الثلاثاء, سبتمبر 8, 2026
27.4 C
Beirut

«تطور المجتمع السوري 1831–2011»… قراءة في تحولات الدولة والمجتمع في سورية الحديثة

نشرت في

أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد

يُعد كتاب «تطور المجتمع السوري 1831–2011» للباحث والكاتب السوري نشوان الأتاسي واحداً من الأعمال المهمة التي سعت إلى تقديم قراءة شاملة لتاريخ سورية الحديث، لا بوصفه سلسلة متعاقبة من الوقائع السياسية والانقلابات والحروب فحسب، بل باعتباره مساراً معقداً من التحولات الاجتماعية والاقتصادية والفكرية التي أسهمت في تشكيل الدولة السورية والمجتمع السوري بصورتهما المعاصرة.

صدر الكتاب عن دار أطلس للنشر والترجمة في بيروت عام 2015، ويغطي مرحلة تاريخية طويلة تمتد من حملة إبراهيم باشا على بلاد الشام عام 1831 إلى اندلاع الثورة السورية عام 2011. وتكمن أهميته في اتساع مادته التاريخية، وفي المنهج الذي اعتمده المؤلف، إذ جمع بين التأريخ السياسي، وعلم الاجتماع السياسي، والتحليل الاقتصادي والاجتماعي، محاولاً تفسير الأحداث وربطها بالبنى العميقة التي أنتجتها.

نشوان الأتاسي… المهندس الذي اختار التاريخ

ولد نشوان الأتاسي في مدينة حمص عام 1948، ودرس الهندسة الكهربائية في جامعة الإسكندرية، قبل أن يعمل في عدد من المشاريع الهندسية في سورية ولبنان والسعودية وألبانيا.

غير أن مسيرته المهنية لم تحصر اهتمامه في المجال الهندسي، فقد كوّن ثقافة تاريخية واسعة، واهتم بصورة خاصة بتاريخ سورية وبلاد الشام وشرق المتوسط، وقرأ التحولات التي عرفتها المنطقة من زاوية تتجاوز السرد التقليدي إلى تحليل البنية الاجتماعية والسياسية التي وقفت خلفها.

بعد انطلاق الثورة السورية، عاد الأتاسي إلى سورية، وكتب خلال تلك المرحلة تحت اسم مستعار هو «آرام الدمشقي». ويعكس هذا الخيار الظروف السياسية والأمنية التي أحاطت بالكتاب والباحثين السوريين، كما يكشف ارتباط المؤلف المباشر بالتحولات الكبرى التي شهدها بلده، لا بوصفه مؤرخاً يراقب الأحداث من بعيد، بل باعتباره سورياً عاش نتائج التاريخ الذي درسه وكتب عنه.

تاريخ المجتمع لا تاريخ الحكام وحدهم

الميزة الأساسية في هذا الكتاب أنه لا يكتب تاريخ سورية من خلال تعاقب الولاة والملوك والرؤساء والانقلابات فقط، بل يحاول أن يتابع تطور المجتمع نفسه، وتحولاته الداخلية، وعلاقة الريف بالمدينة، والطائفة بالدولة، والسلطة بالمؤسسة العسكرية، والسياسة بالاقتصاد.

فالتاريخ عند الأتاسي ليس مجرد أسماء وتواريخ ومعارك، بل حركة اجتماعية طويلة تتداخل فيها المصالح الطبقية والعصبيات المحلية والطائفية، ونشوء النخب الجديدة، وتبدل أنماط الإنتاج، وصعود الأحزاب العقائدية، وتحول الجيش من مؤسسة وطنية إلى طرف مباشر في الصراع على الحكم.

ومن هنا تأتي قيمة الكتاب، إذ يضع القارئ أمام محاولة لفهم كيفية تشكل المجتمع السوري الحديث، وكيف انتقل من بنية عثمانية تقليدية إلى دولة وطنية ناشئة، ثم إلى جمهوريات عسكرية، قبل أن ينتهي إلى نظام مركزي شديد القبضة قام على الحزب والجيش والأجهزة الأمنية.

من حملة إبراهيم باشا إلى الثورة العربية الكبرى

خصص الأتاسي الفصل الأول للمرحلة الممتدة من حملة إبراهيم باشا على بلاد الشام حتى الثورة العربية الكبرى بين عامي 1831 و1916.

ويتعامل المؤلف مع حملة إبراهيم باشا باعتبارها صدمة تاريخية ساهمت في إخراج المجتمع السوري من حالة الركود التي عاشها خلال المرحلة العثمانية المتأخرة، بسبب ما رافق الحكم المصري من تغييرات في الإدارة والتجنيد والضرائب والعلاقة بين الدولة والمجتمع.

ثم ينتقل إلى أحداث عام 1860 وما شهدته دمشق وجبل لبنان من مذابح وصدامات طائفية تركت آثاراً عميقة في بنية المجتمع وفي علاقة الجماعات الدينية بعضها ببعض.

ولا يكتفي الكتاب بوصف تلك الأحداث، بل يضعها في سياق التحولات الاقتصادية والاجتماعية والتدخلات الأجنبية والإصلاحات العثمانية، وما نتج عنها من إعادة تنظيم الإدارة، ونشوء طبقات اجتماعية جديدة، وتوسع التعليم والصحافة، وظهور الأفكار القومية والإصلاحية.

ويتابع هذا الفصل صعود جمعية الاتحاد والترقي، وانتشار فكرة القومية العربية، وتفاقم التوتر بين النخب العربية والسلطة العثمانية، وصولاً إلى الثورة العربية الكبرى خلال الحرب العالمية الأولى.

من الثورة العربية إلى الجلاء

يتناول الفصل الثاني المرحلة الممتدة من عام 1916 إلى عام 1946، وهي مرحلة تأسيسية في تاريخ سورية الحديث.

يبدأ الأتاسي بمقدمات الثورة العربية، ودخول القوات البريطانية والجيش الشريفي إلى دمشق، ثم قيام المملكة العربية السورية بقيادة الملك فيصل، وهي التجربة التي لم تستمر طويلاً وانتهت بعد معركة ميسلون ودخول القوات الفرنسية إلى دمشق.

ويعرض الكتاب مرحلة الانتداب الفرنسي وما شهدته من مقاومات وثورات، مع إضاءة خاصة على الثورة السورية الكبرى وظروفها الاجتماعية والسياسية، وعلى الدور الذي لعبته المناطق السورية المختلفة في مواجهة سلطة الانتداب.

كما يناقش مرحلة الانتقال من المقاومة المسلحة إلى النضال السياسي، وصعود الكتلة الوطنية، وتوقيع المعاهدة السورية الفرنسية عام 1936، وما عُرف بالعهد الوطني.

ويصل الفصل إلى الحرب العالمية الثانية والظروف المحلية والدولية التي مهدت لاستقلال سورية وخروج القوات الأجنبية عام 1946.

وتبرز في هذا القسم قدرة المؤلف على الربط بين النضال الوطني والتحولات الداخلية للمجتمع السوري، فلا يبدو الاستقلال مجرد نتيجة مواجهة بين قوى وطنية وسلطة أجنبية، بل حصيلة تطور طويل في الوعي السياسي والاجتماعي وفي تشكل النخب والمؤسسات.

الاستقلال بين الديمقراطية والانقلابات

يحمل الفصل الثالث عنوان «العهد الاستقلالي… بين انتدابين»، ويغطي الفترة الممتدة من عام 1946 إلى عام 1963.

ويشير العنوان ذاته إلى رؤية نقدية؛ فالأتاسي يعالج هذه المرحلة باعتبارها زمناً قصيراً من الاستقلال السياسي ظل محاصراً بتدخل الجيش وصعود الأحزاب العقائدية والتجاذبات الإقليمية.

يتناول الفصل النزعات الانفصالية في جبل الدروز وجبال العلويين، كما يناقش قضية سلمان المرشد وظروف ظهورها الاجتماعية والسياسية، ويعرض نشأة الأحزاب السورية وصراعاتها الفكرية والتنظيمية.

كما يخصص مساحة للقضية الفلسطينية وتأثيرها العميق في الحياة السياسية السورية، ولا سيما بعد حرب عام 1948 وما رافقها من اهتزاز ثقة المجتمع بالمؤسسات الحاكمة، وصعود المؤسسة العسكرية بوصفها طرفاً يطالب بحق التدخل في إدارة الدولة.

ومن هنا يبدأ عصر الانقلابات العسكرية، الذي افتتحه انقلاب حسني الزعيم عام 1949، ثم توالت الانقلابات والتحولات السياسية، في مؤشر مبكر إلى هشاشة المؤسسات الدستورية وضعف الحياة الديمقراطية.

ويتوقف الكتاب عند المرحلة الممتدة بين عامي 1955 و1958، التي شهدت قدراً من الحيوية السياسية والبرلمانية، قبل أن تنتهي بقيام الوحدة بين سورية ومصر.

غير أن الوحدة لم تؤسس نموذجاً مستقراً، إذ أدت مركزية الحكم والتضييق على الأحزاب وتراجع الحياة السياسية إلى الانفصال عام 1961، لتدخل سورية مجدداً في مرحلة من الاضطراب انتهت بانقلاب الثامن من آذار عام 1963.

البعث من الدعوة إلى المُلك

يخصص الأتاسي الفصل الرابع للمرحلة الممتدة من عام 1963 إلى عام 2011، تحت عنوان ذي دلالة مستوحى من مفاهيم ابن خلدون: «العصبية – الدعوة – المُلك. حزب البعث نموذجاً للدعوة».

ويوحي العنوان بأن المؤلف لا يرى في تجربة حزب البعث مجرد تجربة حزبية أو عقائدية، بل مساراً انتقل فيه الحزب من الدعوة الفكرية والسياسية إلى احتكار الدولة والسلطة.

يبدأ الفصل بانقلاب الثامن من آذار 1963، ثم يتناول الصراع داخل السلطة الجديدة بين البعثيين والناصريين والعسكريين، وما رافق ذلك من تصفيات وتحولات انتهت بسيطرة الجناح العسكري للحزب.

ثم يحلل الصراع داخل اللجنة العسكرية البعثية، وصولاً إلى استيلاء حافظ الأسد على الحكم عام 1970، وبداية مرحلة جديدة قامت على إعادة بناء الدولة حول شخص الرئيس، وتوسيع دور الأجهزة الأمنية، وإخضاع الحزب والمؤسسات العسكرية والإدارية لمركز واحد.

ويعرض الكتاب ملامح عهد حافظ الأسد، والعلاقة بين الدولة والمجتمع، والصدام مع المعارضة، والتحولات الاقتصادية والاجتماعية التي شهدتها سورية، وصولاً إلى الصراع مع رفعت الأسد في ثمانينيات القرن العشرين.

ويرى الأتاسي في ذلك الصراع المرحلة الأخيرة من الصراع الداخلي المباشر على السلطة، قبل أن يستقر الحكم نهائياً بيد حافظ الأسد، ويبدأ التحضير لانتقاله داخل الأسرة.

وينتهي هذا المسار بوفاة الرئيس الأب وانتقال الحكم إلى ابنه بشار الأسد، في واقعة كشفت بصورة واضحة تحول الجمهورية إلى نظام يقوم على التوريث السياسي.

ثم يتابع المؤلف سنوات حكم بشار الأسد وما شهدته من وعود بالإصلاح، وانفتاح محدود سرعان ما أُغلق، وتوسع اقتصادي لم يؤد إلى عدالة اجتماعية، بل ساهم في زيادة الفوارق وإضعاف قطاعات واسعة من المجتمع.

ويختتم الكتاب بملحق خاص بالثورة السورية التي اندلعت عام 2011، باعتبارها نتيجة تراكمات سياسية واجتماعية واقتصادية طويلة، لا حادثاً مفاجئاً أو منعزلاً عن تاريخ الدولة والمجتمع.

قوة الكتاب في منهجه

لا تكمن أهمية «تطور المجتمع السوري» في اتساع الفترة الزمنية التي يغطيها فقط، بل في الطريقة التي ينظم بها مادته ويحللها.

فالكاتب لا يفصل السياسة عن الاقتصاد، ولا الدولة عن المجتمع، ولا الطائفية عن الظروف التي أنتجتها واستخدمتها. كما لا يتعامل مع الأحزاب والانقلابات والثورات بوصفها وقائع مستقلة، بل يربطها بمراحل تطور المجتمع وبالصراعات التي دارت داخله.

يتميز الكتاب كذلك بكثافة المعلومات، وبالاعتماد على عدد كبير من المراجع والإحالات، مع الابتعاد قدر الإمكان عن الحشو والخطابة والانطباعات الشخصية.

وهذا يمنحه قيمة خاصة لدى الباحثين والطلاب والقراء الذين يريدون فهم التاريخ السوري الحديث من خلال رؤية تركيبية تجمع بين الرواية التاريخية والتحليل الاجتماعي والسياسي.

وقد رأى الباحث والأستاذ الجامعي زياد ماجد أن الكتاب مؤهل لأن يكون من المراجع الجامعية في التاريخ السوري الحديث، لما يتضمنه من مادة غنية ومنهج تحليلي يجمع بين أكثر من حقل معرفي.

كتاب لفهم الحاضر من خلال الماضي

لا يقدم نشوان الأتاسي في كتابه إجابات نهائية عن جميع الأسئلة السورية، ولا يدعي اختزال قرنين من التاريخ في تفسير واحد. لكنه يقدم أساساً جدياً للنقاش، ويساعد القارئ على فهم جذور الأزمات التي انفجرت عام 2011.

ومن أهم ما يخرج به القارئ أن أزمة سورية لم تبدأ مع الثورة، وأن النظام السياسي الذي واجه السوريين لم يظهر فجأة، بل كان نتيجة مسار طويل من ضعف المؤسسات، وتدخل الجيش في السياسة، وصعود الأحزاب العقائدية، وتغلب العصبيات على مفهوم المواطنة، وتحول الدولة تدريجياً من مؤسسة عامة إلى أداة في يد السلطة.

كما يوضح الكتاب أن المجتمع السوري لم يكن ساكناً أو متجانساً، بل عرف تحولات عميقة وصراعات بين الريف والمدينة، وبين الطبقات القديمة والجديدة، وبين النزعات المحلية والمشروع الوطني، وبين الحرية السياسية ومتطلبات الاستقرار.

إن قراءة هذا الكتاب لا تساعد على معرفة ما وقع في سورية فقط، بل تساعد أيضاً على فهم الأسباب التي جعلت الدولة عاجزة عن معالجة تناقضاتها بوسائل سياسية وسلمية.

عمل يستحق القراءة

«تطور المجتمع السوري 1831–2011» ليس كتاباً سريعاً أو عابراً، بل عمل يحتاج إلى قراءة متأنية، والعودة إلى فصوله ومراجعه أكثر من مرة.

وتزداد قيمة الكتاب لأنه كُتب بعين باحث سوري يعرف مجتمعه من الداخل، ويدرك تعقيداته، ولا يتعامل معه من خلال تصورات جاهزة أو أحكام مبسطة.

إنه كتاب يضع التاريخ السوري في سياقه الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، ويقدم للقارئ خريطة واسعة لمسار طويل بدأ مع انهيار البنية العثمانية القديمة، ومر بتجربة الاستقلال والانقلابات والوحدة والانفصال والبعث والدولة الأمنية، وانتهى عند لحظة الانفجار الكبير عام 2011.

ولهذا يستحق الكتاب أن يُقرأ، وأن يُقتنى، وأن يُهدى إلى كل من يريد أن يفهم سورية بعيداً عن الروايات المختصرة والشعارات السياسية، وأن يتعرف إلى تاريخ مجتمع عانى كثيراً، لكنه ظل قادراً على إنتاج الفكر والبحث والسؤال.

كتاب ننصح باقتنائه وقراءته وإهدائه.

#تاريخ_سورية
#نشوان_الأتاسي
#تطور_المجتمع_السور

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

الجنس المباح لدى العلويين!

أخباركم - أخبارنا عن صفحة الفيسبوك للكاتبة السورية علا عباس لم نكن ملزمات كنساء علويات...

النبطية التي كانت المقاومة فيها تحمي الناس… لا تتركهم للعدو

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد إلى الرفاق الأحبة في النبطية، من بقي منهم في المدينة...

حين أبحث في الجريدة الشيوعية عن الشيوعية.. من بائع الصحيفة إلى ملف الـPDF!

أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد تصلني من حين إلى آخر صحف الأحزاب الشيوعية بصيغة PDF....

حين يُدفن الجلاد بطلاً: ماذا نقول لضحايا راتكو ملاديتش؟

أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد أكثر ما صدمني في مشهد جنازة راتكو ملاديتش لم...

More like this

حين أبحث في الجريدة الشيوعية عن الشيوعية.. من بائع الصحيفة إلى ملف الـPDF!

أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد تصلني من حين إلى آخر صحف الأحزاب الشيوعية بصيغة PDF....

من الأشرفية وزحلة إلى النبطية: حين لا يتوقف السلاح إلا عندما تصبح كلفته أكبر من قدرته على فرض أجندته

أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد أمام مشاهد الدمار المتسع في الجنوب اللبناني، ومع انتقال...

السلطة قادرة(إن أرادت) وقف هدايا حزب الله للعدو: تدمير كل منطقة النبطية وإلحاقها بجنوب الليطاني!

أخباركم - أخبارنا/ حنا صالحكل المسؤولية عما يجري الآن من إستكمال تدمير منطقة النبطية...