السبت, أغسطس 15, 2026
25.2 C
Beirut

العراق من ساحة للنفوذ إلى محرك الاستقلالية: كيف أدّت التغيرات الجيو سياسية إلى انفجار التصعيد الإيراني؟

نشرت في

أخباركم – أخبارنا/ أكرم محمود
يعيش الشرق الأوسط على وقع تحولات بنيوية عميقة لم تشهدها المنطقة منذ عقود، حيث تداخلت الملفات السياسية والأمنية والاقتصادية لتشكل مشهداً جديداً يعيد رسم خريطة القوى والنفوذ. في قلب هذا المشهد المتغير، يقف العراق اليوم ليس كصندوق بريد لتبادل الرسائل كما كان في العقود الماضية، بل كمحرك أساسي ودينامو محفز للتغيرات الاستراتيجية التي طالت المعادلة الإقليمية برمتها. إن القراءة المتأنية لطبيعة الأحداث الممتدة من بغداد إلى دمشق، وصولاً إلى خيارات الحرس الثوري الإيراني وردود الفعل الأمريكية والإسرائيلية، تكشف أن التحول العراقي نحو الاستقلالية الاقتصادية والسياسية بات يشكل تهديداً وجودياً لمنظومة الهيمنة الإيرانية، مما دفع الأخيرة إلى رفع منسوب التصعيد الميداني إلى مستويات غير مسبوقة.
لقد شكل العراق على مدى سنوات طويلة الرئة الاقتصادية الحيوية التي تتنفس منها طهران تحت وطأة العقوبات الدولية والمطبات الاقتصادية المتلاحقة. اعتمدت الاستراتيجية الإيرانية على إبقاء بغداد في حالة ارتهان دائم، سواء من خلال الهيمنة على سوق الاستهلاك العراقي، أو فرض الاعتماد شبه الكامل على مستوردات الغاز والكهرباء، أو تحويل الأراضي العراقية إلى ممراً مالياً ولوجستياً يغذي الأذرع المسلحة الممتدة عبر المنطقة. غير أن المسار السياسي والاقتصادي الحديث لبغداد بدأ يرسم ملامح قطيعة تدريجية مع هذه التبعية المطلقة.
إن التوجه العراقي الحثيث نحو توقيع اتفاقات نفطية استراتيجية مع دول الجوار، وتفعيل مشاريع نقل الطاقة المتنوعة عبر الشام وشمالاً نحو تركيا، إلى جانب إطلاق مشروع طريق التنمية الذي يربط ميناء الفاو الكبير على الخليج العربي بالشبكة التركية ومنها إلى أوروبا عبر خطوط السكك الحديدية والطرق السريعة، يمثل تحولاً جوهرياً في عقيدة الدولة العراقية. هذا المشروع ليس مجرد خطة تنموية للبنية التحتية، بل هو مشروع جيوسياسي يعيد موقعة العراق كمركز ترانزيت دولي مستقل ويربط مصالحه الحيوية بشركاء إقليميين ودوليين مختلفين. إن نجاح بغداد في تأسيس خطوط مصالح مشتركة مع أنقرة ودول الخليج العربي يعزل القدرة الإيرانية على احتكار القرار الاقتصادي السياسي في بغداد، ويُحدث خرقاً كبيراً في الجدار الذي بنته طهران لتأمين عمقها الإقليمي.
تأتي هذه التحركات العراقية بالتزامن مع ضربة جيوسياسية أخرى تلقتها طهران تمثلت في انحسار نفوذها في دمشق وخروج الملف السوري من قبضة التوجيه المباشر. إذا كانت دمشق تُشكل بالنسبة للإمبراطورية الإقليمية الإيرانية الجغرافيا الصلبة والممر البري الضروري الذي يربط طهران بشاطئ البحر المتوسط، فإن العراق كان يُشكل الشريان المالي والتمويلي لهذه المنظومة. بالتالي، فإن تزامن خسارة الممر الجغرافي عبر دمشق مع سعي بغداد الجاد للانفكاك الاقتصادي وضع المشهد الإيراني أمام أزمة انكماش مزدوجة؛ أزمة تفقد الهلال المفترض قوامه الجغرافي وتجرّده في الوقت نفسه من مصادر تغذيته الاقتصادية.
أمام هذا الواقع المأزوم، تجد المؤسسة الحاكمة في الحرس الثوري الإيراني نفسها تخوض معركة مصيرية تتجاوز نطاق النفوذ السياسي الخارجي لتلامس صلب بقائها الداخلي. لا يمكن فصل تحركات الحرس الثوري عن إمبراطوريته المالية والعسكرية الهائلة المقامة داخل إيران وخارجها، والتي تهيمن على قطاعات الطاقة والمقاولات والخدمات المالية الموازية. إن أي تحول نحو إدارة مدنية في طهران تسعى إلى التهدئة والانفتاح الاقتصادي والتفاوض مع الغرب، يتطلب بالضرورة تفكيك هذه الشبكة المالية الموازية وإعادة الحرس الثوري إلى ثكناته العسكرية، وهو ما تعتبره قيادة الحرس خطاً أحمر لا يمكن التنازل عنه. من هنا، يصبح خيار التصعيد الإقليمي أداة رئيسية لفرض حالة الطوارئ الدائمة، وتعطيل أي مبادرة مدنية داخلية للسيطرة على زمام الأمور، وإرسال رسالة حاسمة لكل الأطراف مفادها أن الاستقرار الإقليمي لا يمكن أن يتحقق بمعزل عن تثبيت مصالح هذه المؤسسة.
هذا الفهم المتعمق لطبيعة الأزمة هو ما يفسر حدة الانفجار الأمني الأخير الذي انتقل من مرحلة التصعيد عبر الفصائل المحلية إلى المواجهة المباشرة. إن دخول الفصائل المسلحة على خط استهداف المنشآت النفطية في شبه الجزيرة العربية، وضغطها على خطوط الملاحة ومواقع الطاقة الإقليمية، لم يكن مجرد استعراض قوة عابر، بل تكتيك يهدف لتعكير صفو البيئة الاستثمارية في المنطقة وتوجيه ضربة قاصمة لرسائل الاستقرار التي يتطلبها مشروع طريق التنمية العراقي والمشاريع الترانزيتية المجاورة. كان الهدف إفهام كافة الأطراف الدولية والإقليمية بأن الأراضي العراقية ومحيطها لن يتحولوا إلى بيئة آمنة للمشاريع الاقتصادية البديلة ما لم يتم الإبقاء على النفوذ الإيراني كاملاً غير منقوص.
غير أن ذهاب الحرس الثوري نحو خطوات أكثر جرأة عبر الاستهداف المباشر للقواعد العسكرية الأمريكية في المملكة الأردنية الهاشمية، واللوح بالتصعيد المباشر في المياه الإقليمية، أظهر أن قيادة الحرس باتت تعتمد استراتيجية السير على حافة الهاوية. هذا التحول من أسلوب الحروب المباشرة عبر الوكلاء إلى التبني والعمليات المباشرة يكشف عن حجم الاستنفار الوجودي لدى طهران. لقد أدّت الضربات والضغوط الإقليمية إلى وضع الحرس الثوري في موقف يرى فيه أن خسارة أوراقه في بغداد وعمان ودمشق تعني حتمية انتقال معركة التفجير إلى الداخل الإيراني، مما جعله يدفع باتجاه صدام شامل لإعادة فرض معادلة الردع بيده.
في المقابل، تجد واشنطن نفسها أمام حتمية إعادة تشكيل استراتيجيتها للردع. إن الإدراك الأمريكي والارتكاز على التحليلات السياسية لمخرجات اللقاءات رفيعة المستوى بين القيادتين الأمريكية والإسرائيلية يشي بأن الخيارات لم تعد تقتصر على امتصاص الصدمات أو توجيه ضربات موضعية مواربة للفصائل في الساحات الثانوية. الرد الأمريكي والردع المتوقع باتا يتجهان مباشرة نحو البنية التحتية العسكرية والمالية التي تعتمد عليها قيادة الحرس الثوري. يهدف هذا التوجه إلى شل قدرات الإطلاق الصاروخي وتدمير مراكز القيادة والسيطرة للبحرية والجوية التابعة للحرس، فضلاً عن تجفيف منابع التدفق المالي عبر المنشآت الاقتصادية المزدوجة التي تديرها هذه المنظومة.
ومع ذلك، تظل المعركة محكومة بحسابات دقيقة للغاية من الطرفين؛ فالولايات المتحدة تدرك أن توجيه ضربات واسعة النطاق تشمل كامل البنية التحتية لمنشآت الطاقة الإيرانية قد يؤدي إلى إغلاق الممرات البحرية الحيوية ورفع أسعار النفط العالمية إلى مستويات غير مسبوقة، مما يربك الاقتصاد العالمي. ومن جهة أخرى، يدرك الحرس الثوري أن الذهاب إلى مواجهة مفتوحة بلا سقف سيعجل بتدمير قدراته البنيوية ويعمق من حالة الغليان الشعبي والسياسي داخل إيران ضد كلفة سياسته الخارجية.
إن الخلاصة التي تفرزها هذه القراءة الشاملة تتلخص في أن العراق أثبت مجدداً أنه قلب التوازنات في الشرق الأوسط. لم تعد التغيرات الحاصلة في بغداد مجرد تجاذبات حجرية في الشطرنج السياسي المحلي، بل تحولت إلى محرك استراتيجي أجبر الأطراف كافة على كشف أوراقها. إن سعي بغداد الحثيث للاستقلالية الاقتصادية وبناء شبكة مصالح إقليمية متوازنة أزال الستار عن هشاشة المشروع الإقليمي الإيراني الذي اعتمد لعقود على الضغط العسكري والمالي. وبينما يحاول الحرس الثوري استعادة زمام المبادرة عبر القصف والتصعيد الميداني في الأردن والخليج والعراق، تبدو المنطقة مقبلة على رسم جغرافيا سياسية جديدة، يكون فيها الاقتصاد وسيادة الدول الوطنية هما المعيارين الأساسيين، على حساب إمبراطوريات السلاح والنفوذ الموازية.
.

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

ماركس وباكونين: الصراع الذي شقّ الثورة إلى طريقين!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد من الأممية الأولى إلى مؤتمر لاهاي: من كان أقرب...

هالة نهرا ووجدي أبو ذياب في عملٍ إبداعيّ: من سلوفينيا إلى العالم!

أخباركم - أخبارنا تجلببتْ قصيدة «يا ضوء الأضواء» للشاعرة اللبنانية والعربية هالة نهرا، من...

اليسار الفلسطيني أمام مرآة الحقيقة: أزمة المشروع أم أزمة الاستقلال السياسي؟

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد ردّ على مقالة «اليسار الفلسطيني أمام لحظة الحقيقة.. من...

الحجّاج والسفّاح: هل يعيد التاريخ إنتاج وجهي السلطة؟

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد يصعب فهم الحجّاج بن يوسف الثقفي وأبي العباس السفّاح...

More like this

اليسار الفلسطيني أمام مرآة الحقيقة: أزمة المشروع أم أزمة الاستقلال السياسي؟

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد ردّ على مقالة «اليسار الفلسطيني أمام لحظة الحقيقة.. من...

الحجّاج والسفّاح: هل يعيد التاريخ إنتاج وجهي السلطة؟

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد يصعب فهم الحجّاج بن يوسف الثقفي وأبي العباس السفّاح...

تلازم السيادة والحل السياسي: تفكيك فخ الترتيبات الأمنية في التفاوض اللبناني!

أخباركم - أخبارنا/ أكرم محمود تقف الدولة اللبنانية عند مفترق طرق تاريخي في إدارتها لملف...