السبت, أغسطس 15, 2026
25.2 C
Beirut

خالد بكداش: سيرة رجل صنع الحزب الشيوعي السوري وأثار جدلاً لم ينتهِ! 

نشرت في

أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد

يصعب الحديث عن تاريخ الحركة الشيوعية العربية من دون التوقف مطولاً عند شخصية خالد بكداش. فقد شكّل، على امتداد أكثر من ستة عقود، أحد أكثر القادة السياسيين تأثيراً في تاريخ سورية الحديث، وأحد أبرز الوجوه التي ارتبط اسمها بنشأة اليسار العربي وتطوره، حتى أصبح بالنسبة لكثيرين مرادفاً للحزب الشيوعي السوري نفسه.

ولم تأتِ هذه المكانة من كونه أميناً عاماً للحزب الشيوعي السوري لأكثر من نصف قرن فحسب، أو لأنه أول نائب شيوعي يدخل برلماناً عربياً عبر انتخابات ديمقراطية عام 1954، بل لأنه عاش معظم التحولات الكبرى التي عرفتها سورية والمنطقة العربية خلال القرن العشرين، وأسهم في صنع جانب مهم منها. فقد عاصر نهاية الدولة العثمانية، والانتداب الفرنسي، والاستقلال، والانقلابات العسكرية، والوحدة السورية–المصرية، وصعود حزب البعث، والحرب الباردة، ثم انهيار الاتحاد السوفييتي، وهو الحدث الذي هزّ الحركة الشيوعية العالمية بأسرها.

ومع ذلك، فإن شخصية بكداش بقيت من أكثر الشخصيات إثارةً للجدل في التاريخ السياسي العربي. فبينما ينظر إليه أنصاره بوصفه المؤسس الحقيقي للحركة الشيوعية السورية الحديثة، والرجل الذي نجح في تحويل الحزب من حلقات ثقافية صغيرة إلى تنظيم سياسي جماهيري، يرى منتقدوه أنه كرّس مركزية مفرطة في القيادة، وربط الحزب إلى حد كبير بالسياسات السوفييتية، الأمر الذي حدّ من قدرته على تطوير قراءة مستقلة للواقع السوري والعربي.

ولم يقتصر الجدل على خصومه التقليديين من القوميين أو الإسلاميين أو الليبراليين، بل امتد أيضاً إلى داخل الحركة الشيوعية نفسها، حيث انقسمت الآراء حول أسلوبه في القيادة، وطبيعة العلاقة مع الاتحاد السوفييتي، والموقف من السلطة السورية، وإدارة الخلافات التنظيمية، وقضايا الديمقراطية الداخلية.

غير أن دراسة شخصية بحجم خالد بكداش لا يمكن أن تقوم على الأحكام المسبقة أو القراءات الأيديولوجية، سواء كانت تمجيدية أو إدانة مطلقة. فالرجل كان نتاجاً لمرحلة تاريخية معقدة، تشكلت فيها الأحزاب العقائدية تحت تأثير الصراع العالمي بين الرأسمالية والاشتراكية، وكانت قراراتها كثيراً ما ترتبط بظروف داخلية وإقليمية ودولية متشابكة.

ولهذا فإن هذه الدراسة لا تهدف إلى الدفاع عن بكداش أو محاكمته، بل إلى قراءة تجربته قراءة تاريخية تستند إلى الوثائق والدراسات الأكاديمية، وتتناول حياته السياسية بكل ما فيها من نجاحات وإخفاقات، واضعةً إياها في سياقها التاريخي بعيداً عن الأحكام المطلقة.

ولد خالد بكداش في دمشق في الرابع من تشرين الثاني/نوفمبر عام 1912، في حي الأكراد، وهو أحد أحياء العاصمة السورية التي استقرت فيها منذ قرون عائلات كردية اندمجت بصورة كاملة في المجتمع الدمشقي، مع احتفاظها بجذورها الثقافية والاجتماعية.

وكانت دمشق في تلك المرحلة تمر بتحولات تاريخية عميقة. فقد شهدت السنوات الأخيرة من الحكم العثماني، ثم دخلت بعد الحرب العالمية الأولى مرحلة الانتداب الفرنسي، وما رافقها من صعود للحركة الوطنية السورية وتنامي المطالب بالاستقلال.

نشأ بكداش في أسرة متوسطة الحال، ولم يكن ينتمي إلى طبقة الإقطاع أو كبار التجار، وهو ما جعله قريباً منذ شبابه من هموم الفئات الشعبية، ولا سيما العمال وصغار الموظفين والحرفيين، الذين شكلوا لاحقاً إحدى أهم قواعد الحزب الشيوعي السوري.

كما عاصر في طفولته وشبابه بدايات تشكل الدولة السورية الحديثة، في ظل بيئة سياسية مضطربة اتسمت بالصراع بين سلطات الانتداب والقوى الوطنية، وبظهور أحزاب واتجاهات فكرية متعددة، من قومية وليبرالية وإسلامية ويسارية.

وقد ترك هذا المناخ أثراً واضحاً في تكوين شخصيته، إذ وجد نفسه منذ سنواته الأولى أمام أسئلة تتعلق بالاستقلال، والعدالة الاجتماعية، وبناء الدولة، وهي الأسئلة التي سترافق مسيرته السياسية طوال حياته.

درس خالد بكداش في مدارس دمشق، وأظهر منذ سنوات الدراسة ميلاً واضحاً إلى القراءة والنقاش السياسي، متأثراً بالأجواء الوطنية التي كانت تعيشها المدينة آنذاك.

وفي عشرينيات القرن الماضي كانت سورية تشهد نشاطاً سياسياً متنوعاً، حيث تنافست الحركات الوطنية مع الاتجاهات الليبرالية والقومية، بينما بدأت الأفكار الاشتراكية والماركسية تصل إلى بلاد الشام عبر بيروت والقاهرة وأوروبا.

وكان للحركة العمالية الناشئة، والنشاط النقابي، أثر مهم في انتشار تلك الأفكار، خاصة في المدن الكبرى مثل دمشق وحلب وبيروت.

وفي هذا المناخ تعرّف بكداش إلى الأدبيات الماركسية، ولم يكن انجذابه إليها قائماً على الجانب الفلسفي وحده، بل وجد فيها مشروعاً يربط بين التحرر الوطني والعدالة الاجتماعية، ويرى أن الاستقلال السياسي لا يكتمل ما لم يقترن بإصلاح اقتصادي واجتماعي يحد من الفقر والاستغلال والإقطاع.

وسرعان ما انخرط في النشاط التنظيمي داخل الحزب الشيوعي الناشئ، وأظهر قدرة كبيرة على التنظيم والعمل الحزبي، مما لفت انتباه القيادة، التي رأت فيه مشروع قائد سياسي يمتلك طاقة استثنائية على بناء التنظيمات واستقطاب الكوادر الجديدة.

في مطلع الثلاثينيات أُوفد خالد بكداش إلى موسكو للدراسة في جامعة كادحي الشرق (Communist University of the Toilers of the East – KUTV)، وهي المؤسسة التي أنشأتها الأممية الشيوعية لإعداد كوادر الأحزاب الشيوعية في آسيا وإفريقيا والشرق الأوسط.

ولم تكن الجامعة مجرد مؤسسة أكاديمية، بل كانت مدرسة سياسية وتنظيمية متكاملة، تجمع بين دراسة:

  • الماركسية واللينينية.
  • الاقتصاد السياسي.
  • تاريخ الحركات الثورية.
  • التنظيم الحزبي.
  • العمل النقابي.
  • العمل السري.
  • الدعاية السياسية.
  • إدارة التنظيمات الجماهيرية.

وهناك احتك بكداش بطلبة ومناضلين من عشرات الدول، واكتسب معرفة مباشرة بتجارب الأحزاب الشيوعية المختلفة، كما تعرّف إلى أساليب عمل الأممية الشيوعية وإلى طبيعة العلاقة بين الأحزاب الوطنية والحركة الشيوعية العالمية.

وقد شكّلت تلك السنوات نقطة التحول الأساسية في حياته السياسية، إذ خرج منها مؤمناً بأن نجاح الحزب لا يقوم فقط على صحة أفكاره، بل على الانضباط التنظيمي، وإعداد الكوادر، ووحدة القيادة، وهي المبادئ التي ستصبح لاحقاً العمود الفقري لمدرسته التنظيمية.

كانت الأممية الشيوعية (الكومنترن) تمثل المرجعية الفكرية والسياسية للأحزاب الشيوعية في العالم، وتسعى إلى التنسيق بينها ضمن مشروع أممي يقوم على دعم الثورات الوطنية والعمالية.

وتأثر خالد بكداش بهذه الرؤية، لكنه ظل يؤكد أن لكل حزب خصوصيته الوطنية، وأن المبادئ الماركسية يجب أن تُطبق بما ينسجم مع ظروف كل مجتمع.

إلا أن خصومه رأوا أن الحزب الشيوعي السوري ظل، طوال سنوات قيادته، شديد الارتباط بالمواقف السوفييتية، ولا سيما في القضايا الدولية الكبرى، بينما كان بكداش يرفض هذا الوصف، معتبراً أن التنسيق مع الاتحاد السوفييتي لا يعني التخلي عن المصالح الوطنية السورية.

وقد ساعدته سنوات الدراسة في موسكو على بناء شبكة واسعة من العلاقات مع قيادات الأحزاب الشيوعية العالمية، الأمر الذي جعله لاحقاً أحد أبرز الوجوه العربية في المؤتمرات الدولية للحركة الشيوعية، وأكسبه مكانة لم يحظ بها سوى عدد محدود من القادة العرب.

عاد خالد بكداش إلى سورية في منتصف الثلاثينيات، ليتولى سريعاً مسؤوليات قيادية داخل الحزب الشيوعي السوري–اللبناني، الذي كان يعمل آنذاك في إطار تنظيمي واحد بسبب وحدة الانتداب الفرنسي على البلدين.

وفي عام 1936 انتخب أميناً عاماً للحزب وهو لم يتجاوز الرابعة والعشرين من عمره، في خطوة عكست الثقة الكبيرة التي أولتها له القيادة الحزبية، كما عكست قدرته التنظيمية اللافتة مقارنة بأقرانه.

ومنذ الأيام الأولى لقيادته، بدأ العمل على إعادة بناء الحزب وفق رؤية مختلفة، تقوم على الانتقال من تنظيم محدود يضم نخبة من المثقفين إلى حزب جماهيري منظم، يمتلك حضوراً في النقابات العمالية، والحركة الطلابية، والروابط النسائية، والأوساط الثقافية، إضافة إلى تأسيس جهاز حزبي منضبط يعتمد على التثقيف السياسي وإعداد الكوادر.

وقد شكّلت هذه المرحلة نقطة الانطلاق الحقيقية للحزب الشيوعي السوري، كما أرست الأسس التي ستجعله خلال العقود اللاحقة أحد أكثر الأحزاب السياسية العربية تنظيماً واستمرارية، رغم ظروف العمل السري، والانقلابات العسكرية، والاعتقالات، والتقلبات الإقليمية والدولية.

عندما تسلّم خالد بكداش قيادة الحزب الشيوعي السوري–اللبناني عام 1936، لم يكن الحزب قد تجاوز بعد مرحلة التأسيس. فقد كان تنظيماً محدود الانتشار، يعتمد بصورة كبيرة على النخب المثقفة وبعض الحلقات العمالية الصغيرة، ويعمل في ظروف أمنية صعبة فرضها الانتداب الفرنسي.

أدرك بكداش منذ البداية أن بقاء الحزب ضمن هذا الإطار سيجعله عاجزاً عن لعب دور سياسي مؤثر، لذلك وضع هدفاً استراتيجياً تمثل في تحويله إلى حزب جماهيري منظم، يمتلك مؤسسات سياسية وثقافية ونقابية قادرة على التواصل مع مختلف شرائح المجتمع.

وانطلقت عملية إعادة البناء من عدة محاور متوازية. فقد أولى أهمية كبيرة لاستقطاب العمال والحرفيين وصغار الموظفين، باعتبارهم القاعدة الاجتماعية الطبيعية لأي حزب يساري، كما عمل على توسيع حضور الحزب داخل الجامعات والمدارس، مؤمناً بأن الطلاب سيكونون كوادر المستقبل.

وفي الوقت نفسه، اهتم بتشكيل منظمات نسائية وشبابية، وربط العمل الحزبي بالنشاط الثقافي والفني، ولم يعد الحزب مجرد تنظيم سياسي مغلق، بل أصبح تدريجياً مؤسسة فكرية وثقافية لها صحافتها ومنشوراتها ومكتباتها وحلقاتها الدراسية.

كما أعاد تنظيم الهيكل الداخلي للحزب، فاعتمد نظام الخلايا الحزبية واللجان المحلية واللجان الإقليمية، وربطها بقيادة مركزية تتمتع بسلطة واسعة، في تطبيق واضح لمبدأ «المركزية الديمقراطية» الذي تأثر به خلال دراسته في موسكو.

وقد ساعد هذا البناء التنظيمي الحزب على الصمود أمام حملات الاعتقال والحظر، إذ كان قادراً على إعادة إنتاج قياداته المحلية، واستمرار نشاطه حتى في أصعب الظروف الأمنية.

لم يكن خالد بكداش ينظر إلى الصحافة باعتبارها وسيلة لنقل الأخبار فقط، بل اعتبرها مدرسة سياسية يومية، تصنع وعي الأعضاء وتؤثر في الرأي العام.

ولهذا اهتم الحزب منذ سنواته الأولى بإصدار الصحف والنشرات الدورية، التي تناولت قضايا العمال والفلاحين، والاستقلال الوطني، ومقاومة الاستعمار، والحقوق الاجتماعية.

كما أولى أهمية خاصة للترجمة، فشهدت تلك المرحلة نقل عدد كبير من النصوص الماركسية الأساسية إلى العربية، الأمر الذي ساهم في انتشار الفكر الاشتراكي بين أوساط المثقفين والطلاب في سورية ولبنان.

وكان الحزب، في نظر بكداش، لا يكتمل من دون إنتاج فكري وثقافي يوازي نشاطه السياسي، ولذلك شجع إقامة الندوات والمحاضرات، وأسهم في تكوين جيل من المثقفين اليساريين الذين لعبوا لاحقاً أدواراً بارزة في الحياة الثقافية العربية.

نشأ الحزب الشيوعي في سورية ولبنان تنظيماً واحداً خلال فترة الانتداب الفرنسي، حيث كانت السلطات الاستعمارية تدير البلدين ضمن إطار سياسي وإداري متقارب، الأمر الذي جعل العمل الحزبي المشترك خياراً طبيعياً.

وعندما أصبح خالد بكداش أميناً عاماً للحزب، عمل على تعزيز هذه الوحدة التنظيمية، فضمّت القيادة شخصيات سورية ولبنانية لعبت أدواراً مهمة في تطوير الحزب، وفي مقدمتها فرج الله الحلو، ونقولا شاوي، ورشاد عيسى، وغيرهم.

لكن استقلال سورية ولبنان فرض واقعاً سياسياً جديداً. فمع قيام دولتين مستقلتين، بدأت تظهر الحاجة إلى تنظيمين يعكسان الخصوصية الوطنية لكل بلد، مع المحافظة على التعاون السياسي والفكري.

وفي المؤتمر الذي عقد بين عامي 1943 و1944 أُقرّ تنظيم العمل بصورة أكثر استقلالاً، فأصبح لكل من سورية ولبنان قيادة وطنية، مع استمرار التنسيق الوثيق بين الحزبين.

ولم يكن ذلك انقساماً بالمعنى السياسي، بل إعادة تنظيم فرضها تطور الدولة الوطنية في البلدين، بينما بقيت العلاقات الفكرية والتنظيمية قائمة لسنوات طويلة.

يصعب دراسة تاريخ الحزب الشيوعي السوري واللبناني من دون التوقف عند العلاقة بين خالد بكداش وفرج الله الحلو، إذ شكّل الرجلان ثنائياً قيادياً ترك أثراً عميقاً في الحركة الشيوعية العربية.

كان فرج الله الحلو واحداً من أبرز منظري الحزب وقادته التنظيميين، وتميز بثقافة واسعة، واهتمام كبير بالحركة النقابية والعمل الجماهيري، كما كان من أكثر القيادات قرباً من قواعد الحزب.

وعمل إلى جانب بكداش سنوات طويلة في قيادة الحزب، وأسهم في بناء التنظيم في سورية ولبنان، إلا أن أسلوبيهما في القيادة لم يكونا متطابقين.

فبينما كان بكداش يميل إلى مركزية القرار حفاظاً على وحدة الحزب، كان الحلو أكثر ميلاً إلى توسيع النقاش الداخلي، ومنح الهيئات الحزبية دوراً أكبر في رسم السياسات.

ورغم هذا الاختلاف، بقي التعاون بينهما قائماً، ولم يتحول إلى صراع شخصي كما حاول بعض الأدبيات السياسية تصويره لاحقاً.

لم يكن التباين بين خالد بكداش وفرج الله الحلو مجرد صراع شخصي أو تنافس على موقع قيادي داخل الحزب الشيوعي السوري ـ اللبناني، بل كان في جوهره تعبيراً عن اختلاف مدرستين في فهم القيادة والعمل الشيوعي. مثّل بكداش، بدرجات متفاوتة، مدرسة الانضباط الصارم للمركز السوفياتي، والاعتماد على النموذج الجاهز، والقيادة المركزية التي تميل إلى ضبط الحزب من فوق. أما فرج الله الحلو فكان أقرب إلى مدرسة تبحث عن صياغة أكثر استقلالية وارتباطاً بخصوصية الواقع اللبناني والعربي، وعن أسلوب قيادي أكثر انفتاحاً على النقاش، وأكثر حساسية تجاه علاقة الماركسية بالتحرر الوطني والديمقراطية والواقع الاجتماعي المحلي. لذلك، فإن قراءة العلاقة بين الرجلين بوصفها خلافاً شخصياً تظلم التجربة وتبسطها؛ فالأدق أن نراها بوصفها مواجهة غير مكتملة بين نزعتين داخل الحركة الشيوعية العربية: نزعة ترى في الارتباط بالسوفيات ضمانة فكرية وسياسية، ونزعة أخرى كانت تحاول، ولو في ظروف صعبة، بناء فكر وأسلوب خاصين بالحزب، ينطلقان من الواقع الملموس لا من النقل الآلي للتجارب الجاهزة.

بعد قيام الجمهورية العربية المتحدة عام 1958، تعرض الحزب الشيوعي السوري إلى حملة أمنية واسعة شملت الاعتقالات وإغلاق المقرات والعمل السري.

وفي إطار محاولة إعادة تنظيم الحزب داخل سورية، تقرر إرسال فرج الله الحلو إلى دمشق بصورة سرية.

لكن أجهزة الأمن تمكنت من اعتقاله في حزيران/يونيو 1959، حيث تعرض لتعذيب شديد أدى إلى استشهاده، ثم أُخفيت جثمانه في واحدة من أبشع الجرائم السياسية التي شهدتها سورية الحديثة.

وقد أثارت هذه الحادثة جدلاً واسعاً داخل الحركة الشيوعية، إذ رأى بعض خصوم بكداش أن القيادة أخطأت في تقدير المخاطر الأمنية وبعض النظريت ذهبت باتجاه اتهام بكداش بتقصد دفع فرج الله نحو الخطر بسبب عدم ارتياحه للعمل معه، بينما تؤكد دراسات تاريخية أخرى أن قرار إرسال الحلو جاء في إطار محاولة إعادة بناء التنظيم، ولم تثبت أي وثيقة تاريخية أن القيادة كانت تعلم باستحالة نجاح المهمة أو أنها تعمدت تعريضه للخطر.

وبقي فرج الله الحلو منذ ذلك الوقت رمزاً للنضال والتضحية داخل الحركة الشيوعية العربية، بينما ظلت قضيته من أكثر الصفحات إيلاماً في تاريخ الحزب.

يمكن القول إن خالد بكداش لم يؤسس حزباً سياسياً فحسب، بل أسس مدرسة تنظيمية كاملة أثرت في عدد من الأحزاب الشيوعية العربية.

قامت هذه المدرسة على عدة مبادئ رئيسية:

  • أولوية التنظيم على الفرد.
  • الانضباط الحزبي الصارم.
  • التثقيف السياسي المستمر.
  • المركزية الديمقراطية.
  • الربط بين النضال الوطني والنضال الاجتماعي.
  • بناء حزب جماهيري لا يقتصر على النخب.

وقد ساهم هذا النموذج في جعل الحزب الشيوعي السوري واحداً من أكثر الأحزاب العربية استقراراً من الناحية التنظيمية، رغم ما تعرض له من قمع وانشقاقات.

لكن هذه المدرسة تعرضت أيضاً للنقد، إذ رأى بعض الباحثين أنها بالغت في مركزية القيادة، وربطت استمرارية الحزب باستمرارية الأمين العام، الأمر الذي جعل عملية تداول القيادة أكثر صعوبة مع مرور الزمن.

واليوم ينظر كثير من مؤرخي الحركات السياسية إلى «المدرسة البكداشية» باعتبارها تجربة تنظيمية متميزة في تاريخ الأحزاب العربية، نجحت في بناء مؤسسات حزبية متماسكة، لكنها واجهت لاحقاً تحديات كبيرة في التكيف مع التحولات الفكرية والسياسية التي شهدها العالم بعد نهاية الحرب الباردة.

احتلت القضية الفلسطينية موقعاً مركزياً في فكر خالد بكداش منذ بدايات نشاطه السياسي، إذ رأى فيها جزءاً لا يتجزأ من معركة التحرر الوطني العربي ضد الاستعمار. وانطلق في تحليله من اعتبار المشروع الصهيوني مشروعاً استعمارياً ارتبط بدايةً بالمصالح البريطانية، ثم أصبح لاحقاً جزءاً من منظومة النفوذ الغربي في الشرق الأوسط.

ومنذ ثلاثينيات القرن العشرين، شارك الحزب الشيوعي السوري في الحملات الشعبية الداعمة لفلسطين، وربط بين مقاومة الاستعمار الفرنسي في سورية ومقاومة المشروع الصهيوني في فلسطين، باعتبارهما وجهين لسياسة استعمارية واحدة.

لكن موقف الحركة الشيوعية العربية من فلسطين عرف إحدى أكثر محطاته تعقيداً بعد صدور قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 181 عام 1947، القاضي بتقسيم فلسطين إلى دولتين عربية ويهودية. فقد أيد الاتحاد السوفييتي القرار، ورأت معظم الأحزاب الشيوعية، ومنها الحزب بقيادة خالد بكداش، أن التقسيم يمثل مخرجاً سياسياً من الانتداب البريطاني.

وقد أثار هذا الموقف انتقادات واسعة من التيارات القومية العربية، التي اعتبرت أن قبول التقسيم يعني الاعتراف بقيام دولة إسرائيل والتفريط بالحقوق العربية. ولاحقاً، ظل هذا القرار من أكثر القضايا إثارة للجدل في تاريخ الحركة الشيوعية العربية.

كان بكداش يبرر ذلك الموقف بأنه جاء في إطار قراءة لميزان القوى الدولي آنذاك، وليس قبولاً بالمشروع الصهيوني أو تخلياً عن الحقوق الفلسطينية. وبعد قيام إسرائيل، أصبح الحزب أكثر وضوحاً في إدانة الاحتلال وسياسات التوسع، ودعا إلى انسحاب إسرائيل من الأراضي العربية المحتلة بعد حرب حزيران/يونيو 1967، وإلى الاعتراف بالحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، وفق القرارات الدولية.

ويلاحظ كثير من الباحثين أن خطاب الحزب الشيوعي السوري تجاه فلسطين تطور مع تطور المواقف الدولية والإقليمية، لكنه بقي ينطلق من اعتبار القضية الفلسطينية قضية تحرر وطني قبل أن تكون مجرد نزاع حدودي.

تُعد العلاقة بين خالد بكداش والرئيس المصري جمال عبد الناصر واحدة من أكثر العلاقات تعقيداً في تاريخ السياسة العربية الحديثة.

ففي السنوات الأولى بعد ثورة تموز/يوليو 1952، رحب الحزب الشيوعي السوري بالإجراءات التي اتخذها عبد الناصر ضد الإقطاع والاستعمار، ولا سيما قانون الإصلاح الزراعي وتأميم قناة السويس وموقفه من العدوان الثلاثي عام 1956.

غير أن هذا التقارب لم يستمر طويلاً.

فعندما أُعلنت الجمهورية العربية المتحدة بين سورية ومصر عام 1958، أيد الحزب الشيوعي السوري مشروع الوحدة من حيث المبدأ، لكنه رفض إلغاء الحياة الحزبية وحل جميع الأحزاب السياسية، معتبراً أن الوحدة لا ينبغي أن تقوم على احتكار السلطة وإلغاء التعددية السياسية.

في المقابل، كان عبد الناصر ينظر إلى الأحزاب الشيوعية بوصفها منافساً سياسياً لمشروعه القومي، كما كان يخشى ارتباطها بالحركة الشيوعية العالمية في ظل ظروف الحرب الباردة.

وسرعان ما دخل الطرفان في مواجهة سياسية وأمنية، شملت اعتقال مئات الشيوعيين السوريين، وإغلاق مقار الحزب، واضطرار عدد من قياداته إلى العمل السري أو مغادرة البلاد.

وكان استشهاد فرج الله الحلو تحت التعذيب عام 1959 أبرز نتائج تلك المرحلة.

وقد بقي خالد بكداش حتى نهاية حياته يؤكد أن الوحدة العربية مشروع تاريخي لا غنى عنه، لكنه كان يرى أن نجاحها يتطلب احترام الحريات السياسية والتعددية، لا إلغاء الأحزاب وإخضاع المجتمع لسلطة مركزية واحدة.

شكّل عام 1954 محطة استثنائية في الحياة السياسية السورية والعربية، عندما انتُخب خالد بكداش نائباً عن مدينة دمشق، ليصبح أول نائب شيوعي يدخل برلماناً عربياً عبر انتخابات تعددية.

لم يكن هذا الفوز مجرد إنجاز شخصي، بل عكس اتساع قاعدة الحزب الشيوعي السوري، ولا سيما بين العمال والموظفين والطلاب والمثقفين.

وفي البرلمان، ركز بكداش على الدفاع عن قضايا العدالة الاجتماعية، وحقوق العمال، والإصلاح الزراعي، ورفض الأحلاف العسكرية الغربية، وخاصة مشروع «حلف بغداد»، الذي اعتبره امتداداً للنفوذ الاستعماري في المنطقة.

كما دافع عن استقلال القرار السوري، وانتقد السياسات التي رأى أنها تضع البلاد تحت الهيمنة الأجنبية، سواء كانت غربية أم إقليمية.

وقد تميزت مداخلاته البرلمانية بالهدوء واللغة القانونية، وهو ما أكسبه احترام عدد من خصومه السياسيين، حتى وإن اختلفوا معه أيديولوجياً.

لكن هذه التجربة لم تدم طويلاً، إذ أنهت التطورات السياسية اللاحقة، ولا سيما قيام الجمهورية العربية المتحدة، الحياة البرلمانية التعددية التي عرفتها سورية في منتصف خمسينيات القرن الماضي.

لم يكن خالد بكداش فيلسوفاً ماركسياً بالمعنى الأكاديمي، ولم يترك مؤلفات نظرية تضاهي أعمال ماركس أو لينين أو غرامشي، لكنه كان أحد أبرز منظري العمل الحزبي في العالم العربي، وكرّس معظم جهده لتطبيق المبادئ الماركسية على الواقع السوري.

وقد ارتكز فكره السياسي على مجموعة من المبادئ الأساسية.

أولها، أن الاستقلال الوطني لا يمكن أن يحقق أهدافه من دون عدالة اجتماعية، ولذلك كان يرى أن مقاومة الاستعمار والإصلاح الاقتصادي والاجتماعي معركتان متلازمتان.

وثانيها، أن الطبقة العاملة لا تستطيع وحدها قيادة عملية التغيير، بل لا بد من تحالف واسع يضم العمال والفلاحين والمثقفين والبرجوازية الوطنية، وهو تصور تأثر فيه بالنظرية اللينينية حول الجبهات الوطنية.

وثالثها، أن الدولة يجب أن تضطلع بدور رئيسي في التنمية الاقتصادية، عبر توسيع القطاع العام، وتنفيذ الإصلاح الزراعي، وضمان مجانية التعليم والرعاية الصحية، واعتبار العمل حقاً اجتماعياً.

أما في المسألة القومية، فقد أيد حق الشعوب العربية في الوحدة والاستقلال، مع الاعتراف بالتنوع القومي والثقافي داخل الدولة الوطنية، وهو موقف حاول من خلاله التوفيق بين انتمائه الأممي وخصوصية الواقع السوري.

وكان يرفض الفصل بين النضال الوطني والنضال الطبقي، معتبراً أن الاستعمار والإقطاع والاستغلال تشكل منظومة واحدة، لا يمكن القضاء على أحد عناصرها بمعزل عن العناصر الأخرى.

من الصعب فهم تجربة خالد بكداش السياسية من دون فهم طبيعة علاقته بالاتحاد السوفييتي.

فقد ارتبط بالحركة الشيوعية السوفييتية منذ دراسته في موسكو، وأصبح لاحقاً أحد أكثر القادة العرب حضوراً في مؤتمرات الأحزاب الشيوعية العالمية، كما نسج علاقات مباشرة مع قيادات الحزب الشيوعي السوفييتي عبر مراحل مختلفة.

ويرى كثير من المؤرخين أن بكداش كان يمثل، بالنسبة لموسكو، أحد أكثر القادة العرب استقراراً وتأثيراً، وهو ما منح الحزب الشيوعي السوري مكانة دولية بارزة مقارنة بعدد من الأحزاب العربية الأخرى.

لكن هذا الارتباط كان أيضاً أحد أبرز أسباب الانتقادات التي وُجهت إليه.

فقد اتهمه خصومه بأنه كان يميل إلى تبني المواقف السوفييتية في القضايا الدولية، وأن الحزب لم يطور استقلالاً فكرياً كافياً عن موسكو.

في المقابل، كان بكداش يؤكد أن العلاقة مع الاتحاد السوفييتي كانت علاقة تضامن بين حزبين شيوعيين، وليست علاقة تبعية سياسية، وأن الحزب السوري كان يتخذ مواقفه انطلاقاً من المصلحة الوطنية السورية، وإن توافقت في كثير من الأحيان مع الموقف السوفييتي.

ومع وصول ميخائيل غورباتشوف إلى السلطة عام 1985، أبدى بكداش تحفظاً واضحاً تجاه سياسات «البيريسترويكا» و«الغلاسنوست»، معتبراً أن الإصلاح مطلوب، لكن من دون المساس بوحدة الحزب والدولة.

وسيظهر هذا الموقف بصورة أوضح بعد انهيار الاتحاد السوفييتي.

لم يكن خالد بكداش مجرد أمين عام لحزب وطني، بل تحول منذ خمسينيات القرن الماضي إلى أحد أبرز رموز الحركة الشيوعية العربية.

فقد شارك بانتظام في المؤتمرات الدولية للأحزاب الشيوعية، وأسهم في النقاشات المتعلقة بحركات التحرر الوطني، وكانت آراؤه تحظى باهتمام داخل الأوساط الشيوعية العربية، خصوصاً في سورية ولبنان والعراق والأردن وفلسطين.

وإذا كان العراق قد عرف شخصية فهد ثم سلام عادل، والسودان عبد الخالق محجوب، ولبنان فرج الله الحلو ثم نقولا شاوي، فإن خالد بكداش تميز عن معظم هؤلاء بطول فترة قيادته، وبقدرته على الحفاظ على وحدة الحزب واستمراره رغم الانقلابات والحظر والعمل السري.

ولهذا ينظر إليه كثير من الباحثين بوصفه أحد أكثر الشخصيات تأثيراً في تاريخ الأحزاب الشيوعية العربية خلال القرن العشرين، بغض النظر عن الاختلاف في تقييم خياراته السياسية.

دخلت علاقة خالد بكداش بالسلطة السورية مرحلة جديدة مع وصول الرئيس حافظ الأسد إلى الحكم في تشرين الثاني/نوفمبر 1970، بعد سنوات طويلة من المواجهة بين الحزب الشيوعي والسلطات السورية المتعاقبة.

فمنذ الاستقلال، تعرض الحزب لموجات متكررة من التضييق، بلغت ذروتها خلال فترة الجمهورية العربية المتحدة (1958–1961)، عندما حُظرت الأحزاب السياسية، واعتُقل المئات من الشيوعيين، واضطر خالد بكداش إلى مغادرة البلاد لفترة من الزمن، بينما استشهد عدد من كوادر الحزب، وفي مقدمتهم فرج الله الحلو.

ومع بداية ما عرف بـ«الحركة التصحيحية»، تبنى حافظ الأسد سياسة مختلفة تجاه بعض القوى السياسية، فأطلق عام 1972 مشروع الجبهة الوطنية التقدمية، التي ضمت حزب البعث إلى جانب عدد من الأحزاب القومية والاشتراكية والشيوعية.

قرر خالد بكداش الانضمام إلى الجبهة، معتبراً أن المشاركة فيها تضمن للحزب العمل العلني، والحفاظ على تنظيمه وصحافته ومؤسساته، بعد سنوات طويلة من السرية والملاحقات الأمنية.

وبرر بكداش هذا القرار بأن ميزان القوى الداخلي والإقليمي لا يسمح بمواجهة مفتوحة مع السلطة، وأن الحفاظ على الحزب واستمراره يخدم الحركة الوطنية والطبقة العاملة أكثر من الدخول في صدام قد يؤدي إلى القضاء عليه.

لكن هذا القرار أثار نقاشاً واسعاً داخل الحزب وخارجه. فقد رأى أنصاره أنه اختيار واقعي مكّن الحزب من الاستمرار، بينما اعتبره منتقدوه تنازلاً عن استقلال القرار السياسي، وربطاً للحزب بمنظومة الحكم التي يقودها حزب البعث.

ومع ذلك، لم يتحول الحزب الشيوعي السوري إلى جزء من حزب البعث، بل احتفظ بقيادته المستقلة، ولجنته المركزية، وصحافته، وهيئاته التنظيمية، وإن ضمن سقف سياسي فرضته قواعد عمل الجبهة الوطنية التقدمية.

ويجمع معظم الباحثين على أن هذه المرحلة كانت من أكثر مراحل حياة بكداش تعقيداً، لأنها فرضت عليه الموازنة بين الحفاظ على استقلال الحزب من جهة، وضمان بقائه القانوني والسياسي من جهة أخرى.

لم يسلم الحزب الشيوعي السوري، رغم قوته التنظيمية، من الانقسامات التي عرفتها غالبية الأحزاب الشيوعية في العالم خلال النصف الثاني من القرن العشرين.

وقد تعود أسباب هذه الانشقاقات إلى عوامل متعددة، منها الخلافات الفكرية، وطبيعة العلاقة مع السلطة، وأسلوب القيادة، إضافة إلى تأثير الانقسام الصيني–السوفييتي، ثم التحولات التي شهدها الاتحاد السوفييتي بعد وفاة ستالين.

وكان أول انقسام كبير في السبعينيات عندما قاد رياض الترك مجموعة من الكوادر التي رفضت الانضمام إلى الجبهة الوطنية التقدمية، معتبرة أن الحزب يفقد استقلاله السياسي عندما يعمل ضمن إطار تقوده السلطة.

وأسس هذا التيار لاحقاً الحزب الشيوعي السوري – المكتب السياسي، الذي اتخذ مواقف معارضة للحكومة السورية، وقدم قراءة مختلفة للعلاقة بين الديمقراطية والاشتراكية.

أما الانقسام الثاني المهم، فجاء في الثمانينيات، عندما برز يوسف فيصل على رأس جناح دعا إلى إصلاحات تنظيمية وفكرية، وتطوير أساليب العمل الحزبي، بما يتلاءم مع التحولات التي كانت تشهدها الحركة الشيوعية العالمية.

وقد أدى ذلك إلى ظهور أكثر من تنظيم يحمل اسم الحزب الشيوعي السوري، لكل منها قيادته وبرنامجه السياسي وصحيفته.

ومع أن هذه الانقسامات أضعفت الحضور السياسي للحركة الشيوعية السورية، فإن معظم الدراسات الأكاديمية ترى أنها لم تكن مجرد خلافات شخصية، بل عكست نقاشاً أوسع حول مستقبل الأحزاب الماركسية في العالم العربي، وطبيعة العلاقة بين التنظيم الثوري والدولة.

لم يكن التباين بين خالد بكداش ورياض الترك مجرد خلاف تنظيمي داخل الحركة الشيوعية السورية، بل كان تعبيراً عن اختلاف عميق بين مدرستين في فهم الحزب والقيادة والماركسية. مثّل بكداش مدرسة شيوعية تقليدية ارتبطت بقوة بالمركز السوفياتي، وبفكرة الانضباط الحزبي الصارم، والقيادة المركزية، والحرص على وحدة التنظيم ولو على حساب النقاش الداخلي والتجديد الفكري. أما رياض الترك، فقد مثّل اتجاهاً نقدياً حاول أن يحرر الماركسية السورية من الجمود، وأن يربطها بالديمقراطية، وبنقد الاستبداد، وبضرورة استقلال القرار الشيوعي عن التبعية للمركز السوفياتي أو لأي سلطة قائمة.

بهذا المعنى، كان الخلاف بينهما أبعد من مسألة قيادة أو انشقاق. كان بكداش يرى في الحفاظ على الحزب، وعلاقته بالاتحاد السوفياتي، وخطه التاريخي، ضمانة لاستمرارية الحركة الشيوعية. بينما رأى رياض الترك أن بقاء الحزب حياً لا يكون بالمحافظة على الشكل التنظيمي القديم، بل بإعادة بناء فكره وخطه السياسي على أساس الواقع السوري الملموس، وعلى قاعدة الربط بين الاشتراكية والديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات السياسية. ومن هنا تحوّل رياض الترك إلى رمز لتيار شيوعي ديمقراطي رأى أن مواجهة الرأسمالية والإمبريالية لا تبرر الصمت عن الاستبداد الداخلي، وأن الماركسية التي لا تدافع عن الحرية تتحول إلى جهاز أيديولوجي جامد.

لذلك يمكن القول إن المسافة بين خالد بكداش ورياض الترك هي المسافة بين شيوعية تأسيسية لعبت دوراً تاريخياً في بناء التنظيم، لكنها بقيت أسيرة المركزية السوفياتية والقيادة المحافظة، وبين شيوعية نقدية حاولت، رغم قسوة السجون والانقسامات والهزائم، أن تفتح الطريق أمام ماركسية سورية أكثر استقلالاً وديمقراطية وارتباطاً بسؤال الحرية. لم يكن رياض الترك نفياً كاملاً لتاريخ بكداش، بل كان اعتراضاً على حدوده، ومحاولة للانتقال من حزب يدير الماركسية كولاء تنظيمي إلى حزب يفهمها كمنهج نقدي لتحليل الواقع وتغييره.

لم يكن التباين بين خالد بكداش ويوسف فيصل مجرد اختلاف بين قائدين داخل الحزب الشيوعي السوري، بل كان تعبيراً عن انتقال صعب داخل الحركة الشيوعية السورية من مدرسة تقليدية شديدة الارتباط بالمركز السوفياتي وبالقيادة الفردية الصارمة، إلى محاولة أكثر مرونة في قراءة الواقع السوري والعربي بعد الانقسامات الكبرى التي عرفها الحزب.

مثّل خالد بكداش مدرسة التأسيس والتنظيم والانضباط الحزبي، لكنه بقي في حدود ماركسية سوفياتية محافظة، تميل إلى المركزية الشديدة، وإلى التعامل مع الحزب بوصفه جهازاً سياسياً منضبطاً أكثر منه فضاءً للنقاش والتجديد. أما يوسف فيصل، فقد جاء في سياق مختلف، بعد انقسام الحزب، وحاول أن يمنح الحزب الشيوعي السوري ـ جناح المكتب السياسي ثم الحزب الشيوعي السوري الموحّد لاحقاً ـ هامشاً أوسع في التفكير السياسي، وفي التعامل مع قضايا الديمقراطية، والتحالفات، والمسألة الوطنية، والعلاقة مع السلطة، من دون أن يقطع كلياً مع الإرث السوفياتي أو مع البنية التقليدية للحركة الشيوعية.

بهذا المعنى، لا يمكن تصوير يوسف فيصل بوصفه نقيضاً جذرياً لبكداش على طريقة رياض الترك مثلاً، ولا يمكن أيضاً اعتباره استمراراً كاملاً له. هو أقرب إلى محاولة تجديد داخل الممكن؛ حاول الخروج من بعض صلابة البكداشية، ومن نمط القيادة المغلق، لكنه ظل يعمل ضمن سقف شيوعي تقليدي، وضمن حسابات سياسية معقدة فرضتها بنية النظام السوري، وموازين القوى، وتاريخ العلاقة بين الشيوعيين والسلطة.

لذلك، فإن المسافة بين بكداش ويوسف فيصل هي المسافة بين شيوعية تأسيسية محافظة بنت الحزب وقيّدته في الوقت نفسه، وبين شيوعية حاولت أن تراجع وتتكيف وتفتح نوافذ محدودة للتجديد، لكنها لم تتحول إلى قطيعة فكرية كاملة مع المدرسة القديمة. بكداش مثّل ثقل الماضي السوفياتي والقيادة المركزية، أما يوسف فيصل فمثّل محاولة انتقال حذرة نحو خطاب أكثر واقعية، وأكثر قابلية للتعامل مع أسئلة الديمقراطية والوطنية، وإن بقيت هذه المحاولة محدودة وغير مكتملة.

من أكثر الجوانب التي تناولها الباحثون في تجربة خالد بكداش أسلوبه في القيادة، والذي ارتبط بمفهوم المركزية الديمقراطية كما طوره لينين داخل الأحزاب الشيوعية.

وكان بكداش يرى أن وحدة الحزب لا يمكن أن تتحقق إلا عبر قيادة مركزية قوية، قادرة على اتخاذ القرار في الظروف الاستثنائية، مع إتاحة النقاش داخل المؤسسات الحزبية قبل صدور القرار.

لكن التطبيق العملي لهذا المبدأ أدى، مع مرور الزمن، إلى تركيز واسع للصلاحيات في يد الأمين العام، وهو ما اعتبره مؤيدوه ضرورة فرضتها ظروف العمل السري والانقلابات العسكرية، بينما رأى فيه منتقدوه أحد أسباب الجمود التنظيمي.

وقد بقي خالد بكداش أميناً عاماً للحزب قرابة ستة عقود، وهي من أطول فترات القيادة الحزبية في تاريخ الأحزاب العربية.

ويرى أنصاره أن هذا الاستمرار وفر للحزب استقراراً تنظيمياً، وحماه من التفكك، بينما يرى خصومه أن طول بقاء القيادة نفسها حدّ من عملية تجديد الكوادر، وأضعف تداول المسؤولية داخل الحزب.

ومع ذلك، يصعب إنكار أن الحزب الذي بناه بكداش استطاع البقاء في ظروف اختفت فيها أحزاب سياسية كثيرة كانت أكثر انتشاراً منه.

أثارت مسألة الديمقراطية الداخلية نقاشاً واسعاً بين الباحثين في تاريخ الحزب الشيوعي السوري.

فمن الناحية النظرية، كان النظام الداخلي للحزب يقر بحرية النقاش داخل المؤتمرات واللجان، وانتخاب الهيئات القيادية بصورة دورية.

إلا أن عدداً من الباحثين يرى أن شخصية خالد بكداش، بحكم مكانته التاريخية، أصبحت تتمتع بنفوذ يتجاوز النصوص التنظيمية، بحيث ارتبطت معظم القرارات الاستراتيجية بتقديراته السياسية.

وفي المقابل، يرى مؤيدوه أن الظروف الأمنية التي عاشها الحزب، من اعتقالات وملاحقات ومحاولات اختراق، كانت تفرض قدراً من المركزية لا يمكن مقارنته بأحزاب تعمل في أنظمة ديمقراطية مستقرة.

ولهذا فإن تقييم الديمقراطية الداخلية في عهد بكداش يبقى مرتبطاً بالسياق التاريخي، ولا يمكن فصله عن طبيعة البيئة السياسية التي عمل فيها الحزب. رغم انه هناك من وصفه بستالين العرب.

اهتم عدد من المؤرخين الغربيين بدراسة تجربة خالد بكداش، ليس باعتباره زعيماً حزبياً فقط، بل بوصفه نموذجاً لقادة الأحزاب الشيوعية في العالم الثالث خلال الحرب الباردة.

يرى المؤرخ البريطاني فيليب خوري (Philip S. Khoury) أن بكداش نجح في تحويل الحزب الشيوعي السوري إلى لاعب مؤثر في الحياة السياسية السورية، مستفيداً من قدرته التنظيمية، ومن مهارته في الجمع بين الخطاب الوطني والخطاب الاجتماعي.

أما حنا بطاطو (Hanna Batatu)، فيربط صعود الحزب بقدرته على استقطاب الشرائح الوسطى والعمال وبعض الفئات الريفية، ويرى أن نجاح بكداش لم يكن نتيجة الدعم السوفييتي وحده، بل أيضاً نتيجة فهمه للبنية الاجتماعية السورية.

ويشير باتريك سيل (Patrick Seale) إلى أن بكداش كان من أكثر السياسيين السوريين قدرة على التكيف مع التحولات الكبرى، سواء في علاقته بالدولة أو بالحركة الشيوعية العالمية، مع احتفاظه بخطاب ماركسي ثابت نسبياً.

وفي المقابل، يرى عدد من الباحثين الغربيين أن الحزب بقيادة بكداش لم ينجح في تطوير نظرية ماركسية عربية مستقلة، وأنه ظل متأثراً بدرجة كبيرة بالتجربة السوفييتية، وهو نقد وُجّه إلى معظم الأحزاب الشيوعية العربية، وليس إلى الحزب السوري وحده.

لم يطوّر خالد بكداش، رغم مكانته التنظيمية والسياسية الكبيرة في تاريخ الحزب الشيوعي السوري ـ اللبناني، نظرية ماركسية عربية مستقلة بالمعنى الفكري والمنهجي العميق. فقد بقي خطه العام أقرب إلى الماركسية ـ اللينينية بصيغتها السوفياتية، وإلى نمط قيادي مركزي محافظ، أكثر من كونه محاولة لإعادة إنتاج الماركسية انطلاقاً من خصوصيات البنية الاجتماعية العربية، ومسائل التحرر الوطني، والديمقراطية، والطبقات، والمسألة القومية. في المقابل، شكّل المؤتمر الثاني للحزب الشيوعي اللبناني، المنعقد في تموز/يوليو 1968، محطة أكثر تقدماً في محاولة بناء قراءة ماركسية لبنانية ـ عربية للواقع. فقد أعاد الحزب، في برنامجه الصادر عن ذلك المؤتمر، تحديد هويته الطبقية والسياسية، وربط بين النضال من أجل التحرر الوطني والتغيير الاجتماعي والديمقراطي، وفتح الباب أمام مراجعة نقدية لمواقف سابقة، كما سعى إلى قدر أكبر من الاستقلالية الفكرية والسياسية والتنظيمية عن الإرث البكداشي. ومع ذلك، فإن الدقة العلمية تقتضي عدم القول إن المؤتمر الثاني أنتج نظرية ماركسية عربية مكتملة، بل إنه دشّن محاولة برنامجية متقدمة لتعريب الماركسية وتلبينها، وربطها بخصوصيات المجتمع اللبناني والعربي وبالقضية الفلسطينية وبأسئلة الديمقراطية والتحرر الوطني.

يبرز سؤال أساسي عند دراسة تجربة خالد بكداش: هل كان سياسياً براغماتياً أم عقائدياً؟

الواقع أن مسيرته تكشف عن مزيج من الاتجاهين.

فعلى المستوى الفكري، بقي متمسكاً بالماركسية اللينينية حتى وفاته، ولم يتراجع عن قناعاته الأساسية حتى بعد انهيار الاتحاد السوفييتي.

أما على المستوى السياسي، فقد أظهر قدراً كبيراً من الواقعية في التعامل مع موازين القوى، سواء عندما انضم إلى الجبهة الوطنية التقدمية، أو عندما أعاد تنظيم الحزب بعد فترات القمع، أو عندما فضّل استمرار الحزب على خوض مواجهات قد تؤدي إلى تصفيته.

ولهذا يصفه بعض الباحثين بأنه كان «براغماتياً في السياسة، وعقائدياً في الفكر»، وهي معادلة ساعدته على ضمان استمرار الحزب لعقود طويلة، لكنها كانت أيضاً سبباً في كثير من الانتقادات التي وُجهت إليه.

يصعب العثور على شخصية شيوعية عربية أثارت من التقدير والجدل بقدر ما أثاره خالد بكداش. فبالنسبة لأنصاره، لم يكن مجرد أمين عام لحزب سياسي، بل مؤسس مدرسة تنظيمية متكاملة استطاعت الصمود أمام تقلبات تاريخية كادت تطيح بمعظم الأحزاب العقائدية في المنطقة.

ويرى هؤلاء أن الإنجاز الأكبر لبكداش تمثل في بناء حزب يمتلك مؤسسات واضحة، وهيكلاً تنظيمياً متماسكاً، وصحافة حزبية، ونشاطاً نقابياً وثقافياً، وقاعدة اجتماعية امتدت إلى العمال والطلاب والمثقفين والفلاحين.

كما يشيرون إلى أن الحزب الشيوعي السوري، في عهده، لم يكن حزباً موسمياً يرتبط بحدث سياسي عابر، بل أصبح مؤسسة سياسية استمرت لعقود، رغم الانقلابات العسكرية، والعمل السري، والسجون، والحظر، والانقسامات.

ويعتبر أنصاره أيضاً أن بكداش نجح في إدخال الفكر الاشتراكي إلى الحياة السياسية السورية بلغة عربية واضحة، وأسهم في تكوين أجيال من النقابيين والمثقفين الذين لعبوا أدواراً بارزة في الحياة العامة.

ويؤكدون أن انتخابه نائباً في البرلمان السوري عام 1954 لم يكن إنجازاً شخصياً، بل اعترافاً بحضور الحزب في المجتمع السوري، وقدرته على الوصول إلى المؤسسات الدستورية عبر صناديق الاقتراع.

كما يلفتون إلى أنه ظل متمسكاً بقناعاته حتى بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، ولم يتخل عن هويته الفكرية عندما غيّرت أحزاب شيوعية كثيرة أسماءها وبرامجها، معتبرين أن هذا الثبات يعكس التزاماً مبدئياً أكثر مما يعكس جموداً فكرياً.

ومع ذلك، يعترف كثير من أنصاره بأن الحزب كان يحتاج، مع نهاية الثمانينيات، إلى مراجعات تنظيمية وفكرية أوسع، تسمح بتجديد النخب، والانفتاح على التحولات الاجتماعية والسياسية التي عرفها العالم.

في المقابل، يوجه منتقدو خالد بكداش مجموعة من الملاحظات التي تتكرر في معظم الدراسات النقدية لتجربته.

أولى هذه الملاحظات تتعلق بطول فترة قيادته للحزب، إذ بقي أميناً عاماً لما يقارب ستة عقود، وهو ما أدى، بحسب منتقديه، إلى ربط الحزب بشخصه أكثر من ارتباطه بمؤسساته، وإضعاف تداول القيادة وتجديد الكوادر.

أما الملاحظة الثانية، فتتعلق بالعلاقة مع الاتحاد السوفييتي. فقد رأى عدد من الماركسيين العرب أن الحزب لم يطور استقلالاً فكرياً كافياً عن موسكو، وأن كثيراً من مواقفه الدولية كانت تنسجم مع السياسة السوفييتية أكثر مما تنطلق من قراءة مستقلة للواقع العربي.

وتتمثل الملاحظة الثالثة في أسلوب إدارة الخلافات الداخلية، إذ يرى بعض رفاقه السابقين أن الحزب لم يمنح مساحة كافية للنقاش الفكري، وأن عدداً من الانشقاقات كان يمكن احتواؤه لو توفرت آليات أكثر مرونة للحوار الداخلي.

أما القضية الرابعة، فتتعلق بالمشاركة في الجبهة الوطنية التقدمية. فقد اعتبر معارضوه أن الحزب، منذ انضمامه إليها، فقد جزءاً من استقلاله السياسي، وأصبح يتحرك ضمن إطار يحدده حزب البعث.

غير أن هذه الانتقادات لا تلغي حقيقة أن معظم الباحثين يميزون بين نقد التجربة ونفي أهميتها التاريخية، إذ يتفق كثير منهم على أن بكداش كان أحد أبرز الشخصيات التي أثرت في الحياة السياسية السورية خلال القرن العشرين، سواء اتفقوا مع خياراته أم اختلفوا معها.

إذا كانت حياة خالد بكداش قد ارتبطت بصعود الاتحاد السوفييتي، فإن سنواته الأخيرة ارتبطت بأكبر أزمة واجهتها الحركة الشيوعية العالمية.

فمع وصول ميخائيل غورباتشوف إلى السلطة عام 1985، بدأت سلسلة من الإصلاحات السياسية والاقتصادية عُرفت باسم البيريسترويكا والغلاسنوست.

تابع بكداش هذه التطورات بحذر شديد، معتبراً أن الإصلاح ضرورة لأي تجربة سياسية، لكنه كان يخشى أن تؤدي الإصلاحات غير المنضبطة إلى تفكيك الحزب والدولة معاً.

وقد ثبتت مخاوفه، من وجهة نظره، عندما انهار الاتحاد السوفييتي عام 1991، وانتهى النظام الذي شكّل المرجعية الأساسية لمعظم الأحزاب الشيوعية في العالم.

ومع أن كثيراً من الأحزاب الشيوعية سارعت إلى تغيير أسمائها أو التخلي عن مرجعيتها الماركسية، فإن الحزب الشيوعي السوري بقيادة بكداش حافظ على اسمه وهويته الفكرية.

ورفض بكداش اعتبار انهيار الاتحاد السوفييتي نهاية للفكر الاشتراكي، مؤكداً أن ما سقط هو تجربة تاريخية محددة، لا المبادئ الأساسية للماركسية.

وكان يرى أن الاشتراكية ستعود بصيغ مختلفة كلما تعمقت الأزمات الاجتماعية والاقتصادية للرأسمالية، وهي رؤية بقي متمسكاً بها حتى وفاته.

رغم تقدمه في السن، ظل خالد بكداش يتابع العمل الحزبي بصورة يومية، وإن تراجعت مشاركته في النشاطات العامة خلال السنوات الأخيرة من حياته.

وخلال هذه المرحلة، ازدادت مساهمة زوجته وصال فرحة بكداش في قيادة الحزب، وهي التي كانت قد انخرطت في العمل الشيوعي منذ شبابها، وأسهمت في النشاط السياسي والتنظيمي لعقود طويلة.

ومع نهاية الثمانينيات، أصبح واضحاً أن الحزب يستعد لانتقال تدريجي في المسؤوليات، مع احتفاظ بكداش بموقعه بوصفه المرجعية السياسية الأولى.

وفي الرابع والعشرين من تموز/يوليو 1995، توفي خالد بكداش في دمشق عن عمر ناهز اثنين وثمانين عاماً، بعد أكثر من ستين عاماً من العمل السياسي والتنظيمي.

وقد نعته أحزاب شيوعية عديدة في العالم، كما تناولت الصحافة العربية والدولية سيرته بوصفه أحد أبرز قادة اليسار العربي في القرن العشرين.

بعد رحيله، لم يتوقف الجدل حول تجربته، بل ازداد اتساعاً مع التحولات التي شهدتها سورية والمنطقة.

فقد رأى أنصاره أن الحزب الذي بناه استطاع البقاء رغم انهيار الاتحاد السوفييتي، وهو ما يدل على أن قوته لم تكن مستمدة من موسكو وحدها، بل من تنظيمه الداخلي وتجذره في المجتمع.

أما منتقدوه، فاعتبروا أن استمرار الحزب لم يمنع تراجع تأثيره السياسي والجماهيري، وأن المدرسة التنظيمية التي أسسها احتاجت إلى مراجعات أعمق لمواكبة المتغيرات الجديدة.

ورغم هذا الجدل، يكاد يجمع المؤرخون على أن خالد بكداش ترك بصمة لا يمكن تجاوزها في تاريخ سورية الحديث، وفي تاريخ الحركة الشيوعية العربية. فقد كان شاهداً على أهم التحولات التي عرفها القرن العشرون، وفاعلاً فيها، وقاد حزبه عبر مراحل اتسمت بالاستقرار أحياناً، وبالصدام الحاد أحياناً أخرى.

ولذلك، فإن دراسة سيرته لم تعد مجرد قراءة في تاريخ حزب سياسي، بل أصبحت مدخلاً لفهم تطور الدولة السورية، والحركة الوطنية، واليسار العربي، والعلاقة بين الأيديولوجيا والسلطة، وبين الفكر والواقع.

بعد مرور عقود على بداية نشاطه السياسي، لا يزال خالد بكداش يشغل موقعاً خاصاً في الدراسات التي تناولت تاريخ سورية الحديث والحركة الشيوعية العربية. فقد كان أحد القادة القلائل الذين ارتبط اسمهم بحزبهم إلى درجة أصبحت فيها دراسة تاريخ الحزب الشيوعي السوري تكاد تكون، في جانب كبير منها، دراسة لتجربة بكداش نفسها.

ويجمع معظم المؤرخين على أن الرجل نجح في بناء تنظيم سياسي امتاز بدرجة عالية من الانضباط والاستمرارية، واستطاع أن يحافظ عليه في ظروف استثنائية شهدت احتلالاً أجنبياً، وانقلابات عسكرية، وحظر الأحزاب، والعمل السري، ثم التحولات الكبرى التي رافقت الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفييتي.

وفي المقابل، يصعب تجاهل الانتقادات التي وُجهت إليه، سواء ما تعلق منها بمركزية القيادة، أو بطبيعة العلاقة مع موسكو، أو بأسلوب إدارة الخلافات الداخلية، أو بالموقف من السلطة السورية بعد انضمام الحزب إلى الجبهة الوطنية التقدمية.

لكن قراءة تلك الانتقادات تحتاج إلى وضعها ضمن سياقها التاريخي. فالأحزاب الشيوعية التي نشأت في النصف الأول من القرن العشرين كانت تعمل في بيئات يغلب عليها القمع السياسي، والانقلابات العسكرية، والاستقطاب الدولي الحاد، وهو ما جعل مفهوم «الحزب الطليعي» و«المركزية الديمقراطية» أكثر حضوراً من مفاهيم التعددية الداخلية التي أصبحت شائعة في مراحل لاحقة.

ومن هنا، فإن الحكم على تجربة بكداش وفق معايير القرن الحادي والعشرين وحدها، من دون استحضار ظروف القرن العشرين، يؤدي إلى قراءة غير مكتملة للتاريخ.

لم يقتصر تأثير خالد بكداش على سورية وحدها، بل امتد إلى معظم الأحزاب الشيوعية العربية، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

فقد شارك في مؤتمرات الحركة الشيوعية العالمية، وأسهم في صياغة كثير من النقاشات المتعلقة بحركات التحرر الوطني، كما احتفظ بعلاقات وثيقة مع قيادات الأحزاب الشيوعية في العراق ولبنان والأردن وفلسطين والسودان وغيرها.

وكان حضوره داخل الحركة الشيوعية الدولية يمنح الحزب الشيوعي السوري مكانة تتجاوز حجمه التنظيمي، وهو ما جعل دمشق إحدى المحطات المهمة في شبكة العلاقات بين الأحزاب الشيوعية العربية.

وقد تأثر عدد من الأحزاب العربية بمدرسته التنظيمية، ولا سيما في ما يتعلق ببناء الهياكل الحزبية، وإعداد الكوادر، والانضباط التنظيمي، والعمل النقابي، وإن كانت كل تجربة قد طورت لاحقاً خصوصيتها وفق ظروفها الوطنية.

كثيراً ما جرى تقديم خالد بكداش في الأدبيات السياسية العربية بإحدى صورتين متناقضتين؛ فإما زعيم لا يخطئ، أو مسؤول عن معظم أزمات الحركة الشيوعية السورية.

غير أن البحث الأكاديمي الحديث يرفض هذين التصورين معاً.

فبكداش لم يكن قائداً معصوماً من الخطأ، كما لم يكن وحده مسؤولاً عن جميع النجاحات أو الإخفاقات التي عرفها الحزب. فقد تأثرت قراراته، كما تأثرت قرارات غيره من قادة القرن العشرين، بعوامل داخلية وإقليمية ودولية، وبالتوازنات التي فرضتها الحرب الباردة، وبطبيعة النظام السياسي السوري، وبالعلاقة المعقدة بين الأحزاب الوطنية والحركة الشيوعية العالمية.

ولهذا، فإن القيمة الحقيقية لدراسة تجربته لا تكمن في إصدار الأحكام، بل في فهم آليات عمل الأحزاب العقائدية، وكيفية تفاعلها مع الدولة، والمجتمع، والتحولات الدولية.

يُعدّ خالد بكداش من أكثر الشخصيات العربية التي تناولتها الوثائق الشيوعية الدولية، ليس فقط لأنه قاد الحزب الشيوعي السوري لما يقارب ستة عقود، بل لأنه كان أحد أبرز الوجوه العربية داخل الحركة الشيوعية العالمية. لذلك فإن دراسة شخصيته لا تكتمل بالاعتماد على مذكرات رفاقه أو خصومه وحدها، بل تقتضي العودة إلى وثائق الكومنترن، ومحاضر الحزب الشيوعي السوفييتي، وتقارير الدبلوماسية الغربية، والدراسات الأكاديمية التي صدرت بعد فتح أجزاء من الأرشيف السوفييتي في تسعينيات القرن العشرين.

وتكشف هذه الوثائق صورة أكثر تعقيداً من تلك التي رسمتها الأدبيات الحزبية أو الخصومات السياسية، إذ يظهر خالد بكداش قائداً يتمتع بقدرات تنظيمية استثنائية، لكنه كان يعمل أيضاً ضمن شبكة دولية من العلاقات والالتزامات فرضتها طبيعة الحركة الشيوعية في القرن العشرين.

تشير الوثائق المنشورة من أرشيف الأممية الشيوعية (الكومنترن) إلى أن بكداش لفت الأنظار منذ سنوات دراسته في جامعة كادحي الشرق (KUTV). فقد وُصف في عدد من التقارير الداخلية بأنه يتمتع بقدرة تنظيمية عالية، وانضباط حزبي، وقابلية للعمل السري في بيئات معقدة.

وتظهر الوثائق أن الكومنترن كان ينظر إلى بلاد الشام باعتبارها منطقة ذات أهمية استراتيجية، بسبب وقوعها تحت الانتداب الفرنسي، ولذلك أولى اهتماماً خاصاً بإعداد كوادر سورية ولبنانية قادرة على قيادة العمل السياسي والتنظيمي.

كما تكشف الوثائق أن الحزب السوري–اللبناني لم يكن يتلقى أوامر يومية من موسكو كما تردد بعض الأدبيات السياسية، بل كانت العلاقة تقوم على تبادل التقارير والتوصيات والنقاشات السياسية، مع بقاء هامش معتبر للقيادات المحلية في معالجة القضايا الوطنية.

وهذا لا يعني غياب التأثير السوفييتي، لكنه يوضح أن العلاقة كانت أكثر تعقيداً من الصورة المبسطة التي تختزلها في مفهوم «التبعية المطلقة».

بعد الحرب العالمية الثانية، أصبح خالد بكداش أحد أبرز ممثلي الأحزاب الشيوعية العربية داخل المؤتمرات الدولية.

وتشير محاضر مؤتمرات الحزب الشيوعي السوفييتي إلى أنه كان يحظى باحترام واضح داخل القيادة السوفييتية، ليس لأنه يمثل حزباً كبيراً، بل لأنه استطاع الحفاظ على تنظيم حزبي مستقر في منطقة عرفت انقلابات عسكرية وصراعات متواصلة.

وتظهر الوثائق أيضاً أن موسكو كانت تعتبر الحزب الشيوعي السوري أحد أكثر الأحزاب العربية انضباطاً وتنظيماً، وأن بكداش كان من القيادات التي تتميز بالالتزام التنظيمي، مقارنة بأحزاب عربية شهدت انقسامات متكررة.

ومع ذلك، لم يكن هناك اتفاق كامل بين الطرفين في كل القضايا. فقد شهدت بعض المراحل نقاشات داخلية حول التكتيكات السياسية، وخاصة ما يتعلق بالتحالفات الوطنية، وطبيعة العلاقة مع الأنظمة العربية.

تُظهر الوثائق البريطانية والفرنسية، التي أُفرج عن أجزاء منها خلال العقود الماضية، أن أجهزة الاستخبارات الغربية كانت تتابع نشاط الحزب الشيوعي السوري بصورة دقيقة، وتعتبر خالد بكداش أحد أهم الشخصيات السياسية في سورية.

وتصف بعض التقارير البريطانية الحزب بأنه الأكثر انضباطاً بين الأحزاب السورية، وأن قوته لا تكمن في حجمه العددي، بل في تنظيمه الداخلي، وقدرته على العمل السري والعلني معاً.

أما الوثائق الفرنسية، فتركز بصورة أكبر على نشاط الحزب خلال فترة الانتداب، وتظهر اهتمام سلطات الانتداب بمراقبة نشاط بكداش ورفاقه، بسبب دورهم في الحركة الوطنية والنقابية.

وفي المقابل، كانت بعض التقارير الأميركية تنظر إلى الحزب بوصفه امتداداً للنفوذ السوفييتي في الشرق الأوسط، وهو تقييم يعكس أجواء الحرب الباردة بقدر ما يعكس الواقع السوري.

تُعد هذه من أكثر القضايا إثارة للنقاش بين الباحثين.

فقد ذهب بعض المؤرخين إلى اعتبار خالد بكداش ممثلاً للسياسة السوفييتية في المنطقة، مستندين إلى توافق الحزب مع موسكو في عدد من القضايا الدولية.

لكن عدداً متزايداً من الدراسات الحديثة يرفض هذا التوصيف المبسط، ويرى أن العلاقة بين الحزب الشيوعي السوري والاتحاد السوفييتي كانت علاقة تحالف أيديولوجي وسياسي، لا علاقة إدارة مباشرة.

ويشير هؤلاء إلى أن الحزب اتخذ في أكثر من مناسبة مواقف فرضتها خصوصية الواقع السوري، حتى عندما كانت تختلف في أسلوبها مع تجارب أحزاب شيوعية أخرى.

كما أن الوثائق المتاحة حتى اليوم لا تقدم دليلاً على أن بكداش كان يتلقى تعليمات تفصيلية لإدارة الشأن الداخلي السوري، بل تظهر أن معظم المراسلات كانت تتعلق بالتقييم السياسي العام والتنسيق داخل الحركة الشيوعية العالمية.

بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وفتح أجزاء من الأرشيف السوفييتي، أعاد عدد من الباحثين تقييم تجربة خالد بكداش بعيداً عن الخطاب الأيديولوجي الذي طبع الحرب الباردة.

  • كان خالد بكداش من أكثر القادة العرب قدرة على بناء تنظيم حزبي مستقر.
  • نجح في تحويل الحزب الشيوعي السوري إلى فاعل سياسي مؤثر، رغم محدودية الإمكانات.
  • امتلك مهارة استثنائية في إدارة التنظيم والعمل السري.
  • في المقابل، لم ينجح في تطوير نظرية ماركسية عربية مستقلة، وبقي قريباً من المدرسة السوفييتية في تفسير كثير من القضايا الدولية.
  • كما أن طول بقائه في القيادة أسهم في إضعاف تداول النخب داخل الحزب، وهي ملاحظة تتكرر في معظم الدراسات الحديثة.

تكشف الوثائق السوفييتية والغربية والسورية أن خالد بكداش كان شخصية أكثر تعقيداً مما تصوره الأدبيات السياسية المتعارضة. فلم يكن «موظفاً سوفييتياً» كما ادعى خصومه، ولا قائداً منزهاً عن النقد كما صوره بعض أنصاره.

لقد كان ابن عصره؛ تشكل وعيه في زمن صعود الأممية الشيوعية، وقاد حزبه في مرحلة هيمنت عليها الحرب الباردة، واضطر إلى اتخاذ قرارات فرضتها موازين قوى محلية وإقليمية ودولية شديدة التعقيد.

ومن هنا، فإن القيمة الحقيقية لتجربته لا تكمن في الانحياز له أو ضده، بل في فهم كيفية تشكل الأحزاب العقائدية العربية، وكيفية تفاعلها مع الدولة، والمجتمع، والصراعات الدولية.

وبعد مرور ثلاثة عقود على رحيله، لا يزال خالد بكداش يحتل مكانة محورية في تاريخ سورية السياسي، وتبقى تجربته مادة خصبة للبحث الأكاديمي، لأنها تقدم نموذجاً متكاملاً لفهم العلاقة بين الفكر والتنظيم والسلطة في العالم العربي خلال القرن العشرين.

إذا أردنا تلخيص تجربة خالد بكداش بعيداً عن الانحيازات السياسية، يمكن تسجيل مجموعة من الملاحظات الأساسية:

أولاً، نجح في بناء واحد من أكثر الأحزاب العربية تنظيماً واستمرارية خلال القرن العشرين.

ثانياً، أسهم في ترسيخ حضور الفكر الاشتراكي في الحياة السياسية السورية، وربط بين النضال الوطني والنضال الاجتماعي بصورة جعلت الحزب جزءاً من المشهد السياسي السوري لعقود طويلة.

ثالثاً، استطاع الحفاظ على وحدة الحزب في مراحل كان يمكن أن تؤدي إلى انهياره، وإن لم يمنع ذلك وقوع انشقاقات مؤثرة لاحقاً.

رابعاً، ظل وفياً لقناعاته الفكرية حتى بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، ولم يتخل عن المرجعية الماركسية عندما غيّرت أحزاب كثيرة هويتها.

وفي المقابل، فإن طول بقائه في القيادة، ومحدودية تداول المسؤوليات، والارتباط الوثيق بالتجربة السوفييتية، والانخراط في الجبهة الوطنية التقدمية، تبقى جميعها موضوعات مشروعة للنقاش والنقد التاريخي.

يُعد خالد بكداش إحدى الشخصيات المفصلية في التاريخ السياسي السوري والعربي خلال القرن العشرين. فقد أسهم في تأسيس مدرسة تنظيمية تركت أثراً واضحاً في اليسار العربي، وقاد الحزب الشيوعي السوري خلال أكثر المراحل تعقيداً في تاريخ البلاد، من الانتداب الفرنسي إلى ما بعد الحرب الباردة.

وسواء نظر إليه بوصفه مؤسساً للحركة الشيوعية السورية الحديثة، أو قائداً أخضع حزبه لمركزية صارمة، فإن مكانته في تاريخ سورية لا يمكن إنكارها. فقد كان شاهداً على مرحلة كاملة من تاريخ المنطقة، وأسهم في صياغة جانب مهم من نقاشاتها الفكرية والسياسية.

ولعل أهم ما تكشفه دراسة خالد بكداش هو أن الأحزاب السياسية، مهما بلغت قوة تنظيمها أو صلابة عقيدتها، تبقى ابنة زمانها، تتأثر بظروف مجتمعها وبالتحولات الدولية. ولذلك فإن فهم تجربته لا يساعد فقط على قراءة تاريخ الحزب الشيوعي السوري، بل يفتح نافذة لفهم تطور الدولة السورية، والحركة الوطنية، واليسار العربي، والعلاقة المعقدة بين الفكر والسلطة.

لقد رحل خالد بكداش عام 1995، لكن الأسئلة التي أثارتها تجربته لا تزال حاضرة حتى اليوم: كيف يمكن التوفيق بين الانضباط الحزبي والديمقراطية الداخلية؟ وكيف يمكن لحزب عقائدي أن يحافظ على هويته وهو يتكيف مع متغيرات الواقع؟ وما حدود العلاقة بين الالتزام الأممي والخصوصية الوطنية؟ وهي أسئلة تتجاوز تجربة بكداش نفسها، وتمس تاريخ الأحزاب الأيديولوجية في العالم العربي بأسره.

المراجع

  1. Philip S. Khoury, Syria and the French Mandate: The Politics of Arab Nationalism, 1920–1945. Princeton University Press, 1987.
  2. Hanna Batatu, Syria’s Peasantry, the Descendants of Its Lesser Rural Notables, and Their Politics. Princeton University Press, 1999.
  3. Patrick Seale, Asad: The Struggle for the Middle East. University of California Press, 1989.
  4. Nikolaos van Dam, The Struggle for Power in Syria. I.B. Tauris.
  5. Fred H. Lawson, Why Syria Goes to War. Cornell University Press.
  6. Tareq Y. Ismael & Jacqueline S. Ismael, The Communist Movement in Syria and Lebanon.
  7. Jordi Tejel, Syria’s Kurds: History, Politics and Society. Routledge.
  8. Georges Corm, Le Proche-Orient éclaté.
  9. Richard Hrair Dekmejian, Patterns of Political Leadership in the Middle East.
  10. وثائق الأممية الشيوعية (Comintern Archives).
  11. أرشيف الحزب الشيوعي السوري.
  12. وثائق ومقررات مؤتمرات الحزب الشيوعي السوري.
  13. مقابلات وكتابات وصال فرحة بكداش.
  14. برنامج الحزب الشيوعي اللبناني، أُقرّ في المؤتمر الثاني للحزب الشيوعي اللبناني، تموز/يوليو 1968.
  15. مذكرات ووثائق الحزب الشيوعي اللبناني حول المؤتمر الثاني، ولا سيما النصوص المتعلقة بإعادة تعريف هوية الحزب وبرنامجه السياسي والاجتماعي بعد الانفصال التنظيمي والسياسي عن الهيمنة البكداشية.
  16. كريم مروة، حوارات حول الحركة الشيوعية اللبنانية والعربية، بيروت: دار الفارابي، طبعات مختلفة.
  17. كريم مروة، تجربتي مع الحزب الشيوعي اللبناني، بيروت: دار الفارابي.
  18. فواز طرابلسي، تاريخ لبنان الحديث: من الإمارة إلى اتفاق الطائف، بيروت: رياض الريس للكتب والنشر، خاصة الفصول المتعلقة بصعود اليسار اللبناني والحركة الوطنية.
  19. حازم صاغية، كتابات ودراسات حول اليسار العربي والحزب الشيوعي اللبناني، ولا سيما ما يتصل بنقد العلاقة بين الشيوعية العربية والمركز السوفياتي.
  20. دورية Middle Eastern Studies.
  21. دورية Journal of Contemporary History.
  22. دورية International Journal of Middle East Studies.

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

ماركس وباكونين: الصراع الذي شقّ الثورة إلى طريقين!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد من الأممية الأولى إلى مؤتمر لاهاي: من كان أقرب...

هالة نهرا ووجدي أبو ذياب في عملٍ إبداعيّ: من سلوفينيا إلى العالم!

أخباركم - أخبارنا تجلببتْ قصيدة «يا ضوء الأضواء» للشاعرة اللبنانية والعربية هالة نهرا، من...

اليسار الفلسطيني أمام مرآة الحقيقة: أزمة المشروع أم أزمة الاستقلال السياسي؟

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد ردّ على مقالة «اليسار الفلسطيني أمام لحظة الحقيقة.. من...

الحجّاج والسفّاح: هل يعيد التاريخ إنتاج وجهي السلطة؟

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد يصعب فهم الحجّاج بن يوسف الثقفي وأبي العباس السفّاح...

More like this

من فيصل وبوتو إلى مكة: هل وُلدت المظلة النووية السعودية في السبعينيات وتستعد إسرائيل اليوم لمواجهتها؟

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد هناك سؤال يبدو في ظاهره بسيطاً، لكنه قد يكون مفتاحاً...

نحو شرق أوسط جديد!

أخباركم - أخبارنا/ حنا صالح على مدى الأشهر التي تلت كارثة طوفان الأقصى، زعم...

سلسلة تعيينات باسم خامنئي: هل بدأت عملية إعادة بناء السلطة من داخل السلطة ام نفذ انقلاب ابيض؟

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد ما جرى في إيران خلال الأيام الأخيرة من تعيينات...