السبت, أغسطس 15, 2026
25.2 C
Beirut

جيش التحرير الشعبي الصيني في ذكرى تأسيسه .. من انتفاضة نانتشانغ إلى بناء قوة عسكرية ذات وزن عالمي!

نشرت في

أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد

في الأول من آب/أغسطس من كل عام، تحيي جمهورية الصين الشعبية ذكرى تأسيس جيش التحرير الشعبي الصيني، الذي ترجع بدايته الرسمية إلى انتفاضة نانتشانغ عام 1927. وتحل في الأول من آب/أغسطس 2026 الذكرى التاسعة والتسعون لتأسيسه، قبل عام واحد من إكمال قرن كامل على ولادته.

خلال هذه المسيرة، انتقل الجيش الصيني من قوة ثورية محدودة العدد، نشأت في ظروف الحرب الأهلية والانقسام السياسي والتدخلات الأجنبية، إلى مؤسسة عسكرية ضخمة متعددة الأفرع، تمتلك قوات برية وبحرية وجوية وصاروخية، إلى جانب قدرات متقدمة في مجالات الفضاء والمعلومات والحرب الإلكترونية والأمن السيبراني.

ولا يمكن فهم تاريخ هذا الجيش بمعزل عن تاريخ الصين الحديثة. فقد شارك في الحرب الأهلية، وفي مقاومة الاحتلال الياباني، وأسهم في انتصار الحزب الشيوعي وإعلان جمهورية الصين الشعبية عام 1949، ثم تولى حماية الدولة الجديدة وحدودها ونظامها السياسي. ومع صعود الصين اقتصادياً وتكنولوجياً، أصبح تحديث الجيش جزءاً أساسياً من مشروع تعزيز مكانة البلاد في النظام الدولي.

انتفاضة نانتشانغ: البداية العسكرية عام 1927

يرتبط التاريخ الرسمي لتأسيس جيش التحرير الشعبي بانتفاضة نانتشانغ التي اندلعت في الأول من آب/أغسطس 1927، عندما قادت شخصيات ووحدات عسكرية مرتبطة بالحزب الشيوعي الصيني تمرداً ضد سلطة حزب الكومينتانغ.

جاءت الانتفاضة بعد انهيار التعاون بين الحزب الشيوعي وحزب الكومينتانغ، وبعد الحملة التي تعرض لها الشيوعيون وحلفاؤهم داخل المدن الصينية. وشارك في انتفاضة نانتشانغ، وفق الرواية الرسمية الصينية، نحو عشرين ألف مقاتل.[1]

لم تتمكن القوات المتمردة من الاحتفاظ بالمدينة طويلاً، واضطرت إلى الانسحاب تحت ضغط قوات الكومينتانغ. ومع ذلك، لم تُقاس أهمية الانتفاضة بنتيجتها العسكرية المباشرة، بل بكونها دشنت انتقال الحزب الشيوعي إلى بناء قوة مسلحة منظمة تخضع لقيادته.

ولهذا أصبح الأول من آب عيداً رسمياً لجيش التحرير الشعبي، كما أصبح الرقمان «8-1» رمزاً يظهر على علم الجيش وشاراته ومعداته العسكرية، في إشارة إلى اليوم الأول من الشهر الثامن عام 1927.

من الجيش الأحمر إلى المسيرة الطويلة

لم تحمل القوات الشيوعية في سنواتها الأولى اسم جيش التحرير الشعبي. فقد ظهرت تسميات مختلفة، أبرزها «الجيش الأحمر للعمال والفلاحين الصينيين»، الذي عمل على بناء قواعد عسكرية وسياسية في المناطق الريفية.

خاض الجيش الأحمر خلال أواخر عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين معارك متكررة ضد قوات الكومينتانغ. واعتمد الشيوعيون على حرب العصابات، والحركة السريعة، والتعبئة السياسية للفلاحين، وإقامة مناطق نفوذ بعيدة نسبياً عن سيطرة الحكومة المركزية.

وفي عام 1934، بدأت القوات الشيوعية انسحاباً عسكرياً واسعاً عُرف باسم «المسيرة الطويلة»، نتيجة الحصار والهجمات التي فرضتها قوات الكومينتانغ على القواعد الشيوعية. واستمرت المسيرة حتى عام 1935، وقطعت خلالها القوات مسافات شاسعة في ظروف جغرافية ومناخية وعسكرية شديدة القسوة.[2]

تكبد الشيوعيون خسائر بشرية كبيرة، لكن المسيرة تحولت لاحقاً إلى إحدى أهم المحطات في الذاكرة السياسية والعسكرية للحزب. كما أسهمت في تعزيز موقع ماو تسي تونغ داخل القيادة، وفي تشكيل ثقافة عسكرية تقوم على الصبر والمرونة والانضباط والقدرة على العمل في ظروف صعبة.

مقاومة الاحتلال الياباني وتوسيع القاعدة الشعبية

بعد اتساع الحرب اليابانية ضد الصين عام 1937، تشكلت جبهة تعاون جديدة بين الشيوعيين والكومينتانغ لمواجهة الاحتلال. وأُعيد تنظيم قسم من القوات الشيوعية تحت اسم «جيش الطريق الثامن»، فيما عُرف قسم آخر باسم «الجيش الرابع الجديد».

احتفظ الحزب الشيوعي بقيادته السياسية والتنظيمية لهذه القوات، رغم دخولها رسمياً ضمن الجبهة العسكرية المشتركة ضد اليابان.

تركز نشاط القوات الشيوعية بصورة أساسية في المناطق الريفية وخلف خطوط القوات اليابانية. واعتمدت على الكمائن، وقطع خطوط الإمداد، والهجمات المحدودة، وتأسيس قواعد مقاومة، وتوسيع التنظيم السياسي والاجتماعي بين السكان.

ساعدت سنوات الحرب ضد اليابان الحزب الشيوعي على توسيع نفوذه الشعبي والعسكري. وعندما انتهت الحرب العالمية الثانية بهزيمة اليابان عام 1945، كان الشيوعيون قد أصبحوا قوة أكثر تنظيماً وانتشاراً مما كانوا عليه قبل الحرب.[2]

الحرب الأهلية وإعلان جمهورية الصين الشعبية

بعد استسلام اليابان، تجددت الحرب الأهلية بين الشيوعيين وحكومة الكومينتانغ. وفي هذه المرحلة ترسخ اسم «جيش التحرير الشعبي» للقوات التي قادها الحزب الشيوعي.

خاض الجيش معارك واسعة للسيطرة على المدن والسكك الحديدية ومراكز النقل والمناطق الصناعية. وتمكن خلال السنوات الممتدة بين 1946 و1949 من الانتقال من حرب العصابات إلى العمليات التقليدية الكبرى، مستفيداً من التنظيم والتعبئة الشعبية وتراجع قدرة حكومة الكومينتانغ على المحافظة على نفوذها.

انتهت الحرب بسيطرة الشيوعيين على القسم الأكبر من الأراضي الصينية، وانتقال حكومة الكومينتانغ إلى تايوان. وفي الأول من تشرين الأول/أكتوبر 1949، أعلن ماو تسي تونغ من بكين قيام جمهورية الصين الشعبية.

منذ ذلك اليوم، لم يعد جيش التحرير الشعبي قوة تقاتل من أجل الوصول إلى السلطة، بل أصبح القوة العسكرية الرئيسية للدولة الجديدة، مع استمرار خضوعه لقيادة الحزب الشيوعي الصيني.

العلاقة بين الجيش والحزب والدولة

تختلف البنية العسكرية الصينية عن النموذج المعتمد في دول كثيرة، حيث تنص العقيدة الرسمية على القيادة المطلقة للحزب الشيوعي للقوات المسلحة.

تتولى اللجنة العسكرية المركزية القيادة العليا للجيش. ويشغل الأمين العام للحزب الشيوعي عادة منصب رئيس اللجنة، ما يربط القيادة السياسية والعسكرية في قمة واحدة.

ولا يُقدَّم الجيش في الخطاب الرسمي باعتباره مؤسسة محايدة منفصلة عن النظام السياسي، بل باعتباره جيشاً للشعب تحت قيادة الحزب. ويُعد الحفاظ على قيادة الحزب والنظام الاشتراكي من المهام المعلنة للقوات المسلحة، إلى جانب حماية سيادة الدولة وأمنها ووحدة أراضيها.[3]

وقد رافق الضباط السياسيون الوحدات العسكرية منذ مراحل مبكرة، وتولوا مسؤوليات تتعلق بالتثقيف والانضباط وضمان الولاء السياسي. ولا يزال العمل السياسي والتنظيم الحزبي جزءاً مؤسسياً من بنية الجيش الصيني.

الحرب الكورية: أول اختبار خارجي كبير

بعد عام واحد تقريباً من تأسيس الجمهورية الشعبية، واجهت الصين أول اختبار عسكري خارجي واسع خلال الحرب الكورية.

في تشرين الأول/أكتوبر 1950، دخلت قوات صينية الحرب تحت اسم «متطوعي الشعب الصيني» إلى جانب كوريا الشمالية، بعد اقتراب قوات الأمم المتحدة بقيادة الولايات المتحدة من الحدود الصينية.

خاضت القوات الصينية معارك مباشرة وقاسية مع القوات الأميركية وحلفائها. وتمكنت من دفعها بعيداً عن أجزاء من الحدود الصينية، قبل أن تستقر الجبهة قرب خط العرض الثامن والثلاثين. وانتهت الحرب باتفاق الهدنة عام 1953 من دون توقيع معاهدة سلام نهائية.

أظهرت الحرب قدرة الصين على حشد أعداد كبيرة من القوات وخوض حرب طويلة، لكنها كشفت في الوقت نفسه ضعف التسليح والغطاء الجوي والاتصالات والإمداد مقارنة بالقوات الأميركية.

أثرت تجربة الحرب الكورية بعمق في العقيدة الدفاعية الصينية، ورسخت أهمية منع القوات المعادية من الاقتراب من حدود البلاد، كما دفعت بكين إلى الاهتمام ببناء صناعة عسكرية وطنية وتحسين قدراتها الدفاعية.

بناء الصناعة العسكرية والردع النووي

اعتمدت الصين خلال السنوات الأولى على دعم الاتحاد السوفياتي في مجالات التدريب والتسليح ونقل الخبرات الصناعية والتكنولوجية. وأسهم التعاون في تأسيس مصانع ومنشآت عسكرية وتطوير القوات الجوية والمدفعية والمدرعات.

لكن العلاقات بين البلدين تدهورت تدريجياً في أواخر خمسينيات وستينيات القرن العشرين، وانسحب الخبراء السوفيات من الصين. دفع ذلك بكين إلى زيادة الاعتماد على قدراتها الذاتية في التصنيع والبحث العلمي.

في 16 تشرين الأول/أكتوبر 1964، أجرت الصين أول تجربة ناجحة لسلاح نووي. وفي عام 1967 أجرت أول تجربة لقنبلة هيدروجينية. كما طورت لاحقاً صواريخ باليستية قادرة على حمل رؤوس نووية.

أدى امتلاك السلاح النووي إلى تغيير موقع الصين الاستراتيجي، ومنحها قدرة على ردع التهديدات النووية من القوى الكبرى. وأعلنت بكين منذ تجربتها الأولى سياسة عدم البدء باستخدام الأسلحة النووية، مؤكدة أن ترسانتها مخصصة للردع والدفاع الذاتي.[3]

حرب عام 1979 وحدود الجيش التقليدي

خاضت الصين في شباط/فبراير 1979 حرباً حدودية مع فيتنام. ودخلت القوات الصينية شمال فيتنام، قبل أن تعلن بكين انتهاء العملية وتسحب قواتها بعد أسابيع.

أظهرت الحرب مشكلات في التدريب والاتصالات والقيادة والتنسيق والدعم اللوجستي. كما بينت أن ضخامة القوات لا تكفي وحدها لتحقيق التفوق السريع في ساحة معركة حديثة.

أصبحت هذه الحرب من العوامل التي دفعت القيادة الصينية إلى مراجعة نموذج الجيش القائم على الكثافة العددية والمشاة، وإلى الاهتمام بتحسين الاحتراف والتسليح والقيادة المشتركة.

ومع بدء سياسة الإصلاح والانفتاح التي قادها دنغ شياو بينغ منذ أواخر سبعينيات القرن العشرين، بدأت عملية طويلة لتقليص أعداد الجيش وتحويل الموارد نحو تحديث المعدات وتطوير الاقتصاد الوطني.

من «حرب الشعب» إلى الحرب المعلوماتية

قامت العقيدة العسكرية الصينية التقليدية على مفهوم «حرب الشعب»، الذي يفترض مواجهة العدو من خلال تعبئة أعداد كبيرة من السكان والقوات، والاستفادة من اتساع الأراضي الصينية، واستدراج الخصم إلى حرب طويلة تستنزف قدراته.

لكن التطور التكنولوجي وتغير طبيعة الحروب دفعا الصين إلى تعديل هذا المفهوم. وشكلت حرب الخليج عام 1991 محطة مهمة في التفكير العسكري الصيني، بعدما أظهرت القدرة الأميركية على استخدام الطيران والذخائر الدقيقة والأقمار الصناعية وأنظمة القيادة والاتصالات لتدمير قوات تقليدية كبيرة خلال مدة قصيرة.

خلص المخططون العسكريون الصينيون إلى أن الحروب الحديثة تعتمد على جمع المعلومات والسيطرة عليها، والقيادة المشتركة، والاستطلاع الفضائي، والضربات الدقيقة، والحرب الإلكترونية، أكثر من اعتمادها على التفوق العددي وحده.

تبنت الصين مفهوم الاستعداد لخوض «حروب محلية في ظروف معلوماتية»، ثم بدأت لاحقاً بالحديث عن «الحرب الذكية» التي يزداد فيها دور الذكاء الاصطناعي والأنظمة غير المأهولة والبيانات والشبكات الرقمية.[4]

استراتيجية «الدفاع النشط»

تصف الصين سياستها العسكرية بأنها دفاعية، وتستخدم مفهوم «الدفاع النشط» لتفسير عقيدتها العملياتية.

يقوم هذا المفهوم على أن الصين لا تبدأ حرباً عدوانية، لكنها تحتفظ بالقدرة على الرد والهجوم المضاد عندما ترى أن سيادتها أو أمنها أو مصالحها الأساسية تعرضت للتهديد.

ولا يعني الدفاع النشط انتظار وصول القوات المعادية إلى الأراضي الصينية. فقد يشمل تنفيذ ضربات أو عمليات استباقية على المستوى العسكري بعد أن تعتبر القيادة أن الخصم بدأ التهديد أو الهجوم على المستوى الاستراتيجي.

تربط العقيدة الرسمية استخدام القوة بأهداف حماية السيادة والوحدة الوطنية وسلامة الأراضي وتأمين التنمية الاقتصادية والمصالح الخارجية.[3][4]

إعادة هيكلة الجيش وتطوير القيادة المشتركة

بدأت الصين منذ نهاية عام 2015 واحدة من أوسع عمليات إعادة تنظيم القوات المسلحة في تاريخها الحديث.

استهدفت الإصلاحات تقليص هيمنة القوات البرية، وتحسين التنسيق بين مختلف الأفرع، ومكافحة الفساد، وتطوير نظام قيادة قادر على إدارة العمليات المشتركة.

جرى استبدال المناطق العسكرية السبع السابقة بخمس قيادات لمسارح العمليات: الشرقية، والجنوبية، والغربية، والشمالية، والوسطى. وأصبحت كل قيادة مسؤولة عن اتجاه استراتيجي محدد وعن تنسيق القوات البرية والبحرية والجوية وغيرها ضمن نطاقها.[5]

كما أُعيد تنظيم الأجهزة التابعة للجنة العسكرية المركزية، وجرت عملية تقليص للقوات، مع زيادة الاستثمار في البحرية والقوات الجوية والقوة الصاروخية والقدرات الفضائية والمعلوماتية والسيبرانية.

لم يكن الهدف من الإصلاح مجرد تغيير الأسماء والهياكل، بل تحويل الجيش من مؤسسة كبيرة وثقيلة تهيمن عليها القوات البرية إلى قوة أكثر مرونة وقدرة على تنفيذ عمليات مشتركة دقيقة وسريعة.

القوات البرية: حماية الحدود والانتقال إلى الألوية المرنة

كانت القوات البرية تاريخياً الفرع الأكبر في الجيش الصيني، بسبب اتساع حدود الصين البرية وتجربتها الطويلة في الحروب الداخلية والبرية.

تتولى القوات البرية حماية الحدود، والاستعداد للنزاعات البرية، ودعم عمليات الدفاع الساحلي والجوي، والمشاركة في مواجهة الكوارث والطوارئ.

شهدت هذه القوات عمليات تقليص وإعادة تنظيم، وانتقلت بصورة متزايدة من تشكيلات الفرق التقليدية الكبيرة إلى نظام الألوية الأكثر مرونة.

جرى تطوير الدبابات والعربات المدرعة والمدفعية بعيدة المدى وأنظمة الدفاع الجوي والمروحيات الهجومية ووسائل النقل والاستطلاع والقيادة الرقمية. كما زاد الاهتمام بقدرة الوحدات على التحرك السريع والعمل ضمن عمليات مشتركة مع القوات الجوية والصاروخية.

ورغم تراجع هيمنة القوات البرية داخل المؤسسة، فإنها لا تزال تشكل قوة رئيسية بالنظر إلى طول حدود الصين مع أربع عشرة دولة، وإلى التحديات الأمنية والجغرافية المتنوعة التي تواجهها.

البحرية: من الدفاع الساحلي إلى البحار البعيدة

شهدت بحرية جيش التحرير الشعبي واحداً من أسرع برامج التحديث داخل القوات المسلحة الصينية.

كانت البحرية خلال عقودها الأولى تركز على حماية السواحل والموانئ، لكنها تحولت تدريجياً إلى قوة قادرة على تنفيذ عمليات في البحار القريبة والبعيدة.

تمتلك الصين حاملات طائرات ومدمرات وفرقاطات وسفن إنزال وسفن إمداد، إضافة إلى غواصات تقليدية وغواصات تعمل بالطاقة النووية، بعضها مخصص لحمل الصواريخ الباليستية النووية.

كما طورت البحرية قدراتها في مجالات الدفاع الجوي، ومكافحة السفن والغواصات، والطيران البحري، والإنزال البرمائي، وحماية طرق التجارة.

يرتبط هذا التوسع باعتماد الصين على التجارة البحرية واستيراد الطاقة والمواد الخام عبر طرق طويلة، كما يرتبط بمطالبها الإقليمية في بحر الصين الجنوبي وبحر الصين الشرقي، وباستعداداتها المرتبطة بملف تايوان.

وتشير التقديرات الصادرة عن وزارة الدفاع الأميركية إلى أن البحرية الصينية أصبحت الأكبر عالمياً من حيث عدد القطع القتالية، مع بقاء الولايات المتحدة متقدمة في مجالات الانتشار العالمي، والحمولة الإجمالية للأسطول، والخبرة العملياتية، والطيران البحري، وشبكة القواعد والتحالفات.[6]

القوات الجوية: حماية المجال الجوي وتوسيع مدى العمليات

تطورت القوات الجوية الصينية من قوة اعتمدت بدرجة كبيرة على تصميمات سوفياتية قديمة إلى قوة تشغل طائرات حديثة من الإنتاج المحلي.

تضم القوات الجوية مقاتلات وقاذفات وطائرات نقل وتزود بالوقود وإنذار مبكر واستطلاع، إلى جانب الطائرات المسيّرة ومنظومات الدفاع الجوي بعيدة المدى.

ومن أبرز برامجها المقاتلة الشبحية «جي-20»، التي طورتها الصين لتعزيز قدرتها على مواجهة الطائرات الحديثة واختراق الدفاعات الجوية.

كما تعمل الصين على تحسين قدرة الطيران على تنفيذ عمليات بعيدة المدى، من خلال تطوير القاذفات وطائرات التزود بالوقود والنقل الاستراتيجي.

تشمل مهام القوات الجوية مراقبة المجال الجوي، والإنذار المبكر، والاعتراض، والدفاع عن المدن والقواعد والمنشآت الاستراتيجية، ودعم القوات البرية والبحرية، وتنفيذ الضربات بعيدة المدى.[3]

القوة الصاروخية: عماد الردع الاستراتيجي

تعد قوة الصواريخ التابعة لجيش التحرير الشعبي من أهم عناصر القوة العسكرية الصينية.

تتولى هذه القوة تشغيل الصواريخ الباليستية والمجنحة التقليدية والنووية، من الصواريخ قصيرة المدى إلى الصواريخ العابرة للقارات.

تمنح الصواريخ التقليدية الصين قدرة على استهداف القواعد والمطارات والموانئ والسفن ومراكز القيادة في محيطها الإقليمي. كما توفر الصواريخ النووية بعيدة المدى أساس الردع الاستراتيجي ضد القوى النووية الكبرى.

طورت الصين صواريخ مصممة لاستهداف السفن الكبيرة، بما فيها حاملات الطائرات، كما استثمرت في الأسلحة فرط الصوتية التي تستطيع التحرك بسرعات عالية ومناورة تجعل اعتراضها أكثر صعوبة.

وتعمل بكين على تعزيز قدرة قواتها النووية على البقاء بعد التعرض لهجوم، من خلال تنويع وسائل الإطلاق بين الصوامع والمنصات المتحركة والغواصات والطائرات.

تؤكد الصين أن سياستها النووية دفاعية وأنها تحافظ على الحد الأدنى الضروري للردع. وفي المقابل، تشير تقارير دولية إلى توسع البنية التحتية والترسانة النووية الصينية خلال السنوات الأخيرة.[6][7]

الفضاء والاتصالات والحرب السيبرانية

أصبح الفضاء جزءاً أساسياً من القدرة العسكرية الحديثة للصين. وتعتمد القوات المسلحة على الأقمار الصناعية في الاتصالات والملاحة والاستطلاع والإنذار المبكر ومراقبة تحركات القوات والسفن.

يوفر نظام «بيدو» الصيني للملاحة عبر الأقمار الصناعية دعماً مستقلاً للعمليات المدنية والعسكرية، ويحد من الاعتماد على الأنظمة الأجنبية.

كما طورت الصين قدرات لمراقبة الفضاء والتعامل مع الأقمار الصناعية المعادية، إلى جانب برامج للحرب الإلكترونية والتشويش وحماية الشبكات.

تعطي العقيدة العسكرية الحديثة أهمية كبيرة لما تسميه السيطرة المعلوماتية، أي القدرة على حماية شبكاتها واتصالاتها، وفي الوقت نفسه تعطيل قدرة الخصم على جمع المعلومات ونقلها واستخدامها.

وفي نيسان/أبريل 2024، أعلنت الصين إعادة تنظيم القوات المسؤولة عن الفضاء والمعلومات والأمن السيبراني، ضمن تعديل جديد لبنية الدعم المعلوماتي تحت قيادة اللجنة العسكرية المركزية.[8]

حماية سيادة الصين ووحدة أراضيها

تضع الوثائق الدفاعية الصينية حماية السيادة والأمن ووحدة الأراضي في مقدمة مهام القوات المسلحة.

تشمل هذه المهام حماية الحدود البرية، والمياه الإقليمية، والمجال الجوي، والجزر والمناطق البحرية التي تطالب بها الصين، ومواجهة ما تعتبره تهديدات انفصالية.

وتواجه الصين قضايا حدودية وأمنية متنوعة، من الحدود الطويلة في الغرب والشمال إلى النزاعات البحرية في الشرق والجنوب.

لكن قضية تايوان تبقى الملف الأكثر حساسية في التخطيط العسكري الصيني. تعتبر بكين الجزيرة جزءاً من أراضي الصين، وتؤكد أن التوحيد هدف تاريخي لا يمكن التخلي عنه.

تعلن القيادة الصينية تفضيلها تحقيق التوحيد بالوسائل السلمية، لكنها لا تتعهد بالتخلي عن استخدام القوة، وتربط احتمال اللجوء إليها بمواجهة إعلان استقلال تايوان أو التدخل الخارجي أو استنفاد فرص الحل السلمي.[9]

ولهذا يجري الجيش تدريبات بحرية وجوية وصاروخية حول الجزيرة، ويطور قدراته البرمائية وقدرته على فرض حصار أو منع قوى خارجية من التدخل في المنطقة.

حماية التنمية والمصالح الاقتصادية

لم يعد مفهوم الأمن القومي الصيني مقتصراً على حماية الحدود. فمع تحول الصين إلى قوة تجارية وصناعية عالمية، أصبحت حماية الاقتصاد وطرق الطاقة والتجارة والمواطنين والمشروعات في الخارج جزءاً من مهام القوات المسلحة.

تعتمد الصين على طرق بحرية تمر عبر المحيط الهندي ومضيق ملقا وبحر الصين الجنوبي لنقل نسبة كبيرة من تجارتها ووارداتها من الطاقة.

دفع ذلك إلى تطوير قدرة البحرية على مرافقة السفن التجارية، ومكافحة القرصنة، وتنفيذ عمليات الإجلاء والإنقاذ، والعمل على مسافات بعيدة عن السواحل الصينية.

ومنذ كانون الأول/ديسمبر 2008، ترسل الصين مجموعات بحرية إلى خليج عدن والمياه المقابلة للصومال للمشاركة في حماية السفن من القرصنة.[3]

كما شاركت القوات الصينية في إجلاء مواطنين صينيين وأجانب من مناطق نزاع، بينها ليبيا عام 2011 واليمن عام 2015.

قاعدة جيبوتي ودعم العمليات الخارجية

افتتحت الصين عام 2017 منشأة للدعم العسكري في جيبوتي، وهي أول قاعدة دعم عسكرية صينية دائمة معلنة خارج البلاد.

تقع جيبوتي قرب باب المندب وخليج عدن، وفي منطقة تمر عبرها طرق بحرية ذات أهمية كبيرة للتجارة الدولية.

تقول الصين إن المنشأة مخصصة لدعم عمليات مكافحة القرصنة وحفظ السلام والإغاثة الإنسانية والإجلاء، وتوفير الخدمات اللوجستية للقوات الصينية العاملة في المنطقة.

تمثل القاعدة تحولاً مهماً في انتشار الجيش الصيني، لأنها أتاحت له قدرة دائمة على الإمداد والصيانة والاستراحة خارج شرق آسيا.

ويرى محللون أن أهمية المنشأة تتجاوز مهماتها الحالية، لأنها تمنح الصين خبرة في إدارة القواعد والعمليات البحرية البعيدة، وتعكس توسع المصالح التي تسعى بكين إلى حمايتها.

المشاركة في عمليات الأمم المتحدة لحفظ السلام

بدأت مشاركة الصين في عمليات الأمم المتحدة لحفظ السلام عام 1990 بإرسال مراقبين عسكريين.

توسعت المشاركة لاحقاً لتشمل وحدات هندسية وطبية ووحدات نقل وحماية ومروحيات، إلى جانب المراقبين وضباط الأركان والشرطة.

شاركت القوات الصينية في بعثات في إفريقيا والشرق الأوسط، من بينها لبنان ومالي وجنوب السودان وجمهورية الكونغو الديمقراطية.

وأعلنت الصين عام 2020 أنها أرسلت خلال ثلاثين عاماً أكثر من أربعين ألف فرد للمشاركة في عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة.[10]

وتعد الصين أكبر مساهم بقوات حفظ السلام بين الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن في فترات متعددة، كما أنها ثاني أكبر مساهم مالي في ميزانية عمليات حفظ السلام بعد الولايات المتحدة. وبلغت حصتها المقررة في ميزانية عمليات حفظ السلام للفترة 2024–2025 نحو 18.69 في المئة.[11]

تقدم بكين هذه المشاركة دليلاً على التزامها بالأمن الجماعي والسلام الدولي، كما تمنح العمليات الجيش الصيني خبرة في الانتشار الخارجي والتنسيق المتعدد الجنسيات والعمل في بيئات معقدة.

الجيش في الكوارث والطوارئ

يؤدي جيش التحرير الشعبي دوراً مهماً في التعامل مع الزلازل والفيضانات والانهيارات الأرضية والحرائق والكوارث الطبيعية.

تشارك القوات في البحث والإنقاذ، وإجلاء السكان، ونقل المعدات والمؤن، وإقامة المستشفيات الميدانية، وإعادة فتح الطرق، وترميم الجسور والسدود.

برز هذا الدور خلال زلزال سيتشوان عام 2008، عندما حشدت الصين أعداداً كبيرة من العسكريين والشرطة المسلحة للمشاركة في عمليات الإنقاذ والإغاثة.

كما شاركت القوات في مواجهة فيضانات وأوبئة وحالات طوارئ صحية، وقدمت إمكاناتها في النقل والهندسة والخدمات الطبية والاتصالات.

يساعد هذا الدور في تعزيز صورة الجيش باعتباره مؤسسة لحماية المواطنين، لا قوة مخصصة للقتال وحده.

قاعدة صناعية دفاعية واسعة

لا تعتمد القوة العسكرية الصينية على عدد الجنود والأسلحة فقط، بل على وجود قاعدة صناعية وطنية قادرة على إنتاج نسبة كبيرة من احتياجات الجيش.

تنتج الصين محلياً الدبابات والعربات المدرعة والمدفعية والصواريخ والطائرات والسفن والغواصات والطائرات المسيّرة وأنظمة الرادار والدفاع الجوي.

كما ترتبط الصناعات العسكرية بقطاعات مدنية متطورة، مثل بناء السفن، والاتصالات، والإلكترونيات، والفضاء، والذكاء الاصطناعي، والطاقة النووية.

يمنح الحجم الصناعي للصين قدرة على إنتاج المعدات بأعداد كبيرة، وتجديد الأساطيل، وتمويل مشروعات طويلة المدى، وتطوير تكنولوجيا عسكرية لا تعتمد بالكامل على الاستيراد.

ولا يعني ذلك أن الصين حققت استقلالاً كاملاً في جميع المجالات. فما زالت تعمل على تطوير بعض المحركات الجوية والتقنيات المتقدمة والبرمجيات والمكونات الدقيقة. لكن الفجوة التي كانت تفصلها عن القوى العسكرية الصناعية الكبرى تقلصت بصورة واضحة.

نحو جيش يعتمد على الذكاء الاصطناعي

تولي الصين أهمية متزايدة للذكاء الاصطناعي والأنظمة غير المأهولة والحوسبة المتقدمة وتحليل البيانات.

يشمل ذلك تطوير الطائرات المسيّرة، والمركبات البرية والبحرية غير المأهولة، وأنظمة التعرف إلى الأهداف، ودعم اتخاذ القرار، والحرب الإلكترونية، والمحاكاة والتدريب.

تستخدم الكتابات العسكرية الصينية مفهوم «إضفاء الطابع الذكي على الحرب» لوصف مرحلة تتجاوز المعلوماتية التقليدية، بحيث تصبح الخوارزميات والبيانات والأنظمة الذاتية عناصر رئيسية في القيادة والعمليات.

لا تتوافر معلومات علنية كاملة عن مستوى إدماج هذه التقنيات داخل الوحدات القتالية، لكن اتجاه الاستثمار والبحث والتجارب يؤكد أن الصين تعتبر الذكاء الاصطناعي مجالاً رئيسياً في المنافسة العسكرية المستقبلية.[12]

حجم القوات والقدرة البشرية

يضم جيش التحرير الشعبي نحو مليوني فرد في الخدمة الفعلية، ما يجعله أكبر قوة عسكرية عاملة في العالم من حيث عدد الأفراد، وفق تقديرات وزارة الدفاع الأميركية لعام 2024.[6]

وتشمل القوات المسلحة الرئيسية القوات البرية والبحرية والجوية والقوة الصاروخية، إلى جانب تشكيلات ووحدات الدعم المعلوماتي والفضائي والسيبراني.

توجد إلى جانب الجيش قوات الاحتياط والميليشيا الشعبية والشرطة المسلحة الشعبية. وتتولى الشرطة المسلحة مهام تتعلق بالأمن الداخلي، ومكافحة الإرهاب، وحماية المنشآت، والاستجابة للطوارئ، وبعض مهام حماية الحدود والسواحل.

نفذت الصين خلال العقود الماضية عمليات تقليص كبيرة للأفراد، بهدف تخفيف البنية الإدارية ورفع نسبة القوات التقنية والمتخصصة وتحسين مستوى التدريب والتعليم العسكري.

وزن الجيش الصيني في آسيا

تتركز القوة العملياتية الصينية أساساً في شرق آسيا وغرب المحيط الهادئ، حيث تستفيد من قرب قواعدها ومطاراتها ومنظوماتها الصاروخية ومراكزها اللوجستية.

تمتلك الصين قدرة كبيرة على التأثير في التوازن العسكري حول تايوان وبحر الصين الجنوبي وبحر الصين الشرقي والممرات البحرية المحيطة بها.

تتيح الصواريخ بعيدة المدى والطائرات والسفن والغواصات للصين تهديد القواعد والمنشآت العسكرية داخل ما يسمى بسلسلتي الجزر الأولى والثانية في المحيط الهادئ.

وتسعى هذه القدرات، وفق الرؤية الصينية، إلى منع القوى الخارجية من التدخل في النزاعات المرتبطة بالمصالح الأساسية للصين. ويصفها محللون غربيون بأنها قدرات لمنع الوصول وحرمان الخصم من حرية الحركة.

أدى هذا التطور إلى تغيير حسابات الولايات المتحدة واليابان وأستراليا والهند ودول أخرى، ودفعها إلى تعزيز تعاونها الدفاعي وانتشارها العسكري في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.

موقعه في موازين القوى العالمية

يعد جيش التحرير الشعبي واحداً من أقوى جيوش العالم، لكنه لا يمتلك البنية نفسها التي يمتلكها الجيش الأميركي.

تتمتع الولايات المتحدة بشبكة واسعة من القواعد العسكرية والتحالفات والمعاهدات، وبخبرة طويلة في العمليات المشتركة والانتشار والحروب الخارجية.

أما الصين فتركز الجزء الأكبر من قدراتها قرب أراضيها ومحيطها الإقليمي، ولا تزال شبكة قواعدها الخارجية محدودة. كما لم يخض جيشها حرباً واسعة منذ الحرب الصينية الفيتنامية عام 1979.

في المقابل، تمتلك الصين ميزات مهمة، بينها قاعدة صناعية ضخمة، وقدرة عالية على بناء السفن والصواريخ والطائرات، وقربها الجغرافي من ساحات النزاع المحتملة في شرق آسيا، وامتلاكها ترسانة صاروخية كبيرة.

ولا يمكن قياس القوة العسكرية بمقارنة عدد المنصات فقط، بل يجب احتساب الجغرافيا، واللوجستيات، والتحالفات، والتدريب، والقيادة، والقدرة الصناعية، والخبرة القتالية، والقدرة على تعويض الخسائر.

وبهذه المعايير، تمثل الصين المنافس العسكري الأهم للولايات المتحدة في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، وإحدى القوى القليلة القادرة على التأثير في موازين القوى العالمية.

نقاط القوة والتحديات

تتمثل أبرز عناصر القوة لدى جيش التحرير الشعبي في الحجم البشري، والصناعة الدفاعية، والصواريخ التقليدية والنووية، وتوسع الأسطول البحري، وتطور القدرات الفضائية والسيبرانية.

تستفيد الصين كذلك من اقتصاد كبير، ومن قدرة الدولة على توجيه الموارد نحو برامج عسكرية طويلة المدى، ومن التكامل بين البحث المدني والتطبيقات الدفاعية.

لكن الجيش يواجه تحديات حقيقية، أبرزها محدودية الخبرة القتالية الحديثة. فالتمارين، مهما بلغت درجة تطورها، لا توفر بالضرورة الخبرة نفسها التي تكتسبها القوات في الحرب.

كما يمثل تنسيق العمليات بين القوات البرية والبحرية والجوية والصاروخية والمعلوماتية اختباراً مستمراً، خصوصاً في العمليات المعقدة بعيدة المدى.

وتشكل اللوجستيات الخارجية تحدياً آخر، لأن الصين لا تمتلك شبكة قواعد عالمية مماثلة للشبكة الأميركية.

وتواجه المؤسسة العسكرية أيضاً حملات متواصلة لمكافحة الفساد، شملت مسؤولين كباراً وقطاعات مرتبطة بشراء الأسلحة والقوة الصاروخية. وتؤكد القيادة الصينية أن مكافحة الفساد ضرورية لحماية الجاهزية والانضباط، بينما يرى مراقبون أن حجم التحقيقات يكشف مشكلات مؤسسية داخل بعض القطاعات.

أهداف التحديث حتى عام 2049

ربطت القيادة الصينية تحديث الجيش بمراحل زمنية محددة.

وضعت هدفاً لتحقيق تقدم أساسي في المكننة والمعلوماتية ورفع القدرة الاستراتيجية، ثم هدفاً لتحديث الدفاع الوطني والقوات المسلحة بصورة شاملة بحلول عام 2035.

أما الهدف الأبعد فهو تحويل جيش التحرير الشعبي إلى قوة «عالمية المستوى» بحلول عام 2049، بالتزامن مع الذكرى المئوية لتأسيس جمهورية الصين الشعبية.[3][6]

لا تقدم الوثائق الصينية تعريفاً رقمياً واحداً لمفهوم «عالمي المستوى»، لكنه يشمل امتلاك القدرة على خوض الحروب الحديثة والانتصار فيها، وتحقيق التكامل بين القوات، وتطوير التكنولوجيا، وتعزيز الردع، وحماية المصالح الصينية في الداخل والخارج.

لا يعني هذا الهدف بالضرورة نسخ النموذج العسكري الأميركي أو بناء شبكة قواعد مطابقة له. فقد تسعى الصين إلى نموذج يناسب جغرافيتها وأولوياتها، ويركز على التفوق في محيطها الإقليمي وعلى حماية طرق التجارة والمصالح العالمية.

جيش يعكس مسيرة الصين الحديثة

يعكس تاريخ جيش التحرير الشعبي التحولات التي مرت بها الصين خلال قرن تقريباً.

بدأ الجيش من انتفاضة محدودة في نانتشانغ، ثم تحول إلى قوة حرب عصابات، وخاض المسيرة الطويلة والحرب ضد اليابان والحرب الأهلية، وأسهم في إقامة جمهورية الصين الشعبية.

بعد عام 1949، شارك في حماية الدولة الجديدة وخاض الحرب الكورية، ثم بدأ بناء الصناعة الدفاعية والردع النووي.

كشفت تجربة عام 1979 حدود نموذج الجيش العددي، فدخلت القوات المسلحة مرحلة طويلة من التقليص وإعادة الهيكلة والتحديث.

ومع صعود الاقتصاد الصيني، توسعت مهام الجيش من حماية الحدود إلى حماية طرق التجارة والمصالح الخارجية، والمشاركة في حفظ السلام، والعمل في الفضاء والمجال السيبراني.

من حماية الدولة إلى التأثير في النظام الدولي

في الذكرى التاسعة والتسعين لتأسيسه، يقف جيش التحرير الشعبي أمام مرحلة مختلفة تماماً عن الظروف التي ولد فيها.

لم تعد الصين دولة تعاني الانقسام والاحتلال والفقر، بل قوة اقتصادية وصناعية وتكنولوجية عالمية. وأصبح الجيش أحد الأدوات التي تحمي هذا التحول وتمنحه بعداً استراتيجياً.

تمثل قدراته الصاروخية والبحرية والجوية والنووية والمعلوماتية عنصراً أساسياً في ردع أي هجوم على الصين، وفي حماية سيادتها وفق الرؤية الرسمية لبكين.

وفي الوقت نفسه، تؤثر هذه القدرات في حسابات الدول الأخرى، وتدفع إلى منافسة عسكرية متصاعدة في آسيا والمحيط الهادئ.

يبقى السؤال الأساسي متعلقاً بكيفية استخدام هذه القوة. فالصين تؤكد أن سياستها دفاعية وأنها لا تسعى إلى الهيمنة، بينما تخشى دول أخرى أن يؤدي اتساع قدراتها إلى زيادة الضغط العسكري في المناطق المتنازع عليها.

ومهما اختلفت التقديرات السياسية، فإن الحقيقة الثابتة هي أن جيش التحرير الشعبي تحول من قوة ثورية صغيرة عام 1927 إلى واحدة من أهم المؤسسات العسكرية في العالم. وقد أصبح تطوره جزءاً من صعود الصين، كما أصبح حضوره عاملاً لا يمكن تجاهله في رسم مستقبل الأمن الإقليمي والنظام الدولي.

المراجع

  1. وزارة الدفاع الوطني لجمهورية الصين الشعبية، «تاريخ جيش التحرير الشعبي وانتفاضة نانتشانغ»، بكين، مواد تاريخية منشورة بمناسبة ذكرى تأسيس الجيش.
  2. Fairbank, John K., and Merle Goldman, China: A New History, Harvard University Press, Cambridge, 2006.
  3. State Council Information Office of the People’s Republic of China, China’s National Defense in the New Era, Beijing, July 2019.
  4. State Council Information Office of the People’s Republic of China, China’s Military Strategy, Beijing, May 2015.
  5. Fravel, M. Taylor, Active Defense: China’s Military Strategy Since 1949, Princeton University Press, Princeton, 2019.
  6. United States Department of Defense, Military and Security Developments Involving the People’s Republic of China: Annual Report to Congress 2024, Washington, D.C., December 2024.
  7. Stockholm International Peace Research Institute, SIPRI Yearbook 2025: Armaments, Disarmament and International Security, Oxford University Press, Oxford, 2025.
  8. Ministry of National Defense of the People’s Republic of China, Reorganization of the People’s Liberation Army’s Information Support Forces, Beijing, April 2024.
  9. State Council Information Office of the People’s Republic of China, The Taiwan Question and China’s Reunification in the New Era, Beijing, August 2022.
  10. State Council Information Office of the People’s Republic of China, China’s Armed Forces: 30 Years of UN Peacekeeping Operations, Beijing, September 2020.
  11. United Nations Department of Peace Operations, Peacekeeping Contributions and Financing Data 2024–2025, United Nations, New York.
  12. Kania, Elsa B., Battlefield Singularity: Artificial Intelligence, Military Revolution, and China’s Future Military Power, Center for a New American Security, Washington, D.C., 2017.
  13. Shambaugh, David, Modernizing China’s Military: Progress, Problems, and Prospects, University of California Press, Berkeley, 2002.
  14. Scobell, Andrew, Arthur Chan, David Lai, and Eric Heginbotham, Chinese Military Diplomacy, 2003–2016: Trends and Implications, RAND Corporation, Santa Monica, 2017.
  15. Blasko, Dennis J., The Chinese Army Today: Tradition and Transformation for the 21st Century, Routledge, London and New York, 2012.

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

ماركس وباكونين: الصراع الذي شقّ الثورة إلى طريقين!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد من الأممية الأولى إلى مؤتمر لاهاي: من كان أقرب...

هالة نهرا ووجدي أبو ذياب في عملٍ إبداعيّ: من سلوفينيا إلى العالم!

أخباركم - أخبارنا تجلببتْ قصيدة «يا ضوء الأضواء» للشاعرة اللبنانية والعربية هالة نهرا، من...

اليسار الفلسطيني أمام مرآة الحقيقة: أزمة المشروع أم أزمة الاستقلال السياسي؟

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد ردّ على مقالة «اليسار الفلسطيني أمام لحظة الحقيقة.. من...

الحجّاج والسفّاح: هل يعيد التاريخ إنتاج وجهي السلطة؟

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد يصعب فهم الحجّاج بن يوسف الثقفي وأبي العباس السفّاح...

More like this

من فيصل وبوتو إلى مكة: هل وُلدت المظلة النووية السعودية في السبعينيات وتستعد إسرائيل اليوم لمواجهتها؟

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد هناك سؤال يبدو في ظاهره بسيطاً، لكنه قد يكون مفتاحاً...

نحو شرق أوسط جديد!

أخباركم - أخبارنا/ حنا صالح على مدى الأشهر التي تلت كارثة طوفان الأقصى، زعم...

سلسلة تعيينات باسم خامنئي: هل بدأت عملية إعادة بناء السلطة من داخل السلطة ام نفذ انقلاب ابيض؟

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد ما جرى في إيران خلال الأيام الأخيرة من تعيينات...