السبت, أغسطس 15, 2026
25.2 C
Beirut

زياد الرحباني… لا يملكه الورثة وحدهم، بل يملكه الذين عاشوا معه

نشرت في

أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد

كان لي مزاجي الخاص بالموسيقى، وكنت في الموسيقى الثورية أحب الشيخ إمام، وفرقة الطريق العراقية، وسميح شقير، إلى أن فاجأني يوماً العزيز وليد بشارة Walid Bechara بموسيقى “أبو علي” و”صديقي صبحي الجيز”، وقال لي: “لزياد الرحباني أسلوبه بالحكي والموسيقى… اسمعه، مش رح تندم”. وفعلاً استمعت إلى مسرحياته وأغانيه وموسيقاه، وتعلقت بها.

زعلت منه عندما أخذ موقفاً أقرب إلى حزب الله، لكني لم أزعل من موسيقاه ولا من مسرحياته، وتعاملت معه على قاعدة: “لكم دينكم ولي دين”. وهذا كان موقفي من كثير من الرفاق؛ لكل منا حرية أن يأخذ الموقف في الزاوية التي تعجبه.

وكان عندي الموقف نفسه من فيروز بسبب علاقتها مع بيت الأسد، رغم أنني أحب صوتها وأغانيها مثل كل الناس. وعرفتها أكثر من خلال العزيزة تريز عبد النور Therese Abdelnour، التي كانت تبدأ صباحها بفيروز، فأجلس أسمع الكلمات وأتفاجأ بجمالها وروعة موسيقاها، مثل: “أسامينا شو تعبوا أهالينا تلاقوها، شو افتكروا فينا”، و*“حبيتك تنسيت النوم”*.

وأحببت فيروز أكثر عندما أحبتها حبيبتي لينو، وكانت وهي صغيرة تغني: “قمرة يا قمرة”.

ورغم ذلك، لم أحضر لها حفلة يوماً بسبب موقفي السياسي، رغم أن الفرصة سنحت لي مرتين، ولم أذهب. لم أستطع أن أخلط الفن بالسياسة.

من حق فيروز وزياد أن يأخذا الموقف الذي يريدانه، ومن حقنا أن نزعل منهما، لكن من حقنا أيضاً أن نستمر في الغناء معهما، وأن نسمع كلماتهما، وأن نضيع في موسيقاهما.

كان من يتصل بهاتفي في الإمارات يسمع أغنية “يا جبل البعيد خلفك حبايبنا”، وكانت أم جابي، رحمها الله، تقول لي: “ما ترد بسرعة… خليني اسمعها”، وكانت تحاكيني من وراء جبال بعيدة.

لكل منا علاقته بفيروز وزياد، وهما ملك الجميع، حتى من اختلف معهما.

“عودك رنان… رنة عودك إلي… عيدا كمان… ضلك عيد يا علي.”

أعاد السجال الذي اندلع بين ريما الرحباني والموسيقي ربيع الزهر حول إرث زياد الرحباني طرح سؤال يتجاوز القانون والمحاكم: هل يمكن لفنان بحجم زياد أن يبقى ملكاً لعائلته وحدها، أم أنه أصبح جزءاً من الذاكرة الجماعية لكل من عاش معه؟

من الناحية القانونية، لا خلاف على أن الحقوق المادية والأدبية للمؤلف يحكمها القانون، وأن الورثة يملكون صلاحيات واسعة في حماية هذا الإرث وإدارته. ومن الطبيعي أن تعترض ريما الرحباني على أي استخدام لأعمال زياد إذا رأت أنه لا يحترم حقوقه أو صورته أو إرادته الفنية.

لكن المسألة لا تنتهي عند النصوص القانونية.

فزياد الرحباني لم يكن مجرد مؤلف موسيقي ترك وراءه مجموعة من الألحان. لقد كان ظاهرة ثقافية كاملة. دخل إلى بيوت الناس، وإلى سياراتهم، وإلى المقاهي، وإلى الجامعات، وإلى لياليهم الطويلة. أصبحت شخصياته المسرحية جزءاً من اللغة اليومية، وتحولت جمله الساخرة إلى أمثال يتداولها اللبنانيون والعرب، وأصبحت موسيقاه جزءاً من ذاكرة أجيال كاملة.

لهذا فإن إرث زياد لا يشبه إرث أي فنان عادي.

الحقوق القانونية شيء، وملكية الوجدان الشعبي شيء آخر.

لا يستطيع أحد أن يحتكر ذاكرة الناس، تماماً كما لا يستطيع أحد أن يمنعهم من البكاء على أغنية، أو الضحك على مشهد، أو استعادة عبارة حفظوها منذ أربعين عاماً.

ربيع الزهر يرى أنه عاش تجربة خاصة مع زياد، وأن علاقته الشخصية به تمنحه حقاً أخلاقياً في الاستمرار بتقديم أعماله والاحتفاء بها.

أما ريما الرحباني، فترى نفسها مسؤولة عن حماية هذا الإرث من أي استثمار أو استخدام لا ينسجم مع شخصية زياد وإرادته.

قد يكون لكل طرف أسبابه، لكن الخطر الحقيقي يبدأ عندما يتحول الدفاع عن الإرث إلى احتكار للذاكرة.

فالفن العظيم لا يعيش لأنه محفوظ داخل خزنة قانونية، بل لأنه ينتقل من إنسان إلى آخر، ومن جيل إلى جيل.

لم يعد زياد الرحباني ملكاً لعائلته وحدها منذ اللحظة التي حفظ فيها الناس حواراته عن ظهر قلب، ورددوا أغانيه في أفراحهم وأحزانهم، واستخدموا سخريته لفهم السياسة والحياة.

كما أن فيروز لم تعد ملكاً لعائلتها عندما أصبحت أغنياتها جزءاً من صباحات الملايين.

لا أحد يستطيع أن يطالب الناس بإعادة ذكرياتهم، أو أن يسترد الأغاني التي سكنت وجدانهم، أو أن يحتكر الحنين.

قد يملك الورثة التسجيلات الأصلية، والعقود، والحقوق المالية، لكنهم لا يملكون القلوب التي سكنت فيها تلك الموسيقى.

ولهذا فإن أي إدارة حكيمة لإرث زياد يجب أن تحقق توازناً بين احترام حقوق الورثة القانونية، وبين الاعتراف بأن هذا الإرث أصبح أيضاً جزءاً من التراث الثقافي اللبناني والعربي.

لقد اختلف كثيرون مع زياد في السياسة، وأنا واحد منهم، لكن ذلك لم يمنعهم من أن يحبوا موسيقاه.

واختلف كثيرون مع فيروز في مواقفها، لكنهم ظلوا ينتظرون صوتها كل صباح.

وهذه ربما هي أعظم انتصارات الفن.

الفن الحقيقي لا يلغي الخلافات، لكنه يتجاوزها.

يبقى الفن مساحة مشتركة، حتى عندما تتباعد المواقف.

ويبقى زياد الرحباني، مهما اشتدت الخلافات حول حقوقه وإرثه، ابن عائلته قانوناً، لكنه أيضاً ابن الناس جميعاً… وابن كل شخص وجد في موسيقاه لحظة عزاء، أو ضحكة، أو وجعاً يشبه وجعه، أو وطناً صغيراً يسكنه كلما ضاقت به الحياة.

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

ماركس وباكونين: الصراع الذي شقّ الثورة إلى طريقين!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد من الأممية الأولى إلى مؤتمر لاهاي: من كان أقرب...

هالة نهرا ووجدي أبو ذياب في عملٍ إبداعيّ: من سلوفينيا إلى العالم!

أخباركم - أخبارنا تجلببتْ قصيدة «يا ضوء الأضواء» للشاعرة اللبنانية والعربية هالة نهرا، من...

اليسار الفلسطيني أمام مرآة الحقيقة: أزمة المشروع أم أزمة الاستقلال السياسي؟

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد ردّ على مقالة «اليسار الفلسطيني أمام لحظة الحقيقة.. من...

الحجّاج والسفّاح: هل يعيد التاريخ إنتاج وجهي السلطة؟

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد يصعب فهم الحجّاج بن يوسف الثقفي وأبي العباس السفّاح...

More like this

سورية.. كم كانت متطوّرة.. قراءة في تاريخ الحياة الحزبية والديمقراطية في سورية

أخباركم - أخبارنا بقلم: نجم الدين الخريطالأمين العام للحزب الشيوعي السوري الموحد وعضو الكتلة...

ست سنوات على انفجار مرفأ بيروت .. القرار الظني يقترب… فهل تقترب العدالة من أصحاب النفوذ والسلاح؟

أخباركم- أخبارنا/ مسعود محمد بيروت تستعيد لحظة الموت… واللبنانيون لا يصدقون الوعود في الرابع من آب...

3 آب 2014: حين أُبيحت سنجار باسم الدين وعادت أسواق العبيد في زمن القانون الدولي

بقلم: مسعود محمد في الثالث من آب/أغسطس 2014، لم يشن تنظيم داعش هجوماً عسكرياً عادياً...