أخباركم – أخبارنا/ د. كاوه محمود
ليست السياسة حدثاً طارئاً على حياة الإنسان. فهي تتداخل في تفاصيل حياتنا اليومية كافة، وتشكل القرارات التي تحكم المجتمعات، وتؤثر بصورة مباشرة في الأنظمة الاقتصادية، والقوانين، وحتى الخدمات الأساسية كالصحة والتعليم، مما يجعل من الصعب فصل الأفراد عن تأثيراتها المستمرة.
ليست الحقوق والحريات الأساسية والتشريعات الاجتماعية خارجة عن نطاق تحكم السياسات. كما تلعب السياسات العامة دوراً محورياً في توجيه الرأي العام، وصناعة المحتوى الإعلامي، وتشكيل الثقافة المجتمعية بما يخدم الأيديولوجيات السائدة والمصالح الطبقية.
فلم يعد هناك مجال أو قطاع من الحياة لم يتسيّس، ابتداءً من التقنية والإنتاج، وانتهاءً بأعلى مجالات النشاط والحياة الروحية.
ولم تعد السياسة مقصورة أو محتكرة من قبل أوساط ضيقة من القادة والزعماء. فالسياسة موضع اهتمام وانشغال الملايين من الناس من مختلف الطبقات والمراتب الاجتماعية، لتقرير مصائر الشعوب، ومستقبل التطور، وإيجاد الطرق الضرورية لحل القضايا التاريخية للبشرية والعصر.
وفي هذا المضمار، لا يمكن للحزب الشيوعي أن يرسم سياساته وأن يتوجه إلى العمل الحزبي بشكل عفوي، بل ضمن فهمه لعملية التغيير الاجتماعي.
وضمن العمل الحزبي، ليست السياسة اجتهاداً شخصياً، بل هي نتاج التحليل العلمي للواقع الملموس.
وعموماً، لا تُبنى سياسة الحزب على المبادئ المجردة وحدها، بل على التحليل الملموس للواقع الملموس؛ أي دراسة كل مرحلة تاريخية بخصوصيتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية، وعدم نقل تجارب الأحزاب الأخرى بصورة آلية.
وفي المحصلة النهائية، يرى الشيوعيون أن الحل الإيجابي الجذري، بما يخدم الإنسانية ومستقبلها الآمن، يكمن في الخلاص من المظالم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والفكرية والطبقية والقومية.
ما المقصود بسياسة الحزب؟
سياسة الحزب هي التوجهات العامة التي يرسمها الحزب تبعاً للقوانين الموضوعية للتطور الاجتماعي.
وهذا يعني، تبعاً لذلك، معرفة ودراسة الواقع الموضوعي بشكل معمق في فترة تاريخية ملموسة.
ونعني بالموضوعية منهجية التفكير والنظر إلى الأشياء أو الوقائع كما هي في الواقع بدقة، بناءً على أدلة وبراهين ملموسة، بعيداً عن الرغبوية في التقييم والتحليل، وبالاعتماد على الملموسية التي تدل على كل ما هو مادي وواقعي في فترة تاريخية معينة من تطور المجتمع، يتم فيها تشخيص تناقضاتها وصراعاتها ومهامها لتحقيق هدف معين، وفق مصالح الكادحين. وتتحدد وفق ذلك القوى المحركة للتغيير الاجتماعي والقوى المناهضة له.
فسياسة الحزب تتجسد في ما يقترحه الحزب ويرسمه من توجهات وإجراءات لتطور مختلف ميادين الحياة الاجتماعية، ولمحتوى وتنظيم سلوك الحزب ونشاطه، وطابع وأشكال النشاط لإعادة بناء الواقع الموضوعي باتجاه تحقيق أهدافه. وهنا تكمن عملية التغيير الاجتماعي.
العلمية والاسترشاد بالماركسية
ونعني بذلك الدراسة الدقيقة والعميقة لقوانين التطور الاجتماعي وحقائق الواقع الفعلي. وهذا يتطلب معرفة محتوى الصراع الاجتماعي الدائر، وتوازن القوى، والتناقضات الاجتماعية والطبقية، ونضج الجماهير ومزاجها، ومدى استعدادها للعمل والنضال.
وتعني العلمية الاعتماد على الوقائع لا الرغبات، واستخدام الإحصاءات والمؤشرات، ودراسة ميزان القوى، وتحليل اتجاهات الرأي العام، ومراجعة التجربة باستمرار.
وتعتمد هذه العملية على:
رسم معالم المستقبل على أساس الموضوعات النظرية المعمقة والتجربة العملية.
معرفة قوانين التطور، والتحليل من الموقع الطبقي.
أخذ حقائق الواقع بنظر الاعتبار، بكل تناقضاته وتعقيداته، وإمكانات القوى الاجتماعية.
معرفة القوى السياسية الناشطة في العملية السياسية.
رسم التوجهات العامة وليس التفاصيل الدقيقة.
من أي موقع تتم هذه الدراسة؟
تتم هذه الدراسة من موقع طبقي حزبي يقود إلى استنتاجات صائبة ومتماسكة، تخدم التأثير الواعي والفعال، وتحفز الفاعلية السياسية الثورية والعقلانية للطبقة والفئات التي لها مصلحة في التغيير، والجماهير الساعية إلى تطور المجتمع وتغييره.
إن المهام السياسية ضمن المرحلة التاريخية الحالية في كوردستان تفرض مهمة النضال من أجل التحرر الوطني وحق تقرير المصير، بالتزامن مع النضال الطبقي. فالحزب، وهو يدافع عن مصالح الطبقة العاملة، يدافع أيضاً عن الديمقراطية، والحريات العامة، وحقوق الإنسان، والعدالة الاجتماعية، والسلم، وحقوق المرأة، والبيئة، وحقوق القوميات. وبذلك تظهر شمولية المشروع السياسي.
إن السياسة التي تقوم على هذه الأسس تتحول إلى قوة تعبوية تنشط الطاقات وقوة المبادرة. وتتحول هذه السياسة إلى قوة مادية عندما تتبناها الجماهير وتمنحها الثقة.
ماذا تشمل سياسة الحزب ومواقفه؟
تشمل سياسة الحزب وتعالج مسائل تطور الطبيعة والمجتمع والفكر الإنساني، وتطور الإنسان وقدرته في عملية التغيير.
كما تشمل قدرة الإنسان على فهم مختلف جوانب المعرفة، ومسائل التطور الاجتماعي.
وتشمل أيضاً العلاقات بين الطبقات والأمم والقوميات والأحزاب والدول، وتوازن القوى، ومسائل الثورة الاجتماعية والقوى المحركة، ومسائل الدولة.
وتشمل المسائل المتعلقة بتطوير الثقافة والأدب والفن وكامل الميدان الفكري، والنظرة إلى الظواهر الدينية، والموقف من المرأة، والتجديد، والتنوير، والحداثة، وغيرها.
مستلزمات عملية السياسة بالنسبة إلى حزبنا الشيوعي
1 ـ الاعتماد على الماركسية لرسم السياسة وتحديد المحتوى والتوجهات
الماركسية تساعدنا على ذلك لأنها تفهمنا الأفق التاريخي لتطور البشرية، والتمسك بالمنطق التاريخي الملموس، وتضعنا في الجانب الصحيح من التاريخ.
2 ـ وحدة النظرية والتطبيق
ربط النظرية بالتطبيق الثوري الاجتماعي وبالتجربة التاريخية، والتعلم من التجارب المتشابهة بعيداً عن الاستنساخ، وعدم تحديد السياسة بالاستناد إلى الرغبات.
واعتبار النظرية مرشداً للعمل، وليست أحكاماً وأفكاراً جامدة واستنباطات معزولة عن الحياة، بل تتطور وتغتني باغتناء التطبيق. وعلى أساس عملية تداخل وترابط ووحدة النظرية والتطبيق، تغتني سياسة الحزب بارتباطها الوثيق بالحياة.
3 ـ التنبؤ العلمي
السياسة رسم وجهات عامة لنشاط لاحق في المستقبل الآتي، يتعلق بمصير الحركة الثورية.
ومعرفة ماهية المستقبل وآفاق التطور تعني التأكيد أن الحياة تسير إلى الأمام، ولا يكفي أن نمشي بموازاتها، بل علينا أن نستبق عبر التأكيد على تفعيل قوانا في حركة التحول.
والتنبؤ العلمي لا يعني التنبؤ الحتمي بالمستقبل، وإنما استشراف الاتجاهات المحتملة اعتماداً على قوانين التطور وتحليل الوقائع والسيناريوهات المختلفة.
4 ـ دراسة المفاهيم والظواهر المستجدة
ومنها: الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي، العولمة والحمائية، الأزمة البيئية والتغيرات المناخية، الاقتصاد الرقمي، والحوكمة العالمية.
5 ـ التوازن بين الظروف الموضوعية وقدرة العامل الذاتي
الظروف الموضوعية تعني تلك التي لها صلة بالظروف الاقتصادية والاجتماعية، والمصالح الطبقية، وتوازن القوى القائم.
أما الظروف الذاتية فتعني مستوى تطور وعي وتنظيم الطبقة والفئات التي نمثلها، وإدراكها لمصالحها، وارتباط الجماهير التي لها مصلحة في التغيير بالحزب، ومكانة الحزب في الحياة الاجتماعية، ووحدته وتنظيمه وصواب نهجه، وتأثيره في الساحة السياسية، وأشكال وأساليب النضال، والقدرة على تشخيص الخطأ ومعالجته.
وعندما نتخذ القرار السياسي، علينا أن نأخذ هذا التوازن بنظر الاعتبار.
وعندما يكون العامل الذاتي بمستوى المهمات التي يفرضها الواقع الموضوعي والظروف الموضوعية الناضجة، فإن تحقيق الانتصار يكون أسهل. وإذا تخلف العامل الذاتي عن الاستفادة من نضج الواقع للتغيير، يجب أن نتوقع الفشل.
6 ـ التوافق مع مصالح ووعي الكادحين وعموم الشغيلة الذين يتبنون مشروعنا السياسي
إن المشروع السياسي المتمثل في البرنامج يجب أن يعبر عن تلك المصالح وسبل تحقيقها. وإذا لم يكن منسجماً مع تلك المصالح، انعدمت علميته.
والسياسة تبدأ هناك حيث الملايين، لا الألوف، كما كان يرى لينين. إن الانشغال في السياسة يعني فهم الظاهرة من وجهة نظر الجماهير، وليس من وجهة نظر شخصية.
لهذا التوجه أهميته، حيث يرتفع المستوى السياسي للجماهير وفاعليتها ونزولها إلى معترك العمل السياسي. أما القوى الأخرى فتريد شل فاعلية الجماهير وإشاعة روح السلبية.
إن رسم الخط السياسي بالنسبة إلى الحزب أمر مهم، ولكن الأهم إدراك هذا الخط من قبل أوسع الجماهير، وخلق القناعة لديها.
7 ـ تحديد أساليب وأشكال النضال
الماركسية لا تربط الحركة بشكل واحد من أشكال النضال، بل بالتنوع.
والنظر إلى النضال الجماهيري يعني الانتباه إلى أنه ينشأ منه بلا انقطاع أساليب جديدة، تزداد تنوعاً بشكل دائم.
فالتغيير في الأوضاع الاجتماعية يولد تغييراً في الأساليب النضالية وظهور أشكال جديدة. ولا يوجد شكل مطلق في أساليب النضال.
ويجب النظر إلى أساليب النضال من خلال الوضع التاريخي الملموس.
ولا يكفي رسم سياسة صائبة، بل لا بد أيضاً من أساليب وأشكال للنضال والتنظيم تكون صائبة ومثمرة.
كما يجب التأكيد على النضال الديمقراطي المدني السلمي، وتربية الجماهير والسلطة بهذا الشكل النضالي.
8 ـ معرفة واستيعاب قوانين وفن الصراع السائد والدراسة العميقة لتوازن القوى
يجب تقييم القوى السياسية بشكل موضوعي، والانطلاق من أن الصراع الطبقي هو محرك التاريخ.
فالسياسة والتاريخ تفسرهما العلاقات الاقتصادية. والحقائق الاقتصادية تكون أساس ظهور النقائض الطبقية.
والسياسة انعكاس للتوازن الطبقي في المجتمع، والتوازن تحدده الأوضاع والمصالح الاقتصادية؛ أي إن السياسة هي التعبير المركز عن الاقتصاد.
والسياسة تعبير عن العلاقة بين الطبقات، لكنها لا تغطي كل تلك العلاقة، بل تلك التي ترتبط بإدارة الدولة والتأثير على أعمال الدولة والمساهمة فيها، وما يتعلق بسلطة الدولة وصلاحياتها.
وسياسة الحزب ذات طابع وطني وطبقي، بما في ذلك السياسة المتعلقة بالحريات العامة. فالمظاهرة حق مدني عام، ولكن الغرض منها قد يكون مطلباً اجتماعياً أو موقفاً سياسياً مطلوباً تحقيقه.
9 ـ كيفية اتخاذ الموقف من الطبقات والفئات الاجتماعية الأخرى والتعامل مع قواها السياسية
يجب تحديد المواقف من الأحزاب السياسية وتنظيم العلاقات معها، واعتبار ظهور الأحزاب السياسية ضرورة موضوعية بسبب الصراع الاجتماعي.
كما يجب معرفة طبيعة الأحزاب الأخرى العاملة في الساحة السياسية، فيما يتعلق بأيديولوجيتها وخطابها السياسي وسلوكها العملي، والتغيرات التي تطرأ عليها.
والعمل على تحقيق أهداف استراتيجية وتكتيكية، وإدراك التناقضات الرئيسية، والمرونة من أجل تحقيق مديات التلاقي في الأهداف، لرسم التحالفات الضرورية في مرحلة معينة، بما يسهل مهمة التغيير الاجتماعي ويخلق توازنات لحل المهام المطروحة.
مع ضرورة صيانة الاستقلال السياسي والتنظيمي والفكري للحزب الشيوعي.
10 ـ ممارسة المركزية الديمقراطية
وذلك من خلال مشاركة المنظمات الحزبية، وتعزيز الحوار الداخلي، والتأكيد على وحدة الإرادة بعد اتخاذ القرار، وحق النقد والنقد الذاتي.
11 ـ إتقان فن وعلم القيادة السياسية
فن السياسة يكمن في تقييم الظرف واللحظة بشكل صحيح، والتحليل الشامل، وأخذ القوانين الموضوعية بنظر الاعتبار وحقائق الواقع.
كما يتطلب القدرة على كشف وحل التناقضات، وتشخيص الحليف، وتحديد التناقضات الرئيسية، واعتماد التكتيك الصائب والمرن.
ويتطلب أيضاً القدرة على المساومة وكيفية تجاوز الضربات أو التصدي لها، والربط بين العمل السياسي والعمل التنظيمي التعبوي، وترجمة القرارات السياسية في الجانب التطبيقي.
كما يتطلب تربية القادة والكوادر، وتقديم الكادر والقادة من خلال العمل المتواصل العنيد متعدد الجوانب، لصنع المعارف الضرورية والتجربة الضرورية، والتحلي بالدقة والحس السياسي الضروري للحل السريع والصائب للمسائل السياسية المعقدة.
ويجب العمل من أجل توفير وتعزيز الصفات الشخصية في القائد، كنكران الذات، والتضحية، وتقبل الآخر، وغيرها.
كما يجب معالجة الخطأ وعدم تكراره وتصحيحه في الوقت المناسب؛ سواء أكانت الأخطاء بسبب نقص التجربة السياسية والمعارف النظرية، أم ناتجة عن الذاتية وعدم الجدية في دراسة الواقع.
ويجب كذلك انتقاد روح المغامرة وتجاهل الحقائق، والابتعاد عن الواقع الموضوعي، وضيق النفس السياسي، والانعزالية، والتطرف.
وفي المحصلة، ينبغي العمل على تحويل السياسة المقررة إلى برنامج، وتحويل البرنامج إلى خطة، والبحث في كيفية التنفيذ، وقياس النتائج، والمتابعة، ومراجعة الأخطاء.



