أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد
نداء صور والنبطية: الجنوب يطالب بالدولة
لم يعد «نداء صور» و«نداء النبطية» مجرد بيانين اعتراضيين أو موقفين صادرين عن مجموعة من المثقفين والناشطين، بل تحولا إلى تعبير سياسي واجتماعي عن حركة شعبية بدأت تتشكل في قلب الجنوب اللبناني، وتطالب الدولة بأن تستعيد دورها الكامل، وأن تحمي المواطنين، وأن تنهي واقع السلاح الخارج عن القانون.
تكمن أهمية هذين النداءين في أنهما صدرا من داخل البيئة التي دفعت الثمن الأكبر للحروب والدمار والتهجير. فأهالي الجنوب لا يريدون التخلي عن أرضهم، ولا يطالبون بإضعاف قدرة لبنان على الدفاع عن نفسه، بل يريدون أن تكون الدولة اللبنانية، عبر جيشها ومؤسساتها، هي المسؤولة وحدها عن الدفاع والأمن وقرار الحرب والسلم.
لقد بدأ قسم متزايد من أبناء صور والنبطية والقرى الجنوبية يعلن بوضوح أنه لا يريد أن تبقى أرضه ساحة مفتوحة لقرارات عسكرية لا يشارك فيها، ولا أن تتحول الأحياء السكنية إلى امتداد لمنشآت عسكرية أو أمنية أو مالية تعمل خارج مؤسسات الدولة.
هذه الحركة الشعبية تساند الدولة ولا تعاديها. إنها تقول للسلطة اللبنانية: نحن مستعدون للوقوف خلفك، فمتى تتوقفين عن التردد؟ نحن نطالبك بتطبيق القانون، فلماذا تتركيننا وحدنا أمام الضغوط وحملات التخوين؟
رفض فرع القرض الحسن: الترجمة العملية لنداء صور
لم يبقَ نداء صور في حدود الكلام العام، بل ظهرت ترجمته العملية في الاعتراض على افتتاح فرع جديد لمؤسسة «القرض الحسن» في المدينة.
هذا الاعتراض لم يكن مجرد خلاف حول مؤسسة مالية، بل حمل دلالة سياسية أعمق. فالقضية تتعلق برفض استمرار بناء منظومة اقتصادية ومالية موازية للدولة، إلى جانب المنظومة العسكرية والأمنية والاتصالاتية الموازية الموجودة أصلاً.
إن افتتاح فروع جديدة لمؤسسة مرتبطة بحزب مسلح، في وقت يعاني فيه لبنان انهيار مؤسساته المالية والمصرفية، يعمق الإحساس بوجود اقتصادين وسلطتين ومرجعيتين داخل بلد واحد. والمواطنون الذين اعترضوا على افتتاح الفرع كانوا يطالبون، في جوهر موقفهم، بإعادة الاعتبار إلى الدولة ومؤسساتها، لا باستبدال النظام المالي الرسمي بمنظومات حزبية تعمل خارج الرقابة الطبيعية للدولة.
لقد كانت رسالة المعترضين واضحة: صور مدينة لبنانية وليست منطقة تابعة لتنظيم، ومؤسسات الدولة يجب أن تكون المرجعية الوحيدة في الاقتصاد والأمن والإدارة.
حركة شعبية تتقدم وسلطة تتراجع
المفارقة المؤلمة أن المواطنين بدأوا يتحركون دفاعاً عن الدولة، بينما تواصل السلطة نفسها التراجع أمام مسؤولياتها.
فبدلاً من أن تلتقط الحكومة هذه اللحظة السياسية المهمة، وتحمي أصحاب النداءات، وتحوّل مطالبهم إلى خطة وطنية، بقيت أسيرة الخوف والتردد والحسابات الطائفية. وكأن الدولة تخشى أن تمارس سلطتها، أو تعتبر تطبيق القانون مخاطرة، بينما لا تعتبر استمرار وجود تنظيم مسلح مستقل خطراً على وجودها.
لقد أثبت نداءا صور والنبطية أن الادعاء بأن الجنوب يتحدث بصوت واحد لم يعد مقبولاً. فالجنوب، مثل بقية لبنان، متعدد سياسياً واجتماعياً، وفيه مواطنون يريدون الدولة، ويرفضون اختزالهم في حزب واحد أو سلاح واحد أو موقف واحد.
إن ترك هؤلاء المواطنين يواجهون وحدهم حملات الضغط والتخوين يشكل تقصيراً خطيراً من السلطة. فمن يطالب بسيادة الدولة يجب أن يحظى بحمايتها، لا أن يشعر بأن الدولة نفسها تتخلى عنه خوفاً من صاحب السلاح.
شبكات اتصالات وبنية موازية للدولة
تأتي التقارير عن اكتشاف شبكة اتصالات جديدة مرتبطة بحزب الله لتضيف دليلاً آخر على استمرار بناء مؤسسات موازية خارج رقابة الدولة.
شبكة الاتصالات الخاصة ليست مجرد تمديدات تقنية أو كابلات عادية. إنها بنية أمنية وسيادية تتيح إدارة الاتصالات والتحركات بعيداً عن أجهزة الدولة، وتمنح التنظيم الذي يسيطر عليها قدرة مستقلة على العمل والتنسيق واتخاذ القرار.
وإذا ثبت أن هذه الشبكات تُمدد أو تُوسع من دون علم المؤسسات الرسمية أو موافقتها، فإن الأمر يشكل اعتداءً مباشراً على السيادة اللبنانية، ولا يمكن التعامل معه بالصمت أو بالمساومات السياسية.
لقد دفع لبنان في السابق ثمناً كبيراً عندما تحولت قضية شبكة الاتصالات الخاصة إلى مواجهة داخلية. ولذلك فإن تجاهل ظهور شبكات جديدة أو توسع الشبكات القائمة لا يحمي السلم الأهلي، بل يهيئ لمشكلة أكبر في المستقبل.
كل شبكة اتصالات مستقلة تعني مزيداً من الاستقلال الأمني عن الدولة. وكل استقلال أمني يعني أن قرار الحرب والسلم يمكن أن يبقى في يد جهة لا تخضع للحكومة ولا للبرلمان ولا للمحاسبة العامة.
أسلحة رأس النبع: الخطر في قلب العاصمة
يضاف إلى ذلك ما أُعلن عن اكتشاف أسلحة في منطقة رأس النبع في بيروت. وبانتظار صدور معلومات رسمية دقيقة تحدد طبيعة الأسلحة والجهة المسؤولة عنها، فإن مجرد وجود أسلحة غير شرعية داخل حي سكني في قلب العاصمة يطرح أسئلة خطيرة.
كيف تدخل هذه الأسلحة؟ من يخزنها؟ ما الهدف منها؟ ومن يملك سلطة استخدامها؟
إن وجود السلاح داخل الأحياء السكنية لا يحمي السكان، بل يحولهم إلى أهداف محتملة، ويضع حياتهم وممتلكاتهم تحت خطر أي اشتباك أو ضربة أو انفجار. كما يكشف أن قضية السلاح لم تعد محصورة في المناطق الحدودية، بل تمتد إلى داخل بيروت وإلى مناطق يفترض أنها خاضعة بصورة كاملة لسلطة الدولة.
لا يكفي أن تعلن الأجهزة الأمنية العثور على الأسلحة. المطلوب كشف المسؤولين عنها، ومصادرتها، وإجراء تحقيق قضائي شفاف، ومنع تكرار تحويل الأحياء المدنية إلى مخازن أو نقاط عسكرية.
استهداف الآلية الإسرائيلية: من يملك قرار الحرب؟
جاء استهداف حزب الله أمس آلية هندسية إسرائيلية ليعيد طرح السؤال المركزي: من يملك قرار الحرب والسلم في لبنان؟
لا خلاف على أن إسرائيل تحتل أرضاً لبنانية، وأنها ترتكب اعتداءات وانتهاكات متواصلة، وأن الدولة اللبنانية مطالبة باستخدام كل الوسائل السياسية والدبلوماسية والعسكرية المشروعة لاستعادة أرضها وحماية حدودها.
لكن مقاومة الاحتلال لا تمنح حزباً سياسياً حق اتخاذ قرار عسكري منفرد، من دون موافقة الحكومة، ومن دون العودة إلى المؤسسات الدستورية، ومن دون أن يكون اللبنانيون شركاء في تحديد كلفة العملية وتوقيتها ونتائجها.
إن الخطر ليس في استهداف آلية إسرائيلية فحسب، بل في استمرار وجود جهة تستطيع أن تفتح جبهة أو تصعد المواجهة متى تشاء، بينما تتحمل الدولة والمواطنون تبعات الرد الإسرائيلي.
قرار الحرب ليس ملكاً لحزب، مهما كانت قوته أو شعاراته. إنه أخطر قرار سيادي، ويجب أن يبقى حصراً في يد الدولة اللبنانية.
هدية سياسية لنتنياهو
جاءت العملية في توقيت بالغ الحساسية، بينما كانت الضغوط الأميركية تتصاعد على حكومة بنيامين نتنياهو من أجل الانسحاب من الأراضي اللبنانية.
وفي مثل هذا التوقيت، يمنح أي تصعيد عسكري نتنياهو ذريعة يحتاج إليها للقول إن الانسحاب غير ممكن، وإن حزب الله لا يزال يشكل تهديداً، وإن بقاء القوات الإسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية ضرورة أمنية.
بهذا المعنى، يمكن أن تتحول العملية، مهما كانت الرسالة العسكرية المقصودة منها، إلى خدمة سياسية لحكومة نتنياهو. فهي تساعده على التراجع عن الضغوط التي تعرض لها، وتمنحه مادة يستخدمها أمام الداخل الإسرائيلي وأمام الإدارة الأميركية لتبرير استمرار الاحتلال.
إسرائيل لا تحتاج دائماً إلى ذريعة كي تعتدي، وهي قادرة على اختلاق المبررات. لكن المسؤولية الوطنية تفرض عدم منحها حججاً مجانية، خصوصاً عندما توجد فرصة دولية للضغط عليها من أجل الانسحاب.
كان المطلوب من لبنان أن يستثمر الضغط الأميركي والدولي لإنهاء الاحتلال، لا أن يسمح بعملية منفردة قد تستخدمها إسرائيل لتقويض هذا الضغط.
الأرض مقابل السلاح
المعادلة الوطنية التي يجب أن تتبناها الدولة واضحة: الأرض مقابل السلاح.
لا تعني هذه المعادلة مقايضة الأرض اللبنانية أو التنازل عن حق لبنان في المقاومة والدفاع، بل تعني العمل على مسارين متلازمين: انسحاب إسرائيلي كامل من كل الأراضي اللبنانية، وإنهاء كل سلاح خارج سلطة الدولة.
تستعيد الدولة أرضها عبر الدبلوماسية والضغط الدولي والشرعية القانونية وانتشار الجيش، وفي المقابل تستعيد احتكارها للسلاح وقرار الحرب والسلم.
لا يمكن للبنان أن يطالب المجتمع الدولي بإلزام إسرائيل بالانسحاب، بينما يعجز عن إثبات أن الدولة ستتولى السيطرة الكاملة على الأراضي المحررة. كما لا يمكن القبول بأن يتحول الانسحاب الإسرائيلي إلى ذريعة لبقاء سلاح حزبي مستقل عن الجيش.
لبنان يحتاج إلى جيش واحد، وحدود واحدة، وشبكة اتصالات شرعية واحدة، وأجهزة أمنية واحدة، وقرار سياسي وعسكري واحد.
ليس استهدافاً للطائفة الشيعية
إن المطالبة بحصر السلاح بيد الدولة ليست حرباً على الطائفة الشيعية، ولا استهدافاً لأهل الجنوب، ولا إنكاراً لتضحياتهم.
على العكس، فإن أبناء الجنوب والشيعة اللبنانيين كانوا أول من دفع ثمن الحروب. دُمرت قراهم، وتهجرت عائلاتهم، وتعطلت أعمالهم، وسقط أبناؤهم، بينما بقي قرار التصعيد خارج قدرتهم على المحاسبة أو المشاركة.
حزب الله تنظيم سياسي وعسكري، ولا يجوز مساواته بطائفة كاملة أو اعتبار كل اعتراض عليه اعتداءً على الشيعة. هذه المعادلة تخدم الحزب لأنها تمنحه حصانة طائفية، وتمنع النقاش الطبيعي حول سلاحه وأدائه ومسؤوليته.
نداءا صور والنبطية أثبتا أن في البيئة الشيعية والجنوبية أصواتاً مستقلة تريد دولة قوية، وترفض تحويل الطائفة إلى غطاء دائم لسلاح لا يخضع للدستور.
التراجع لا يمنع الفتنة بل يؤجلها
تختبئ السلطة اللبنانية منذ سنوات خلف الخوف من الفتنة. لكنها لا تدرك، أو لا تريد أن تدرك، أن التراجع أمام السلاح لا يمنع المواجهة، بل يؤجلها ويجعلها أكثر خطورة.
كل تراجع من الدولة يثبت لصاحب السلاح أن بإمكانه فرض إرادته. وكل صمت عن شبكة اتصالات أو مخزن سلاح أو مؤسسة موازية يسمح بتكريس واقع جديد يصعب تغييره لاحقاً.
المطلوب ليس شن حرب أهلية، ولا اقتحام المناطق، ولا اعتماد الانتقام الجماعي. المطلوب خطة قانونية وسياسية وأمنية متدرجة، تنفذها الدولة بمساندة شعبية وضمانات عربية ودولية.
تبدأ هذه الخطة بحماية أصحاب النداءات المدنية، ثم التحقيق في شبكات الاتصالات والأسلحة، ومنع أي توسع للمؤسسات الموازية، ووضع جدول زمني واضح لتسليم السلاح إلى الجيش.
أما انتظار موافقة الحزب على إنهاء وضعه المسلح، بينما يواصل الحزب تعزيز هذا الوضع، فليس سياسة، بل استسلام مقنع.
الدولة أمام فرصة تاريخية
تمتلك السلطة اللبنانية اليوم فرصة ربما لم تكن متاحة بهذا الوضوح في السابق. فهناك حركة شعبية من داخل الجنوب تؤيد عودة الدولة، وضغط دولي من أجل الانسحاب الإسرائيلي، ورغبة لبنانية واسعة في إنهاء الحروب والبدء بإعادة الإعمار.
لكن هذه الفرصة لن تبقى مفتوحة إلى الأبد.
إذا تراجعت الدولة الآن، فإن الأصوات المدنية ستشعر بأنها تُركت وحدها، وسيستعيد السلاح قدرته على إسكاتها، وستتحول النداءات الشعبية إلى خيبة جديدة.
أما إذا تحركت الدولة، فإنها لن تكون وحدها. سيكون معها مواطنون في صور والنبطية وبيروت والبقاع وكل لبنان، يريدون العيش تحت سقف قانون واحد.
لقد قال المواطنون للدولة بوضوح: نحن نساندك، فمارسي سلطتك. نحن نريد الجيش، فلا تتركينا تحت رحمة السلاح. نحن نريد حماية الدولة، فلا تتقاعسي عن حمايتنا.
إلى متى تنتظر السلطة؟
إلى متى ستبقى السلطة اللبنانية تنتظر، بينما تظهر كل يوم شبكة جديدة أو أسلحة جديدة أو مؤسسة موازية جديدة؟
إلى متى ستقبل أن يتخذ حزب مسلح قراراً عسكرياً يخص لبنان كله، بينما تكتفي الحكومة بإحصاء الخسائر وإصدار البيانات؟
إلى متى ستطلب الدولة من المجتمع الدولي احترام سيادتها، وهي لا تفرض هذه السيادة في الداخل؟
إن أخطر ما يمكن أن تفعله السلطة اليوم هو التراجع. فأي تراجع من الدولة لن يؤدي إلى تسوية، بل إلى كارثة. سيمنح حزب الله مزيداً من الوقت لإعادة بناء بنيته، ويمنح نتنياهو مزيداً من الحجج لإدامة الاحتلال، ويضعف الحركة الشعبية التي بدأت تطالب بدولة حقيقية.
لقد رفعت صور والنبطية صوتهما. واعترض مواطنون في صور على افتتاح فرع جديد للقرض الحسن. وبدأ الناس يطالبون علناً بالجيش والقانون والسيادة.
لم تعد المشكلة في غياب المساندة الشعبية للدولة، بل في غياب قرار الدولة نفسها.
لقد حان الوقت كي تضرب السلطة بيد القانون كل مجموعة خارجة عنه، وتحمي المواطنين، وتستعيد الأرض، وتنهي السلاح غير الشرعي، قبل أن يدخل لبنان في كارثة جديدة لا يملك هذه المرة القدرة على تحملها.



