أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد
منذ فترة، يشغلني البحث في أزمة اليسار في منطقتنا: أزمة الهوية والتنظيم والعلاقة بالسلطة، والقدرة على التمييز بين التحالف المرحلي والذوبان السياسي، وبين دعم قضية وطنية وتسليم القرار لقوة لا تؤمن باستقلال اليسار ولا بحقه في التنظيم. ومن بين النماذج التي تستحق إعادة القراءة تجربة اليسار المصري وعلاقته بجمال عبد الناصر، لأنها تختصر تناقضاً ظل يتكرر في التاريخ العربي: سلطة تتبنى شعارات العدالة الاجتماعية والتحرر الوطني، لكنها تقمع القوى التي رفعت هذه الشعارات قبلها، وتمنعها من التحول إلى قوة سياسية مستقلة.
كان الرفيق عمار عبود أول من لفت انتباهي إلى تناقضات اليسار المصري في علاقته بالناصرية. ففي نقاشات طويلة جمعتنا، توقفنا عند تلك الحالة المربكة التي جعلت جزءاً من اليسار يرى في عبد الناصر مشروعاً تقدمياً، رغم أن سلطته قمعت الشيوعيين، وصادرت الحياة السياسية، ورفضت الاعتراف بأي قوة مستقلة خارج إطار الدولة التي بناها الضباط.

عمار عبود و مسعود محمد في أحد جلسات الحوار
وفي هذا السياق، كان اسم رفعت السعيد حاضراً في نقاشاتنا بوصفه أحد الوجوه التي حاولت قراءة الناصرية واليسار المصري من داخل هذا التعقيد. فقد مثّل، بكتاباته ومواقفه، نموذجاً لذلك الجدل الصعب بين نقد الإخوان، ومقاربة تجربة عبد الناصر، ومحاولة تفسير موقع اليسار المصري بين السلطة والمعارضة، بين الحلم الاجتماعي وواقع القمع السياسي.
لم أستسغ يوماً تلك الصورة الوردية التي رُسمت لعبد الناصر في الذاكرة العربية، ولا استطعت أن أراه نموذجاً تقدمياً كما أُريد لنا أن نراه. صحيح أن الرجل واجه الملكية والإقطاع والاستعمار، ورفع شعارات العدالة الاجتماعية والتحرر الوطني، وأقدم على خطوات كبرى مثل الإصلاح الزراعي والتأميم وبناء القطاع العام، لكن ذلك كله لم يكن كافياً ليحجب الوجه الآخر للتجربة: وجه السلطة المطلقة، وحكم الضباط، وإلغاء السياسة، وقمع الشركاء، وتحويل المجتمع إلى كتلة مصمتة تحت قيادة فرد وتنظيم واحد.
لم يكن عبد الناصر، في نظري، نموذجاً وطنياً تحررياً مكتمل المعنى، بل كان زعيماً حمل أحلاماً كبيرة بأدوات سلطوية خطيرة. لقد أراد تحرير الأمة، لكنه لم يحرر المجتمع من الخوف. أراد العدالة، لكنه صادر حرية التنظيم والتعبير. أراد الاشتراكية، لكنه لم يحتمل وجود الشيوعيين كقوة مستقلة. ومن هنا جاءت المفارقة القاسية في تجربته: اشتراكية بلا شيوعيين، وثورة بلا تعددية، ودولة لا تقبل شريكاً في القرار.
إن أخطر ما في الناصرية أنها فتحت الباب أمام عسكرة الدولة والمجتمع. فبدلاً من بناء حياة سياسية حديثة، قائمة على الأحزاب والنقابات الحرة والمساءلة، جرى اختزال الوطنية في الولاء للقائد، واختزال الثورة في جهاز الدولة، واختزال الدولة نفسها في مجموعة من الضباط الذين اعتقدوا أنهم يمتلكون وحدهم حق تعريف الوطن والمصلحة العامة. وهكذا تحولت مصر، وهي البلد الأكبر والأغنى بتاريخه ومجتمعه ونخبه، إلى مختبر لحكم عسكري واسع الصلاحيات، شديد المركزية، قليل المحاسبة.
وقد سمح عبد الناصر، باسم الثورة والتحرر والوحدة، لبعض المغامرين من حوله بأن يعبثوا بمصير بلد بحجم مصر. فالسلطة حين تُسلَّم إلى الضباط بلا رقابة، وحين تُدار السياسة بعقلية الأمن والمؤامرة والولاء، لا تنتج دولة قوية، بل تنتج جهازاً ضخماً من الخوف والفساد والشللية وسوء التقدير. وما هزيمة حزيران/يونيو 1967 إلا التعبير الأوضح عن هذه البنية المختلة: جيش مُسيّس، وقرار مركزي مغلق، وإعلام يبيع الوهم، ونظام لا يسمح للحقيقة بأن تصل إلى الناس إلا بعد الكارثة.
كانت الناصرية، في هذا المعنى، تناقضاً كبيراً: رفعت شعارات العدالة الاجتماعية، لكنها خنقت التنظيم السياسي الحر؛ تحدثت باسم الفقراء، لكنها أسست لسلطة مركزية لا تقبل الشريك؛ تبنت بعض لغة اليسار، لكنها حاربت اليساريين حين أرادوا أن يكونوا قوة مستقلة. ومن هنا جاء ارتباك اليسار المصري بين الانبهار بالمشروع الاجتماعي لعبد الناصر وبين العجز عن مواجهة طبيعته السلطوية.
ومع ذلك، فإن نقد عبد الناصر لا يعني إنكار أثره في لحظة عربية مضطربة، ولا تجاهل حضوره في وجدان ملايين الفقراء والمقهورين الذين رأوا فيه صوتاً ضد الاستعمار والملكية والهيمنة الأجنبية. لكنه يعني رفض تحويله إلى أسطورة فوق المساءلة. فالتاريخ لا يُقرأ بالحنين وحده، ولا بالشعارات وحدها، بل بنتائج التجربة أيضاً: ماذا بقي من الدولة؟ ماذا بقي من السياسة؟ ماذا بقي من حرية المجتمع؟ وماذا دفع الناس ثمن المغامرة حين صار الحاكم فوق النقد، وصارت السلطة لا ترى في كل مستقل إلا خطراً، وفي كل شريك إلا خصماً؟
من هنا أقرأ علاقة عبد الناصر بالشيوعيين لا بوصفها تفصيلاً هامشياً، بل بوصفها مفتاحاً لفهم جوهر النظام كله. فقد أخذ من اليسار لغته الاجتماعية، لكنه رفض اليسار كتنظيم مستقل. تبنى بعض شعارات العدالة، لكنه سحق القوى التي طالبت بها قبل وصوله إلى السلطة. أراد الاشتراكية، لا بوصفها مشروعاً ديمقراطياً لتحرير الناس، بل كأداة لبناء دولة مركزية تدور حول الزعيم وجهازه. ولذلك بقيت معادلته واضحة: اشتراكية من فوق، بلا شيوعيين، وسلطة لا تقبل الشريك.
لا يمكن فهم علاقة عبد الناصر بالشيوعيين المصريين من خلال الشعارات وحدها. فقد رفع نظامه شعارات العدالة الاجتماعية، وأصدر قوانين الإصلاح الزراعي، ووسّع القطاع العام، وأمّم المصارف والمؤسسات الكبرى، وقدم نفسه قائداً لمعركة التحرر الوطني ومقاومة الاستعمار. وكانت هذه سياسات تلتقي، في جوانب أساسية منها، مع مطالب اليسار.
لكن عبد الناصر، في الوقت نفسه، سجن الشيوعيين، وحل تنظيماتهم، ولاحق كوادرهم النقابية والفكرية، وتعرض بعضهم للتعذيب والاعتقال في السجون والمعتقلات الصحراوية. وهنا تظهر المفارقة الأساسية في الناصرية: لقد أرادت تطبيق سياسات اجتماعية نادى بها اليسار، ولكن من دون السماح لليسار بأن يكون قوة سياسية مستقلة.
كانت الناصرية، بهذا المعنى، اشتراكية من فوق، تنفذها الدولة والجيش والبيروقراطية، وليست اشتراكية من أسفل يصنعها العمال والفلاحون وتنظيماتهم المستقلة.
نظام عسكري سبق الفكر الناصري
لم تبدأ الناصرية باعتبارها نظرية سياسية متكاملة، ثم تبحث عن وسيلة للوصول إلى الحكم. حدث العكس تقريباً: استولى الضباط الأحرار على السلطة في يوليو/تموز 1952، ثم تطورت أفكار النظام وبرامجه تبعاً لصراعاته الداخلية والخارجية.
كان الهم الأول للضباط تثبيت الحكم الجديد ومنع أي قوة سياسية من منافستهم. لذلك جرى حل الأحزاب، وتقليص استقلال الصحافة والنقابات، وإبعاد محمد نجيب، وإنهاء الحياة البرلمانية التعددية، وإنشاء تنظيمات سياسية تابعة للدولة، انتهت لاحقاً إلى الاتحاد الاشتراكي العربي.[1]
لم يكن النظام مستعداً لتداول السلطة أو للاعتراف بالتعددية السياسية. وكان يعتبر نفسه ممثلاً مباشراً للشعب، فلا يرى ضرورة لوجود أحزاب مستقلة تتحدث باسم العمال أو الفلاحين أو الطبقة الوسطى. ومن هنا لم يكن الخلاف مع الشيوعيين مجرد خلاف حول الماركسية أو الدين أو العلاقة بالاتحاد السوفياتي؛ بل كان، قبل كل شيء، خلافاً على من يملك حق التنظيم والقيادة وتمثيل الجماهير.
أرادت الدولة الناصرية العمال منظمين داخل نقابات تسيطر عليها الدولة، والفلاحين داخل مؤسسات تقودها السلطة، والمثقفين داخل أجهزة الثقافة والإعلام الرسمية. أما وجود حزب شيوعي مستقل، له خلاياه وأدبياته وعلاقاته بالنقابات والطلاب، فكان يعني وجود مركز سياسي لا يخضع للقيادة العسكرية.
وهذا ما لم يكن عبد الناصر مستعداً لقبوله.
كفر الدوار: الرسالة المبكرة إلى الحركة العمالية
بعد أسابيع قليلة من استيلاء الضباط على الحكم، اندلع إضراب عمالي في مصانع كفر الدوار في أغسطس/آب 1952. تعامل النظام الجديد مع التحرك بوصفه اختباراً لهيبته، لا بوصفه نزاعاً اجتماعياً يمكن حله بالتفاوض.
أُحيل العمال إلى محكمة عسكرية، وصدر حكم بالإعدام على مصطفى خميس ومحمد البقري، ثم نُفذ الحكم. وتبين دراسات تاريخ الحركة العمالية المصرية أن الخوف من النفوذ الشيوعي، حتى عندما لم تكن الأدلة على قيادة الشيوعيين للإضراب حاسمة، أدى دوراً مهماً في تشدد السلطة.[2]
كانت الرسالة واضحة: يمكن للنظام أن يتحدث عن حقوق العمال، لكنه لن يسمح للعمال بأن يتحولوا إلى قوة سياسية مستقلة، ولن يقبل أن تفرض الحركة النقابية برنامجها عليه.
لم يكن العامل، في التصور الناصري، شريكاً سياسياً مستقلاً في صناعة الدولة، بل جزءاً من التحالف الشعبي الذي تقوده الدولة باسم الثورة.
لماذا عادى عبد الناصر الشيوعيين؟
تداخلت أسباب فكرية وسياسية وإقليمية في تشكيل عدائه لهم.
أولاً: الصراع على احتكار الثورة
رأى الشيوعيون أن التغيير الاجتماعي يحتاج إلى حزب طبقي، وتنظيم جماهيري، وصراع سياسي يقوده العمال والفلاحون. أما عبد الناصر فرأى أن الجيش، بوصفه مؤسسة وطنية منضبطة، يستطيع تنفيذ الثورة نيابة عن المجتمع.
كان الشيوعيون، على اختلاف تنظيماتهم، ينطلقون من ضرورة وجود قوة سياسية مستقلة للطبقات الشعبية. أما الناصرية فأرادت تعبئة الجماهير خلف قيادة مركزية، مع إبقاء القرار في يد الرئيس والجيش والأجهزة.
لذلك لم يكن الصراع على الإصلاح الزراعي أو التأميم فحسب، بل على سؤال أعمق: هل تقود الثورة طبقة منظمة تمتلك حزبها وبرنامجها، أم يقودها جهاز الدولة بقيادة ضابط يتمتع بشرعية وطنية وشعبية؟
اختار عبد الناصر النموذج الثاني، واعتبر كل تنظيم مستقل تهديداً لوحدة الثورة.
ثانياً: رفض الصراع الطبقي
قامت الماركسية على تفسير المجتمع من خلال تناقض المصالح بين الطبقات، وعلى الاعتراف بأن العمال وأصحاب رؤوس الأموال لا يمثلون كتلة اجتماعية متجانسة.
أما الناصرية فتبنت فكرة «تحالف قوى الشعب العامل»، أي جمع العمال والفلاحين والجنود والمثقفين والرأسمالية الوطنية داخل مشروع تقوده الدولة. وبذلك استبدلت مفهوم الصراع الطبقي بمفهوم الوحدة الوطنية والاجتماعية تحت قيادة واحدة.[3]
كان عبد الناصر يرى أن الصراع الطبقي يمكن أن يقسم المجتمع ويضعف المعركة ضد الاستعمار وإسرائيل. أما الشيوعيون فكانوا يرون أن إخفاء الصراع الطبقي لا يلغيه، بل يجعل الدولة حكماً منحازاً ومتحكماً في العمال.
كانت الناصرية تقول عملياً: لا حاجة إلى حزب مستقل للطبقة العاملة، لأن الدولة نفسها تمثل العمال والفلاحين.
لكن الدولة التي تزعم تمثيل الجميع تستطيع أيضاً إسكات الجميع.
ثالثاً: الخشية من الارتباط بمركز دولي
نظر النظام إلى الأحزاب الشيوعية باعتبارها حركات يمكن أن تتأثر بمواقف الاتحاد السوفياتي أو بالتوجهات العامة للحركة الشيوعية الدولية. وكان عبد الناصر، رغم تحالفه العسكري والاقتصادي المتزايد مع موسكو، يرفض أن يتحول هذا التحالف إلى اعتراف بحزب شيوعي مصري مستقل.
لقد أراد السلاح السوفياتي، وتمويل السد العالي، والدعم الدولي في مواجهة الغرب، لكنه لم يرد شريكاً أيديولوجياً محلياً يستطيع الاستناد إلى موسكو أو مخاطبتها من خارج الدولة.
ولهذا لم يؤد تحسن العلاقة مع الاتحاد السوفياتي إلى شرعنة الشيوعيين المصريين. كانت العلاقة بين القاهرة وموسكو علاقة دولتين ومصالح، وليست قبولاً بالتعددية الشيوعية داخل مصر.
رابعاً: الخلاف حول القومية العربية
كانت القومية العربية مركز الفكر الناصري. فالأمة، في تصور عبد الناصر، عربية، ومعركتها الأساسية ضد الاستعمار والتجزئة وإسرائيل والهيمنة الغربية.
أما الشيوعيون المصريون فلم يكونوا كتلة واحدة في موقفهم من القومية والوحدة العربية. دعم بعضهم القومية العربية واعتبر مشروع عبد الناصر تقدمياً، بينما خشي آخرون من أن تتحول الوحدة العربية إلى هيمنة سياسية مصرية، أو أن تُستخدم لإلغاء الأحزاب والحريات.
ظهر الخلاف بوضوح في تجربة الوحدة المصرية السورية عام 1958. اشترط عبد الناصر حل الأحزاب في سوريا، ولم يقبل ببقاء الحزب الشيوعي السوري أو حزب البعث بوصفهما قوتين مستقلتين. لم تكن الوحدة في نظره اتحاداً تعددياً بين نظامين وحركات سياسية، بل اندماجاً مركزياً تحت قيادة واحدة.
كما ساهم صعود الشيوعيين في العراق بعد ثورة 1958 في زيادة مخاوفه. فقد بدا نظام عبد الكريم قاسم، لبعض الوقت، منافساً إقليمياً للمشروع الناصري، وارتبطت الشيوعية في ذهن القيادة المصرية باحتمال قيام مركز عربي جديد يهدد زعامة القاهرة. وتربط دراسات عدة بين التنافس المصري العراقي وتصاعد حملة الاعتقالات ضد الشيوعيين ابتداءً من عام 1959.[4]
خامساً: الخلاف حول الديمقراطية والحريات
حتى عندما أيد الشيوعيون سياسات عبد الناصر المناهضة للاستعمار وتأميم قناة السويس والإصلاح الزراعي، ظل بعضهم يطالب بالحريات النقابية والسياسية، والإفراج عن المعتقلين، والسماح بالتنظيم الحزبي.
وكان هذا تحديداً ما لم يستطع النظام قبوله.
فالناصرية لم تكن ليبرالية سياسية. لم تؤمن بتداول السلطة، ولا بفصل حقيقي بين السلطات، ولا بحق الأحزاب في منافسة الرئيس. استندت شرعيتها إلى الإنجاز الوطني والاجتماعي، والاستفتاء الشعبي، والزعامة الكاريزمية، لا إلى التعددية المؤسسية.
كانت الحرية في النظام الناصري حرية الوطن من الاستعمار، أكثر منها حرية المواطن في مواجهة الدولة.
وهذا هو جوهر الخلاف بين عبد الناصر والقوى الديمقراطية، وبينها الشيوعيون: هل يكفي تحرير القرار الوطني إذا بقي القرار السياسي الداخلي محتَكراً؟
موجة 1959: الاشتراكية تعتقل الاشتراكيين
بلغ قمع الشيوعيين ذروته في موجة الاعتقالات التي بدأت مطلع عام 1959. اعتُقل مئات الشيوعيين والماركسيين والنقابيين والمثقفين، ونُقل كثيرون إلى معتقلات قاسية، وظل عدد منهم في السجون حتى عام 1964.[5]
استهدفت الحملة المثقفين والمنظمين السياسيين بصورة خاصة، إلى جانب بقايا النفوذ الشيوعي في الحركة العمالية. والمفارقة أن النظام اتجه بعد ذلك بوقت قصير إلى إجراءات أكثر جذرية في التأميم والتخطيط الاقتصادي، ولا سيما قرارات عام 1961 الاشتراكية.
وهكذا كان عبد الناصر يأخذ من الشيوعيين جزءاً مهماً من برنامجهم الاقتصادي، فيما يمنعهم من العمل السياسي.
أمّم من دون أن يسمح للعمال بإدارة المؤسسات.
وسّع القطاع العام من دون أن يقيم ديمقراطية عمالية.
أعلن الاشتراكية من دون حزب اشتراكي مستقل.
وأقام تنظيماً واحداً تابعاً للدولة، بدلاً من السماح بتنافس الأحزاب الاشتراكية والشيوعية والقومية.
لهذا يمكن وصف تجربته بأنها اشتراكية دولة سلطوية، لا اشتراكية ديمقراطية ولا حكماً شيوعياً.
لماذا دعمه بعض الشيوعيين رغم سجونه؟
العلاقة لم تكن عداءً بسيطاً بين طرفين متقابلين. فقد رأى قطاع من الشيوعيين أن عبد الناصر، رغم استبداده، يقود تحولاً وطنياً وتقدمياً: أنهى الوجود العسكري البريطاني، وأمم قناة السويس، وواجه العدوان الثلاثي، ودعم حركات التحرر، ونفذ الإصلاح الزراعي، وبنى قطاعاً عاماً واسعاً.
لذلك انقسم الشيوعيون بين من أعطى الأولوية للديمقراطية والاستقلال التنظيمي، ومن اعتبر التناقض مع الاستعمار هو التناقض الأساسي، ورأى ضرورة دعم عبد الناصر حتى وهو يقمعهم.
بلغ التناقض حد أن بعض المعتقلين الشيوعيين أيدوا قرارات التأميم الاشتراكية التي أصدرها النظام الذي سجنهم. ثم حلت التنظيمات الشيوعية الرئيسية نفسها عام 1965، والتحق عدد من أعضائها، بصفتهم الفردية، بالاتحاد الاشتراكي العربي أو بمؤسسات الدولة.[6]
حقق عبد الناصر بذلك انتصاراً سياسياً مزدوجاً: نفذ جانباً من برنامج اليسار، ثم ألغى حاجة النظام إلى وجود اليسار نفسه.
لكن هذا الانتصار كان له ثمن بعيد المدى. فقد أدى حل التنظيمات المستقلة واستيعاب المثقفين إلى إضعاف الحياة السياسية، وترك المجتمع بلا أحزاب قوية قادرة على مراقبة الدولة أو تصحيح أخطائها.
الخطأ الكبير: تأييد التحول الوطني أم إلغاء التنظيم الشيوعي؟
لم يكن الخطأ في الاعتراف بالطابع التقدمي لبعض سياسات عبد الناصر. فمن المشروع، وفق التحليل الماركسي نفسه، أن تؤيد حركة ثورية تأميم قناة السويس، والإصلاح الزراعي، وضرب النفوذ الاستعماري، وتوسيع القطاع العام ودعم حركات التحرر. كما أن الماركسية لا تمنع بناء تحالفات مرحلية مع قوى وطنية غير اشتراكية عندما تتقاطع المصالح في مواجهة الاستعمار أو الإقطاع أو التبعية.
لكن الخطأ الكبير بدأ عندما تحول التأييد النقدي إلى تبعية سياسية، وعندما جرى الانتقال من التعاون حول أهداف محددة إلى إلغاء الهوية الشيوعية والانضواء داخل تنظيم الدولة الناصرية.
لم يحظ قرار حل التنظيمات الشيوعية بإجماع جميع الشيوعيين، كما أعيد لاحقاً تأسيس الحزب الشيوعي المصري على أيدي كوادر رفضت ذلك المسار أو راجعته.[7]
من المنظور الماركسي، لم يكن حل الحزب مجرد تعديل تنظيمي، بل كان مساساً بجوهر فكرة الحزب السياسي المستقل. كتب ماركس وإنجلز في «البيان الشيوعي» عن «تنظيم البروليتاريين في طبقة، وبالتالي في حزب سياسي».[8] والمعنى هنا أن الطبقة لا تتحول إلى قوة تاريخية بمجرد وجود العمال عددياً، بل عندما تمتلك وعياً وتنظيماً وبرنامجاً مستقلاً.
وبذلك فإن حل الحزب الشيوعي والانضمام إلى جهاز سياسي تقوده الدولة لم يكن تطبيقاً لفكرة التحالف الطبقي، بل إلغاءً للطرف الضعيف داخل التحالف. فالتحالف السياسي يفترض وجود قوى مستقلة تتعاون من مواقعها وبرامجها المختلفة، أما ذوبان إحدى القوى في تنظيم القوة الحاكمة فلا يعود تحالفاً، بل يصبح تبعية واستيعاباً.
كان يمكن للشيوعيين أن يؤيدوا التأميم، وأن يدافعوا عن مصر في مواجهة العدوان، وأن يساندوا التحرر الوطني، مع الاحتفاظ بتنظيمهم وبرنامجهم وحقهم في نقد السلطة. لكن تحويل عبد الناصر من حليف محتمل في معركة التحرر الوطني إلى ممثل مفترض للطبقة العاملة أدى إلى خلط الدولة بالثورة، والزعيم بالطبقة، والإجراءات الاجتماعية بالاشتراكية.
هنا وقع الالتباس النظري: جرى التعامل مع ما تقوم به الدولة بدلاً من الجماهير كما لو كان بديلاً دائماً عن التنظيم السياسي للجماهير نفسها.
لقد نفذت الدولة الناصرية إصلاحات لمصلحة العمال والفلاحين، لكنها لم تسمح لهم ببناء قوة مستقلة تستطيع الدفاع عن تلك المكاسب، أو مراقبة السلطة، أو منع تراجعها مستقبلاً. ولذلك بقيت الحقوق الاجتماعية مرتبطة بإرادة النظام وموازين القوى داخله، لا بمؤسسات شعبية مستقلة تحميها.
ومن هذه الزاوية، يمكن استحضار مقولة لينين في كتاب «ما العمل؟»: «لا حركة ثورية من دون نظرية ثورية».[9] لم يكن المقصود بالنظرية مجموعة نصوص محفوظة، بل رؤية مستقلة تقود الممارسة وتحمي الحركة من الانجرار وراء العفوية أو وراء سياسات القوى الأكثر نفوذاً.
عندما تخلت أجزاء رئيسية من الحركة الشيوعية عن تنظيمها المستقل بحجة دعم المسار التقدمي للنظام، خسرت الأداة التي كان يمكن أن تمكنها من نقد هذا المسار وتصحيحه والدفاع عنه في الوقت نفسه.
فالتنظيم، في الفكر الماركسي، ليس اسماً أو مقراً يمكن التخلي عنه عندما يظهر زعيم يتمتع بشعبية، بل هو الذاكرة السياسية للطبقة، وأداة إنتاج الوعي، والوسيلة التي تحول المطالب الاقتصادية المتفرقة إلى مشروع سياسي.
ومن دون هذا التنظيم يصبح العمال مؤيدين للسلطة، لا قوة قادرة على التأثير فيها.
بين التحالف والتقاطع: عبد الناصر وسيد قطب في مواجهة الشيوعية
إن مصالح عبد الناصر وسيد قطب أي الإخوان، وأفكارهما تقاطعت، في مرحلة مبكرة، في العداء للشيوعية، وإن هذا التقاطع كان من العناصر التي سهّلت التقارب الأول بين قطب وبعض الضباط الأحرار.
كان سيد قطب مناهضاً للشيوعية قبل صدامه مع عبد الناصر. وقد قدم الإسلام بوصفه طريقاً يرفض الرأسمالية والشيوعية معاً، ويسعى إلى تأسيس نظام اجتماعي يستند إلى تصوره الإسلامي للعدالة والسيادة.[10]
أما الضباط الأحرار، فلم يكونوا حركة ماركسية، وكانوا يخشون التنظيمات الشيوعية بسبب حضورها في الحركة العمالية والطلابية، وعلاقاتها الفكرية بالحركة الشيوعية الدولية، وقدرتها على تقديم تفسير طبقي للثورة يناقض فكرة قيادة الجيش للمجتمع.
ومن هنا نشأ تقاطع موضوعي بين الطرفين:
كان قطب يرى الشيوعية عقيدة مادية تناقض تصوره الإسلامي للمجتمع.
وكان عبد الناصر يرى الحزب الشيوعي تنظيماً سياسياً مستقلاً ينافس الدولة على قيادة الثورة والجماهير.
اختلفت دوافعهما، لكنهما التقيا في رفض أن تصبح الشيوعية القوة الفكرية والسياسية المهيمنة بعد سقوط الملكية.
رحب سيد قطب والإخوان، في البداية، بحركة يوليو/تموز 1952، كما كانت لقطب صلات ببعض قادة الثورة، ووجد الطرفان أرضية مشتركة في العداء للملكية، والاستعمار البريطاني، والأحزاب التقليدية، والشيوعية. لكن هذا التقارب لم يكن اتحاداً فكرياً متيناً، بل لقاءً مؤقتاً بين مشروعين مختلفين كان كل منهما يعتقد أنه يستطيع توجيه الدولة الجديدة.[11]
أراد عبد الناصر الاستفادة من الحضور الشعبي والأخلاقي للإسلاميين في دعم شرعية الثورة، ومنعهم من التحول إلى جبهة معارضة. وفي المقابل، تصور الإخوان وقطب أن سقوط الملكية قد يفتح الطريق أمام إقامة نظام يستند إلى رؤيتهم الإسلامية.
لكن كل طرف كان يحمل تصوراً مختلفاً للدولة.
عبد الناصر أراد دولة قومية مركزية يقودها الجيش، وتحتكر فيها القيادة السياسية تحديد معنى الوطنية والاشتراكية والمصلحة العامة.
أما قطب، فتطور فكره نحو دولة تقوم شرعيتها على «الحاكمية»، وترفض أن يكون الإنسان أو الأمة أو المؤسسات الوضعية مصدراً نهائياً للتشريع والسيادة.
لذلك كان الصدام بينهما نتيجة منطقية لتنازع السلطة ومصدر الشرعية وحق إعادة تشكيل المجتمع. لم يقع لأن عبد الناصر اكتشف فجأة أن قطب متدين، ولا لأن قطب اكتشف فجأة أن عبد الناصر قومي، بل لأن الطرفين أرادا احتكار توجيه الدولة الجديدة.
مشروعان سلطويان يتنازعان المجتمع
لا يعني التشابه في بعض السمات مساواة المشروعين أخلاقياً أو تاريخياً، لكنه يسمح بفهم طبيعة الصراع بينهما.
فقد أراد عبد الناصر احتكار الدولة والسياسة باسم الأمة والثورة والتحرر الوطني. وأراد قطب إخضاع الدولة والمجتمع لتفسير عقائدي شامل للإسلام.
كان الأول يقول، عملياً، إن الدولة القومية هي التي تمثل الشعب وتعرف مصلحته.
وكان الثاني يتجه إلى القول إن الطليعة الإسلامية هي التي تدرك حقيقة الدين، وتمتلك مهمة إخراج المجتمع من «الجاهلية».
كلا المشروعين كان يشك في التعددية السياسية المستقلة. وكلاهما لم ينظر إلى الديمقراطية بوصفها حقاً للمجتمع في إنتاج خياراته وتغيير حكامه بحرية. لكنهما اختلفا في مركز السلطة: الدولة العسكرية القومية عند عبد الناصر، والعقيدة والطليعة الإسلامية عند قطب.
في البداية، التقى المشروعان ضد خصوم مشتركين، ومن بينهم الشيوعيون والليبراليون والنظام الحزبي القديم. لكن ما إن زال الخصم الملكي، وبدأ سؤال الحكم الفعلي، حتى تحول التقاطع إلى صراع وجودي.
وهنا تكمن القاعدة التي حكمت سياسة عبد الناصر تجاه الإسلاميين والشيوعيين معاً: كان مستعداً للاستفادة من أي قوة ما دامت لا تحتفظ باستقلال يسمح لها بمنافسته، لكنه لم يكن مستعداً لقبول شريك دائم في السلطة.
لم يكن عداؤه للشيوعيين تعبيراً عن تحالف مبدئي مع الإخوان، ولم يكن قمعه للإخوان تحولاً نحو الشيوعية. كان المعيار الأساسي هو استقلال التنظيم وقدرته على حشد الناس خارج سيطرة الدولة.
الناصرية بقراءة ماركسية: بونابرتية أم رأسمالية دولة؟
يصعب اختزال حكم عبد الناصر في وصف واحد جامد. فلم يكن حكماً رأسمالياً ليبرالياً تقليدياً، ولم يكن اشتراكياً ماركسياً، ولم يكن مجرد ديكتاتورية عسكرية خالية من أي مضمون اجتماعي.
لقد قاد النظام تحولات فعلية: ضرب قسماً من الملكية الزراعية الكبيرة، ووسع التعليم والتوظيف العام، وأمم قطاعات واسعة، وفتح مجال الصعود الاجتماعي أمام فئات كانت مهمشة، وواجه الاستعمار والعدوان الخارجي.
لكن هذه التحولات تمت من أعلى، بواسطة جهاز الدولة والبيروقراطية والجيش، لا عبر سيطرة العمال الديمقراطية على وسائل الإنتاج.
ولهذا يمكن وصف النظام بأنه شكل من اشتراكية الدولة القومية السلطوية، أو رأسمالية الدولة ذات التوجه الاجتماعي والتحرري، مع إدراك أن المصطلحين يعكسان اختلافاً داخل الفكر الماركسي نفسه حول طبيعة التجربة.
فملكية الدولة لوسائل الإنتاج لا تكفي، وحدها، لإثبات وجود الاشتراكية. السؤال الماركسي الحاسم ليس فقط: من يحمل سند الملكية؟ بل أيضاً: من يقرر؟ من يدير؟ من يراقب الفائض؟ وهل يستطيع العمال تنظيم أنفسهم ومحاسبة السلطة؟
في التجربة الناصرية، انتقلت ملكية مؤسسات كثيرة إلى الدولة، لكن الدولة لم تنتقل إلى سيطرة العمال. أصبحت البيروقراطية هي التي تخطط وتدير وتوزع، بينما بقي العمال تابعين لنقابات رسمية لا تتمتع بالاستقلال السياسي الكامل.[12]
وبهذا المعنى، لم يُلغ انفصال المنتجين عن القرار؛ بل تغيرت الجهة التي تدير هذا الانفصال.
يمكن أيضاً الاستفادة، بحذر، من مفهوم «البونابرتية» في التراث الماركسي، لا بوصفه تطابقاً حرفياً مع تجربة لويس بونابرت التي حللها ماركس، بل بوصفه وصفاً لحالة ترتفع فيها السلطة التنفيذية فوق الطبقات، وتقدم نفسها حكماً بينها وممثلاً للأمة كلها، بينما تحافظ في الواقع على استقلال واسع لجهاز الدولة.[13]
في الناصرية، قدمت الرئاسة نفسها باعتبارها ممثلة للعمال والفلاحين والجنود والمثقفين والرأسمالية الوطنية في آن واحد. وقد سمح ذلك للنظام بأن يعلن انتهاء الصراع الطبقي سياسياً، وأن يستبدله بفكرة «تحالف قوى الشعب العامل».
لكن إعلان التحالف من فوق لم يلغ اختلاف المصالح داخل المجتمع. لقد منع فقط التعبير السياسي المستقل عن تلك الاختلافات.
فحين تمنع الدولة العامل من بناء حزبه ونقابته المستقلة، ثم تعلن أنها تمثله، تصبح هي الخصم والحكم في الوقت نفسه.
التناقض الأساسي لا يلغي التناقضات الأخرى
أحد الأخطاء النظرية التي وقعت فيها قطاعات من الشيوعيين كان التعامل مع التناقض مع الاستعمار بوصفه تناقضاً يلغي ما عداه.
صحيح أن الاستعمار والتبعية كانا تناقضين مركزيين، وأن عبد الناصر واجههما بجدية في محطات أساسية. لكن أولوية التناقض الوطني لا تبرر تجاهل التناقض بين المجتمع والدولة السلطوية، ولا بين العمال والبيروقراطية، ولا بين التحرر الوطني وغياب الحريات.
فالتحليل الماركسي لا يحول «التناقض الأساسي» إلى عصا سحرية تمحو بقية التناقضات. بل يبحث في تفاعلها وتغيرها، وفي احتمال أن يتحول الحليف في معركة إلى خصم في معركة أخرى.
كان عبد الناصر حليفاً موضوعياً للشيوعيين في تأميم قناة السويس ومقاومة العدوان الثلاثي.
وكان خصماً لهم عندما حل أحزابهم، وسجن كوادرهم، ومنع استقلال الحركة العمالية.
ولا يوجد تناقض في الجمع بين الموقفين، لأن السياسة الماركسية لا تفترض إعطاء صك براءة شامل لأي سلطة لمجرد اتخاذها موقفاً تقدمياً في قضية محددة.
المشكلة بدأت عندما تحول تأييد الخطوات الوطنية إلى تفويض تاريخي للزعيم، وعندما أصبح نقده يعامل كما لو كان خدمة للاستعمار.
وهنا تخلى جزء من اليسار عن وظيفته النقدية، وسمح للناصرية بأن تستخدم اللغة الاشتراكية مع التخلص من الطرف القادر على مساءلتها من داخل المشروع الاجتماعي نفسه.
من استوعب من؟
اعتقد بعض الشيوعيين أنهم، بدخولهم الاتحاد الاشتراكي ومؤسسات الدولة، سيتمكنون من دفع النظام إلى اليسار والتأثير فيه من الداخل.
لكن ميزان القوى كان معاكساً تماماً. فلم يدخلوا إلى تنظيم تعددي يسمح لهم بالاحتفاظ بتيارهم وبرنامجهم، بل إلى جهاز سياسي تسيطر عليه الدولة والأجهزة الأمنية والبيروقراطية.
وهكذا لم يستوعب الشيوعيون الناصرية؛ بل استوعبتهم الناصرية.
استفادت الدولة من خبراتهم الثقافية والإدارية والفكرية، واستخدمت لغتهم ومفاهيمهم الاجتماعية، لكنها نزعت عنهم قدرتهم على الفعل المستقل.
وهذا يفسر مفارقة أن النظام استطاع أن يصبح أكثر «اشتراكية» في خطابه واقتصاده، في اللحظة نفسها التي أصبحت فيها الحركة الشيوعية أضعف تنظيماً.
لقد انتصر البرنامج جزئياً، وهُزم حاملوه سياسياً.
لكن البرنامج الذي يفقد تنظيمه المستقل يصبح ملكاً للسلطة، تستطيع تطبيق ما يناسبها منه والتراجع عنه عندما تتغير الظروف.
السوفيات بين الأممية ومصلحة الدولة
تكشف التجربة المصرية أيضاً أحد أبرز تناقضات السياسة السوفياتية خلال الحرب الباردة. فالاتحاد السوفياتي، الذي قدم نفسه بوصفه مركز الحركة الشيوعية العالمية والمدافع عن الأممية البروليتارية، استمر في بناء علاقته الاستراتيجية مع جمال عبد الناصر، رغم حملات الاعتقال الواسعة التي تعرض لها الشيوعيون المصريون، ولا سيما بين عامي 1959 و1964.
لم يؤد قمع الشيوعيين المصريين إلى قطيعة بين موسكو والقاهرة. على العكس، استمر التعاون العسكري والاقتصادي والسياسي، وتعمق في ملفات التسليح والسد العالي والمواجهة مع النفوذ الغربي. وتفيد وثائق دبلوماسية معاصرة بأن عبد الناصر كان يتوقع إمكان أن تؤثر حملته المناهضة للشيوعيين في المساعدة السوفياتية، لكن المصالح الاستراتيجية للطرفين حافظت على العلاقة.[14]
يمكن تفسير هذا الموقف بأن القيادة السوفياتية رأت في مصر الناصرية ثقلاً أساسياً في مواجهة النفوذ الغربي في الشرق الأوسط، وأن خسارة القاهرة كانت، في حساباتها، ضربة استراتيجية أكبر من خسارة استقلال الحركة الشيوعية المصرية.
هكذا تغلب منطق الدولة وموازين القوى على منطق الأممية الثورية.
لم تكن المشكلة في إقامة علاقة مع نظام وطني مناهض للاستعمار. فالدولة السوفياتية كانت قادرة على دعم مصر في معركة السويس والسد العالي والتصدي للهيمنة الغربية، وفي الوقت نفسه الدفاع بوضوح عن حق الشيوعيين المصريين في الحياة والتنظيم. لكن موسكو قبلت عملياً أن تصبح حقوق الأحزاب الشيوعية المحلية موضوعاً ثانوياً عندما تتعارض مع مصالحها الجيوسياسية.
وهنا ظهر التناقض بين الاتحاد السوفياتي بوصفه دولة مركزية كبرى، والاتحاد السوفياتي بوصفه، في خطابه، حامل مشروع أممي.
الأممية، في معناها الماركسي، لا تقوم على خضوع الأحزاب الشيوعية لمصالح دولة واحدة، بل على تضامن العمال والقوى الثورية عبر الحدود. أما عندما يصبح مركز الحركة الشيوعية دولة عظمى تحدد الأولويات وفق أمنها ونفوذها، فإن الأممية تتحول من رابطة تضامن إلى هرم سياسي تتقدم فيه حسابات المركز على استقلال الأحزاب المحلية.
وقد كان لهذا الموقف أثر يتجاوز مصر. فقد بعث رسالة إلى الشيوعيين العرب مفادها أن قربهم الأيديولوجي من موسكو لا يضمن حمايتهم إذا رأت القيادة السوفياتية أن علاقتها مع نظام قومي حاكم أكثر فائدة.
بهذا المعنى، لم يكن غض النظر السوفياتي عن القمع خطأ أخلاقياً وسياسياً فحسب، بل كان خطأ استراتيجياً أيضاً. فقد أضعف القوى التي كان يمكن أن تكون الحامل الاجتماعي والفكري الأكثر ثباتاً لعلاقة طويلة المدى مع الاتحاد السوفياتي، وربط النفوذ السوفياتي بشخص الزعيم وأجهزة الدولة بدلاً من ربطه بحركة اجتماعية مستقلة.
وعندما يتغير الحاكم أو تتبدل خيارات الدولة، كما حدث لاحقاً في عهد أنور السادات، يصبح التحالف الذي بني من فوق قابلاً للانهيار بسرعة، لأن القاعدة السياسية المستقلة التي كان يمكن أن تدافع عنه أُضعفت أو أُلغيت.
لقد ساعد الاتحاد السوفياتي الدولة الناصرية على بناء قدراتها، لكنه لم يساعد الشيوعيين المصريين على الحفاظ على استقلالهم. وربما شجعهم خطابه عن «الطريق غير الرأسمالي للتطور» والتحالف مع البرجوازيات الوطنية على المبالغة في تقدير قدرة النظام الناصري على التحول تدريجياً إلى الاشتراكية، وعلى التقليل من خطورة حل الحزب والاندماج في جهاز الدولة.[15]
هنا تتقاطع مسؤولية موسكو مع مسؤولية القيادات الشيوعية المحلية. فالسوفيات فضلوا مصالح دولتهم، وبعض الشيوعيين المصريين قبلوا قراءة تعتبر السلطة الناصرية بديلاً مؤقتاً، ثم دائماً، عن التنظيم الطبقي المستقل.
كان هذا خطأ تاريخياً مزدوجاً: دولة تدعو إلى الأممية وتتخلى عن رفاقها لمصلحة الجغرافيا السياسية، وحركة شيوعية تقبل بالتخلي عن استقلالها أملاً في أن تقوم الدولة القومية بالمهمة التي يفترض أن ينهض بها الحزب والمجتمع.
طبيعة الحكم الناصري فكرياً وسياسياً
جمع النظام الناصري بين عناصر متناقضة:
كان تحررياً في مواجهة الاستعمار، لكنه سلطوياً في الداخل.
كان اجتماعياً في توزيع جانب من الثروة، لكنه منع التنظيم المستقل للطبقات المستفيدة.
كان جمهورياً، لكنه بنى رئاسة شديدة المركزية.
كان علمانياً بالمعنى السياسي النسبي، لكنه استخدم الدين في خطاب الشرعية وأبقى المؤسسة الدينية تحت إشراف الدولة.
كان متحالفاً مع الاتحاد السوفياتي، لكنه معادياً للحزب الشيوعي المحلي.
كان شعبياً، لكنه لم يسمح للشعب بأن يغير الحاكم أو ينظم نفسه بحرية.
كانت شرعية عبد الناصر تستند إلى ثلاثة أعمدة: التحرر الوطني، والعدالة الاجتماعية، والزعامة الشخصية. وقد منحته هذه الأعمدة شعبية حقيقية لا يمكن إنكارها. لكن النظام لم يحول هذه الشعبية إلى مؤسسات ديمقراطية دائمة، بل حولها إلى تفويض مفتوح للرئيس.
وكان الاتحاد الاشتراكي العربي تنظيماً للدولة أكثر منه حزباً حقيقياً ينبع من المجتمع. لم تكن وظيفته مراقبة السلطة، بل حشد المجتمع خلفها.
الإنجاز لا يلغي الاستبداد
من الظلم التاريخي إنكار إنجازات عبد الناصر الوطنية والاجتماعية. فقد غير البنية الاجتماعية لمصر، وواجه الاستعمار، وأمم قناة السويس، ووسع التعليم، ودعم حركات التحرر العربية والأفريقية، ومنح قطاعات واسعة من الفقراء والطبقة الوسطى شعوراً بالكرامة والاندماج في الدولة.
لكن من الخطأ أيضاً استخدام هذه الإنجازات لتبرير السجون والتعذيب وإلغاء الأحزاب وإخضاع الصحافة والنقابات.
فالمشروع الذي يعد بتحرير الأمة، ثم يمنع مواطنيها من تنظيم أنفسهم، يبني دولة قوية في الظاهر وهشة في العمق. وعندما تعتمد الدولة على الزعيم أكثر مما تعتمد على المؤسسات، تصبح الهزيمة العسكرية أو غياب القائد أزمة للنظام كله.
وقد كشفت هزيمة يونيو/حزيران 1967 نتائج غياب الرقابة والمحاسبة واستقلال المؤسسات. لم تكن الهزيمة نتيجة المؤامرة الخارجية وحدها، بل أيضاً نتيجة بنية حكم تركز القرار، وتمنع النقد، وتخلط الولاء بالكفاءة، وتحول الأجهزة إلى حارسة لصورة النظام بدلاً من حماية الدولة.
الخاتمة: الاستقلال التنظيمي شرط للتحالف لا عائق أمامه
لم يكن خطأ الشيوعيين أنهم رأوا في عبد الناصر قائداً وطنياً حقق إنجازات فعلية، ولا أنهم وقفوا معه في مواجهة الاستعمار والعدوان.
كان الخطأ أن بعضهم خلط بين دعم الخطوة ودعم النظام كله، وبين التحالف المرحلي وإلغاء الذات، وبين الاعتراف بالدور التقدمي لعبد الناصر والتنازل له عن حق تمثيل العمال واليسار والتاريخ.
فالتحالف الحقيقي لا يحتاج إلى إلغاء الهوية، بل يفترض وجودها.
ولا يستطيع الحزب أن يتحالف إذا لم يعد موجوداً، ولا يستطيع أن ينتقد إذا أصبح جزءاً من جهاز من يريد نقده، ولا يستطيع تمثيل طبقته إذا تنازل عن استقلاله لمصلحة سلطة تدعي تمثيل جميع الطبقات.
وفي المقابل، لم يكن عبد الناصر وسيد قطب حليفين ثابتين في حرب منظمة على الشيوعيين، لكنهما التقيا، في لحظة تاريخية محددة، عند رفض الشيوعية ومقاومة توسعها.
التقى قطب وعبد الناصر ضد خصم مشترك، ثم اصطدما عندما ظهر أن كلاً منهما يريد احتكار توجيه الدولة والمجتمع.
كما أن الاتحاد السوفياتي، الذي رفع راية الأممية، قدم في لحظة حاسمة مصالح الدولة السوفياتية على استقلال الشيوعيين المصريين، فساهم في تحويل الحركة الشيوعية المحلية إلى ورقة ثانوية داخل علاقته بسلطة قومية مركزية.
وهكذا تكشف التجربة أن المشكلة لم تكن في الشيوعية وحدها، ولا في الإسلام السياسي وحده، بل في بنية حكم لم تكن تقبل السياسة إلا عندما تصدر عن الدولة، وفي ثقافة يسارية لم تنجح دائماً في حماية الحد الفاصل بين التحالف والذوبان.
لقد أراد عبد الناصر تعبئة شعبية واسعة، لكنه لم يرد مجتمعاً سياسياً مستقلاً.
أراد العمال، لكنه لم يرد حزب العمال.
أراد الاشتراكية، لكنه لم يرد الشيوعيين.
أراد الإسلام جزءاً من شرعية الدولة، لكنه لم يرد حركة إسلامية تنازعه الشرعية.
وأراد السوفيات مصر حليفاً، لكنهم لم يجعلوا حرية الشيوعيين المصريين شرطاً لهذا التحالف.
هذه ليست تناقضات عابرة، بل هي المدخل الأعمق لفهم الناصرية وأزمة اليسار المصري معاً: مشروع تحرر وطني وعدالة اجتماعية، قاده نظام مركزي سلطوي اعتقد أن الدولة تستطيع أن تحل محل المجتمع، وأن الزعيم يستطيع أن يحل محل التنظيم، وأن الشعبية تستطيع أن تحل محل الديمقراطية.
لكن السؤال الذي ينبغي أن يبقى مفتوحاً هو: هل تعلم اليسار العربي من هذه التجربة؟ وهل أصبح قادراً على بناء تحالفات وطنية من دون التخلي عن هويته وتنظيمه واستقلاله النقدي؟ أم أننا ما زلنا، بأسماء جديدة، نكرر الخطأ نفسه: نبحث عن زعيم ينفذ بعض برنامجنا، ثم نكتشف بعد فوات الأوان أننا سلمناه الحزب والطبقة والمجتمع والتاريخ؟
المراجع
[1] Panayiotis J. Vatikiotis, Nasser and His Generation, London: Croom Helm, 1978؛ & Joel Gordon, Nasser’s Blessed Movement: Egypt’s Free Officers and the July Revolution, New York: Oxford University Press, 1992.
[2] Joel Beinin and Zachary Lockman, Workers on the Nile: Nationalism, Communism, Islam, and the Egyptian Working Class, 1882-1954, Princeton: Princeton University Press, 1987؛ &Marsha Pripstein Posusney, Labor and the State in Egypt: Workers, Unions, and Economic Restructuring, New York: Columbia University Press, 1997.
[3] الجمهورية العربية المتحدة، الميثاق الوطني، القاهرة، 1962؛ & Shahrough Akhavi, “Egypt’s Socialism and Marxist Thought: Some Preliminary Observations on Social Theory and Metaphysics,” Comparative Studies in Society and History, Vol. 17, No. 2, 1975.
[4] David A. Ide, Egyptian Marxists and the Nasserist State, 1952-1965, MA Thesis, University of Toledo, 2015.
[5] Selma Botman, The Rise of Egyptian Communism, 1939-1970, Syracuse: Syracuse University Press, 1988؛ & David A. Ide, “The Repression of Communist Workers in Egypt, 1952-1965,” Workers of the World, Vol. 1, No. 7, 2015.
[6] Tareq Ismael and Rifa’at El-Sa’id, The Communist Movement in Egypt, 1920-1988, Syracuse: Syracuse University Press, 1990؛ & Selma Botman, The Rise of Egyptian Communism, 1939-1970.
[7] Egyptian Communist Party, “The Elimination of All Voices Opposing the Treaty,” MERIP Reports, No. 82, 1979؛ & Tareq Ismael and Rifa’at El-Sa’id, The Communist Movement in Egypt, 1920-1988.
[8] Karl Marx and Friedrich Engels, Manifesto of the Communist Party, 1848.
[9] V. I. Lenin, What Is to Be Done? Burning Questions of Our Movement, 1902.
[10] Sayyid Qutb, Social Justice in Islam, first Arabic edition, 1949؛ وJohn Calvert, Sayyid Qutb and the Origins of Radical Islamism, New York: Columbia University Press, 2010.
[11] Richard P. Mitchell, The Society of the Muslim Brothers, London: Oxford University Press, 1969؛& John Calvert, Sayyid Qutb and the Origins of Radical Islamism.
[12] John Waterbury, The Egypt of Nasser and Sadat: The Political Economy of Two Regimes, Princeton: Princeton University Press, 1983؛ & Marsha Pripstein Posusney, Labor and the State in Egypt.
[13] Karl Marx, The Eighteenth Brumaire of Louis Bonaparte, 1852؛ وللاستخدام المقارن لمفهوم استقلال الدولة والسلطة التنفيذية انظر: Anouar Abdel-Malek, Egypt: Military Society, New York: Random House, 1968.
[14] United States Department of State, Foreign Relations of the United States, 1958-1960, Volume XIII: Arab-Israeli Dispute; United Arab Republic; North Africa, Washington, D.C.: U.S. Government Printing Office؛ &Karen Dawisha, Soviet Foreign Policy Towards Egypt, London: Macmillan, 1979.
[15] Galia Golan, Soviet Policies in the Middle East: From World War Two to Gorbachev, Cambridge: Cambridge University Press, 1990؛ & Yaacov Ro’i, From Encroachment to Involvement: A Documentary Study of Soviet Policy in the Middle East, 1945-1973, Jerusalem: Israel Universities Press, 1974.



