صحف الأحزاب الشيوعية بصيغة PDF....

حين يُدفن الجلاد بطلاً: ماذا نقول لضحايا راتكو ملاديتش؟

أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد أكثر ما صدمني في مشهد جنازة راتكو ملاديتش لم...

More like this

حين أبحث في الجريدة الشيوعية عن الشيوعية.. من بائع الصحيفة إلى ملف الـPDF!

أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد تصلني من حين إلى آخر صحف الأحزاب الشيوعية بصيغة PDF....

من الأشرفية وزحلة إلى النبطية: حين لا يتوقف السلاح إلا عندما تصبح كلفته أكبر من قدرته على فرض أجندته

أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد أمام مشاهد الدمار المتسع في الجنوب اللبناني، ومع انتقال...

السلطة قادرة(إن أرادت) وقف هدايا حزب الله للعدو: تدمير كل منطقة النبطية وإلحاقها بجنوب الليطاني!

أخباركم - أخبارنا/ حنا صالحكل المسؤولية عما يجري الآن من إستكمال تدمير منطقة النبطية...