السبت, أغسطس 15, 2026
27.4 C
Beirut

من ركام الجنوب إلى لقاء الصحناوي ونتنياهو: هل بدأ زوال لبنان؟

نشرت في

أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد

المشهد في جنوب لبنان لم يعد مشهد حرب عابرة، ولا مجرد جولة أخرى ستتوقف ثم تعود الحياة بعدها إلى طبيعتها. ما نراه اليوم يفتح السؤال الأكثر رعباً في تاريخنا الحديث: هل يبقى لبنان موجوداً كما عرفناه، أم أننا نشاهد بداية زواله البطيء؟

قرى كاملة تحولت إلى ركام. بيوت سُحقت فوق ذكريات أصحابها، وأحياء اختفت ملامحها، وعائلات تبحث بين الحجارة عن صورة، أو وثيقة، أو كتاب، أو قطعة ثياب، أو فردة حذاء، أو أي أثر يؤكد أن حياة كاملة كانت قائمة هنا قبل أن تتحول في لحظة إلى غبار.

اتصلت بأستاذ جامعي لأطلب منه كتابة مقال للموقع. لم أجده جالساً أمام مكتبه أو محاطاً بمراجعه، بل وجدته منهكاً، يفتش بين أنقاض منزله عن كتاب نجا من الدمار، وعن بعض الملابس، وعن أشياء صغيرة لا قيمة مادية لها، لكنها كل ما تبقى له من عمر كامل.

هذا الرجل خرّج آلاف الطلاب، وأسهم في إعداد أجيال من المثقفين والقضاة، وكان عضواً فاعلاً في جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية، ودخل سجون الاحتلال الإسرائيلي، ودفع من عمره ثمناً للدفاع عن الجنوب ولبنان. لكنه عاد في نهاية الطريق ليقف أمام بيته مدمراً، ومكتبته مدفونة، وذكرياته محطمة تحت الركام.

أية دولة هذه التي تترك رجلاً مثله وحيداً أمام خراب حياته؟

وأي وطن هذا الذي يطلب من أبنائه أن يقاوموا ويدفعوا أثماناً متتالية، ثم يعجز عن حمايتهم، وعن إعادة بيوتهم، وعن ضمان بقائهم فوق أرضهم؟

كل يوم نرى مقطعاً جديداً لعائلة تدخل إلى منزلها المهدّم. امرأة تبحث عن صور أبنائها. رجل عجوز يقف أمام حجارة كانت منزله. طفل يسأل عن غرفته وألعابه ومدرسته. وأناس يصرخون بصمت:

أنقذوا الجنوب. التفتوا إلينا. لا تتركونا نموت مرتين: مرة تحت القصف، ومرة تحت الإهمال.

لكن لا حياة لمن تنادي.

الدولة اللبنانية عاجزة، تفاوض وهي خالية الوفاض، لا تملك قرار الحرب ولا قرار السلم، ولا القدرة على إعادة الناس إلى قراهم، ولا حتى خطة جدية تمنع تحويل الجنوب إلى منطقة مهجورة.

وفي الجهة الأخرى، حزب الله الذي تسلط على حياة الناس واحتكر قرارهم، وأدخلهم في حروب متتالية مرتبطة بمصالح إيران وحساباتها. دُمّر جنوب لبنان ثلاث مرات خلال أقل من ربع قرن، وفي كل مرة كان الناس يدفعون الثمن، بينما تُرفع الشعارات نفسها وتُعاد الخطب نفسها، ثم يُترك أهل الجنوب وحدهم أمام بيوتهم المحطمة.

الحزب لم يتعامل مع الجنوب باعتباره أرضاً يجب أن يعيش أهلها بسلام وكرامة، بل باعتباره ساحة مفتوحة لحروب الولي الفقيه. وقد أعلن قادته مراراً ولاءهم لهذا المشروع، وكأن دماء اللبنانيين وبيوتهم وأرزاقهم تفاصيل صغيرة في معركة أكبر هدفها بقاء الولاية وبقاء القائد.

والمنطق هنا شديد القسوة: فليمت الناس، ولتدمر القرى، وليهاجر الشباب، ولتختف الحياة، ما دام المحور قائماً.

لكن ما الذي يبقى من الجنوب بعد كل ذلك؟

هل يعود أهله إليه؟

هل تسمح الوقائع الأمنية الجديدة بإعادة إعمار القرى الحدودية؟

هل تتحول بعض المناطق إلى أحزمة عازلة أو أراضٍ ميتة، بلا سكان وبلا زراعة وبلا مدارس؟

هل يصبح الجنوب منطقة تجريبية لترتيبات أمنية دولية وإقليمية، فيما يُطلب من أهله أن ينتظروا سنوات حتى يُسمح لهم بالعودة إلى بيوتهم؟

الخطر اليوم ليس فقط أن يخسر لبنان أرضاً إضافية، بل أن يخسر فكرة الجنوب نفسه. الجنوب الذي كان قرى نابضة بالحياة، وحقول تبغ وزيتون، ومدارس ومقاهي وبيوتاً مفتوحة، قد يتحول إلى خط أمني طويل تفصل فيه الأسلاك والركام بين اللبنانيين وأرضهم.

وعندما يُفرغ الجنوب من سكانه، لا يعود السؤال من يسيطر عليه عسكرياً فقط، بل: هل يبقى جنوباً لبنانياً أصلاً؟

الصحناوي ونتنياهو: صورة تتجاوز صاحبها

بالتوازي مع مأساة الجنوب، انفجر الجدل حول لقاء أنطون الصحناوي وبنيامين نتنياهو. وسرعان ما انقسم اللبنانيون بين من وصف الصحناوي بالخائن، ومن قدمه بوصفه مسيحياً لبنانياً يبحث عن طريق آخر لحماية جماعته وبلده.

لكن هذا الجدل حول خيانة فرد أو وطنيته يكاد يخفي السؤال الأخطر: هل لا يزال اللبنانيون يؤمنون بدولة واحدة قادرة على حمايتهم، أم أن كل طائفة بدأت تبحث عن خلاصها الخاص خارج الدولة؟

عندما تفقد الدولة سلطتها، لا يبقى الناس مواطنين. يتحولون إلى جماعات خائفة، تبحث كل واحدة منها عن حامٍ خارجي، أو عن حدود خاصة، أو عن تسوية منفردة.

هنا يصبح لقاء الصحناوي بنتنياهو أكثر من مجرد صورة مستفزة. يتحول إلى علامة على انهيار المرجعية الوطنية المشتركة. ويصبح السؤال لدى البعض: لماذا ننتظر دولة لا تحمينا؟ ولماذا لا نبحث عن اتفاقات منفصلة تضمن بقاءنا؟

يمكن إدانة اللقاء سياسياً وأخلاقياً، ويمكن اعتباره خروجاً على الإجماع الوطني، لكن لا يجوز الاكتفاء بإدانة الصورة وتجاهل البلد الذي أنتجها. فالصحناوي لم يصنع وحده انهيار الدولة، بل ظهر في لحظة أصبح فيها كل فريق لبناني تقريباً يبحث عن مظلة خارجية، فيما تراجع الوطن نفسه إلى المرتبة الأخيرة.

في المقابل، فرضت الولايات المتحدة عبر مورغان أورتاغوس منطق التفاوض بقوة. وقد ساهم حضورها الإعلامي وجمالها وطريقة ظهورها في صناعة صورة طغت أحياناً على مضمون ما تمثله من ضغوط سياسية قاسية. لكن خلف قصة شعرها وتبرجها وخطابها الواثق، كان هناك مشروع واضح: نقل لبنان من مرحلة الحرب المفتوحة إلى مفاوضات مباشرة أو غير مباشرة، وفرض ترتيبات جديدة على الحدود وعلى السلاح وعلى مستقبل الجنوب.

لا يجوز اختزال ذلك كله في مظهر امرأة أو في جاذبيتها الإعلامية. المسألة أخطر بكثير. إنها إعادة رسم لموقع لبنان ووظيفته وحدوده وقدرته على البقاء.

البعض يستعيد سيرة سعد حداد الذي ذهب إلى الجنوب في مرحلة معينة تحت غطاء من السلطة، قبل أن يتحول لاحقاً إلى رمز للخيانة، ثم خلفه أنطوان لحد.

وأطلقت سهى بشارة النار على لحد برومانسيتها الثورية وبطلقتين فقط، وكأنها أرادت أن تقول إنها تقاوم من أجل وطن، لا من أجل القتل. كانت تمثل جيلاً يؤمن بأن المقاومة وسيلة لاستعادة الدولة، لا وسيلة لإلغاء الدولة وتسليمها لمحور خارجي.

أما اليوم، فقد انقلب المعنى. صار السلاح الذي قيل إنه يحمي لبنان سبباً في تعطيل دولته، وصارت المقاومة التي كان يفترض أن تعيد السيادة وسيلة لمنع اللبنانيين من تقرير مصيرهم.

هل بدأ تقسيم لبنان من دون إعلان؟

الخوف الحقيقي ليس أن يصدر غداً بيان رسمي يقول إن لبنان قد قُسّم. التقسيم لا يبدأ دائماً بالخرائط والاتفاقيات. قد يبدأ حين تفقد الدولة قدرتها على دخول بعض المناطق، وحين يصبح لكل طائفة أمنها واقتصادها وعلاقاتها الخارجية، وحين تنقطع الصلات السياسية والنفسية بين اللبنانيين.

قد يبدأ التقسيم عندما يشعر ابن طرابلس أن مرجعيته الطبيعية باتت في دمشق أكثر منها في بيروت، ويشعر بعض المسيحيين أن خلاصهم لا يكون إلا في كيان منفصل، ويبحث الدروز عن حماية تتجاوز الحدود، بينما يبقى الشيعة محاصرين في مشروع عسكري إيراني جعل من مناطقهم ساحات صراع دائمة.

عندما أسمع عن زيارات لمسؤولين سوريين إلى طرابلس، وعن مبيتهم فيها، لا أتعامل مع الأمر بوصفه دليلاً قاطعاً على مشروع تقسيم، لكنني أشعر بالقلق. لأن الدول لا تزول دفعة واحدة؛ إنها تنسلخ منطقة بعد أخرى، وتفقد سيادتها خطوة بعد خطوة، حتى يصبح الواقع الجديد أقوى من أي نص دستوري.

هكذا يمكن أن يصغر لبنان الكبير من دون أن يعلن أحد نهايته.

وطن مسيحي هنا، ومنطقة درزية هناك، وشمال سني يعيد وصل نفسه بعمقه السوري، وجنوب يتحول إلى منطقة أمنية أو إلى ساحة دائمة لصراع إيران وإسرائيل.

وعندها يطرح السؤال المرعب نفسه: أين يذهب الشيعة؟

هل يتركون وحدهم يدفعون ثمن مشروع لم يختاروه جميعاً؟

هل يتحول جبل عامل، بكل تاريخه الثقافي والديني والوطني، إلى أرض محرمة أو جبهة دائمة أو مستودع بشر لحروب الآخرين؟

هل يدرك الشيعة أن أكبر خطر يواجههم اليوم ليس إسرائيل وحدها، بل تحويلهم إلى جماعة معزولة عن لبنان، مرتبطة عضوياً بإيران، ومطوقة بالخوف والكراهية والدمار؟

إن الشيعة ليسوا حزب الله، وجبل عامل ليس ثكنة إيرانية، وتاريخ الجنوب ليس ملكاً للولي الفقيه.

هذه البيئة أنجبت علماء ومفكرين وشيوعيين وقوميين ورجال مقاومة حقيقيين، وقدمت شهداء دفاعاً عن الأرض وعن لبنان، لا دفاعاً عن سلطة دينية في طهران.

كان في الماضي من تحدث عن بواخر لترحيل المسيحيين وترك لبنان للفلسطينيين، فبرز مشروع لبناني واجه ذلك الخطر وأسقطه، مهما اختلفنا حول شخصياته وخياراته.

واليوم يحتاج الشيعة إلى شجاعة تاريخية مماثلة، لا لطردهم من وطنهم ولا لمواجهتهم كطائفة، بل لإنقاذهم من الحزب الذي اختطف قرارهم وربط مصيرهم بمصير النظام الإيراني.

إن السؤال ليس: هل يظهر بشير شيعي بالمعنى الطائفي؟

السؤال: هل تظهر قيادة شيعية لبنانية تقول بوضوح إن الشيعة جزء من لبنان، وإن مستقبلهم في بيروت لا في طهران، وإن جبل عامل وطن وحياة ومدارس وقرى وأشجار زيتون، لا منصة صواريخ ولا مقبرة مفتوحة؟

هل تظهر قيادة تعيد الشيعة إلى الدولة قبل أن يخسروا الدولة والأرض معاً؟

لبنان لا يموت بضربة واحدة

لبنان قد لا يختفي من الخريطة غداً، لكن الدول تموت أحياناً قبل أن تُمحى حدودها.

تموت عندما يصبح قرار الحرب في يد تنظيم، وقرار الاقتصاد في يد المصارف والمافيات، وقرار السياسة في يد السفارات، وقرار الطوائف في يد القوى الخارجية.

تموت عندما يُدفن الجنوب تحت الركام، وتُترك طرابلس للفقر والتطرف، ويهاجر المسيحيون، وينكفئ الدروز، ويُدفع الشيعة إلى عزلة قاتلة.

تموت عندما يتوقف اللبنانيون عن السؤال كيف ننقذ وطننا، ويبدؤون بالسؤال كيف تنقذ كل جماعة نفسها من الوطن ومن الجماعات الأخرى.

لسنا أمام أزمة حكومية عابرة، بل أمام خطر وجودي. لبنان الكبير الذي وُلد قبل أكثر من قرن قد يصبح صغيراً، مقطعاً، منزوع السيادة، أو مجرد اسم على خريطة تخفي وراءها كانتونات ومناطق نفوذ.

لهذا فإن إنقاذ الجنوب ليس قضية مناطقية ولا طائفية. إنه المعركة الأخيرة لإنقاذ لبنان كله.

ومن هنا أيضاً يجب قراءة لقاء الصحناوي ونتنياهو. فالصورة ليست حادثاً منفصلاً عن ركام الجنوب، بل وجه آخر للأزمة نفسها. في الجنوب، حزب مسلح يقرر وحده الحرب ويربط الأرض بإيران. وفي الجهة المقابلة، شخصيات تبحث عن خلاصها عبر إسرائيل. وبين الاثنين، تتآكل الدولة ويضيع الوطن.

هذه هي المأساة الحقيقية: لم يعد اللبنانيون مجتمعين حول لبنان، بل موزعين بين طهران وتل أبيب ودمشق وواشنطن وعواصم أخرى، فيما بيروت عاجزة عن جمع أبنائها تحت سقف واحد.

من يترك الجنوب يموت اليوم، سيجد غداً أن الشمال قد ابتعد، والجبل قد انغلق، وبيروت قد فقدت معناها، وأن لبنان الذي ظن أنه سيبقى رغم كل شيء لم يعد موجوداً إلا في الأناشيد والذكريات.

أنقذوا الجنوب قبل أن يصبح ركامه حدوداً جديدة.

أنقذوا الشيعة من مشروع عزلهم عن وطنهم.

أنقذوا المسيحيين من هاجس الرحيل والبحث عن كيان خائف.

أنقذوا السنة والدروز من إغراء العودة إلى خرائط ما قبل لبنان.

أنقذوا الدولة قبل أن يتحول كل لبناني إلى لاجئ داخل طائفته.

فالخطر لم يعد أن نخسر حرباً أخرى.

الخطر أن نستيقظ ذات يوم، فنجد أن الحروب بقيت، والطوائف بقيت، والسلاح بقي، ونتنياهو بقي، والصحناوي بقي، والولي الفقيه بقي، لكن لبنان نفسه قد زال.

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

ماركس وباكونين: الصراع الذي شقّ الثورة إلى طريقين!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد من الأممية الأولى إلى مؤتمر لاهاي: من كان أقرب...

هالة نهرا ووجدي أبو ذياب في عملٍ إبداعيّ: من سلوفينيا إلى العالم!

أخباركم - أخبارنا تجلببتْ قصيدة «يا ضوء الأضواء» للشاعرة اللبنانية والعربية هالة نهرا، من...

اليسار الفلسطيني أمام مرآة الحقيقة: أزمة المشروع أم أزمة الاستقلال السياسي؟

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد ردّ على مقالة «اليسار الفلسطيني أمام لحظة الحقيقة.. من...

الحجّاج والسفّاح: هل يعيد التاريخ إنتاج وجهي السلطة؟

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد يصعب فهم الحجّاج بن يوسف الثقفي وأبي العباس السفّاح...

More like this

هالة نهرا ووجدي أبو ذياب في عملٍ إبداعيّ: من سلوفينيا إلى العالم!

أخباركم - أخبارنا تجلببتْ قصيدة «يا ضوء الأضواء» للشاعرة اللبنانية والعربية هالة نهرا، من...

من برغز إلى جمال ساطي… حين كانت المقاومة مشروع تحرير وطني لا ذراعاً في مشروع إقليمي

أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد يفصل بين ذكرى معركة برغز في الثاني والثالث من...

بين جعجعة نعيم قاسم وردّ نواف سلام… حان وقت قول الحقيقة

أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد اتهم الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم السلطة السياسية...