أخباركم – أخبارنا/ أكرم محمود
في لحظات التحول التاريخي الكبرى، لا تعود الصور مجرد التقاطات عابرة لزوايا الأمكنة، بل تتحول إلى وثائق مكثفة تختزل صراع السرديات والمفاهيم. بين راية حزبية تُرفع فوق ركام المباني المهدمة، وعلم وطني يُغرس في أرض بلدة زوطر الغربية في الجنوب، يتجلى المشهد اللبناني في أوضح معالم انقسامه، متيحاً قراءة عميقة لأزمة هوية مستفحلة تعصف بالمكون الشيعي، وتتقاطع في جوهرها مع أزمات الهوية لدى سائر المكونات الوطنية في هذا الوطن المنهك.
إن الصورة الأولى التي تتكرر فيها الراية الفئوية فوق أنقاض الدمار والخراب تحمل في طياتها محاولة واضحة للتفاف الرمزي على واقع الخسارة. إنها رسالة استعراضية مفادها أن البنية العسكرية والإرادة السياسية لم تنكسرا، وأن وجود الجماعة مستمر برغم فداحة الخسائر المادية والإنسانية. لكن هذه السردية، برغم كثافة حضورها البصري، تخفي خلفها مأزقاً اجتماعياً وسياسياً عميقاً. فقد نشأت هذه الرمزية على فرضية مفادها أن الحماية والكرامة لا تتحققان إلا من خلال الأمن الذاتي والكيانات الموازية التي تنمو وتكبر خارج إطار المؤسسات الرسمية.
في المقابل، تطل الصورة الثانية لغرس العلم اللبناني في أرض زوطر الغربية بوصفها نقطة تحول رمزية وسياسية ذات دلالة استثنائية. إن رفع الراية الوطنية وعودة الانتشار الأمني والعسكري الشرعي لا يعبران فقط عن إجراء ميداني، بل يمثلان بداية الإعلان عن العودة إلى الملاذ الأخير والوحيد الذي يضمن البقاء والتضامن بين جميع أبناء الوطن، ألا وهو الدولة الجامعة بمؤسساتها وجيشها الوطني. إنها لحظة استعادة ترتيب المرجعيات، حيث يتراجع الشعار الفئوي لصالح الهوية الوطنية الشاملة التي تظلل الجميع بالتساوي.
إن المأزق الحقيقي الذي يواجهه المكون الشيعي اليوم، والذي يتبدى بوضوح بين هذين المشهدين، يكمن في التنازع الحاد بين مستويين من الانتماء: انتماء عقائدي ومقاوم تشكل عبر عقود من التضحيات والصدمات التاريخية، وانتماء وطني خالص يتطلع إلى بناء دولة حديثة تحكمها سيادة القانون وتستأثر وحدها بحق قرار الحرب والسلم وتوفير الحماية لجميع مواطنيها. وعلى الرغم من أن هذا الصراع حول مفهوم الدولة والمواطنة موجود بدرجات متفاوتة لدى المكونات اللبنانية الأخرى، إلا أنه يبدو أكثر حدة واستفحالاً لدى هذا المكون بالذات، بالنظر إلى حجم الأثقال الناجمة عن وجود سلاح خارج إطار الشرعية وما يترتب عليه من استحقاقات محلية وإقليمية.
ولا يمكن قراءة هذه الأزمة دون التذكير بالمسار الذي أدى إليها. لقد تعرضت الدولة اللبنانية بوصفها جهازاً إدارياً وأمنياً وقضائياً لتغييب قسري وقهري متراكم عندما ساد منطق القوة الفائضة وأمليت الإرادات السياسية بالفرض والتعطيل. أدّى خيار الهيمنة وتهميش المؤسسات الدستورية إلى شلل أجهزة الرقابة والقضاء، وإضعاف هياكل الدولة الإدارية والخدماتية لصالح الشبكات الحزبية والمؤسسات الموازية. هذا التهميش للمؤسسات الرسمية لم يفضِ إلى بناء مجتمع بديل قادر على الصمود المستدام، بل أسفر عن انكشاف اجتماعي خطير وانهيار اقتصادي شامل دفع المواطن ثمنه من أمنه اليومي واستقراره المستقبلي.
ولم تقف تداعيات غياب الدولة عند حدود الشلل الإداري ومصادرة القرار السيادي، بل امتدت لتشكل تهديداً خطيراً للنسيج الاجتماعي والأخلاقي للبيئة نفسها. ففي ظل سياسة الأمر الواقع وغياب الأجهزة الأمنية والقضائية الفاعلة، انتعشت مظاهر الانفلات الأمني، وتعاظمت شبكات التهريب عبر المعابر الحدودية والمنافذ البحرية والجوية، وتوسعت تجارة المخدرات وترويجها حتى وصلت إلى أوساط الشباب داخل هذه البيئة ذاتها. لقد جرى هذا التآكل الاجتماعي تحت نظر ومسامع القوى المهيمنة التي وفرت الحماية لكبار التجار، أو تغاضت عن أعمالهم لاعتبارات المصلحة والتوازنات، مما أثبت أن القوة العسكرية لا يمكنها أن تحمي المجتمع من آفتين التفكك والنخر الداخلي في غياب سلطة القانون والعدالة المؤسسية.
إن العودة اليوم إلى رمزية العلم اللبناني والجيش الشرعي تعكس بداية وعي أهلي ومجتمعي ضاغط يتجاوز الشعارات البراقة. لقد أظهرت الحروب المتلاحقة والإنهاك العام أن كلفة الانفراد بالقرار والارتهان للمشاريع الموازية قد أصبحت أكبر من أن تتحملها أي جماعة بمفردها. إن التجربة أثبتت بلا لبس أن الكيانات الحزبية والمؤسسات الفئوية لا يمكن أن تشكل بديلاً عن الدولة الوطنية القادرة والعادلة.
تتوقف استمرارية هذا المسار والتحول من مجرد مشهد رمزي في زوطر الغربية إلى حقيقة سياسية موجزة، على مدى جدية الدولة في استعادة سيادتها الكاملة والحصرية على جميع أراضيها ومرافقها، وحصر السلاح والسلطة بأجهزتها الرسمية، وفرض حكم القانون على الجميع دون استثناء أو خطوط حمراء. إنها بداية الطريق لنزع أسباب الأزمة وتثبيت المفهوم الحقيقي للمواطنة التي تجعل من العلم الوطني الحامي الأول والأخير لكافة أبناء الوطن.



