السبت, أغسطس 15, 2026
25.2 C
Beirut

الماركسية العربية في أسر الموروثات الفكرية… كيف تحولت الاشتراكية من مشروع لتحرير الإنسان إلى غطاء للاستبداد القومي والديني؟

نشرت في

أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد

لم يكن إخفاق الفكر الماركسي في المنطقة العربية وبلدان العالم الثالث نتيجة قوة الرأسمالية وحدها، ولا بسبب التدخلات الاستعمارية والحرب الباردة فقط، على أهمية هذه العوامل جميعاً، بل كان أيضاً نتيجة عجز داخلي عميق عن نقد الموروثات الفكرية والدينية والاجتماعية والسياسية التي حكمت مجتمعاتنا قروناً طويلة.

دخلت الماركسية إلى العالم العربي محمّلة بمفاهيم نشأت في سياق الثورة الصناعية الأوروبية، وتكوّن الطبقة العاملة الحديثة، والصراع بين البرجوازية والإقطاع، لكنها وجدت نفسها في مجتمعات مختلفة، يتشابك فيها نمط الإنتاج الزراعي والريعي مع القبيلة والطائفة والعشيرة، وتحتل فيها المؤسسة الدينية موقعاً أساسياً في إنتاج الشرعية والأخلاق والوعي العام.

ومع ذلك، لم تستطع معظم الأحزاب الماركسية العربية أن تبني نظرية مستقلة تنطلق من هذه الخصوصية التاريخية. اكتفت في أحيان كثيرة بنقل النصوص السوفييتية، وتصنيف المجتمعات العربية وفق مراحل جاهزة، ثم تحولت تدريجياً إلى أجهزة حزبية مغلقة، تمارس داخلها الطاعة والمركزية وتقديس القيادة، بينما ترفع في الخارج شعارات التحرر والتغيير.

كان كارل ماركس قد كتب في أطروحته الحادية عشرة حول فيورباخ:

«لقد اكتفى الفلاسفة بتفسير العالم بطرق مختلفة، لكن المطلوب هو تغييره».

غير أن تغيير العالم لا يتحقق بتكرار النصوص، بل بفهم الواقع الذي يراد تغييره. والماركسية التي تعجز عن إخضاع نفسها للنقد تتحول من منهج ثوري إلى عقيدة جامدة، ومن أداة لكشف علاقات الهيمنة إلى وسيلة جديدة لإنتاجها.

الماركسية منهج نقدي لا عقيدة مغلقة

لم يقدم ماركس أفكاره بوصفها وصفة صالحة لكل زمان ومكان، بل بوصفها منهجاً لتحليل العلاقات الاجتماعية والتاريخية في حركتها الواقعية. لذلك فإن الماركسي الحقيقي ليس من يحفظ نصوص ماركس ولينين، وإنما من يستخدم أدوات التحليل المادي لفهم مجتمعه، حتى عندما تفرض عليه نتائج التحليل مراجعة بعض الاستنتاجات القديمة.

وقد نُسب إلى ماركس قوله، في معرض اعتراضه على بعض الذين حولوا أفكاره إلى مذهب مغلق:

«كل ما أعرفه هو أنني لست ماركسياً».

كانت العبارة اعتراضاً على الماركسية العقائدية قبل أن تصبح هذه العقائدية لاحقاً أساساً لأحزاب ودول ادعت امتلاك الحقيقة التاريخية المطلقة.

وعندما انتقلت الماركسية إلى العالم العربي، لم تنتقل دائماً باعتبارها منهجاً مفتوحاً، بل وصلت غالباً في صورتها السوفييتية المكتملة، مصحوبة بمفاهيم جاهزة عن الحزب والطبقة والثورة والدولة. وبدلاً من أن يسأل الماركسي العربي عن طبيعة مجتمعه، أخذ يبحث في الواقع عن أدلة تؤكد صحة النصوص التي سبق أن آمن بها.

وهكذا أصبح الواقع تابعاً للنظرية، بدلاً من أن تكون النظرية أداة لفهم الواقع.

مجتمعات لم تكن طبقية فقط

لم تكن المجتمعات العربية مجرد مجتمعات منقسمة بين عمال ورأسماليين، أو بين فلاحين وملاك أراضٍ. كانت، وما زالت، محكومة أيضاً بانقسامات طائفية وقبلية وعشائرية ومناطقية، وبعلاقات ولاء تتجاوز أحياناً الانتماء الطبقي.

قد يكون العامل فقيراً ومستغلاً اقتصادياً، لكنه يصوت لزعيم طائفته، ويدافع عن شيخ عشيرته، ويخضع لسلطة رجل الدين، ويرى في المرأة كائناً أدنى، ويقبل باستبداد الحاكم ما دام ينتمي إلى جماعته أو يدعي حمايتها.

ولهذا لم يكن كافياً أن تتحدث الأحزاب الشيوعية عن ملكية وسائل الإنتاج، من دون أن تطرح أسئلة الفرد والمواطنة والحرية الدينية وحقوق المرأة والعلاقة بين الدولة والطائفة وموقع القبيلة والعشيرة في النظام السياسي.

لقد تعاملت قطاعات واسعة من اليسار العربي مع هذه المسائل باعتبارها «تناقضات ثانوية» ستختفي تلقائياً بعد حل التناقض الطبقي. لكن التاريخ أثبت أن الموروثات الدينية والطائفية والقبلية لا تزول بمجرد تأميم المصانع أو توزيع الأراضي، بل قد تزداد قوة إذا لم تخضع لنقد فكري وسياسي واجتماعي جذري.

الإسلام بين الإيمان الشخصي والنظام التاريخي

تعد مسألة الإسلام إحدى أكثر القضايا التي أخفق اليسار العربي في التعامل معها. فقد تأرجحت مواقفه بين عداء سطحي للدين، أدى إلى عزله عن قطاعات شعبية واسعة، وبين مسايرة انتهازية للخطاب الديني، أدت إلى تذويب هويته الفكرية داخل لغة لم تعد تميزه عن القوى المحافظة.

وحتى يكون النقد دقيقاً، ينبغي التمييز بين الإسلام بوصفه إيماناً شخصياً وروحياً لملايين البشر، والإسلام التاريخي بوصفه منظومة من الفقه والمؤسسات والسلطات والتفسيرات التي تكونت خلال صراعات سياسية واجتماعية امتدت قروناً.

ليس الإيمان الفردي هو موضوع النقد الماركسي، وإنما استخدام الدين لإنتاج الطاعة، وتبرير السلطة، وتنظيم العلاقات الاجتماعية بصورة تمنع المساواة والحرية. فالمؤسسة الدينية، عندما تتحول إلى جزء من جهاز الحكم، لا تبقى مجرد مؤسسة روحية، بل تصبح قوة اجتماعية وسياسية لها مصالحها وتحالفاتها وأدواتها في إنتاج الوعي.

عندما تناول ماركس الدين، لم يكتف بالعبارة المبتورة التي يكررها خصومه وأنصاره على السواء. فقد كتب في مقدمة نقد فلسفة الحق عند هيغل:

«الدين هو زفرة المخلوق المضطهد، وقلب عالم بلا قلب، وروح أوضاع بلا روح. إنه أفيون الشعب».

إن وضع العبارة في سياقها يكشف أن ماركس لم يكن يسخر من آلام المؤمنين، بل كان يرى في الدين احتجاجاً على البؤس وتعويضاً رمزياً عنه في الوقت نفسه. فالمطلوب ليس إهانة الإنسان المتدين، بل إزالة الظروف التي تدفعه إلى البحث عن عزائه الوحيد خارج العالم الواقعي.

المشكلة، إذاً، ليست في أن يكون الإنسان مؤمناً، بل في أن تتحول العقيدة إلى قانون إلزامي للدولة، وأن يتحول النص الديني إلى أداة لمنع النقد، وأن تصبح المؤسسة الدينية شريكاً في توزيع السلطة والثروة والامتيازات.

الفقه السلطاني وترسيخ الطاعة

ارتبط تطور جانب واسع من الفقه السياسي الإسلامي بتاريخ الدولتين الأموية والعباسية وما تلاهما. ومع تحول الخلافة إلى سلطة وراثية أو عسكرية، ظهرت اتجاهات فقهية أعطت الأولوية لمنع الفتنة والحفاظ على الجماعة، حتى عندما كان الحاكم مستبداً أو جائراً.

ساعد هذا التراث، في مراحل تاريخية مختلفة، على ترسيخ ثقافة ترى أن الاستقرار أهم من الحرية، وأن طاعة الحاكم أقل ضرراً من الاعتراض عليه، وأن المعارضة قد تقود إلى الفوضى وانقسام الجماعة.

لم يكن هذا الموروث مجرد آراء فقهية قديمة، بل تحول إلى جزء من اللاوعي السياسي للمجتمعات. وقد استفادت منه أنظمة قومية وعسكرية حديثة لم تكن دينية بالمعنى المباشر، لكنها استخدمت منطقه نفسه: الحاكم ضرورة، والمعارضة فتنة، والوحدة تسبق الحرية، والأمن يسبق الحقوق.

لذلك لم يكن الاستبداد البعثي أو الناصري قطيعة كاملة مع الموروث السلطاني، بل كان تحديثاً له بأدوات الدولة الحديثة. حلّ الزعيم القومي محل الخليفة، والحزب الواحد محل الجماعة المغلقة، والأجهزة الأمنية محل الحرس السلطاني، لكن منطق الطاعة بقي قائماً.

من شيخ الطريقة إلى القائد التاريخي

لم تتخلص الأحزاب الماركسية العربية من البنية التقليدية التي انتقدتها، بل أعادت إنتاجها داخل تنظيماتها. تحول الأمين العام إلى قائد تاريخي، وتحولت اللجنة المركزية إلى مجلس مغلق، وصار الخلاف الفكري خروجاً على الجماعة، والنقد ضعفاً في الالتزام، والانشقاق خيانة.

وهكذا انتقل نموذج شيخ الطريقة إلى الحزب الحديث. أصبح الزعيم مصدر الحقيقة، والقيادة حارسة العقيدة، والقواعد مطالبة بالطاعة والتنفيذ.

لم يكن هذا مجرد خلل تنظيمي، بل كان تعبيراً عن استمرار الثقافة الأبوية داخل الأحزاب. فالتنظيم الذي نشأ في مجتمع يمجد الأب والشيخ والزعيم لم يستطع دائماً أن ينتج علاقات ديمقراطية مختلفة.

لقد حذرت روزا لوكسمبورغ من القضاء على التعدد داخل الحركة الثورية، وكتبت عبارتها الشهيرة:

«الحرية هي دائماً حرية من يفكر بصورة مختلفة».

لكن هذا المبدأ غاب عن معظم التجارب الحزبية العربية. فقد طالبت الأحزاب بالحرية لنفسها عندما كانت في المعارضة، ثم ضاقت بالاختلاف داخلها، وبعضها قبل بقمع الآخرين عندما اقترب من السلطة أو تحالف معها.

حسين مروة: إخراج التراث من القداسة إلى التاريخ

يحتل المفكر اللبناني حسين مروة موقعاً مركزياً في محاولة بناء قراءة مادية للتراث العربي الإسلامي. وتنبع أهمية تجربته من أنه لم يأتِ إلى التراث من خارجه وحده، بل درسه من داخله، بعدما تلقى العلوم الدينية في النجف قبل انتقاله إلى الفكر الماركسي.

في كتابه الموسوعي «النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية»، رفض مروة التعامل مع التراث الإسلامي باعتباره كتلة ثابتة ومقدسة لا تخضع للتاريخ. بحث في الظروف الاجتماعية والسياسية التي أنتجت الأفكار، وفي الصراع بين النزعات العقلية والنقلية، وبين القوى الاجتماعية الصاعدة والقوى المدافعة عن النظام القائم.

كان جوهر مشروعه أن الأفكار لا تولد في فراغ، وأن الفلسفة والكلام والتصوف والفقه لا يمكن فهمها بعيداً عن حركة المجتمع وصراعاته. وقد لخّص طبيعة الصراع الثقافي بقوله:

«إنها المعركة الكبرى الدائمة بين كل جديد وكل قديم، بين ثقافة تنعكس فيها آراء ومفاهيم وأفكار وقيم تسند مصالح فئة من المجتمع يكاد يتلاشى دورها التاريخي وينقضي، وبين ثقافة تنعكس فيها آراء وأفكار ومفاهيم وقيم تريد أن تدل على مكان فئة تلد في المجتمع جديداً».

تكمن أهمية مروة في أنه لم يطالب بإلغاء التراث أو احتقاره، بل بإعادته إلى التاريخ. فالتراث، في نظره، ليس حقيقة معلقة فوق المجتمعات، وإنما نتاج صراعات بشرية وتناقضات مادية وفكرية.

لكن مشروع حسين مروة لم يتحول إلى برنامج مركزي للأحزاب الشيوعية العربية. بقي إنجازاً فكرياً كبيراً، بينما واصلت الأحزاب تعاملها النفعي مع الدين: تهاجمه أحياناً، وتصمت عنه أحياناً، وتستدعي رموزه عندما تحتاج إلى شرعية جماهيرية.

وكان اغتيال حسين مروة سنة 1987 دليلاً مأساوياً على خطورة المعركة الفكرية في مجتمعات لم تعد ترى في الاختلاف حقاً، بل تهديداً يجب التخلص منه.

مهدي عامل: نقد الطائفية والاستعمار الداخلي

إلى جانب حسين مروة، قدم مهدي عامل أحد أكثر المشاريع الماركسية العربية أصالة. فقد رفض تفسير المجتمعات العربية بالاعتماد الآلي على النماذج الأوروبية، وسعى إلى تحليل الكيفية التي تتشكل بها علاقات التبعية داخل البنى المحلية.

في تحليله للمجتمع اللبناني، لم ينظر مهدي عامل إلى الطائفية باعتبارها مجرد بقايا ثقافية من الماضي، بل باعتبارها علاقة سياسية تعيد البرجوازية إنتاجها من خلال الدولة. فالطوائف لا تبقى قوية فقط لأن الناس متدينون، بل لأن النظام السياسي يحول الانتماء الطائفي إلى طريق للحصول على السلطة والوظيفة والحماية والتمثيل.

ومن عباراته الدالة:

«لست مهزوماً ما دمت تقاوم».

تحولت هذه العبارة لاحقاً إلى رمز لموقفه الفكري والأخلاقي، لكن مقاومة مهدي عامل لم تكن عسكرية أو عاطفية فقط؛ كانت قبل كل شيء مقاومة نظرية للكسل الفكري، وللنزعة التي تفسر التخلف العربي باعتباره نتيجة طبيعة ثابتة أو هوية أبدية.

لقد أراد مهدي عامل أن يثبت أن الطائفية ليست قدراً، وأن التبعية ليست نتيجة نقص جوهري في شعوب المنطقة، بل هي علاقات تاريخية يمكن تغييرها. غير أن الأحزاب التي رفعت اسمه لم تستطع دائماً تطوير مشروعه، وبعضها غرق لاحقاً في تحالفات طائفية وإقليمية تناقض جوهر نقده.

هادي العلوي: البحث عن المشاعية داخل التراث

قدم المفكر العراقي هادي العلوي محاولة مختلفة لقراءة التراث الإسلامي. لم يكتف بنقد المؤسسة الدينية، بل بحث داخل التاريخ الإسلامي عن تيارات الزهد والرفض والمساواة والاحتجاج على الثروة والسلطة.

وجد في أبي ذر الغفاري، وفي بعض الحركات الصوفية والاجتماعية، عناصر يمكن وصلها بمفهوم العدالة والمشاعية. وكان يرى أن التراث ليس ملكاً للسلطة وحدها، وأن داخله أصواتاً للمهمشين والفقراء والمعارضين.

لكن مشروع هادي العلوي يطرح إشكالية مهمة: هل يمكن تأسيس الاشتراكية الحديثة على انتقاء نماذج مساواتية من التراث، أم أن ذلك يؤدي إلى إلباس الاشتراكية لباساً دينياً؟

يمكن الاستفادة من أبي ذر بوصفه رمزاً تاريخياً للاعتراض على تراكم الثروة، لكن الاشتراكية الحديثة لا يمكن أن تقوم على الوعظ بالزهد أو أخلاق الفقراء وحدها. فهي تحتاج إلى مؤسسات ديمقراطية، وقانون مدني، وحقوق فردية، ومساواة كاملة بين النساء والرجال، وفصل واضح بين السلطة السياسية والعقيدة الدينية.

لقد أغنى هادي العلوي الحوار حول التراث، لكنه كشف أيضاً صعوبة المصالحة بين منظومة دينية تنطلق من النص المقدس وفكر مادي ينطلق من تاريخية الظواهر وإمكانية نقد جميع السلطات.

علي الوردي: الوعظ لا يغير المجتمع

قدم عالم الاجتماع العراقي علي الوردي، رغم أنه لم يكن ماركسياً حزبياً، أدوات شديدة الأهمية لفهم عجز الفكر التقدمي في العراق والعالم العربي.

انتقد الوردي ما سماه «وعاظ السلاطين»، وكشف العلاقة بين الخطاب الأخلاقي المجرد والسلطة. فالواعظ يطالب الفقير بالصبر، ويدعوه إلى الزهد، بينما يترك بنية الظلم والتفاوت من دون مساءلة. كما أن الخطاب الأخلاقي يطالب الفرد بأن يكون مثالياً في مجتمع يكافئ القوة والمصلحة والمحسوبية.

كتب الوردي:

«إن الوعظ لا يجدي في إصلاح المجتمع شيئاً؛ لأن الوعظ يخاطب العقل الواعي، بينما تنبع أعمال الإنسان من دوافع دفينة لا شعورية».

تكشف هذه الفكرة قصور المشاريع التي تعتقد أن المجتمع يتغير بالخطب والشعارات. فلا يكفي أن ندعو الناس إلى العدالة إذا بقي النظام الاقتصادي قائماً على الفساد والاحتكار، ولا أن نطالبهم بالمواطنة إذا كانت الدولة نفسها توزع الحقوق وفق الطائفة والعشيرة.

كما حلل الوردي ازدواج الشخصية الناتج من التناقض بين القيم المعلنة ومتطلبات الواقع، وكتب:

«لقد لاحظت بعد دراسة طويلة أن شخصية الفرد العراقي فيها شيء من الازدواج، وأجد كثيراً من القرائن تؤيدني فيما أذهب إليه».

هذه الازدواجية لا تخص العراق وحده. فهي تظهر في مجتمعات ترفع أعلى الشعارات الأخلاقية، لكنها تمارس التمييز والعنف والفساد؛ تمجد العفة وتضطهد النساء؛ تتحدث عن الأخوة وتقدس العصبية؛ تدعو إلى الزهد وتحترم أصحاب الثروة والنفوذ.

كان على اليسار العربي أن يدرس هذا التناقض الاجتماعي بدلاً من الاكتفاء بخطاب طبقي تجريدي. فالإنسان لا يتصرف دائماً وفق موقعه الاقتصادي وحده، بل وفق منظومة معقدة من المخاوف والرموز والهويات والمصالح.

العراق: الحزب الثوري داخل المجتمع التقليدي

شهد العراق واحدة من أقوى الحركات الشيوعية الجماهيرية في المنطقة العربية. استطاع الحزب الشيوعي العراقي أن يصل إلى العمال والفلاحين والمثقفين، وأن يطرح قضايا الاستقلال والعدالة الاجتماعية وحقوق القوميات.

لكن قوة الحزب لم تمنع ظهور تناقضات عميقة في تجربته. فقد عمل داخل مجتمع شديد التعقيد، تتداخل فيه الطائفة والعشيرة والقومية والدين والجيش. ولم ينجح دائماً في بناء سياسة مستقلة عن الانقلابات العسكرية والصراعات القومية.

كان تحالف الحزب مع نظام البعث في إطار «الجبهة الوطنية والقومية التقدمية» أحد أكثر الأمثلة وضوحاً على مأزق اليسار العربي. فقد اعتقدت القيادة أن بإمكانها دفع النظام نحو التقدم والاشتراكية من خلال التحالف معه، لكن البعث استخدم الجبهة لتثبيت سلطته، ثم انقلب على الشيوعيين واعتقل كوادرهم وأعدم عدداً منهم ودفع الحزب إلى العمل السري والمنفى.

تكشف التجربة العراقية خطورة الاعتقاد بأن الدكتاتورية قد تكون مرحلة انتقالية نحو الاشتراكية. فالاستبداد لا يبني أدوات تحرره الذاتي، بل يبني الأجهزة التي تضمن استمراره.

مصر: العقلانية من سلامة موسى إلى محمود أمين العالم

عرفت مصر منذ بدايات القرن العشرين تياراً واسعاً يدعو إلى العقلانية والعلم والتحديث. وكان سلامة موسى من أبرز الذين ربطوا النهضة بتحرير العقل من الخرافة، وبالتعليم الحديث وحقوق المرأة والانفتاح على المنجز العلمي.

رأى سلامة موسى أن النهضة لا تتحقق بمجرد استعادة الماضي، بل ببناء إنسان جديد قادر على التفكير العلمي. وقد أثارت أفكاره جدلاً واسعاً بسبب نقده للمحافظة الدينية والاجتماعية، لكنه طرح مبكراً السؤال الذي تجنبه كثير من اليساريين: كيف يمكن بناء مجتمع حديث بعقل ينتمي إلى علاقات القرون الماضية؟

وفي مرحلة لاحقة، قدم محمود أمين العالم وعبد العظيم أنيس، في كتابهما «في الثقافة المصرية»، قراءة تربط الأدب بالبنية الاجتماعية، وترفض الفصل بين العمل الثقافي والواقع التاريخي الذي ينتجه.

كان محمود أمين العالم يرى أن الثقافة ليست ترفاً ولا نشاطاً محايداً، بل ساحة صراع بين قيم ومصالح واتجاهات اجتماعية. ولذلك لم يكن النقد الأدبي، بالنسبة إليه، منفصلاً عن سؤال التغيير.

لكن تجربة اليسار المصري اصطدمت بالناصرية. فقد اتخذ نظام جمال عبد الناصر إجراءات اقتصادية واجتماعية مهمة، مثل الإصلاح الزراعي والتأميم وتوسيع التعليم والقطاع العام، لكنه في الوقت نفسه ألغى التعددية السياسية، وحل الأحزاب، ووضع النقابات تحت سيطرة الدولة، واعتقل الشيوعيين وعذب بعضهم في السجون.

انقسم اليسار أمام هذه التجربة. قاومها بعضه، بينما رأى فيها آخرون سلطة وطنية تقدمية يمكن دعمها رغم قمعها. وانتهى الأمر بحل تنظيمات شيوعية نفسها والالتحاق بالاتحاد الاشتراكي العربي.

كان ذلك تنازلاً خطيراً: قُبلت الدكتاتورية باسم التنمية، والقمع باسم مواجهة الاستعمار، وغياب الديمقراطية باسم الاشتراكية.

الناصرية: اشتراكية الدولة لا اشتراكية المجتمع

لم تكن الناصرية اشتراكية بالمعنى الذي يجعل العمال والمواطنين أصحاب القرار الاقتصادي والسياسي. كانت نموذجاً لرأسمالية الدولة ذات الطابع الاجتماعي، تدير فيه البيروقراطية العسكرية والإدارية الاقتصاد من أعلى.

توسعت ملكية الدولة، لكن المجتمع لم يمتلك الدولة. جرى تأميم المصانع والمصارف، لكن العمال لم يحصلوا على سلطة ديمقراطية مستقلة داخلها. وانتشرت مجانية التعليم، لكن الجامعة والإعلام والثقافة خضعت لرقابة السلطة.

الاشتراكية لا تعني أن تنتقل ملكية المؤسسة من رأسمالي خاص إلى موظف حكومي يعيّنه الحاكم. إنها تعني أن يصبح المجتمع قادراً على الرقابة والمشاركة والمحاسبة، وأن يكون المواطن حراً في تنظيم نفسه وانتقاد السلطة وتغييرها.

من دون الديمقراطية، يتحول القطاع العام إلى ملكية بيروقراطية، وتتحول العدالة الاجتماعية إلى هبة يمنحها الزعيم، ويمكنه سحبها عندما تتغير أولوياته.

البعث: القومية التي ابتلعت الاشتراكية

رفع حزب البعث شعار «وحدة، حرية، اشتراكية»، لكن التجربتين السورية والعراقية أظهرتا أن الحرية كانت أول ضحايا السلطة البعثية، وأن الاشتراكية تحولت إلى أداة لبناء دولة أمنية مركزية.

أخضع البعث النقابات والجامعات والإعلام والجيش للحزب، ثم أخضع الحزب للقائد. لم تعد الدولة أداة للمجتمع، بل صار المجتمع مادة تستخدمها الدولة في مشاريعها وحروبها.

وفي سورية، تحولت شعارات الفلاحين والعمال إلى غطاء لنظام يقوم على الأجهزة الأمنية والمحسوبية وتوزيع الامتيازات. وفي العراق، جمع النظام بين التأميم والريع النفطي والعسكرة والحروب وتقديس القائد.

لم تكن هذه الأنظمة تجارب اشتراكية أخطأت في التطبيق، بل كانت أنظمة تسلطية استخدمت بعض أدوات الاقتصاد الموجه لتحقيق السيطرة السياسية والاجتماعية.

لقد استبدلت الإقطاعي التقليدي ببيروقراطي حزبي، والرأسمالي المستقل بطبقة مرتبطة بالدولة، والتعددية بحزب واحد، والمواطن برعية حديثة مطالبة بالتصفيق.

يذهب عدد من الباحثين والنقاد إلى أن دخول الحزب الشيوعي السوري في الجبهة الوطنية التقدمية أدى إلى اختزال شخصيته السياسية المستقلة، إذ انتقل من موقع الحزب صاحب البرنامج الطبقي المستقل إلى موقع الشريك المحدود ضمن إطار تهيمن عليه السلطة، مما أضعف استقلالية قراره السياسي، وقلّص قدرته على تمثيل مصالح قاعدته الاجتماعية، وأسهم في تراجع دوره كقوة معارضة ذات هوية أيديولوجية واضحة. في المقابل، يرى المدافعون عن التجربة أنها كانت خياراً واقعياً أملته موازين القوى، ومكّن الحزب من الحفاظ على وجوده القانوني والتنظيمي في ظروف سياسية شديدة التقييد.

وربما كان هذا ما ميّز جناح رياض الترك، إذ رفض الانخراط في الجبهة الوطنية التقدمية حفاظًا على استقلالية الحزب السياسية ورفضًا لاختزال شخصيته في إطار تقوده السلطة. غير أن هذا الموقف، في المقابل، شابه خطأ آخر تمثل في التحالف مع جماعة الإخوان المسلمين، وهو تحالف عكس رهانًا على إمكان التقاء المشروع الديمقراطي اليساري مع تيار إسلامي ذي مرجعية دينية. وإذا كان التراث الإسلامي يزخر بشخصيات ذات نزعة عدالية وتحررية، مثل أبي ذر الغفاري، فإن ذلك لا يعني أن الحركاتالإسلامية المعاصرة، وفي مقدمتها جماعة الإخوان المسلمين، تمثل بالضرورة امتدادًا لذلك الإرث. ومن ثم، فإن هذا التحالف لم يكن تعبيرًا عن تقارب فكري حقيقي بقدر ما كان رهانًا سياسيًا فرضته ظروف المواجهة مع السلطة، وهو رهان انتهى إلى تعميق التناقضات أكثر مما أنتج مشروعًا ديمقراطيًا مشتركًا.

الإسلام السياسي وملء الفراغ

عندما فشلت الأنظمة القومية واليسارية في بناء الديمقراطية والعدالة، وجد الإسلام السياسي فراغاً واسعاً لملئه. قدم نفسه بوصفه بديلاً أخلاقياً عن فساد الدولة، وشبكة تضامن في مواجهة غياب الخدمات، وهوية جامعة في مواجهة الهزائم القومية.

كما ساهم قمع الأحزاب اليسارية والنقابات المستقلة في إضعاف المجال السياسي، بينما سمحت الأنظمة، في مراحل مختلفة، للمؤسسات الدينية بالعمل لأنها اعتقدت أنها أقل خطراً من التنظيمات اليسارية.

لكن الإسلام السياسي لم يقدم حلاً لأزمة الحرية. فقد نقل السيادة من الشعب إلى تفسير ديني يحتكره فقهاء أو قادة تنظيميون، واستبدل الحزب العقائدي بحزب عقائدي آخر، والقائد التاريخي بالمرشد، والمركزية الحزبية بالسمع والطاعة.

والواقع أن التنظيم الشيوعي المغلق والتنظيم الإسلامي المغلق يشتركان، رغم اختلاف المرجعيات، في سمات عديدة: امتلاك الحقيقة، وتقديس القيادة، والخوف من الفرد المستقل، والعداء للاختلاف، وإخضاع الحياة الخاصة لمصلحة الجماعة.

سمير أمين: التبعية الخارجية والبنية الداخلية

قدم المفكر المصري سمير أمين واحداً من أهم التحليلات الماركسية للرأسمالية العالمية. فقد رفض فكرة أن التخلف مرحلة طبيعية تمر بها جميع الدول قبل أن تلحق بالمركز الرأسمالي، ورأى أن تقدم المركز وتخلف الأطراف عمليتان مترابطتان داخل نظام عالمي واحد.

فالرأسمالية لا توزع التنمية بالتساوي، بل تعيد إنتاج الفوارق بين المراكز الصناعية المتقدمة والأطراف التابعة المصدرة للمواد الأولية والعمالة الرخيصة.

وقد عبر سمير أمين عن ضرورة بناء استقلال وطني شعبي من خلال مفهوم «فك الارتباط». ولم يكن يقصد به الانعزال عن العالم، بل إخضاع العلاقات الخارجية لحاجات التنمية الداخلية، بدلاً من إخضاع المجتمع لمتطلبات السوق العالمية.

تكمن أهمية سمير أمين في أنه كشف زيف التنمية التي تقاس بالنمو الاقتصادي وحده، في حين تبقى بنية الإنتاج تابعة، وتستمر الثروة في أيدي أقلية مرتبطة بالخارج.

لكنه لم يعفِ المجتمعات العربية من مسؤولية بنيتها الداخلية. فالتبعية الخارجية تجد حلفاءها في الطبقات الحاكمة المحلية، وفي الدولة الريعية، وفي النخب التي تستفيد من الاندماج غير المتكافئ في النظام العالمي.

ولا يمكن مواجهة الإمبريالية بتحالف غير مشروط مع أي نظام يرفع شعار السيادة. فالاستقلال الوطني الذي يسحق المواطن في الداخل ليس تحرراً، والدولة التي ترفض الهيمنة الخارجية بينما تمنع شعبها من الحرية تعيد إنتاج الهيمنة في شكل محلي.

كان مشروع سمير أمين أممياً، لكنه لم يكن نسخة من الأممية السوفييتية. فقد ربط تحرر شعوب الجنوب ببناء بدائل شعبية وديمقراطية، لا باستبدال تبعية لتكتل دولي بتبعية لتكتل آخر.

مناهضة الاستعمار ليست صك براءة للاستبداد

وقع اليسار العربي في خطأ فكري وأخلاقي كبير عندما جعل الموقف من الاستعمار المعيار الوحيد للحكم على الأنظمة والقوى السياسية.

أصبح كل نظام يعارض الولايات المتحدة أو إسرائيل أو الغرب يوصف بالتقدمي، حتى لو كان يقمع شعبه، ويمنع النقابات، ويسجن المثقفين، ويضطهد الأقليات، ويهدر حقوق النساء.

بهذا المنطق جرى الدفاع عن أنظمة البعث، وعن دكتاتوريات عسكرية مختلفة، وعن أنظمة دينية، فقط لأنها دخلت في صراع مع قوى غربية أو رفعت شعارات المقاومة.

لكن معاداة الإمبريالية لا تكفي لصناعة مشروع تحرري. فقد يكون النظام في صراع مع قوة خارجية من أجل مصالح سلطته، لا من أجل حرية شعبه. وقد يستخدم القضية الوطنية لتأجيل الديمقراطية إلى أجل غير مسمى.

لا يمكن أن تكون الحرية مؤجلة إلى ما بعد التحرير، لأن السلطة التي تمنع الحرية أثناء المعركة لن تمنحها طوعاً بعد انتهائها.

المسألة القومية وحقوق الشعوب

فشل جزء كبير من اليسار العربي أيضاً في تطبيق مبادئه على المسألة القومية. فقد دافع نظرياً عن حق الشعوب في تقرير مصيرها، لكنه خضع عملياً لهيمنة القومية العربية، ولم يتخذ دائماً موقفاً واضحاً من حقوق الكرد والأمازيغ وغيرهم.

تحولت القومية العربية، التي بدأت في جانب منها حركة تحرر من الاستعمار، إلى أيديولوجيا دولة مركزية تنكر التعدد القومي والثقافي. وشارك بعض اليسار في تبرير ذلك باسم الوحدة ومواجهة التجزئة.

لكن الاشتراكية التي تنكر هوية شعب أو لغته أو حقه في المشاركة السياسية ليست اشتراكية تحررية. لا يمكن بناء وحدة حقيقية بالقهر، ولا أممية تقوم على إنكار القوميات الأضعف لمصلحة القومية المهيمنة.

تميز الحزب الشيوعي العراقي، مقارنةً بمعظم الأحزاب الشيوعية العربية، بموقفه المتقدم من المسألة القومية، إذ أقرّ منذ خمسينيات القرن العشرين بحق الشعب الكردي في تقرير مصيره، وعدّ هذا الحق مبدأً ديمقراطيًا لا يتعارض مع النضال المشترك بين العرب والكرد. وقد أكد المؤتمر (الكونفرنس) الثاني للحزب عام 1956 أن الاستقلال الذاتي ليس بديلاً عن حق تقرير المصير، بل صيغة مرحلية يفرضها واقع الكفاح المشترك، مشددًا على أن الحل الديمقراطي للمسألة الكردية يقوم على الاعتراف المتبادل بالحقوق القومية للشعبين العربي والكردي، وهو موقف سبق كثيرًا من القوى السياسية العراقية والعربية في ذلك الوقت.

المرأة والحدود غير المكتملة للنقد

من أبرز الأدلة على خضوع الفكر اليساري للموروثات التقليدية محدودية موقفه من تحرير المرأة. دافعت الأحزاب الشيوعية عن تعليم النساء وعملهن ومشاركتهن السياسية، لكنها لم تخض دائماً معركة حقيقية ضد قوانين الأحوال الشخصية والولاية الدينية والتمييز في الإرث والزواج والطلاق والحضانة.

كما بقيت البنية الداخلية لكثير من الأحزاب ذكورية، يتولى الرجال قيادتها بينما تُحصر النساء في المنظمات النسائية أو الأدوار المساندة.

إن تحرير المرأة ليس قضية جانبية تؤجل إلى ما بعد الثورة، بل معيار يكشف مدى جدية أي مشروع تحرري. فالمجتمع الذي يبقي نصف أفراده تحت الوصاية لا يستطيع بناء اشتراكية أو ديمقراطية حقيقية.

والحزب الذي يساير القوى الدينية والمحافظة في قضايا المرأة خوفاً من خسارة الجمهور يتخلى عن وظيفته التنويرية ويعيد إنتاج المجتمع الذي يدعي تغييره.

غرامشي والهيمنة الثقافية

ساعد أنطونيو غرامشي على توسيع الفكر الماركسي عندما بيّن أن الطبقات الحاكمة لا تسيطر بالقوة وحدها، بل من خلال الهيمنة الثقافية، أي قدرتها على تحويل قيمها ومصالحها إلى أفكار تبدو طبيعية ومقبولة لدى المجتمع كله.

كتب غرامشي:

«العالم القديم يحتضر، والعالم الجديد يكافح كي يولد؛ وفي زمن الوحوش هذا تظهر الأعراض المرضية».

تكاد هذه العبارة تصف واقع المنطقة العربية. فقد ضعفت الأشكال التقليدية من دون أن تختفي، وفشلت مشاريع الحداثة من دون أن تنجز بدائلها، فظهرت خلائط من الدولة الحديثة والقبيلة، والدستور والطائفة، والجامعة والخرافة، والاقتصاد الرأسمالي والفقه التقليدي.

كان على اليسار العربي أن يخوض معركة طويلة داخل المدرسة والجامعة والإعلام والعائلة والمؤسسة الدينية، لا أن ينتظر الاستيلاء على السلطة ثم يعتقد أن المجتمع سيتغير تلقائياً بقرارات فوقية.

المثقف العضوي لا مثقف السلطة

طرح غرامشي أيضاً مفهوم «المثقف العضوي»، أي المثقف المرتبط بحركة اجتماعية ويسهم في بناء وعيها، لا المثقف المعزول في برجه ولا الموظف الذي يبرر قرارات السلطة.

لكن جانباً من المثقفين العرب تحول إلى ملحق بالأنظمة. برر بعضهم القمع باسم الاستقرار، والحزب الواحد باسم الوحدة، والرقابة باسم المعركة الوطنية، والسجون باسم حماية الثورة.

وحين استبدلت الأنظمة خطابها الاشتراكي بسياسات الانفتاح والخصخصة، انتقل كثير من هؤلاء المثقفين معها من تمجيد القطاع العام إلى تمجيد السوق، من دون مراجعة فكرية أو اعتذار أخلاقي.

لم يكن ولاؤهم للاشتراكية، بل للسلطة التي كانت تتحدث باسمها.

الحزب الشيوعي بوصفه طائفة علمانية

حين تتحول الماركسية إلى عقيدة مغلقة، يصبح الحزب طائفة علمانية. تكون له نصوصه المقدسة، ومؤسسوه المعصومون، وطقوسه ومناسباته، وروايته الرسمية للتاريخ، وأسماء لا يجوز نقدها.

ويتشابه هذا البناء مع المؤسسات التقليدية التي يدعي الحزب تجاوزها. فبدلاً من شيخ الدين يوجد الأمين العام، وبدلاً من الفتوى يوجد القرار الحزبي، وبدلاً من التكفير توجد تهمة الانحراف أو التحريفية أو الخيانة الطبقية.

كانت المركزية الديمقراطية، في أصلها، محاولة للجمع بين حرية النقاش ووحدة التنفيذ، لكنها تحولت في تجارب عديدة إلى مركزية بلا ديمقراطية.

ومع غياب الانتخابات الحقيقية وتداول القيادة وحرية المنابر الداخلية، شاخت الأحزاب، وانفصلت قياداتها عن أجيال الشباب، وأصبحت غير قادرة على فهم التحولات الاجتماعية الجديدة.

انهيار الاتحاد السوفييتي وأزمة المراجعة

كان انهيار الاتحاد السوفييتي سنة 1991 لحظة كان يفترض أن تدفع اليسار العربي إلى مراجعة شاملة. فالتجربة السوفييتية حققت إنجازات في التصنيع والتعليم ومواجهة النازية، لكنها أقامت أيضاً نظام الحزب الواحد، وقمعت التعدد السياسي، وأنشأت بيروقراطية ضخمة احتكرت القرار.

غير أن كثيراً من الأحزاب العربية لم تجرِ مراجعة كافية. بعضها تمسك بالدفاع عن التجربة كأن شيئاً لم يحدث، وبعضها تخلى عن الماركسية من دون تحليل أسباب الأزمة، وبعضها تحول إلى أحزاب إصلاحية صغيرة تفتقر إلى مشروع اجتماعي واضح.

المراجعة لا تعني التبرؤ من التاريخ كله، بل فهمه. ولا يمكن بناء يسار جديد من دون الاعتراف بأن الاشتراكية التي تلغي الحرية السياسية تفتح الطريق أمام البيروقراطية والفساد والانهيار.

الاشتراكية ليست ملكية الدولة لكل شيء

اختُزلت الاشتراكية في التجارب العربية في التأميم وتوسيع القطاع العام. لكن ملكية الدولة لا تعني بالضرورة ملكية المجتمع، خصوصاً عندما تكون الدولة غير ديمقراطية.

قد تكون المؤسسة مملوكة للدولة، لكن إدارتها خاضعة لمسؤول حزبي لا يحاسبه أحد. وقد يكون المصنع عاماً، لكن العمال لا يملكون حق تشكيل نقابة مستقلة أو الاعتراض على الإدارة.

الاشتراكية الحقيقية لا تقوم فقط على سؤال: من يملك وسائل الإنتاج؟ بل أيضاً على أسئلة: من يقرر؟ من يراقب؟ من يحاسب؟ وهل يستطيع المواطن تغيير السلطة؟

إنها لا تعادي المبادرة الفردية لمجرد أنها فردية، ولا تعتبر السوق شراً مطلقاً، بل تسعى إلى إخضاع الاقتصاد للحاجات الاجتماعية، ومنع الاحتكار والاستغلال، وتوفير التعليم والصحة والسكن والحماية الاجتماعية، مع حماية الحريات العامة والفردية.

الديمقراطية ليست ملحقاً برجوازياً

اعتبرت تيارات ماركسية عديدة الديمقراطية الليبرالية مجرد غطاء لحكم البرجوازية. وهذا النقد يحتوي على جانب صحيح، لأن المساواة القانونية لا تلغي عدم المساواة الاقتصادية. لكن النتيجة لم يكن ينبغي أن تكون إلغاء الديمقراطية، بل توسيعها لتشمل الاقتصاد والمجتمع.

حرية الصحافة، واستقلال القضاء، والانتخابات، وتداول السلطة، وحرية التنظيم، ليست خدعاً برجوازية يمكن الاستغناء عنها، بل مكاسب إنسانية تحققت عبر نضالات طويلة شارك فيها العمال والنساء والمهمشون.

الاشتراكية التي تلغي هذه الحقوق لا تتجاوز الديمقراطية، بل تتراجع إلى ما دونها.

نحو قراءة نقدية للإسلام والتراث

لا يستطيع اليسار العربي أن يتجدد من دون موقف واضح من الدين والتراث. وهذا الموقف لا يقوم على ازدراء المؤمنين أو منع الممارسات الدينية، بل على جملة مبادئ أساسية:

حرية الإيمان وعدم الإيمان حق فردي كامل، ولا يحق للدولة أو الجماعة فرض عقيدة على المواطن.

الدولة مؤسسة مدنية تستمد شرعيتها من المواطنين، لا من تفسير ديني أو تفويض مقدس.

القوانين قابلة للنقد والتغيير لأنها من صنع البشر، ولا يجوز تحصين نظام اجتماعي كامل بمنحه صفة إلهية.

المساواة بين النساء والرجال، وبين أتباع الأديان والمذاهب، ليست خاضعة لموازين القوى أو التفسيرات الفقهية.

التعليم يجب أن يبني العقل النقدي، لا أن يلقّن الأجيال إجابات نهائية عن أسئلة التاريخ والمجتمع.

التراث يُدرس بوصفه تجربة تاريخية متعددة، فيها العقلاني والنقلي، والمتمرد والمحافظ، والمساواتي والسلطاني، ولا يُقدس كله ولا يُرفض كله.

من القطيعة مع الدين إلى القطيعة مع سلطته السياسية

ليست مهمة اليسار أن يطلب من الناس التخلي عن إيمانهم، بل أن يحرر الإيمان نفسه من استخدام السلطة. فالدولة المدنية لا تعادي الدين؛ إنها تمنع الدولة من احتكاره، وتحمي المؤمن من فرض تفسير رسمي عليه، وتحمي غير المؤمن من الاضطهاد.

كما أن فصل الدين عن الدولة لا يعني فصل القيم الأخلاقية عن السياسة، بل يعني أن القيم العامة يجب أن تبرر بالعقل والمصلحة المشتركة وحقوق الإنسان، لا بسلطة نص لا يؤمن به جميع المواطنين بالطريقة نفسها.

إن المجتمع المتعدد لا يستطيع أن يعيش بسلام عندما تعتبر جماعة واحدة أن معتقداتها مصدر إلزام للجميع.

مشروع تحرري يتجاوز القومية العسكرية والإسلام السياسي

تحتاج المنطقة العربية إلى مشروع تقدمي جديد لا يستنسخ الناصرية أو البعث، ولا يساير الإسلام السياسي، ولا يعيد إنتاج التجربة السوفييتية.

مشروع يربط التحرر الوطني بالحرية الداخلية، ويرفض الاحتلال والاستعمار بقدر ما يرفض استبداد الدولة الوطنية.

مشروع يرى أن العدالة الاجتماعية والديمقراطية ليستا مرحلتين منفصلتين، بل شرطين متلازمين.

مشروع يدافع عن حقوق العمال والفلاحين، لكنه يدافع أيضاً عن حرية الفرد والمرأة والأقليات القومية والدينية والمذهبية.

مشروع لا يختزل الإنسان في طبقته، ولا المجتمع في اقتصاده، ولا التاريخ في صراع خطي حتمي.

مشروع يعترف بأن البيئة والهوية والجندر والثقافة والدين والقومية عناصر حقيقية في الصراع الاجتماعي، لكن من دون أن يسمح لها بإلغاء السؤال الطبقي أو تقسيم المجتمع إلى جماعات متناحرة.

ماركسية عربية لا نسخاً عربية عن الماركسية

لا تحتاج المنطقة إلى ماركسية تضع بعض الآيات أو الأمثال العربية إلى جانب نصوص ماركس، ثم تدعي أنها أصبحت محلية. كما لا تحتاج إلى إلباس التراث مفاهيم حديثة لم يعرفها، أو الادعاء بأن الاشتراكية والديمقراطية وحقوق الإنسان كانت مكتملة في الماضي.

المطلوب هو إنتاج فكر جديد يستفيد من ماركس من دون تقديسه، ومن حسين مروة ومهدي عامل وسمير أمين وهادي العلوي ومحمود أمين العالم وعلي الوردي من دون تحويلهم إلى آباء جدد لا يجوز نقدهم.

إن المحلية لا تعني العودة الرومانسية إلى الماضي، بل الانطلاق من التكوين الواقعي للمجتمع: من اقتصاده الريعي، ودولته الأمنية، وبنيته الطائفية، وأزمته التعليمية، ووضع المرأة فيه، ومسألته القومية، وعلاقته بالنظام الرأسمالي العالمي.

اليمن الجنوبي تجربة تستحق القراءة

مثلت جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية التجربة العربية الوحيدة التي أقامت نظامًا اشتراكيًا ذا مرجعية ماركسية-لينينية بصورة رسمية، حيث تبنت سياسات التأميم والإصلاح الزراعي، ووسعت نطاق التعليم والرعاية الصحية، وعززت مشاركة المرأة في الحياة العامة. غير أن هذهالتجربة واجهت تناقضًا مع بعض مكونات الموروث الفكري والاجتماعي الإسلامي السائد، نتيجة تبنيها رؤية علمانية للدولة وسعيها إلى إعادة صياغة البنية القانونية والاجتماعية وفق منظور اشتراكي. ومع ذلك، لم يكن التناقض مع الإسلام بوصفه دينًا، بقدر ما كان مع بعض التفسيراتالفقهية التقليدية والبنى الاجتماعية المرتبطة بها، وهو ما جعل التجربة تعيش توترًا دائمًا بين مشروعها التحديثي والواقع الثقافي والديني للمجتمع اليمني، فضلًا عن الصراعات السياسيةالداخلية التي أسهمت في إضعافها حتى قيام الوحدة اليمنية عام 1990.

خلاصة الهزيمة

لم تُهزم الماركسية العربية فقط لأنها واجهت القمع والاستعمار والأنظمة الرجعية. هُزمت أيضاً لأنها لم تستطع دائماً أن تكون وفية لروحها النقدية.

هُزمت عندما تحالفت مع الدكتاتوريات القومية بحجة التقدم.

هُزمت عندما قبلت تأجيل الحرية إلى ما بعد التحرير.

هُزمت عندما اعتبرت حقوق المرأة والأقليات مسائل ثانوية.

هُزمت عندما أعادت إنتاج الزعيم الأب داخل الحزب.

هُزمت عندما استخدمت الدين بصورة انتهازية أو هاجمته بطريقة سطحية.

هُزمت عندما دافعت عن أنظمة قمعية لمجرد معاداتها للغرب.

هُزمت عندما اختزلت الاشتراكية في التأميم، والوطنية في سيادة النظام، والوحدة في إلغاء التعدد، والمقاومة في السلاح.

خاتمة: لا اشتراكية من دون إنسان حر

إن المشروع التقدمي الذي تحتاجه مجتمعاتنا لا يمكن أن يولد من المصالحة مع الاستبداد، ولا من إعادة تدوير التراث السلطاني، ولا من تقديس تجارب القرن العشرين.

يجب أن يبدأ من الاعتراف بأن الإنسان ليس وسيلة للحزب أو للدولة أو للأمة أو للطائفة، بل هو غاية التحرر كلها.

لا اشتراكية حقيقية من دون حرية الفكر والاعتقاد.

لا عدالة اجتماعية من دون دولة قانون.

لا تحرر وطني من دون مواطن حر.

لا مقاومة مشروعة إذا تحولت إلى سلطة فوق المجتمع.

لا تقدم في مجتمع تبقى فيه المرأة خاضعة للوصاية.

ولا ماركسية حية إذا تحولت إلى نصوص مغلقة وقيادات مقدسة.

إن أهم ما يمكن استعادته من ماركس ليس مجموعة الأجوبة التي قدمها في القرن التاسع عشر، بل شجاعة السؤال، ونقد العلاقات التي تحول الإنسان إلى تابع لما صنعه بيديه.

وأهم ما يمكن تعلمه من حسين مروة هو أن التراث لا يُفهم خارج التاريخ.

ومن مهدي عامل أن الطائفية ليست قدراً أبدياً، بل علاقة سياسية يمكن تفكيكها.

ومن علي الوردي أن الوعظ لا يغير مجتمعاً تحكمه مصالح وبنى أقوى من الكلمات.

ومن محمود أمين العالم أن الثقافة ميدان للصراع الاجتماعي، لا زينة معلقة فوقه.

ومن سمير أمين أن التحرر الداخلي لا يكتمل في ظل التبعية العالمية، وأن مقاومة الهيمنة الخارجية لا تكون باستبدالها باستبداد محلي.

أما الدرس الأكبر، فهو أن الاشتراكية التي لا تحرر الإنسان من الخوف والطاعة والوصاية ليست اشتراكية، وأن الثورة التي تعيد إنتاج الشيخ والزعيم والطائفة داخل حزب يحمل اسماً حديثاً ليست ثورة.

لقد آن الأوان للانتقال من اشتراكية مصطنعة صيغت على قياس البعث والناصرية والدكتاتوريات العسكرية، ومن يسار يخضع للموروثات الإسلامية والطائفية أو يساومها، إلى مشروع ديمقراطي تحرري اجتماعي واقتصادي، يضع الحرية والعدالة والعقل النقدي والمواطنة المتساوية في أساس بناء المجتمع.

فلا يمكن تحرير الاقتصاد من الرأسمالية، بينما يبقى العقل خاضعاً للمقدس السياسي والديني، ولا يمكن بناء مجتمع جديد بأدوات المجتمع القديم. والمهمة التاريخية لليسار ليست أن يدير التخلف بصورة أكثر عدالة، بل أن يحرر الإنسان من جميع العلاقات التي تجعله خاضعاً ومهاناً ومستلباً.

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

ماركس وباكونين: الصراع الذي شقّ الثورة إلى طريقين!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد من الأممية الأولى إلى مؤتمر لاهاي: من كان أقرب...

هالة نهرا ووجدي أبو ذياب في عملٍ إبداعيّ: من سلوفينيا إلى العالم!

أخباركم - أخبارنا تجلببتْ قصيدة «يا ضوء الأضواء» للشاعرة اللبنانية والعربية هالة نهرا، من...

اليسار الفلسطيني أمام مرآة الحقيقة: أزمة المشروع أم أزمة الاستقلال السياسي؟

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد ردّ على مقالة «اليسار الفلسطيني أمام لحظة الحقيقة.. من...

الحجّاج والسفّاح: هل يعيد التاريخ إنتاج وجهي السلطة؟

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد يصعب فهم الحجّاج بن يوسف الثقفي وأبي العباس السفّاح...

More like this

من فيصل وبوتو إلى مكة: هل وُلدت المظلة النووية السعودية في السبعينيات وتستعد إسرائيل اليوم لمواجهتها؟

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد هناك سؤال يبدو في ظاهره بسيطاً، لكنه قد يكون مفتاحاً...

نحو شرق أوسط جديد!

أخباركم - أخبارنا/ حنا صالح على مدى الأشهر التي تلت كارثة طوفان الأقصى، زعم...

سلسلة تعيينات باسم خامنئي: هل بدأت عملية إعادة بناء السلطة من داخل السلطة ام نفذ انقلاب ابيض؟

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد ما جرى في إيران خلال الأيام الأخيرة من تعيينات...