أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد
لا يولد الإنسان من فراغ، ولا تتكوّن شخصيته بفعل قرار واحد أو حادثة عابرة. ثمة بيت أول يحتضنه، وأب يفتح له الأبواب، وكتاب يوقظ فيه سؤالاً، وأغنية تمنحه الكلمات حين تعجز لغته الخاصة عن التعبير. وحين أعود بذاكرتي إلى سنوات التكوين الأولى، أجد أن شخصيتي تشكلت بين بيت سياسي، ومكتبة صغيرة، وأشرطة كاسيت كانت تنتقل بين الأيدي، ورفاق جمعتني بهم أحلام العدالة والحرية والتغيير.
تربيت في بيت سياسي اتسم توجهه باليمين الوطني، بينما أخذتني قراءاتي وصداقاتي وانتمائي الحزبي إلى اليسار. كان بيني وبين أبي اختلاف سياسي واضح، لكنه لم يتحول يوماً إلى خصومة أو قطيعة. فرغم ذلك الاختلاف، لم يبخل أبي عليّ بثمن كتاب، ولا بثمن شريط كاسيت، ولم يحاول أن يحاصر فضولي أو يمنعني من قراءة ما يخالف أفكاره.
بل اشترى لي، في ذلك الزمن، أجمل مسجل «دبل كاسيت». كان جهازاً مميزاً، وربما حلماً بالنسبة إلى كثير من الشبان آنذاك. ولم أستخدمه لأستمع إلى أغنياتي وحدي، بل كنت أنسخ أشرطة الكاسيت لرفاقي الذين لم تكن أوضاعهم الاقتصادية تسمح لهم بشرائها. كانت الأغنية تنتقل من بيت إلى بيت، ومن رفيق إلى آخر، وكأننا نتقاسم الخبز والفكرة والحلم.
ربما لم يكن أبي يعرف تماماً أن ذلك المسجل الذي اشتراه لي سيصبح أداة صغيرة لنشر أغاني الشيخ إمام وسميح شقير وفرقة الطريق العراقية بين رفاقي، لكنه كان يعرف أمراً أهم: أن المحبة لا تشترط التطابق، وأن الأب الحقيقي لا يخشى أن يكون ابنه مختلفاً عنه.
كانت طيبة أبي وصداقته واحترامه لحريتي من أهم عناصر تطوري وبلورة شخصيتي. لقد علّمني، من دون أن يلقي عليّ درساً مباشراً، أن الخلاف السياسي لا ينبغي أن يفسد العلاقة الإنسانية، وأن الأبوة أوسع من الأيديولوجيا، وأن من يحبك بصدق يساعدك على أن تصبح نفسك، لا أن تتحول إلى نسخة منه.
هكذا دخلت الكتب والأغنيات إلى حياتي: لم تكن زينة ثقافية، ولا وسيلة لقتل الوقت، بل كانت جزءاً من تربيتي الفكرية والشيوعية. كنت، ككثير من الشباب اليساري الملتزم حزبياً، أقرأ الروايات السوفياتية والعربية والعالمية، وأبحث في أبطالها عن معنى التضحية والعدالة والصمود. وكنت أستمع إلى الأغنيات الثورية، فأجد فيها لغة الناس البسطاء الذين ناضلنا باسمهم وحلمنا بعالم أكثر إنصافاً لهم.
«كيف سقينا الفولاذ»… بافل كورتشاغين الذي لم ينكسر
كانت رواية «كيف سقينا الفولاذ» لنيكولاي أوستروفسكي من أكثر الروايات تأثيراً في شبابي. وفي شخصية بطلها بافل كورتشاغين رأيت نموذجاً للإنسان الذي يمكن أن يخسر صحته وراحته وجزءاً من شبابه، لكنه يرفض أن يخسر المعنى الذي يعيش من أجله.
يقول أوستروفسكي في الرواية:
«أثمن ما في الإنسان هو الحياة».
— نيكولاي أوستروفسكي، كيف سقينا الفولاذ.
لم أقرأ هذه العبارة باعتبارها دعوة إلى التمسك بالحياة الفردية وحدها، بل رأيت فيها سؤالاً عن الكيفية التي ينبغي أن تُعاش بها الحياة. فالحياة، وفق الروح التي حملتها الرواية، لا تقاس بطولها، وإنما بما يضعه الإنسان فيها من معنى وموقف وعمل.
علّمني بافل أن النضال ليس لحظة حماس عابرة، ولا خطاباً قوياً يلقى أمام الآخرين، بل هو القدرة على الاستمرار حين يتعب الجسد ويشتد اليأس ويتراجع الرفاق. وكانت شخصيته بالنسبة إلي تجسيداً لفكرة الإنسان الذي تصهره التجارب والمحن كما يُصهر الحديد ليصبح فولاذاً.
ومع الزمن، أصبحت أكثر نقداً للصورة المثالية التي رسمها أدب الواقعية الاشتراكية للمناضل، وأدركت أن الإنسان ليس آلة حزبية ولا بطلاً بلا ضعف. لكن بافل بقي في داخلي رمزاً للإرادة، وللقدرة على النهوض بعد كل ضربة، ولعدم منح الألم الحق في تقرير مصير الإنسان.
«الأم»… حين يتحول الخوف إلى وعي
أما رواية «الأم» لمكسيم غوركي فقد قدمت لي درساً مختلفاً. بطلتها ليست قائداً سياسياً ولا منظّرة ثورية، بل امرأة بسيطة تبدأ رحلتها خائفة على ابنها، ثم تكتشف تدريجياً أن الخوف على الابن لا ينفصل عن الخوف على مستقبل العمال والمظلومين جميعاً.
ومن أكثر عباراتها تعبيراً عن عمق التجربة الإنسانية للأم:
«إن للأم دائماً ما يكفيها من الدموع لكل شيء».
— مكسيم غوركي، الأم.
في البداية كانت الأم ترى العالم من خلال ابنها، ثم أخذت ترى ابنها من خلال العالم. تحولت عاطفتها الخاصة إلى وعي اجتماعي، وانتقل خوفها من مساحة البيت الضيقة إلى فضاء أوسع يضم الناس الذين يتعرضون للاستغلال والقمع.
أثرت الرواية في تربيتي الشيوعية لأنها جعلتني أرى أن الوعي لا ينزل على الناس من الكتب والنظريات وحدها، بل ينمو من التجربة والحب والألم. وقدمت لي صورة عن الإنسان البسيط حين يكتشف أن بوسعه تجاوز خوفه، وأن يصبح شريكاً في صناعة مصيره.
علمتني «الأم» أيضاً أن الثورة لا تكون حقيقية إذا لم تدخل البيوت والقلوب، وإذا بقيت لغة نخبوية مغلقة لا يفهمها الناس. فالأفكار العظيمة لا تكبر إلا حين تتحول إلى تجربة إنسانية يستطيع العامل والأم والفقير والمهمش أن يروا أنفسهم فيها.
«الحرس الفتي»… البطولة التي صنعتها الجماعة
في رواية «الحرس الفتي» لألكسندر فادييف، لم يكن البطل فرداً وحيداً، بل مجموعة من الشبان والشابات الذين نظموا مقاومة سرية في مواجهة الاحتلال النازي.
شدتني في الرواية فكرة الشباب الذين وجدوا أنفسهم أمام قوة تبدو أكبر منهم، لكنهم لم يقبلوا أن يتحولوا إلى متفرجين. وزعوا المنشورات، ونظموا المقاومة، وواجهوا الخوف والخيانة والموت، لا لأنهم كانوا لا يخافون، بل لأنهم اعتبروا أن ثمة أشياء تستحق أن يتغلب الإنسان من أجلها على خوفه.
لم أجد في «الحرس الفتي» بطولة فردية تسعى إلى المجد الشخصي، بل بطولة جماعية يصعب فيها فصل مصير الواحد عن مصير الآخرين. وقد عمقت هذه الرواية في داخلي معنى التنظيم والرفقة والانتماء إلى قضية أكبر من الفرد.
تعلمت منها أن الإنسان قد يكون ضعيفاً حين يكون وحيداً، لكنه يصبح أكثر قدرة على الصمود عندما يشعر بأن إلى جانبه رفاقاً يحملون القيم نفسها. وفي تربيتي الحزبية، كانت الرفقة جزءاً من معنى النضال؛ كنا نقرأ معاً، ونغني معاً، ونختلف أحياناً، لكننا نشعر بأننا أبناء حلم واحد.
غير أن الحياة علمتني لاحقاً أن الجماعة يمكن أن تكون مصدر قوة، كما يمكن أن تتحول إلى قيد إذا ألغت عقل الفرد وحريته. لذلك بقي من «الحرس الفتي» في شخصيتي معنى التضامن والمقاومة الجماعية، لا الطاعة العمياء ولا ذوبان الإنسان الكامل في التنظيم.
«موسم الهجرة إلى الشمال»… أن تختار الحياة
ثم جاءت رواية «موسم الهجرة إلى الشمال» للطيب صالح، فأخرجتني من عالم البطولة الثورية المباشرة إلى عالم أكثر التباساً وتعقيداً؛ عالم الهوية والاستعمار والاغتراب والصراع بين الشرق والغرب.
في نهاية الرواية يصل الراوي إلى لحظة حاسمة يقول فيها:
«إنني أقرر الآن أنني أختار الحياة».
— الطيب صالح، موسم الهجرة إلى الشمال.
أثرت فيّ هذه العبارة لأنها لم تكن إعلاناً سهلاً للتفاؤل، بل قراراً خرج من قلب الصراع مع الموت واليأس. كان الراوي يختار الحياة لا لأنها مثالية أو عادلة، بل لأن عليه واجبات، ولأن في العالم أناساً يحبهم ويريد أن يبقى معهم.
علمتني الرواية أن الاستعمار لا يحتل الأرض وحدها، بل يدخل إلى الذاكرة والنفس والعلاقة بالذات والآخر. فمصطفى سعيد لا يستطيع أن يتحرر من الغرب بمجرد مواجهته أو الانتقام منه، لأنه يحمل ذلك الغرب في داخله، كما يحمل الشرق بتناقضاته وجراحه.
ومع «موسم الهجرة إلى الشمال» بدأت أفهم أن العلاقة بين الشرق والغرب ليست مواجهة بسيطة بين بريء ومذنب، ولا بين خير مطلق وشر مطلق. إنها علاقة تاريخية ونفسية معقدة، صنعتها القوة والاستعمار والرغبة والتمرد والاغتراب.
وكان لذلك أثر في تطوري الفكري؛ فقد جعلني أقل ميلاً إلى الأحكام الجاهزة، وأكثر اهتماماً بالإنسان المتناقض الذي قد يكون ضحية وجلاداً، قوياً وضعيفاً، متمرداً وأسيراً في الوقت نفسه.
تركي الحمد… من «العدامة» إلى «الكراديب»
في «العدامة» و**«الكراديب»**، من ثلاثية أطياف الأزقة المهجورة لتركي الحمد، واجهت أسئلة جيل عربي دخل السياسة محملاً بالشعارات الكبرى، ثم اصطدم بالتنظيمات المغلقة والسجون والتحولات الاجتماعية والفكرية.
يقول تركي الحمد في «العدامة»:
«الإنسان لا يريد أن يعترف بحقائق الأمور».
— تركي الحمد، العدامة.
كانت «العدامة» بالنسبة إلي رواية عن التحول الفكري، وعن الشاب الذي ينتقل من بيئة محافظة إلى فضاء سياسي جديد، ثم يكتشف أن الانتقال من اليمين إلى اليسار لا يحل تلقائياً كل تناقضاته. فالأيديولوجيا قد تمنح الإنسان لغة جديدة، لكنها لا تحرره بالضرورة من خوفه وموروثاته ونزعاته القديمة.
أما في «الكراديب»، فتظهر الحرية بوصفها جوهر التجربة الإنسانية:
«كل شيء يتساوى عندما تغيب الحرية».
— تركي الحمد، الكراديب.
جعلتني «الكراديب» أرى السجن لا باعتباره جدراناً وقضباناً فقط، بل تجربة تهدف إلى كسر الإنسان من الداخل. حين تُسلب الحرية، يفقد الزمن معناه، وتتآكل الحدود بين الأيام، ويصبح الحفاظ على الكرامة عملاً من أعمال المقاومة.
أثرت روايات تركي الحمد فيّ لأنها لم تقدم التنظيم السياسي باعتباره عالماً نقياً من الأخطاء. لقد فتحت الباب لنقد التجربة الحزبية من داخلها، ودفعتني إلى التساؤل: هل نناضل حقاً لتغيير المجتمع والسلطة، أم نعيد أحياناً إنتاج السلطة نفسها داخل أحزابنا وتنظيماتنا؟
تعلمت منها أن الانتماء لا يعفي الإنسان من التفكير، وأن الوفاء للفكرة لا يعني تقديس التنظيم، وأن الشيوعي الحقيقي لا يطالب المجتمع بنقد ذاته ثم يرفض نقد تجربته وحزبه.
«الآن… هنا»… السجن بوصفه وطناً للاستبداد
كانت رواية «الآن… هنا، أو شرق المتوسط مرة أخرى» لعبد الرحمن منيف صدمة أخلاقية وإنسانية. نقلتني إلى عالم السجون العربية، حيث لا يكتفي الاستبداد بحبس الجسد، بل يسعى إلى تشويه الذاكرة وتحطيم الإرادة وإقناع الضحية بأنها عاجزة عن تغيير أي شيء.
كتب عبد الرحمن منيف:
«ستبقى السجون وسوف تتسع إذا ظل الناس في بلادنا يفخرون بصبرهم».
— عبد الرحمن منيف، الآن… هنا.
لم تكن العبارة إدانة للصبر باعتباره قدرة على الاحتمال، بل نقداً لتحويل الاحتمال إلى فضيلة دائمة تبرر الخضوع. فالاستبداد لا يستمر بقوة الجلاد وحده، وإنما يستفيد أيضاً من اعتياد الناس على الألم وانتظارهم خلاصاً يأتي من خارجهم.
علمتني الرواية أن الحرية ليست بنداً ثانوياً يمكن تأجيله إلى ما بعد التحرر الوطني أو العدالة الاجتماعية. فلا اشتراكية حقيقية من دون حرية، ولا عدالة يمكن بناؤها في السجون، ولا قضية سامية تبرر تعذيب الإنسان وإهانته.
ومن خلال عبد الرحمن منيف، بدأت أميز بصورة أوضح بين الحزب بوصفه أداة لخدمة الإنسان، والحزب الذي يحوّل الإنسان إلى أداة لخدمة سلطته. وكانت تلك خطوة مهمة في تطور وعيي الشيوعي، وفي انتقالي من الإيمان بالشعارات إلى مساءلة الممارسة والنتائج.
«المرصد»… الهزيمة والانتصار في عين الإنسان
في رواية «المرصد» لحنا مينه وجدت الحرب كما يراها الإنسان الموجود في الميدان، لا كما تصفها البيانات الرسمية. لم تكن الحرب مجرد خرائط وتحركات عسكرية، بل خوفاً وتعباً وجرحاً وذاكرة وأملاً يرفض أن يموت.
ومن العبارات الدالة على روح الرواية:
«أن يقاتل صاحب الحق، يعني أن ينتصر».
— حنا مينه، المرصد.
لم أفهم الانتصار هنا باعتباره نتيجة عسكرية مضمونة، بل بوصفه رفضاً للاستسلام الداخلي. فقد يخسر الإنسان معركة، لكنه يحافظ على حقه وكرامته وقدرته على المطالبة، فيمنع الهزيمة من أن تصبح قدراً نهائياً.
كان حنا مينه قريباً من عالم العمال والبحارة والفقراء، ومن الناس الذين تصقلهم الحياة القاسية. وفي «المرصد» وجدت الإنسان البسيط الذي لا تقدمه الرواية بوصفه ضحية صامتة، بل إنساناً يمتلك الكبرياء والقدرة على المقاومة.
أكدت لي الرواية أن الأدب الحقيقي لا يكتفي بالحديث عن الشعب بوصفه كتلة مجهولة، بل يمنح أفراده أسماء ووجوهاً وأصواتاً ومخاوف. وهذا ما حاولت أن أحتفظ به في كتابتي السياسية والصحفية: أن أرى الإنسان قبل أن أرى الشعار، وأن أتذكر أن وراء كل حرب أمهات وجنوداً وبيوتاً وأحلاماً مؤجلة.
«مائة عام من العزلة»… تاريخ يدور في الحلقة نفسها
ثم جاء غابرييل غارسيا ماركيز في «مائة عام من العزلة»، وأدخلني إلى عالم ماكوندو، حيث يمتزج التاريخ بالأسطورة، والواقع بالسحر، والذاكرة بالنسيان.
تبدأ الرواية بصورة تقول:
«كان العالم حديثاً جداً، حتى إن أشياء كثيرة كانت تفتقر إلى أسماء».
— غابرييل غارسيا ماركيز، مائة عام من العزلة.
في ماكوندو رأيت مجتمعاتنا وهي تعيد ارتكاب الأخطاء نفسها، وتعيش الحروب والانقسامات والأوهام وكأنها تحدث للمرة الأولى. تتغير الأسماء والوجوه، لكن الأنماط تتكرر، ويبدو التاريخ كأنه يدور في دائرة لا يستطيع الناس الخروج منها لأنهم لا يحفظون ذاكرتهم.
علمتني الرواية أن النسيان ليس بريئاً، وأن المجتمع الذي يفقد ذاكرته يصبح مهيأً لتكرار مآسيه. كما جعلتني أدرك أن السياسة ليست دائماً منطقية، وأن الواقع نفسه قد يكون أكثر غرابة من الخيال.
ومن ماركيز تعلمت أن الكاتب يستطيع أن يقول الحقيقة من خلال الأسطورة، وأن السخرية قد تكشف السلطة أكثر مما يكشفها الخطاب المباشر، وأن العزلة ليست حالة فردية فحسب، بل قد تصبح مصيراً لعائلة أو حزب أو شعب كامل حين يعجز عن التواصل مع الآخرين وعن مراجعة نفسه.
«ليس لدى الكولونيل من يكاتبه»… كرامة الانتظار
أما العمل الذي عرفته أولاً باسم «ليس لدى الجنرال من يحادثه»، فعنوانه الأدق في الترجمة العربية الشائعة هو «ليس لدى الكولونيل من يكاتبه».
في هذه الرواية القصيرة، ينتظر كولونيل مسن رسالة تحمل إليه قراراً بمعاشه المستحق بعد سنوات طويلة من الخدمة والتضحيات. يذهب إلى البريد مرة بعد مرة، لكن الرسالة لا تأتي، وكأن الدولة قد نسيت الرجل بعدما استهلكت عمره.
وتتكرر الجملة القاسية:
«ليس لدى الكولونيل من يكاتبه».
— غابرييل غارسيا ماركيز، ليس لدى الكولونيل من يكاتبه.
كانت الرواية بالنسبة إلي حكاية عن الانتظار، لكنها أيضاً حكاية عن الكرامة. فالكولونيل فقير وجائع ومنسي، ومع ذلك يحاول أن يحافظ على ما تبقى له من اعتداد بالنفس.
رأيت فيه صورة كثير من المناضلين الذين قدموا أعمارهم لقضايا كبرى، ثم اكتشفوا في نهاية الطريق أن المؤسسات التي خدموها لم تعد تتذكرهم. وقد علمتني الرواية أن القضية العادلة لا تعفي المؤسسات من مسؤوليتها تجاه الإنسان، وأن الوفاء لا يكون للشعارات فقط، بل لمن دفعوا أثمانها من حياتهم.
سميح شقير… صوت الأرض والشهيد والسجين والرجال الذين هددوا السفينة بخلافاتهم
إذا كانت الروايات قد علمتني التفكير، فإن الأغنيات علمتني كيف أشعر بالفكرة وأعيشها.
مع سميح شقير كنت أرفع صوتي وأغني «جيفارا مات». لم تكن الأغنية مجرد رثاء لقائد ثوري قُتل بعيداً عنا، بل كانت إعلاناً بأن موت الثائر لا يعني موت الفكرة. كان جيفارا بالنسبة إلى جيلنا رمزاً للإنسان الذي غادر راحته وموقعه ليقاتل من أجل أناس لا يعرفهم، فصار رمزاً للأممية والتضامن وتجاوز الحدود.
وفي أغنية «الجولان» كنت أسمع صوت الأرض المحتلة، لا بوصفها مساحة على الخريطة، بل ذاكرة وأهلاً وطفولة وحقاً لا ينبغي أن يسقط بالنسيان.
أما «غرفة صغيرة» فكانت تجعل من المكان الضيق عالماً واسعاً من الحب والحلم والانتظار. علمتني أن الإنسان قد يكون محاصراً بالجدران، لكنه يستطيع أن يحمي في داخله مساحة لا تصل إليها السلطة.
وكنا نغني «يا سجاني»، فنشعر أن السجين لا يخاطب فرداً فقط، بل يخاطب منظومة كاملة تريد أن تحوله إلى رقم. كانت الأغنية تعلمنا أن صوت المعتقل قد يكون أوسع من جدران معتقله، وأن السجان، مهما امتلك من قوة، لا يستطيع امتلاك ضمير سجينه.
أما أغنية «رجع الخي» فلم تكن أغنية عن عودة غائب حياً، بل مرثية ثورية لشهيد عاد محمولاً إلى أهله ورفاقه:
«رجع الخي يا عين لا تدمعيلو».
— سميح شقير، رجع الخي.
كانت الأغنية تجمع بين الحزن والكبرياء، وبين ألم الفقد والاعتزاز بمن ضحى. لم تكن تطلب من العين أن تتوقف عن الدمع لأن الموت لا يؤلم، بل لأنها أرادت تحويل الدمع إلى وفاء، والحزن إلى مسؤولية، وذكرى الشهيد إلى قوة تدفع الأحياء إلى متابعة الطريق.
رسخت الأغنية في داخلي أن الشهيد، في الوجدان اليساري، لا يعود جسداً محمولاً فقط، بل يعود قضية ووصية وديناً أخلاقياً في أعناق الذين بقوا بعده.
«السفينة»… اليسار الذي أضاعه اختلاف رجاله
وكانت أغنية «السفينة» لسميح شقير من أكثر الأغنيات التي عبّرت عن ألمنا أمام خلافات اليسار وانقساماته. لم تكن السفينة فيها مجرد مركب وسط البحر، بل كانت رمزاً إلى القضية والحزب والحلم المشترك الذي يتهدده الغرق حين يختلف رفاق الطريق على القيادة والاتجاه، وينسون الخطر المحيط بهم. وكنت أتألم وأنا أردد معه: «لهفي على سفينة نتركها للموج… رجال السفينة اختلفوا». كانت الكلمات تختصر مأساة تيارات يسارية امتلكت التضحيات والتاريخ والقدرة على التغيير، لكنها بددت كثيراً من قوتها في الصراعات الداخلية والانشقاقات والحساسيات الشخصية. علمتني «السفينة» أن القضية قد تكون عادلة، وأن ركابها قد يكونوا شجعاناً ومخلصين، لكن ذلك لا يكفي إذا عجزوا عن الاتفاق على وجهتهم؛ فحين ينشغل رجال السفينة بخلافاتهم، يصبح الموج هو الذي يقرر مصيرها. وقد بقيت الأغنية في ذاكرتي تحذيراً مؤلماً من أن الوحدة ليست شعاراً تنظيمياً، بل شرط لحماية الحلم من الضياع
الشيخ إمام… حين أصبحت السخرية سلاحاً
أما الشيخ إمام فكان مدرسة فنية وسياسية كاملة. كانت أغنياته، وكلمات أحمد فؤاد نجم، تدخل إلى القلب لأنها قيلت بلغة الناس، لا بلغة الخطب الرسمية.
كنا نغني معه:
«هما مين وإحنا مين».
كان السؤال بسيطاً في لغته، لكنه عميق في معناه: من يملك السلطة والثروة، ومن يعمل ويدفع الثمن؟ من يتحدث باسم الوطن، ومن يحمل الوطن على كتفيه؟ كان الشيخ إمام يعيد رسم الانقسام الاجتماعي من خلال أغنية يستطيع العامل والطالب والفلاح أن يفهمها ويرددها.
وفي «البقرة الحلوب» كنا نسمع السخرية اللاذعة من الاستغلال والتبعية. كان الضحك في أغنيات الشيخ إمام مؤلماً، لأنه يكشف حقيقة يحاول الخطاب الرسمي إخفاءها.
أما «تل الزعتر» فكانت بالنسبة إلينا أكثر من أغنية. كانت ذاكرة مخيم ومذبحة وشعب تُرك وحيداً في مواجهة القتل. من خلالها لم تعد فلسطين خبراً سياسياً أو شعاراً في اجتماع، بل وجوهاً وأمهات وأطفالاً وحصاراً ودماء.
وفي الوقت نفسه، لم يكن الشيخ إمام صوت السياسة والغضب وحدهما. كنا نعشق على كلماته وألحانه ونغني:
«أنا أتوب عن حبك أنا».
كان يعلمنا أن الثوري ليس مخلوقاً من حديد، وأن قلبه يستطيع أن يحب ويضعف ويشتاق. فالحب لم يكن نقيضاً للثورة، بل جزءاً من إنسانية الثائر ومن العالم الجميل الذي يحلم ببنائه.
فرقة الطريق العراقية… حين غنى العمال أحلامهم
ثم جاءت فرقة الطريق العراقية، تحمل إلينا دفء العراق وصوت عماله وفلاحيه ومثقفيه ومناضليه.
كنا نستمع إلى «خيو بنت الديرة» فنشعر أن اللهجة العراقية ليست غريبة عنا، وأن الأغنية تتجاوز الحدود السياسية لتصل مباشرة إلى القلب. كان فيها حنين الأرض ودفء العلاقات البسيطة وصوت الناس الذين يشبهوننا.
وكنا نغني معهم:
«نعود… وكيف لا نعود».
كانت العودة في الأغنية أكثر من رحلة إلى مكان. كانت حقاً وذاكرةً ورفضاً للمنفى. فالإنسان قد يغادر مدينته أو وطنه، لكنه يحمل المكان في داخله، ويظل السؤال عن العودة جزءاً من هويته.
وفي «عمي يا بو شاكوش» كان العامل يدخل الأغنية بأداته وعرقه وتعبه. لم يعد العامل رقماً في الكتب الماركسية أو مفهوماً نظرياً في الصراع الطبقي، بل صار صوتاً حياً نسمعه ونغني معه.
كانت الأغنية تذكرنا بأن الذين يبنون البيوت والمصانع والجسور ويصنعون الأشياء بأيديهم هم الذين يصنعون الحياة، حتى وإن حرموا من ثمار ما ينتجون.
وكنا نستمع أيضاً إلى «كل الأغاني انتهت»، فنشعر أن الأغنية قد تصل إلى لحظة الصمت، لكن المعاني التي زرعتها لا تنتهي. فالألحان تتوقف، وأشرطة الكاسيت تبلى، والمسجلات القديمة تختفي، لكن ما صنعته الموسيقى في الروح يبقى.
كيف ساهمت الكتب والأغنيات في تربيتي الشيوعية؟
لم تجعلني تلك الروايات والأغنيات شيوعياً لأنها قدمت لي مجموعة من الشعارات الجاهزة، بل لأنها علمتني أن أنظر إلى العالم من موقع الإنسان المظلوم والعامل والسجين والمنفي والأم التي تخاف على ابنها.
من بافل كورتشاغين تعلمت الإرادة وعدم الاستسلام.
ومن «الأم» تعلمت أن الوعي يمكن أن يولد من الحب والخوف والتجربة اليومية، لا من الكتب النظرية وحدها.
ومن «الحرس الفتي» تعلمت معنى الرفقة والتنظيم والمقاومة الجماعية.
ومن «موسم الهجرة إلى الشمال» تعلمت أن أختار الحياة، وأن أنظر إلى العلاقة بين الشرق والغرب بعيداً عن التبسيط والشعارات.
ومن «العدامة» و«الكراديب» تعلمت أن أنقد التنظيم الذي أنتمي إليه كما أنقد السلطة التي أعارضها، وأن غياب الحرية يحول أجمل الأفكار إلى سجون جديدة.
ومن عبد الرحمن منيف تعلمت أن السجن ليس تفصيلاً يمكن تبريره باسم القضية، وأن الحرية لا تؤجل إلى مرحلة لاحقة.
ومن حنا مينه تعلمت أن الشعب ليس كلمة مجردة، بل أفراد لهم أسماء ووجوه وجراح وكرامة.
ومن ماركيز تعلمت أن التاريخ الذي لا نحفظه يعيد نفسه، وأن الانتظار يمكن أن يلتهم عمراً كاملاً، وأن السلطة قد تنسى من خدموها، بينما يبقى الإنسان متعلقاً بكرامته حتى النهاية.
ومن سميح شقير تعلمت أن الشهيد لا يتحول إلى ذكرى جامدة، بل يبقى سؤالاً ومسؤولية.
ومن الشيخ إمام تعلمت أن السخرية قد تكون شكلاً من أشكال المقاومة، وأن الأغنية تستطيع أن تقول ما تخشى الصحف والمنابر قوله.
ومن فرقة الطريق تعلمت أن العامل ليس موضوعاً في خطابنا، بل هو صاحب صوت وثقافة وأغنية وحلم.
لكنني تعلمت أيضاً، مع مرور السنوات، أن الشيوعية التي لا تضع الإنسان فوق الحزب تتحول إلى عقيدة قاسية، وأن العدالة الاجتماعية من دون حرية تبقى ناقصة، وأن الدفاع عن الطبقات الفقيرة لا يمنح أحداً الحق في مصادرة أصواتها أو التفكير نيابة عنها.
لقد ساهمت تلك الكتب والأغنيات في بناء شيوعيتي الأولى، ثم ساهمت الحياة في مراجعتها ونقدها وإنضاجها. بقي منها إيماني بأن الظلم ليس قدراً، وأن الفقر ليس عيباً في الفقير، وأن العامل يستحق أكثر من الأجر الذي يبقيه حياً، وأن الحرية حق لا منحة، وأن الإنسان أهم من كل الشعارات والتنظيمات والزعماء.
أبي الذي اشترى المسجل وترك لي حرية الطريق
حين أنظر اليوم إلى تلك الروايات والأغنيات، لا أراها مجرد ذكريات من شبابي، بل أرى مدرسة كاملة ساهمت في تكويني.
غير أن صورة أبي تبقى في قلب هذه الذاكرة. كان يستطيع أن يمنعني من شراء الكتب التي تخالف أفكاره، أو أن يرفض دفع ثمن أشرطة يسمع فيها خطاباً سياسياً لا يؤمن به، لكنه اختار أن يكون أباً وصديقاً قبل أن يكون صاحب موقف سياسي.
اشترى لي المسجل «الدبل كاسيت»، وتركني أنسخ الأغنيات لرفاقي الذين لم يستطيعوا شراءها. ومن دون أن يقصد، ساهم في إيصال صوت الشيخ إمام وسميح شقير وفرقة الطريق إلى بيوت أخرى. وربما كان بذلك يعلمني أهم من كل ما قالته كتبنا عن الحرية: أن تبدأ الحرية من البيت، وأن احترام عقل الابن هو أول أشكال الاعتراف بإنسانيته.
كانت طيبة أبي عنصراً أساسياً في تطوري. لقد منحني الثقة بأن أقرأ وأختار وأخطئ وأراجع نفسي. ولم يجعل حبه لي مشروطاً بأن أتبنى أفكاره أو أكرر مواقفه.
ومع السنوات، أدركت أن صداقته لي كانت واحدة من أجمل الهدايا التي حصلت عليها. فالكتب أعطتني الأفكار، والأغنيات منحتني العاطفة، والحزب قدّم لي تجربة التنظيم والعمل العام، لكن أبي أعطاني المساحة التي سمحت لكل ذلك بأن ينمو داخلي.
ما الذي بقي من تلك الأيام؟
تغيرت أشياء كثيرة. راجعت مواقف وأفكاراً، وانتقدت أحزاباً وقادة وتجارب كنت في شبابي أنظر إليها بإعجاب أكبر. سقطت أوهام، وتكشفت أخطاء، وأدركت أن التاريخ أكثر تعقيداً من الكتب الحزبية، وأن الإنسان أوسع من أن تحتويه أيديولوجيا واحدة.
لكنني لم أفقد الامتنان لتلك الروايات والأغنيات. فقد منحتني حساسية خاصة تجاه الظلم، وعلمتني أن أرى العالم من أسفل، من موقع العامل والفقير والسجين والمنفي، لا من شرفة الحاكم والمنتصر.
علمتني أن السياسة ليست بيانات حزبية فقط، بل دمعة أم، وجرح جندي، وحنين مهاجر، وانتظار رجل مسن لرسالة لن تأتي، وحلم عامل يعود إلى بيته متعباً لكنه ما زال قادراً على الغناء.
وكلما سمعت اليوم لحناً من تلك الألحان، أو وقعت يدي على رواية من تلك الروايات، أشعر أنني ألتقي بالشاب الذي كنته. أراه جالساً قرب مسجل «الدبل كاسيت»، ينسخ شريطاً لرفيق لا يستطيع شراءه، ويظن أن الأغنية قد تغير العالم.
وأرى أبي إلى جانبه، يحمل إليه كتاباً أو شريط كاسيت، من دون أن يسأله إن كان الكاتب أو المغني يوافقه في الرأي.
ربما لم تغير الكتب والأغنيات العالم كما حلمنا، لكنها غيرتنا نحن. جعلتنا أقل قبولاً بالظلم، وأكثر استعداداً للسؤال، وأشد تعلقاً بالحرية والعدالة والكرامة.
وما زلت أعتقد أن تغيير العالم يبدأ من تغيير الإنسان؛ من كتاب يفتح نافذة في عقله، وأغنية توقظ قلبه، وأب طيب يشتري له مسجلاً، ثم يترك له حرية أن يختار طريقه.
الروايات والأعمال المشار إليها
فرقة الطريق العراقية: خيو بنت الديرة، نعود وكيف لا نعود، عمي يا بو شاكوش، كل الأغاني انتهت.
نيكولاي أوستروفسكي، كيف سقينا الفولاذ.
مكسيم غوركي، الأم.
ألكسندر فادييف، الحرس الفتي.
الطيب صالح، موسم الهجرة إلى الشمال.
تركي الحمد، العدامة، من ثلاثية أطياف الأزقة المهجورة.
تركي الحمد، الكراديب، من ثلاثية أطياف الأزقة المهجورة.
عبد الرحمن منيف، الآن… هنا، أو شرق المتوسط مرة أخرى.
حنا مينه، المرصد.
غابرييل غارسيا ماركيز، مائة عام من العزلة.
غابرييل غارسيا ماركيز، ليس لدى الكولونيل من يكاتبه.
سميح شقير: جيفارا مات، الجولان، غرفة صغيرة، رجع الخي، يا سجاني.
الشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم: هما مين وإحنا مين، البقرة الحلوب، تل الزعتر، أنا أتوب عن حبك أنا.



