السبت, أغسطس 15, 2026
25.2 C
Beirut

فلسطين كانت الشعار… أمّا القرار فكان إيرانياً

نشرت في

أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد

لم يخدعنا حزب الله يوماً بشعار فلسطين، ولم ننتظر سقوط الأقنعة المتأخر كي نكتشف حقيقة مشروعه. منذ زمن طويل، كنا قد كشفنا ألاعيبه، وفهمنا أن فلسطين في خطابه لم تكن دائماً قضيةً تقود قراره، بل رايةً يستخدمها لتبرير السلاح، وتخوين خصومه، وابتزاز اللبنانيين، ومنح مشروعه الإيراني غطاءً أخلاقياً وشعبياً.

لم نصدق أن ترسانته الضخمة خُزنت من أجل غزة، ولا أن قراره العسكري تحكمه دماء الفلسطينيين، ولا أن ما يسمى «محور المقاومة» يتحرك وفق حاجات الشعب الفلسطيني. كنا نرى أن القرار في مكان آخر، وأن فلسطين تُستدعى في الخطب، فيما تحدد إيران متى تُفتح الجبهات، ومتى تُغلق، ومن يجب أن يقاتل، ومن يجب أن يتفرج.

وكتبت في صحيفة «الجمهورية»، خلال حرب «الجرف الصامد» على قطاع غزة عام 2014:

«هذه ليست المرة الأولى التي يدير فيها سيد المقاومة وجهه عمّا يحصل في فلسطين، فقد سبق ذلك التزام نصر الله بقرار مجلس الأمن 1701، ليتفرّج مع المتفرجين على حرب الرصاص المصبوب التي شنّتها إسرائيل ضد قطاع غزة أواخر عام 2008، كما على حرب عمود السحاب عام 2012، ثم ها هو يتفرج اليوم أيضاً على حرب الجرف الصامد».

بعد مرور السنوات، لم تعد تلك الكلمات مجرد موقف كُتب تحت وقع القصف والدمار، بل تحولت إلى شهادة مبكرة على طبيعة الحزب ووظيفته الحقيقية. فقد أثبتت الوقائع أن حزب الله لم يكن يتحرك عندما تتعرض فلسطين للعدوان، بل عندما تقتضي مصالح إيران أن يتحرك.

منذ انتهاء حرب تموز عام 2006، التزم الحزب عملياً بقواعد الهدوء على الحدود الجنوبية. وبقيت الجبهة اللبنانية، رغم الخروقات والمناوشات المحدودة، بعيدة عن مواجهة شاملة لسنوات طويلة.

لم يكن الهدوء خطأ في ذاته. حماية لبنان من حرب مدمرة واجب وطني. لكن حزب الله لم يقل للبنانيين إنه اختار التهدئة، ولم يعترف بأن موازين القوى والمصلحة اللبنانية تمنعانه من فتح الحرب. استمر في تقديم سلاحه على أنه سلاح فلسطين، وفي اتهام خصومه بالتخاذل، بينما كان يطبق على الحدود سياسة شديدة الحذر عندما لا تريد إيران المواجهة.

الرصاص المصبوب: دعوة الآخرين إلى الحرب

عندما بدأت إسرائيل حرب «الرصاص المصبوب» على غزة أواخر عام 2008، خرج حسن نصر الله بخطابات نارية ضد مصر، ودعا الشعب المصري والجيش المصري إلى الضغط من أجل فتح معبر رفح، واتهم السلطات المصرية بالمشاركة في حصار غزة.

طلب من المصريين أن ينتفضوا، ومن الحكومات العربية أن تتحرك، ومن الشعوب أن تواجه أنظمتها. لكنه لم يفتح الجبهة التي كان يسيطر عليها فعلياً في جنوب لبنان.

دعا الآخرين إلى المخاطرة بدولهم وجيوشهم وحدودهم، بينما أبقى سلاحه خلف الخطوط. كان مستعداً لإشعال الشارع العربي، لكنه لم يكن مستعداً لإشعال الجبهة اللبنانية.

لو كان الدفاع عن غزة هو المعيار الحقيقي، لكان جنوب لبنان أول الجبهات التي تتحرك. لكن الحزب كان يعرف أن القرار لم يكن فلسطينياً، وأن إيران لم تكن تريد حرباً إقليمية واسعة في ذلك التوقيت.

عمود السحاب: صواريخ للتباهي لا للقتال

تكرر المشهد خلال حرب «عمود السحاب» عام 2012. تحدث نصر الله عن قدرات الفصائل الفلسطينية، وعن الصواريخ التي وصلت إلى عمق إسرائيل، وأشاد بالدعم العسكري الذي قدمته إيران.

وفي الوقت نفسه، كان يتباهى بأن حزب الله يمتلك آلاف الصواريخ القادرة على ضرب تل أبيب وإيلات وسائر الأراضي الإسرائيلية.

كانت القدرة موجودة، وكان الحزب يعترف بها علناً، لكن الصواريخ لم تُطلق.

قاتلت غزة بما تملكه من إمكانات محدودة، فيما بقيت ترسانة حزب الله محفوظة لوظيفة أخرى. وهذا وحده يكشف أن تلك الترسانة لم تكن ملكاً لفلسطين، ولم يكن الفلسطينيون أصحاب القرار في استخدامها.

كانت جزءاً من منظومة الردع الإيرانية، وأداة لحماية نفوذ طهران ومشروعها الإقليمي، وليست سلاحاً يتحرك تلقائياً كلما سقط الفلسطينيون تحت القصف.

الجرف الصامد: غزة تحترق والحزب يقاتل في سوريا

جاءت حرب «الجرف الصامد» عام 2014 لتفضح التناقض بصورة أشد قسوة. استمرت الحرب خمسين يوماً، وسقط أكثر من ألفي فلسطيني، بينهم مئات الأطفال، ودمرت أحياء كاملة.

كانت غزة تتعرض لواحدة من أعنف الحروب في تاريخها، لكن الجبهة اللبنانية بقيت هادئة.

في تلك اللحظة، لم يكن حزب الله عاجزاً عن القتال، ولم يكن منهكاً أو منزوع القدرة. كان يخوض حرباً واسعة داخل سوريا، ويرسل آلاف المقاتلين إلى القصير والقلمون وحلب ومناطق أخرى دفاعاً عن نظام بشار الأسد.

وهنا سقطت كل الأكاذيب.

الحزب الذي لم يفتح جبهة لبنان من أجل غزة، فتح جبهات سوريا من أجل بقاء النظام السوري. والحزب الذي برر صمته بالخوف على لبنان، لم يتردد في جر اللبنانيين إلى حرب خارج حدودهم، من دون قرار من الدولة، ومن دون موافقة الشعب.

لم تكن المشكلة في مبدأ التدخل خارج لبنان، ولا في الخوف من سقوط المقاتلين، ولا في الحرص على السيادة. كانت المشكلة في هوية صاحب الأمر.

عندما كانت فلسطين تحترق، اكتفى الحزب بالخطب. وعندما أصبح نظام الأسد مهدداً، قاتل بكل ثقله، لأن سقوطه كان يهدد خط الإمداد الإيراني الممتد من طهران إلى بغداد ودمشق وبيروت.

فلسطين في الخطب… وإيران في القرار

هذا لا يعني أن حزب الله لم يقدم مساعدات أو تدريباً أو خبرات لبعض الفصائل الفلسطينية. لكنه يعني أن الدعم كان محسوباً وخاضعاً لحسابات إيران، لا لحاجات الفلسطينيين.

في الحروب الثلاث، تكرر المشهد نفسه: غزة تُقصف، وحزب الله يخطب، وإيران تدين، والجبهة اللبنانية تبقى مضبوطة.

لكن عندما تعرض النظام السوري للخطر، تغير كل شيء. عبر المقاتلون الحدود، ونُقلت المعركة إلى المدن السورية، وسقط قتلى لبنانيون دفاعاً عن نظام لم يكن يدافع عن فلسطين، بل عن بقائه.

هذا النمط ليس صدفة. إنه دليل على أن الحزب لم يكن يتحرك وفق حجم المأساة الفلسطينية، بل وفق حجم الخطر على المشروع الإيراني.

السلاح الذي صمت في غزة استُخدم في بيروت

الأكثر فداحة أن السلاح الذي لم يتحرك في حروب غزة استخدم في الداخل اللبناني في السابع من أيار 2008، عندما اجتاح حزب الله وحلفاؤه أجزاء من بيروت رداً على قرارات اتخذتها الحكومة اللبنانية.

لم يمنعه الخوف على السلم الأهلي من استخدام القوة ضد اللبنانيين. ولم يمنعه احترام الدولة من فرض قراره بالسلاح.

كان السلاح سريعاً في بيروت، بطيئاً في غزة، وحاضراً بقوة في سوريا.

وهذا يلخص وظيفته الحقيقية.

السلاح لم يكن سلاح مقاومة وطنية خاضعاً للدولة، ولم يكن سلاحاً فلسطينياً خالصاً، بل كان أداة سلطة في الداخل وذراعاً عسكرية لإيران في الخارج.

من غزة إلى سوريا… ثم إلى حرب الإسناد

جاءت أحداث ما بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 لتؤكد مرة أخرى أن قرار حزب الله لم يكن فلسطينياً خالصاً، كما حاول أن يصوره. فقد أعلن دخوله ما سماه «حرب الإسناد» دعماً لغزة، لكن مجريات الأحداث كشفت أن المواجهة سرعان ما تحولت إلى جزء من الصراع الإقليمي بين إيران وإسرائيل، وأن توقيت التصعيد وحدوده ومستواه ظل مرتبطاً بحسابات طهران أكثر مما ارتبط باحتياجات الفلسطينيين على الأرض.

ثم جاء الانخراط في المواجهة المباشرة بين إيران وإسرائيل ليؤكد الصورة بصورة أوضح. فعندما أصبحت إيران نفسها في قلب الصراع، بدا الحزب جزءاً من منظومة الدفاع عن المشروع الإيراني، تماماً كما كان في سوريا من قبل. وهكذا تكتمل الحلقة التي بدأنا الحديث عنها قبل أكثر من عقد: عندما كانت غزة وحدها تحت النار في أعوام 2008 و2012 و2014 بقي الحزب متفرجاً، وعندما أصبح أمن النظام السوري أو موقع إيران الإقليمي مهدداً، حمل السلاح بلا تردد.

لهذا، فإن مراجعة مسار حزب الله منذ عام 2006 وحتى اليوم تقود إلى استنتاج واحد: فلسطين كانت الشعار الذي منح الحزب شرعيته الشعبية، أما القرار العسكري فكان يتبع أولويات المشروع الإيراني. وما بدا لكثيرين مقاومة من أجل فلسطين، كان في جوهره جزءاً من استراتيجية إقليمية أوسع، تتحرك فيها الجبهات عندما تخدم مصالح طهران، وتهدأ عندما تقتضي تلك المصالح الانتظار.

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

ماركس وباكونين: الصراع الذي شقّ الثورة إلى طريقين!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد من الأممية الأولى إلى مؤتمر لاهاي: من كان أقرب...

هالة نهرا ووجدي أبو ذياب في عملٍ إبداعيّ: من سلوفينيا إلى العالم!

أخباركم - أخبارنا تجلببتْ قصيدة «يا ضوء الأضواء» للشاعرة اللبنانية والعربية هالة نهرا، من...

اليسار الفلسطيني أمام مرآة الحقيقة: أزمة المشروع أم أزمة الاستقلال السياسي؟

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد ردّ على مقالة «اليسار الفلسطيني أمام لحظة الحقيقة.. من...

الحجّاج والسفّاح: هل يعيد التاريخ إنتاج وجهي السلطة؟

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد يصعب فهم الحجّاج بن يوسف الثقفي وأبي العباس السفّاح...

More like this

اليسار الفلسطيني أمام مرآة الحقيقة: أزمة المشروع أم أزمة الاستقلال السياسي؟

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد ردّ على مقالة «اليسار الفلسطيني أمام لحظة الحقيقة.. من...

الحجّاج والسفّاح: هل يعيد التاريخ إنتاج وجهي السلطة؟

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد يصعب فهم الحجّاج بن يوسف الثقفي وأبي العباس السفّاح...

تلازم السيادة والحل السياسي: تفكيك فخ الترتيبات الأمنية في التفاوض اللبناني!

أخباركم - أخبارنا/ أكرم محمود تقف الدولة اللبنانية عند مفترق طرق تاريخي في إدارتها لملف...