السبت, أغسطس 15, 2026
25.2 C
Beirut

عقيدة جيه دي فانس: أميركا أولاً… وإيران وإسرائيل في ميزان المصلحة الأميركية

نشرت في

اخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد

لم يعد اسم جيه دي فانس يقتصر على كونه نائباً للرئيس الأميركي دونالد ترامب، بل أصبح أحد أكثر الشخصيات تأثيراً في رسم ملامح اليمين الأميركي الجديد، والمرشح الأبرز لقيادة الحزب الجمهوري في مرحلة ما بعد ترامب. فالرجل لا يقدم نفسه مجرد سياسي محافظ، بل صاحب رؤية تسعى إلى إعادة تعريف دور الولايات المتحدة في العالم، وإعادة صياغة تحالفاتها، وحدود تدخلها العسكري، وأولويات أمنها القومي.

وتكتسب أفكار فانس أهمية استثنائية لأنها لا تعبّر عن موقف فردي، بل عن تيار آخذ في الاتساع داخل الحزب الجمهوري، يرفض تكرار حروب العراق وأفغانستان، ويطالب بأن تكون السياسة الخارجية الأميركية خاضعة لمبدأ واحد: «المصلحة الأميركية أولاً».

ولعل الملفين الأكثر حساسية اللذين يكشفان حقيقة هذه العقيدة هما إيران وإسرائيل؛ فهما يمثّلان بالنسبة لفانس اختباراً عملياً لقدرة الولايات المتحدة على حماية مصالحها من دون الانجرار إلى حروب مفتوحة أو السماح لحلفائها أو خصومها برسم سياساتها.

إيران… خصم يجب ردعه لا دولة يجب احتلالها

لا يخفي فانس عداءه للنظام الإيراني، ويعتبر أن امتلاك طهران للسلاح النووي يمثل خطراً مباشراً على الأمن الإقليمي والدولي. لكنه يرفض في الوقت نفسه العودة إلى نموذج العراق عام 2003، عندما تحولت عملية عسكرية محدودة إلى حرب طويلة استنزفت الولايات المتحدة لعقدين.

وقد لخّص موقفه بقوله:

“لا يمكننا أن نسمح لإيران بامتلاك سلاح نووي، لكن هذا لا يعني أننا نريد حرباً لا تنتهي.”

هذه العبارة تختصر فلسفته كاملة.

فهو يؤيد توجيه ضربات عسكرية إذا اقتضى الأمر منع البرنامج النووي الإيراني أو حماية القوات الأميركية، لكنه يرفض تحويل ذلك إلى مشروع لإسقاط النظام أو احتلال إيران أو إعادة تشكيل الشرق الأوسط بالقوة.

ويرى فانس أن تغيير الأنظمة بالقوة أثبت فشله في العراق وأفغانستان وليبيا، وأن الولايات المتحدة دفعت ثمناً باهظاً من الدماء والمال دون تحقيق الاستقرار.

ولهذا يؤكد أن أي استخدام للقوة يجب أن يكون محدوداً، واضح الهدف، وقابلاً للانتهاء، لا بداية لحرب مفتوحة.

لا يرفض التفاوض مع طهران

بعكس كثير من المحافظين التقليديين، لا يعتبر فانس أن التفاوض مع إيران ضعف أو استسلام.

بل يرى أن الضربات العسكرية قد تؤخر البرنامج النووي، لكنها لا تستطيع وحدها منع إعادة بنائه مستقبلاً، ولذلك لا بد من اتفاق سياسي يفرض رقابة صارمة ويمنع امتلاك السلاح النووي بصورة دائمة.

ويقول في هذا السياق:

“إذا كان بإمكاننا تحقيق الهدف نفسه عبر اتفاق يحقق مصلحة أميركا، فلماذا نختار الحرب الدائمة؟”

ومن هنا فإن فانس لا يدعو إلى مصالحة مع الجمهورية الإسلامية، وإنما إلى سياسة تجمع بين الردع العسكري، والعقوبات، والتفاوض عندما يخدم ذلك المصالح الأميركية.

إسرائيل… حليف مهم لا صاحب القرار

الموقف الأكثر إثارة للجدل لدى فانس يتعلق بإسرائيل.

فهو لا يشكك في حقها في الأمن والدفاع عن نفسها، ولا يدعو إلى التخلي عنها، لكنه يرفض فكرة أن تكون السياسة الأميركية امتداداً تلقائياً للسياسة الإسرائيلية.

ويقول بوضوح:

“الرئيس الأميركي يجب أن يمثل الشعب الأميركي، ورئيس الوزراء الإسرائيلي يمثل الشعب الإسرائيلي.”

وفي عبارة أخرى أصبحت من أكثر تصريحاته تداولاً قال:

“إسرائيل حليف، لكنها ليست أميركا.”

هذه الجملة تمثل تحولاً مهماً داخل الحزب الجمهوري، إذ تنقل العلاقة من مفهوم الالتزام غير المشروط إلى مفهوم التحالف القائم على المصالح المشتركة.

لماذا انتقد الحكومة الإسرائيلية؟

يرى فانس أن بعض المسؤولين الإسرائيليين حاولوا دفع الولايات المتحدة نحو استمرار المواجهة العسكرية مع إيران، بينما كانت إدارة ترامب تسعى إلى إنهاء العمليات بعد تحقيق أهدافها العسكرية.

ولذلك قال:

“من الطبيعي أن تدافع كل حكومة عن مصالحها… لكن من غير الطبيعي أن نسمح لأي حكومة أجنبية بأن تحدد السياسة الأميركية.”

ولا يعني ذلك أنه يتهم إسرائيل بالتحكم في القرار الأميركي، بل يؤكد أن المسؤولية النهائية تقع على القيادة الأميركية التي يجب أن تتخذ قراراتها وفقاً للمصلحة الوطنية الأميركية.

لا يريد حرباً من أجل الآخرين

يرى فانس أن الولايات المتحدة خاضت خلال العقود الماضية حروباً كثيرة باسم حماية الحلفاء أو إعادة تشكيل الشرق الأوسط، بينما كانت النتيجة استنزاف الاقتصاد الأميركي، ومقتل آلاف الجنود، وتراجع القدرة على مواجهة المنافس الحقيقي، أي الصين.

ولهذا يكرر باستمرار:

“يجب ألا نرسل أبناءنا للقتال إلا إذا كان ذلك ضرورياً للدفاع عن الولايات المتحدة.”

إنه لا يرفض استخدام القوة، لكنه يرفض استخدامها لتحقيق أهداف لا تخدم المواطن الأميركي بصورة مباشرة.

بين إيران وإسرائيل… أين يقف فانس؟

يحاول فانس بناء معادلة جديدة تقوم على ثلاث قواعد:

  • إيران لا يجب أن تمتلك السلاح النووي.
  • إسرائيل تبقى حليفاً استراتيجياً للولايات المتحدة.
  • لكن لا إيران ولا إسرائيل يجب أن تحددا السياسة الخارجية الأميركية.

وبذلك يرفض معسكرين في الوقت نفسه:

الأول، الذي يريد حرباً شاملة مع إيران وتغيير نظامها.

والثاني، الذي يدعو إلى انسحاب أميركي كامل من الشرق الأوسط.

أما هو فيطرح طريقاً ثالثاً يقوم على الردع، والتفاوض، والتحالفات، مع رفض الانجرار إلى حروب مفتوحة.

عقيدة “أميركا أولاً”

يكرر فانس عبارة أصبحت مفتاح فهم كل مواقفه:

“واجبي الأول هو الشعب الأميركي.”

ومن هذه العبارة تنطلق مواقفه من إيران وإسرائيل، ومن أوكرانيا، ومن حلف شمال الأطلسي، وحتى من التجارة الدولية.

فهو لا يسأل: ماذا يريد الحليف؟

ولا يسأل: ماذا يريد الخصم؟

بل يسأل سؤالاً واحداً:

هل يخدم هذا القرار الولايات المتحدة؟

إذا كانت الإجابة نعم، فإنه يؤيده مهما كانت الاعتراضات الخارجية.

وإذا كانت الإجابة لا، فإنه يرفضه حتى لو أغضب أقرب حلفاء واشنطن.

الخلاصة

إذا كان القرن الأميركي بعد الحرب الباردة قد قام على التدخل العسكري الواسع، فإن جيه دي فانس يمثل جيلاً جمهورياً جديداً يريد إنهاء هذه المرحلة. فهو لا يدعو إلى الانعزال، ولا إلى التخلي عن الحلفاء، لكنه يريد أن تعود الولايات المتحدة إلى ممارسة القوة باعتبارها وسيلة محدودة لحماية مصالحها، لا مشروعاً دائماً لإدارة العالم.

ولهذا تبدو رؤيته لإيران وإسرائيل أكثر من مجرد مواقف تجاه ملفين إقليميين؛ إنها تعبير عن عقيدة سياسية كاملة تعيد تعريف معنى التحالف، وحدود الحرب، وأولوية المصلحة الوطنية. وإذا وصل فانس إلى البيت الأبيض بعد ترامب، فإن هذه العقيدة قد تصبح الإطار الذي يحكم السياسة الأميركية في الشرق الأوسط خلال العقد المقبل.

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

ماركس وباكونين: الصراع الذي شقّ الثورة إلى طريقين!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد من الأممية الأولى إلى مؤتمر لاهاي: من كان أقرب...

هالة نهرا ووجدي أبو ذياب في عملٍ إبداعيّ: من سلوفينيا إلى العالم!

أخباركم - أخبارنا تجلببتْ قصيدة «يا ضوء الأضواء» للشاعرة اللبنانية والعربية هالة نهرا، من...

اليسار الفلسطيني أمام مرآة الحقيقة: أزمة المشروع أم أزمة الاستقلال السياسي؟

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد ردّ على مقالة «اليسار الفلسطيني أمام لحظة الحقيقة.. من...

الحجّاج والسفّاح: هل يعيد التاريخ إنتاج وجهي السلطة؟

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد يصعب فهم الحجّاج بن يوسف الثقفي وأبي العباس السفّاح...

More like this

سورية.. كم كانت متطوّرة.. قراءة في تاريخ الحياة الحزبية والديمقراطية في سورية

أخباركم - أخبارنا بقلم: نجم الدين الخريطالأمين العام للحزب الشيوعي السوري الموحد وعضو الكتلة...

ست سنوات على انفجار مرفأ بيروت .. القرار الظني يقترب… فهل تقترب العدالة من أصحاب النفوذ والسلاح؟

أخباركم- أخبارنا/ مسعود محمد بيروت تستعيد لحظة الموت… واللبنانيون لا يصدقون الوعود في الرابع من آب...

3 آب 2014: حين أُبيحت سنجار باسم الدين وعادت أسواق العبيد في زمن القانون الدولي

بقلم: مسعود محمد في الثالث من آب/أغسطس 2014، لم يشن تنظيم داعش هجوماً عسكرياً عادياً...