السبت, أغسطس 15, 2026
25.2 C
Beirut

من مراجعة الأزمة إلى بناء المشروع: حوار مع محمد علوش حول مستقبل اليسار العربي

نشرت في

أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد

تشكّل الورقة الفكرية التي كتبها الأستاذ محمد علوش بعنوان «هل يمتلك اليسار العربي مشروعه المستقل؟ مراجعة في أزمة النموذج… لماذا اختارت جبهة النضال الشعبي الفلسطيني الاشتراكية الديمقراطية؟»، والمنشورة في جريدة «النور» السورية، الصادرة عن الحزب الشيوعي السوري الموحّد، في العدد 1208، يوم الأربعاء 29 تموز/يوليو 2026، مساهمة جدية تستحق القراءة والنقاش والبناء عليها.

لا تنبع أهمية الورقة من كونها تقدم إجابات نهائية عن أزمة اليسار العربي، بل من جرأتها في إعادة طرح أسئلة ظل كثير من الأحزاب والتيارات اليسارية يتجنبها أو يؤجلها: هل يمتلك اليسار العربي فعلاً مشروعاً مستقلاً؟ هل أنتج رؤيته الخاصة انطلاقاً من واقع مجتمعاته، أم بقي أسير نماذج وتجارب نشأت في ظروف تاريخية مختلفة؟ وهل تكفي المراجعة الفكرية وحدها، أم يجب أن تترافق مع مراجعة سياسية وتنظيمية واقتصادية واجتماعية شاملة؟

لقد سبق أن تناولت في مقالات سابقة ضرورة تجديد الفكر اليساري العربي، وتحريره من الموروثات الجامدة ومن النقل الحرفي للتجارب الخارجية، والانتقال من الدفاع الدائم عن الماضي إلى إنتاج مشروع يستجيب لتحولات الحاضر والمستقبل. ومن هنا، أجد أن ورقة محمد علوش تلتقي مع عدد من الأفكار التي دعوت إليها، ولا سيما ضرورة المراجعة، ورفض تحويل المرجعيات إلى نصوص مغلقة، والربط بين الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، وإعادة تعريف القاعدة الاجتماعية لليسار.

لكن الاتفاق مع الاتجاه العام للورقة لا يلغي الحاجة إلى الحوار حول ما بقي فيها غير محدد أو غير مكتمل. فالأفكار المهمة لا تُحترم بالتصفيق لها فقط، بل بمناقشتها وتطويرها وتحويلها إلى برنامج فكري وسياسي قابل للاختبار في الواقع.

شجاعة الاعتراف بالأزمة

من أبرز نقاط القوة في ورقة محمد علوش أنها لا تنكر وجود أزمة عميقة يعانيها اليسار العربي، ولا تكتفي بإرجاع تراجعه إلى المؤامرات الخارجية أو اختلال موازين القوى الدولية. فالورقة تضع جانباً أساسياً من المسؤولية داخل التجربة اليسارية نفسها، وفي طريقة تعاملها مع الفكر والواقع والتنظيم.

ويكتب علوش أن «الأفكار الكبرى لا تعيش بالنسخ، بل بالتجدد». وهذه العبارة تختصر معضلة فكرية وتاريخية كبرى. فقد تعاملت قطاعات واسعة من اليسار العربي، خلال مراحل طويلة، مع تجارب الاتحاد السوفييتي والصين وأوروبا الشرقية وغيرها بوصفها نماذج جاهزة ينبغي تطبيقها، لا تجارب تاريخية يمكن الاستفادة منها ونقدها في الوقت نفسه.

لم تكن المشكلة في الاطلاع على التجارب العالمية أو الاستفادة منها، بل في تحوّل الاستفادة أحياناً إلى تبعية، وتحول الاجتهاد إلى اقتباس، وتحول المرجعيات إلى نصوص مغلقة. فعندما يفقد الفكر قدرته على مراجعة نفسه، يتحول الحزب من أداة لتغيير المجتمع إلى جهاز لحراسة المقولات القديمة وتفسيرها وتبريرها.

إن الفكر الماركسي، في جوهره، لم ينشأ بوصفه منظومة جامدة، بل منهجاً لتحليل العلاقات الاجتماعية والاقتصادية في حركتها التاريخية. ولذلك فإن إنتاج مشروع يساري عربي مستقل لا يعني القطيعة مع التراث الاشتراكي العالمي، بل يعني التعامل معه نقدياً، واستيعاب منجزاته وإخفاقاته، ثم الانطلاق من البنية الفعلية للمجتمعات العربية.

فالواقع العربي ليس نسخة عن أوروبا الصناعية في القرن التاسع عشر، ولا عن روسيا مطلع القرن العشرين، ولا عن الصين قبل انتصار ثورتها. وهو واقع تتداخل فيه أنماط الإنتاج الحديثة مع البنى الريعية والعائلية والطائفية والعشائرية، وتتشابك فيه الدولة مع شبكات المصالح والفساد، وتتداخل فيه قضايا التحرر الوطني مع مطالب الديمقراطية والعدالة الاجتماعية.

من هنا، فإن تأكيد علوش أن الأفكار لا تعيش بالنسخ يمثل نقطة انطلاق ضرورية، لكنه يحتاج إلى أن يتحول من موقف فكري عام إلى منهج بحث وبرنامج عمل.

الديمقراطية والعدالة الاجتماعية

من أقوى ما تطرحه الورقة الربط بين الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، والتأكيد أن العدالة لا يمكن أن تتحقق من دون ديمقراطية، وأن الديمقراطية تفقد مضمونها عندما تنفصل عن العدالة الاجتماعية.

هذه الفكرة تستحق التأييد الكامل، لأنها تتجاوز أحد الانقسامات التي أضعفت الفكر السياسي العربي طويلاً. فقد شهدت المنطقة أنظمة رفعت شعارات الاشتراكية والتحرر والعدالة، لكنها صادرت الحريات العامة، ومنعت التعددية، وقمعت النقابات، وحولت الدولة إلى جهاز أمني وبيروقراطي مغلق. وفي المقابل، ظهرت مشاريع ليبرالية تحدثت عن الديمقراطية السياسية، لكنها اختزلتها في الانتخابات وحرية السوق، متجاهلة الفقر والتفاوت الاجتماعي واحتكار الثروة والفرص.

لا يمكن أن تكون الديمقراطية مجرد حق المواطن في وضع ورقة داخل صندوق الاقتراع، بينما يُحرم من التعليم الجيد والرعاية الصحية والعمل والسكن والضمان الاجتماعي. كما لا يمكن إقامة عدالة اجتماعية حقيقية في ظل سلطة تمنع حرية التعبير والتنظيم والمحاسبة وتداول السلطة.

إن الاشتراكية الديمقراطية، حين تُفهم باعتبارها التقاءً بين الحريات السياسية والحقوق الاجتماعية، يمكن أن تقدم أساساً مهماً لمشروع يساري معاصر. لكن نجاحها عربياً مشروط بألا تتحول إلى مجرد استعارة جديدة من التجارب الأوروبية. فالمطلوب ليس نقل برامج الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية الغربية، بل دراسة كيفية بناء نموذج يناسب اقتصاديات عربية تعاني الريعية، وضعف الإنتاج، والبطالة، واتساع القطاع غير المنظم، وهجرة الكفاءات، وارتباط قطاعات واسعة من الاقتصاد بمراكز القوى السياسية والطائفية والعسكرية.

الديمقراطية الاجتماعية المطلوبة عربياً يجب أن تنطلق من الحق في المواطنة المتساوية، واستقلال القضاء، وحرية التنظيم النقابي والسياسي، وحماية الحقوق الفردية والجماعية، بالتوازي مع سياسات اقتصادية تعيد توزيع الثروة والفرص، وتحمي الفئات الأضعف، وتعيد الاعتبار إلى العمل والإنتاج.

رفض احتكار الحقيقة

من الجوانب الإيجابية في الورقة أيضاً رفضها تحويل المرجعيات الفكرية إلى نصوص نهائية مغلقة. فالأحزاب التي تعتقد أنها تمتلك الحقيقة الكاملة لا تستطيع الدخول في حوار حقيقي مع المجتمع أو مع القوى الأخرى، لأنها تتعامل مع النقاش بوصفه امتحاناً لمدى اقتراب الآخرين من مواقفها، لا وسيلة مشتركة لاكتشاف الحقيقة.

لقد عانى اليسار العربي من ثقافة سياسية رأت في الاختلاف الفكري انحرافاً، وفي النقد الداخلي تهديداً، وفي المراجعة تراجعاً عن المبادئ. وأدى ذلك إلى انقسامات متكررة، وولادة تنظيمات صغيرة مغلقة، وتراجع المبادرة الفكرية داخل الأحزاب، وسيطرة اللغة الخشبية على أدبياتها.

المراجعة لا تعني التخلي عن المبادئ، بل إعادة تحديدها وتحريرها من التفسيرات الجامدة. ولا تعني نسيان تاريخ التضحيات، بل احترام تلك التضحيات من خلال ضمان ألا تتحول إلى مبرر لاستمرار الأخطاء.

إن الحزب اليساري المعاصر يجب ألا يكون مالكاً للحقيقة، بل مساحة لإنتاجها جماعياً؛ وألا يتعامل مع المثقف بوصفه شارحاً للقرارات الحزبية، بل شريكاً في نقدها وتطويرها. كما يجب ألا يكون الحوار مع القوى الديمقراطية والقومية والليبرالية والمدنية مجرد تحالف ظرفي، بل جزءاً من ثقافة سياسية جديدة تعترف بالتعددية وتقبل اختلاف المصالح والرؤى داخل المجتمع.

من هي القاعدة الاجتماعية لليسار؟

تلفت الورقة إلى أن اليسار لم يعد قادراً على اختزال نفسه في التعبير عن طبقة واحدة، وأن عليه أن ينظر إلى نفسه بوصفه مشروعاً اجتماعياً واسعاً. وهذه فكرة مهمة، شرط ألا تؤدي إلى التخلي عن التحليل الطبقي أو تذويب الانحياز الاجتماعي لليسار داخل خطاب إنساني عام لا يحدد موقعه من علاقات القوة والثروة.

لقد تغيرت بنية العمل بصورة جذرية. لم يعد العامل الصناعي في المصنع الكبير الشكل الوحيد أو الرئيسي للطبقة العاملة. فهناك العاملون في قطاعات الخدمات، والتعليم، والصحة، والنقل، والتكنولوجيا، والإعلام، والمنصات الرقمية، والاقتصاد المعرفي. وهناك العاملون بعقود مؤقتة، والعاملون لحسابهم ظاهرياً بينما يخضعون فعلياً لسيطرة الشركات والمنصات، إضافة إلى ملايين العاطلين عن العمل والنازحين واللاجئين والمهاجرين.

كما أن الحروب والانهيارات الاقتصادية في بلدان مثل سورية ولبنان وفلسطين والعراق واليمن أعادت تشكيل البنية الطبقية والاجتماعية. تضررت قطاعات الإنتاج، وتراجعت النقابات، واتسع الاقتصاد غير الرسمي، واضطر ملايين الناس إلى الهجرة أو الاعتماد على المساعدات والتحويلات الخارجية.

لذلك فإن إعادة تعريف القاعدة الاجتماعية لليسار ضرورة لا يمكن تأجيلها. لكن هذه القاعدة يجب ألا تُبنى على جمع فئات مختلفة في قائمة فضفاضة، بل على تحليل المصالح المشتركة التي تجمع العمال والموظفين والفلاحين وصغار المنتجين والمثقفين والنساء والشباب والعاطلين عن العمل، في مواجهة الاحتكار والفساد والاستغلال وسوء توزيع الثروة.

ينبغي أن يحتفظ اليسار بانحيازه إلى العمل في مواجهة الريع، وإلى الإنتاج في مواجهة الاحتكار، وإلى الحقوق الاجتماعية في مواجهة التهميش، مع توسيع مفهوم الطبقة العاملة ليتناسب مع أنماط العمل الجديدة.

ما المقصود بالمشروع المستقل؟

يطرح عنوان ورقة محمد علوش سؤالاً مركزياً: هل يمتلك اليسار العربي مشروعه المستقل؟ لكن هذا السؤال يحتاج إلى تحديد معنى الاستقلال ومعنى المشروع.

هل الاستقلال المقصود هو الاستقلال عن المراكز الفكرية والسياسية الخارجية؟ أم الاستقلال عن الدولة والسلطة؟ أم الاستقلال عن القوى القومية والدينية والليبرالية؟ أم القدرة على إنتاج برنامج اقتصادي واجتماعي وسياسي خاص؟

المشروع المستقل لا يعني الانعزال عن التجارب العالمية، ولا رفض التضامن الأممي، ولا ادعاء إمكانية إنتاج فكر منقطع عن التراث الإنساني. بل يعني امتلاك القدرة على قراءة الواقع المحلي والإقليمي بصورة نقدية، واتخاذ المواقف وفق مصالح الشعوب وحقوقها، لا وفق اصطفافات دولية ثابتة أو ولاءات تاريخية.

لا يكفي، مثلاً، أن يكون اليسار ضد الإمبريالية إذا سكت عن استبداد داخلي أو إقليمي. ولا يكفي أن يرفع شعار السيادة الوطنية إذا تجاهل حقوق المواطنين وحرياتهم. كما لا يكفي أن يتحدث عن العدالة الاجتماعية إذا لم يقدم سياسة اقتصادية قابلة للتطبيق.

المشروع المستقل يجب أن يجمع بين التحرر الوطني والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، وأن يرفض استخدام أي واحدة منها ذريعة لإلغاء الأخرى. وهو يحتاج إلى رؤية واضحة للدولة، والاقتصاد، والمجتمع، والهوية، والعلاقة بالدين، وقضايا القوميات والأقليات، وحقوق المرأة، والبيئة، والتكنولوجيا، والسياسة الخارجية.

أسباب تراجع اليسار العربي

تشير الورقة إلى الجمود والنقل والاعتماد على النماذج الجاهزة بوصفها عوامل أساسية في أزمة اليسار، وهي قراءة صحيحة، لكنها لا تكفي وحدها لتفسير حجم التراجع الذي أصابه.

لقد تعرضت الأحزاب الشيوعية واليسارية في بلدان عربية كثيرة للقمع والسجون والإعدامات والحظر. لكن بعضها دخل أيضاً في تحالفات طويلة مع أنظمة استبدادية، أو التزم الصمت تجاه انتهاكاتها، بحجة مواجهة الإمبريالية أو حماية الدولة الوطنية. وقد أدى ذلك إلى خسارة جزء كبير من صدقيته لدى أجيال رأت أن بعض قوى اليسار تنتقد القمع عندما يصدر عن خصومها، وتتسامح معه عندما يصدر عن حلفائها.

كما أدى انهيار الاتحاد السوفييتي إلى أزمة فكرية ومادية وتنظيمية عميقة. فقد فقدت أحزاب كثيرة مرجعيتها الدولية ومصادر دعمها، لكنها لم تستطع بناء رؤية جديدة أو مراجعة علاقتها السابقة بالتجربة السوفييتية بصورة شاملة.

إلى جانب ذلك، ساهم صعود الإسلام السياسي في ملء الفراغ الذي تركته الدولة واليسار في مجالات العمل الاجتماعي والخيري والنقابي. وتمكنت قوى دينية من مخاطبة قطاعات شعبية بلغة قريبة من ثقافتها اليومية، بينما بقي خطاب اليسار في أحيان كثيرة نخبوياً ومغلقاً.

وأدت التحولات النيوليبرالية إلى إضعاف القطاع العام والنقابات وإعادة تشكيل سوق العمل، فيما لم تنجح غالبية الأحزاب اليسارية في تطوير أدوات تنظيم تتناسب مع العمالة المرنة والاقتصاد غير الرسمي والمنصات الرقمية.

ولا يمكن تجاهل أسباب داخلية مثل شيخوخة القيادات، وضعف تداول المسؤوليات، وتهميش الشباب والنساء، وسيطرة المركزية البيروقراطية، وتحول بعض الأحزاب إلى مجموعات تدير تراثاً تاريخياً أكثر مما تبني حركة اجتماعية جديدة.

إن أي مراجعة جادة يجب أن تدرس هذه الأسباب مجتمعة، وأن تبتعد عن التفسيرات السهلة التي تحمل الخارج كل المسؤولية أو تحصر الأزمة في خطأ نظري واحد.

الحاجة إلى برنامج اقتصادي واضح

من أبرز المساحات التي تحتاج إلى مزيد من البلورة في الورقة الجانب الاقتصادي. فالحديث عن الاشتراكية الديمقراطية لا يكتمل من دون توضيح طبيعة النظام الاقتصادي المطلوب.

ما الدور الذي يجب أن تؤديه الدولة؟ وما موقع القطاع الخاص؟ وما القطاعات التي ينبغي أن تبقى أو تعود إلى الملكية العامة؟ وكيف يمكن إصلاح القطاع العام من دون خصخصته أو إبقائه رهينة البيروقراطية والفساد؟ وكيف تُبنى منظومة ضريبية عادلة تفرض أعباء أكبر على أصحاب الثروات والأرباح الاحتكارية؟

يحتاج اليسار العربي إلى برنامج يربط العدالة بالإنتاج، لا بتوزيع الفقر. فالتوزيع العادل ضروري، لكنه لا يكفي إذا لم يترافق مع بناء اقتصاد منتج في الصناعة والزراعة والتكنولوجيا والطاقة والخدمات الحديثة.

كما يجب أن يقدم اليسار رؤية لمواجهة البطالة، وحماية الأجور، وضمان حقوق العاملين في الاقتصاد غير الرسمي، ووضع تشريعات للعاملين عبر المنصات الرقمية، وتوفير التعليم والرعاية الصحية والسكن والنقل العام بوصفها حقوقاً اجتماعية لا سلعاً خاضعة لمنطق الربح وحده.

ويتعين أن تشمل الرؤية الاقتصادية الانتقال البيئي العادل، بحيث لا تتحمل الفئات الفقيرة تكلفة مواجهة التغير المناخي، وأن تربط الاستثمار في الطاقة المتجددة بخلق فرص عمل وتحقيق استقلال اقتصادي نسبي.

أما الذكاء الاصطناعي، فلا يجوز التعامل معه بوصفه قضية تقنية فقط. فهو يعيد تشكيل سوق العمل وملكية المعرفة وتوزيع الأرباح. ومن واجب اليسار أن يطرح أسئلة حول ملكية البيانات، وحقوق العاملين، والاحتكارات الرقمية، والضمان الاجتماعي في عالم قد يقل فيه الطلب على بعض أنواع العمل.

الدين والدولة والهوية

لا يمكن إنتاج مشروع يساري عربي جديد من دون معالجة مسؤولة للعلاقة بين الدين والدولة والمجتمع. فقد تراوحت مواقف بعض قوى اليسار بين تجاهل الدين، والتعامل معه كظاهرة ستختفي تلقائياً، أو الدخول في مساومات سياسية مع حركات دينية من دون بناء تصور فكري واضح.

المطلوب ليس معاداة الدين ولا إخضاع الدولة له، بل الدفاع عن دولة مدنية ديمقراطية تقف على مسافة واحدة من جميع المعتقدات، وتحمي حرية الإيمان وعدم الإيمان، وتمنع استخدام المقدس لتبرير الاستبداد أو التمييز.

كما يجب على اليسار أن يفهم أن الدين ليس مجرد عقيدة فردية، بل جزء من الذاكرة والثقافة والعلاقات الاجتماعية في المجتمعات العربية. والتعامل معه يحتاج إلى معرفة وحوار، لا إلى تبسيط أو إنكار.

وفي الوقت نفسه، لا يمكن التنازل عن المساواة الكاملة بين المواطنين، وحقوق النساء، وحرية الضمير، وحق الجماعات الدينية والقومية والثقافية في الحفاظ على هويتها ضمن دولة المواطنة والقانون.

التجربة الفلسطينية وأسئلة المراجعة

اختيار جبهة النضال الشعبي الفلسطيني الاشتراكية الديمقراطية يمثل، بحسب الورقة، محاولة لتطوير المرجعية الفكرية والسياسية بما يتلاءم مع التحولات المعاصرة. وتستحق هذه الخطوة النقاش والتقدير، ولا سيما إذا كانت تعني ربط التحرر الوطني بالديمقراطية والعدالة الاجتماعية.

لكن المراجعة الفكرية للتجربة الفلسطينية يجب أن تشمل أيضاً الأسئلة المتعلقة بتراجع حضور اليسار الفلسطيني، وضعف قدرته على بناء قطب مستقل بين حركتي فتح وحماس، وتأثير اتفاق أوسلو وبنية السلطة الفلسطينية، والانقسام السياسي والجغرافي، وتراجع دور النقابات والمؤسسات الجماهيرية.

كما يجب إعادة النظر في العلاقة بين التحرر الوطني والبناء الديمقراطي. فالقضية الفلسطينية لا يمكن اختزالها في إدارة الصراع مع الاحتلال، على أهمية ذلك، بل تحتاج أيضاً إلى مشروع اجتماعي وسياسي يحدد طبيعة الدولة والمجتمع والاقتصاد والحريات التي يناضل الفلسطينيون من أجلها.

إن نقد تجربة اليسار الفلسطيني لا ينتقص من تضحياته، بل يساعده على استعادة دوره. والمراجعة الجادة لا تعني إعلان القطيعة مع الماضي، وإنما تحليل ما نجح وما أخفق، وما يمكن البناء عليه، وما يجب تجاوزه.

من الورقة إلى برنامج حوار عربي

القيمة الحقيقية لورقة محمد علوش ستزداد إذا تحولت من نص يثير الأسئلة إلى مسار حواري منظم يعمل على الإجابة عنها. فالقضايا التي طرحتها لا تخص جبهة النضال الشعبي الفلسطيني أو الحزب الشيوعي السوري الموحّد وحدهما، بل تتعلق بمستقبل اليسار العربي كله.

ومن هنا، أقترح أن يتعاون الحزب الشيوعي السوري الموحّد وجبهة النضال الشعبي الفلسطيني ومركز دراسات مبادرة الحضارة العالمية في التحضير لبرنامج حواري متكامل، يضم سلسلة من الندوات وورشات العمل الفكرية، بمشاركة مفكرين وأكاديميين واقتصاديين ونقابيين وناشطين وقيادات سياسية وشبابية من البلدان العربية، إضافة إلى باحثين من تجارب دولية مختلفة.

يمكن لمركز دراسات مبادرة الحضارة العالمية أن يسهم في توفير الإطار البحثي والتنظيمي للحوار، وإعداد أوراق الخلفية، وتوثيق المداخلات والنتائج، وربط النقاش العربي بالتحولات العالمية في قضايا التنمية والحوكمة والعدالة الاجتماعية والتكنولوجيا والحوار بين الحضارات.

كما يستطيع الحزب الشيوعي السوري الموحّد، بما يمتلكه من تجربة سياسية وفكرية ومنبراً إعلامياً ممثلاً بجريدة «النور»، أن يفتح مساحة للنقاش والنقد المتعدد، وأن يسهم في جمع التجارب السورية والعربية وتقديمها للحوار.

أما جبهة النضال الشعبي الفلسطيني، التي شكلت تجربتها في تبني الاشتراكية الديمقراطية منطلقاً لورقة محمد علوش، فيمكنها عرض مراحل مراجعتها الفكرية والسياسية، ومناقشة الدوافع التي أدت إلى هذا الخيار، والنتائج التنظيمية والبرنامجية المترتبة عليه، إضافة إلى تقديم قراءة نقدية لتجربة اليسار الفلسطيني.

ويُفضّل ألا تقتصر المشاركة على الأحزاب اليسارية التقليدية، بل أن تشمل الحركات النقابية والنسوية والشبابية والبيئية، والباحثين في الاقتصاد والتكنولوجيا والعلوم الاجتماعية، وممثلين عن العاملين في القطاعات الجديدة، لأن تجديد المشروع لا يمكن أن يتم داخل دائرة حزبية ضيقة.

برنامج مقترح للورشات الفكرية

الورشة الأولى: أزمة اليسار العربي وأسباب التراجع

تتناول هذه الورشة تاريخ الأحزاب اليسارية العربية، وعلاقتها بالتجارب الاشتراكية العالمية، وأثر القمع والاستبداد، وتحالفات بعض قوى اليسار مع الأنظمة، وانهيار الاتحاد السوفييتي، وصعود الإسلام السياسي، والتحولات الاقتصادية والاجتماعية التي أضعفت قواعدها التقليدية.

ولا ينبغي أن تنتهي الورشة إلى تفسير واحد، بل إلى خريطة شاملة للأسباب الخارجية والداخلية، مع تحديد مسؤولية القوى اليسارية نفسها عن أزمتها.

الورشة الثانية: ما المقصود بالمشروع اليساري المستقل؟

تبحث الورشة في معنى الاستقلال الفكري والسياسي، والعلاقة بين المرجعية العالمية والخصوصية الوطنية، وحدود التضامن الأممي، وكيفية حماية القرار السياسي من التبعية للدول والمحاور.

كما تناقش العناصر التي تجعل من مجموعة الأفكار مشروعاً متكاملاً: الرؤية للدولة والاقتصاد والمجتمع والديمقراطية والسياسة الخارجية.

الورشة الثالثة: أي اشتراكية للعالم العربي؟

تُناقش فيها الماركسية، والاشتراكية الديمقراطية، والديمقراطية الاجتماعية، وتجارب الصين وفيتنام وأمريكا اللاتينية وأوروبا، من دون تحويل أي منها إلى نموذج جاهز.

والهدف هو تحديد ما يمكن الاستفادة منه، وما لا يتناسب مع الواقع العربي، وما العناصر التي يحتاج إليها نموذج عربي مستقل.

الورشة الرابعة: الديمقراطية والحريات والعدالة الاجتماعية

تتناول العلاقة بين الديمقراطية السياسية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية، واستقلال القضاء، وتداول السلطة، وحرية التنظيم، ودور النقابات، والحق في التعليم والصحة والسكن والعمل.

كما تبحث في كيفية منع استخدام العدالة الاجتماعية ذريعة للاستبداد، أو استخدام الحرية السياسية غطاءً للهيمنة الاقتصادية.

الورشة الخامسة: الاقتصاد المنتج والدولة الاجتماعية

تبحث في دور الدولة والقطاع الخاص والتعاونيات، وإصلاح القطاع العام، والضرائب التصاعدية، ومكافحة الاحتكار والفساد، وسياسات الأجور والعمل، والاقتصاد غير الرسمي، والزراعة والأمن الغذائي، والتصنيع والتنمية المتوازنة.

وينبغي أن تنتهي إلى خطوط أولية لبرنامج اقتصادي يساري قابل للتطبيق في الدول العربية وفق اختلاف ظروفها.

الورشة السادسة: الذكاء الاصطناعي والعمل والاقتصاد الرقمي

تتناول تأثير التكنولوجيا في الوظائف والتعليم والإنتاج، وحقوق العاملين عبر المنصات، وملكية البيانات، والاحتكارات الرقمية، والحماية الاجتماعية في مواجهة فقدان بعض الوظائف.

وتبحث أيضاً في كيفية استخدام التكنولوجيا لتحسين الخدمات العامة، من دون تحويل المواطنين إلى موضوع للمراقبة والسيطرة.

الورشة السابعة: الدين والدولة والمجتمع

تبحث في الدولة المدنية وحرية المعتقد والمواطنة المتساوية، والعلاقة مع المؤسسات الدينية، ومواجهة التطرف، ورفض التمييز، وكيفية بناء خطاب يساري يحترم ثقافة المجتمع من دون التراجع عن قيم الحرية والمساواة.

الورشة الثامنة: القضايا القومية والمواطنة والتنوع

تناقش حقوق الكرد والأمازيغ وغيرهم من القوميات والمكونات، وحقوق الأقليات الدينية والثقافية، والعلاقة بين وحدة الدولة والاعتراف بالتنوع، ومفهوم المواطنة الذي لا يقوم على الإنكار أو الإكراه.

الورشة التاسعة: القضية الفلسطينية ومستقبل اليسار

تبحث في تجربة اليسار الفلسطيني، وعلاقته بمنظمة التحرير والسلطة والمقاومة، وأسباب تراجع حضوره، وكيفية الربط بين التحرر الوطني والديمقراطية والعدالة الاجتماعية.

كما تناقش دور اليسار العربي في دعم القضية الفلسطينية بعيداً عن الشعارات أو التوظيف الإقليمي.

الورشة العاشرة: الشباب والنساء والنقابات والحركات الاجتماعية

تبحث في أسباب ابتعاد الأجيال الجديدة عن الأحزاب التقليدية، وسبل بناء تنظيمات أكثر ديمقراطية ومرونة، وتمثيل النساء والشباب في القيادة وصنع القرار، وإعادة بناء العمل النقابي في ظل الاقتصاد الجديد.

الورشة الحادية عشرة: البيئة والحضارة والتنمية المستدامة

يمكن لمركز دراسات مبادرة الحضارة العالمية أن يؤدي دوراً أساسياً في تنظيم هذه الورشة التي تربط العدالة الاجتماعية بالعدالة البيئية، وتناقش الحضارة الإيكولوجية، وإدارة الموارد، والمياه والطاقة، ومواجهة آثار التغير المناخي والحروب على المجتمعات.

الورشة الثانية عشرة: نحو وثيقة عربية لتجديد الفكر اليساري

تُخصص الورشة الختامية لمناقشة نتائج الورشات السابقة وصياغة وثيقة فكرية مفتوحة، لا تُقدَّم بوصفها نصاً مقدساً أو برنامجاً ملزماً للجميع، بل إطاراً للحوار والعمل المشترك.

ويجب أن تحدد الوثيقة المبادئ العامة للمشروع الجديد، ومن بينها الديمقراطية، والعدالة الاجتماعية، والاستقلال الوطني، والمواطنة، والتنوع، والمساواة، وحقوق الإنسان، والاقتصاد المنتج، والاستدامة البيئية، والانفتاح على العلم والتكنولوجيا.

آلية عملية للتحضير والمتابعة

من أجل ألا يبقى البرنامج مجرد اقتراح نظري، يمكن تشكيل لجنة تحضيرية مشتركة تضم ممثلين عن الحزب الشيوعي السوري الموحّد وجبهة النضال الشعبي الفلسطيني ومركز دراسات مبادرة الحضارة العالمية، إلى جانب شخصيات أكاديمية ونقابية مستقلة.

تتولى اللجنة تحديد محاور الورشات، واختيار المشاركين، وإعداد أوراق تمهيدية قصيرة تُرسل قبل كل جلسة، بما يسمح بأن ينطلق النقاش من أسئلة واضحة لا من مداخلات عامة.

كما يمكن تخصيص ملف دائم في جريدة «النور» لنشر الأوراق والمداخلات والردود، بما يحول الصحيفة إلى منبر لحوار يساري عربي مفتوح. ويمكن لمركز دراسات مبادرة الحضارة العالمية جمع المواد وتحريرها وإصدارها في كتاب أو تقرير بحثي بعد انتهاء المرحلة الأولى من البرنامج.

ومن المهم إشراك الشباب في إدارة الجلسات وإعداد الأوراق، لا دعوتهم بوصفهم جمهوراً فقط. كما ينبغي تمثيل النساء والنقابيين والباحثين الاقتصاديين والتقنيين تمثيلاً فعلياً، لأن الحوار الذي يقتصر على القيادات الحزبية القديمة سيعيد إنتاج الأزمة التي يحاول تجاوزها.

ويمكن تنظيم الورشات حضورياً وعبر الاتصال المرئي، بما يتيح مشاركة باحثين وناشطين من الدول العربية ومن بلدان الاغتراب. ويُستحسن أن تمتد على عدة أشهر، وأن تصدر بعد كل ورشة ورقة خلاصات تحدد نقاط الاتفاق والخلاف والأسئلة التي تحتاج إلى متابعة.

كلمة إلى محمد علوش

نجحت ورقة الأستاذ محمد علوش في إعادة طرح سؤال الاستقلال الفكري لليسار العربي، وفي فتح باب لا ينبغي إغلاقه بعد نشر المقال. وهذه قيمة فكرية وسياسية تستحق التقدير، لأن بداية التجديد هي الاعتراف بأن النموذج القديم لم يعد كافياً، وأن امتلاك التاريخ النضالي لا يعفي أي حزب من مراجعة أفكاره وأدواته.

لكن السؤال الذي طرحه علوش يحتاج إلى الانتقال من مستوى التشخيص العام إلى مستوى التعريف الدقيق للمشروع، ومن إعلان اختيار الاشتراكية الديمقراطية إلى شرح مضمونها الاقتصادي والسياسي والتنظيمي في الواقع الفلسطيني والعربي.

كما يحتاج الحوار إلى أن يكون متبادلاً. فلا يكفي أن ينقد اليسار العربي نماذجه السابقة؛ بل يجب على كل حزب وتنظيم أن يعرض تجربته الخاصة للنقد، وأن يفسح المجال لمناقشة أخطائه وتحالفاته وبنيته التنظيمية وعلاقته بالمجتمع.

لا يمكن لأي قوة أن تطالب اليسار العربي بالمراجعة ثم تستثني نفسها منها. والمراجعة التي تبدأ من الذات هي الأكثر صدقية وقدرة على إقناع الآخرين.

من الدفاع عن الماضي إلى صناعة المستقبل

لا يُقاس اليسار بما قدمه في القرن الماضي فقط، ولا بعدد الشهداء والمناضلين الذين أنجبتهم حركته، على عظمة تضحياتهم. إنه يُقاس أيضاً بقدرته على الإجابة عن أسئلة الأجيال الجديدة: كيف نحصل على عمل كريم؟ كيف نحمي الحريات؟ كيف نبني اقتصاداً منتجاً؟ كيف نواجه الفساد والاستبداد والطائفية؟ كيف نتعامل مع الدين والتنوع؟ وكيف نضمن ألا تتحول التكنولوجيا إلى أداة جديدة للاستغلال والمراقبة؟

إن ورقة محمد علوش المنشورة في جريدة «النور» يمكن أن تكون بداية لمسار فكري مهم، إذا تعاملنا معها بوصفها دعوة إلى العمل لا مجرد مادة للنقاش الصحفي.

والخطوة العملية الممكنة هي أن يبادر الحزب الشيوعي السوري الموحّد وجبهة النضال الشعبي الفلسطيني ومركز دراسات مبادرة الحضارة العالمية إلى تشكيل إطار تحضيري مشترك، يطلق برنامج الحوار والورشات، ويدعو مختلف قوى اليسار العربي والمفكرين والنقابيين والشباب إلى المشاركة فيه.

فالأفكار الحية لا تخشى النقد، والحزب الحي لا يخشى المراجعة، والمشروع الذي يريد أن يكون جزءاً من المستقبل لا يستطيع الاكتفاء بحراسة ذاكرة الماضي.

إن تجديد اليسار العربي لن يصنعه حزب واحد أو مفكر واحد أو ورقة واحدة، لكنه قد يبدأ بسؤال جاد، وحوار شجاع، وإرادة جماعية لتحويل المراجعة إلى برنامج. وهذا ما يجعل ورقة محمد علوش خطوة تستحق التقدير والبناء عليها، وصولاً إلى مشروع عربي معاصر يجمع الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والاستقلال الوطني والتنمية الإنسانية في رؤية واحدة متماسكة.

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

ماركس وباكونين: الصراع الذي شقّ الثورة إلى طريقين!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد من الأممية الأولى إلى مؤتمر لاهاي: من كان أقرب...

هالة نهرا ووجدي أبو ذياب في عملٍ إبداعيّ: من سلوفينيا إلى العالم!

أخباركم - أخبارنا تجلببتْ قصيدة «يا ضوء الأضواء» للشاعرة اللبنانية والعربية هالة نهرا، من...

اليسار الفلسطيني أمام مرآة الحقيقة: أزمة المشروع أم أزمة الاستقلال السياسي؟

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد ردّ على مقالة «اليسار الفلسطيني أمام لحظة الحقيقة.. من...

الحجّاج والسفّاح: هل يعيد التاريخ إنتاج وجهي السلطة؟

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد يصعب فهم الحجّاج بن يوسف الثقفي وأبي العباس السفّاح...

More like this

من فيصل وبوتو إلى مكة: هل وُلدت المظلة النووية السعودية في السبعينيات وتستعد إسرائيل اليوم لمواجهتها؟

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد هناك سؤال يبدو في ظاهره بسيطاً، لكنه قد يكون مفتاحاً...

نحو شرق أوسط جديد!

أخباركم - أخبارنا/ حنا صالح على مدى الأشهر التي تلت كارثة طوفان الأقصى، زعم...

سلسلة تعيينات باسم خامنئي: هل بدأت عملية إعادة بناء السلطة من داخل السلطة ام نفذ انقلاب ابيض؟

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد ما جرى في إيران خلال الأيام الأخيرة من تعيينات...