السبت, أغسطس 15, 2026
25.2 C
Beirut

هل وقّع أنطون الصحناوي رمزياً «تطبيع العشاء» بدلاً من الرئيس جوزاف عون؟

نشرت في

أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد

لم يوقّع المصرفي ورجل الأعمال اللبناني أنطون الصحناوي اتفاق سلام أو تطبيع باسم لبنان، ولا يملك دستورياً أو سياسياً أي صفة تخوّله القيام بذلك. لكن الصورة التي جمعته برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وزوجته سارة، إلى جانب مورغان أورتاغوس، على مأدبة عشاء في واشنطن، حملت دلالة سياسية ورمزية عميقة يصعب تجاهلها.

فالسؤال الحقيقي ليس إن كان الصحناوي وقّع اتفاقاً مع إسرائيل، لأن ذلك لم يحصل، بل إن كانت الصورة نفسها قد مثّلت، رمزياً، محاولة لتقديمه بديلاً عن الدولة اللبنانية في مشهد كان رئيس الجمهورية جوزاف عون قد رفض منحه لنتنياهو في ظل استمرار الحرب والاحتلال.

عشاء واحد… ورسائل كثيرة

لم يكن اللقاء مصافحة عابرة أو صورة التقطت بالمصادفة خلال مناسبة عامة، بل مأدبة عشاء شارك الصحناوي في استضافتها إلى جانب مورغان أورتاغوس، وجلس خلالها إلى طاولة نتنياهو وعدد من الشخصيات الأميركية.

وهنا تكمن رمزية الحدث. فالصورة أوحت بأن هناك شخصية لبنانية نافذة مستعدة لإظهار علاقة طبيعية وعلنية مع رئيس الحكومة الإسرائيلية، بينما كانت الدولة اللبنانية، ممثلة برئيس الجمهورية، ترفض منح نتنياهو هذا المشهد قبل وقف الاعتداءات وانسحاب الجيش الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية.

من هنا يمكن القول إن الصحناوي لم يوقّع اتفاق تطبيع بالقلم، لكنه منح نتنياهو ما يشبه التوقيع السياسي والإعلامي بالصورة.

الفرق بين الدولة والأفراد

الرئيس جوزاف عون، بصفته رئيساً للجمهورية، يملك الشرعية الدستورية لإدارة السياسة الخارجية ضمن المؤسسات اللبنانية، وقد ربط أي انتقال إلى مرحلة جديدة بإنهاء الحرب واستعادة الحقوق اللبنانية.

أما الصحناوي فلا يحمل أي صفة رسمية، ولا يمثل الدولة اللبنانية، ولا الحكومة، ولا مجلس النواب، ولا الشعب اللبناني.

ولهذا فإن الاعتراض على المشهد لا ينطلق فقط من الجلوس مع نتنياهو، بل من محاولة إعطاء الانطباع بأن رجال المال والنفوذ يستطيعون القفز فوق الدولة واحتلال مساحة سياسية ليست من حقهم.

فإذا كان حزب الله قد صادر لعقود قرار الحرب، فإن اللبنانيين لا يريدون أيضاً أن يصادر أصحاب النفوذ المالي قرار السلام.

ديانا مقلد: لا لاختطاف التفاوض

الإعلامية ديانا مقلد كانت من أوائل المعترضين على المشهد، لكنها قدّمت اعتراضاً يتجاوز الانفعال السياسي.

فهي فرّقت بوضوح بين تفاوض تجريه الدولة اللبنانية من أجل وقف الحرب واستعادة الأرض وحماية السكان، وبين مصرفي تحيط به ملفات مرتبطة بانهيار القطاع المصرفي وأموال المودعين، يجلس مع المسؤول الأول عن الحرب على لبنان ثم يقدم نفسه بوصفه رسولاً للسلام.

وطالبت القضاء والأجهزة المختصة بالتحقق من طبيعة هذه العلاقات واللقاءات، وما إذا كانت تقتصر على مناسبة اجتماعية أم تتضمن تنسيقاً سياسياً أو أدواراً تتجاوز حدود العلاقات الشخصية.

كما شددت على أن القضية لا تتعلق بالموقف من حزب الله، بل بحماية القرار الوطني من أن يتحول إلى وسيلة لتبييض السجلات المالية والسياسية أو إلى بطاقة عبور نحو مراكز النفوذ في واشنطن.

ويحمل هذا الاعتراض بعداً مهماً، لأنه يؤكد أن رفض سلاح حزب الله لا يعني القبول بأن يتولى أصحاب المصارف رسم مستقبل لبنان السياسي بعيداً عن مؤسسات الدولة.

حسين قاسم: لا تحولوا القضية إلى موجة فيسبوكية

أما الكاتب السياسي حسين قاسم، فقد رأى أن الغضب من صورة الصحناوي ونتنياهو لا يكفي، وأن تحويلها إلى مجرد موجة على وسائل التواصل الاجتماعي سيؤدي إلى ضياع القضية.

ودعا إلى فتح ملف التعامل مع إسرائيل والخيانة الوطنية بصورة شاملة، بدءاً من قضية عامر الفاخوري، مروراً بالجدل حول اتفاق كاريش، ووصولاً إلى كشف الاختراقات الإسرائيلية التي أصابت بنية حزب الله وألحقت الضرر بلبنان واللبنانيين.

ويستحق هذا الطرح التوقف عنده، لأنه يرفض الانتقائية في التعامل مع مفهوم العمالة أو الاختراق، ويطالب بمعيار واحد يطبق على الجميع، بعيداً عن الحسابات الطائفية أو الحزبية.

ائتلاف النبطية: القضية أمام القضاء

أما الائتلاف الديمقراطي في محافظة النبطية، فقد ذهب خطوة أبعد، معتبراً أن ما جرى يشكل شبهة مخالفة لقانون مقاطعة إسرائيل، وأعلن أن بيانه يمثل إخباراً موجهاً إلى النيابة العامة التمييزية والأجهزة الأمنية والقضائية المختصة، مطالباً بفتح تحقيق واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة.

ورغم أن الحكم القانوني يبقى من اختصاص القضاء وحده، فإن المطالبة بالتحقيق تبدو طبيعية عندما يتعلق الأمر بلقاء علني مع رئيس حكومة دولة لا تزال في حالة حرب مع لبنان.

هل هناك من يؤيد الصحناوي؟

في المقابل، لم يكن المشهد موضع إدانة من الجميع.

فهناك شخصيات ودوائر سياسية وإعلامية، خصوصاً في الولايات المتحدة وإسرائيل، رأت في مشاركة الصحناوي مؤشراً إلى وجود أصوات لبنانية تؤمن بإمكانية الانتقال مستقبلاً إلى سلام مع إسرائيل، وتعتبر أن التواصل العلني أفضل من استمرار الحروب المفتوحة.

ويستند أصحاب هذا الرأي إلى أن السلام لا يولد من القطيعة، بل من الاتصالات، وأن المجتمع المدني ورجال الأعمال قد يفتحون أحياناً أبواباً تعجز السياسة الرسمية عن فتحها.

كما يعتبر بعضهم أن هيمنة حزب الله على قرار الحرب لعقود أدت إلى عزل لبنان، وأن كسر هذا الاحتكار يقتضي تشجيع مبادرات سياسية ومدنية مختلفة.

إلا أن هذا الدفاع يواجه سؤالاً أساسياً لا يستطيع تجاوزه: إذا كان السلام خياراً وطنياً، فمن الذي يملك حق التفاوض باسمه؟

فالسلام، كما الحرب، لا يصنعه رجال الأعمال ولا المصارف ولا جماعات الأمر الواقع، بل تصنعه الدولة ومؤسساتها الدستورية بعد نقاش وطني واضح.

بين احتكار الحرب واحتكار السلام

ليست المشكلة في مبدأ السلام، كما أنها ليست في مبدأ التفاوض.

فلبنان يحتاج إلى إنهاء الحرب، واستعادة أرضه، وتثبيت حدوده، وإعادة سكان الجنوب إلى قراهم، كما يحتاج إلى إنهاء ظاهرة السلاح الخارج عن الدولة.

لكن السلام لا يمكن أن يكون مشروعاً خاصاً، تماماً كما لا يجوز أن تكون الحرب مشروعاً خاصاً.

ولذلك فإن رفض سلاح حزب الله لا يعني القبول بأن يحتكر أصحاب المال والنفوذ قرار التفاوض، كما أن رفض التطبيع المجاني لا يعني رفض أي مفاوضات تجريها الدولة من أجل حماية مصالح اللبنانيين.

الصورة ليست اتفاقاً… لكنها رسالة

لم يوقّع أنطون الصحناوي اتفاق تطبيع مع إسرائيل، ولم يصبح ممثلاً للبنان بمجرد جلوسه إلى مائدة نتنياهو.

لكن الصورة حملت توقيعاً رمزياً واضحاً، لأنها أوحت بأن هناك من يريد أن يمنح إسرائيل مشهد التطبيع الذي رفضت الدولة اللبنانية تقديمه قبل تحقيق شروطها الوطنية.

ولهذا فإن القضية لا تتعلق بعشاء فقط، بل بالسؤال الأعمق: من يملك حق تمثيل لبنان؟

الجواب يجب أن يبقى واحداً، سواء تعلق بالحرب أو بالسلام: لا حزب مسلح يحتكر قرار الدولة، ولا مصرفي نافذ يحتكر حق التحدث باسمها. فالسيادة لا تتجزأ، وقرار لبنان لا يملكه إلا اللبنانيون عبر مؤسساتهم الدستورية.

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

ماركس وباكونين: الصراع الذي شقّ الثورة إلى طريقين!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد من الأممية الأولى إلى مؤتمر لاهاي: من كان أقرب...

هالة نهرا ووجدي أبو ذياب في عملٍ إبداعيّ: من سلوفينيا إلى العالم!

أخباركم - أخبارنا تجلببتْ قصيدة «يا ضوء الأضواء» للشاعرة اللبنانية والعربية هالة نهرا، من...

اليسار الفلسطيني أمام مرآة الحقيقة: أزمة المشروع أم أزمة الاستقلال السياسي؟

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد ردّ على مقالة «اليسار الفلسطيني أمام لحظة الحقيقة.. من...

الحجّاج والسفّاح: هل يعيد التاريخ إنتاج وجهي السلطة؟

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد يصعب فهم الحجّاج بن يوسف الثقفي وأبي العباس السفّاح...

More like this

هالة نهرا ووجدي أبو ذياب في عملٍ إبداعيّ: من سلوفينيا إلى العالم!

أخباركم - أخبارنا تجلببتْ قصيدة «يا ضوء الأضواء» للشاعرة اللبنانية والعربية هالة نهرا، من...

من برغز إلى جمال ساطي… حين كانت المقاومة مشروع تحرير وطني لا ذراعاً في مشروع إقليمي

أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد يفصل بين ذكرى معركة برغز في الثاني والثالث من...

بين جعجعة نعيم قاسم وردّ نواف سلام… حان وقت قول الحقيقة

أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد اتهم الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم السلطة السياسية...