أخباركم – أخبارنا/ د.كاوه محمود
تشهد كردستان الجنوبية منذ سنوات عديدة نشاطًا متنوعًا في مجال النضال من أجل القضايا المرتبطة بالمسألة النسوية. وقد اكتسب جانب من هذه الأنشطة طابعًا عالميًا، ولا سيما تلك المرتبطة بالتوجهات والشعارات التي تُنظَّم في إطارها الحركات والمنظمات النسائية حملات عالمية مشتركة.
وهذه الظاهرة ليست جديدة، بل تعود جذورها إلى نضالات النساء في مطلع القرن العشرين، حين كانت إحدى أبرز القيادات النسوية الاشتراكية، كلارا زيتكن، في طليعة قيادة الحركة النسائية الأممية. وبفضل مبادرتها ورفيقاتها، تقرر عام 1907 اعتماد يوم عالمي للمرأة، ليغدو ذلك اليوم نقطة التقاء حركتين اجتماعيتين كبيرتين: الحركة النسوية والحركة الاشتراكية.
إن اقتران هاتين الحركتين والعلاقة الوثيقة بينهما لم يكن أمرًا عفويًا، بل استند إلى أساس فكري ومنطلق نظري تاريخي، يعود إلى الأعمال الكلاسيكية للفكر الماركسي، وفي مقدمتها كتاب فريدريك إنجلز الشهير «أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة» الصادر عام 1884، والذي استند فيه إلى الدراسة الأنثروبولوجية التي أنجزها لويس مورغان عام 1877.
وقد قدّم إنجلز تفسيرًا لاضطهاد المرأة بوصفه نتيجة لتطور مفهوم الملكية الخاصة في المجتمعات الإنسانية الأولى. ووفق هذا الفهم، فإن موقع المرأة وأسباب اضطهادها لا يرتبطان بعوامل بيولوجية، وإنما بتقسيم العمل والعلاقات الاجتماعية الجديدة داخل الأسرة والمجتمع، التي نشأت مع تطور ملكية وسائل الإنتاج وظهور المجتمع الطبقي. وكانت النتيجة التاريخية لذلك انهيار نظام الأمومة، الذي اعتبره إنجلز «الهزيمة التاريخية العالمية للجنس النسائي»، والانتقال إلى النظام الأبوي، حيث فقدت المرأة مكانتها القيادية داخل الأسرة، وتحولت إلى خادمة للرجل وأداة لإنجاب الأطفال.
يرتبط الأساس النظري لظهور مفهوم الجندر في الفكر الماركسي بتطور المجتمع الطبقي. وإلى جانب كتاب إنجلز، يظهر هذا المفهوم في كتابات ماركس وإنجلز عند تناولهما لمسألة الأسرة. ففي كتاب «الأيديولوجيا الألمانية» يؤكدان أن اتساع الحاجات الإنسانية يولّد علاقات اجتماعية جديدة، وأن الأسرة تخضع لمنطق النظام الرأسمالي الناشئ، حيث تتداخل العلاقة الطبيعية المتمثلة في الجنس مع العلاقة الاجتماعية المتمثلة في تقسيم العمل، بحيث يغدو الاضطهاد الطبقي والنظام الأبوي وجهين لمنظومة واحدة هي الرأسمالية.
كما يشير ماركس في كتاب «رأس المال» إلى أوضاع النساء العاملات، موضحًا كيف يستخدم الرأسماليون النساء والأطفال بوصفهم قوة عمل رخيصة واحتياطية، ثم يُعادون إلى المنازل متى انتفت الحاجة إليهم.
ومن هنا يتضح أن مفهوم الجندر في الماركسية يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالبنية الطبقية، وأن الاضطهاد المزدوج الذي تتعرض له المرأة، بوصفه اضطهادًا طبقيًا واضطهادًا أبويًا، قد أشار إليه فلاديمير لينين حين قال إن «نصف الجنس البشري يتعرض في ظل الرأسمالية لشكلين من الاضطهاد؛ الأول هو حرمان المرأة من المساواة القانونية مع الرجل، والثاني، وهو الأهم، يتمثل في عبودية الأسرة، حيث تتحول العاملة والفلاحة إلى أسيرة للأعمال المنزلية، وتتعرض لأقسى أشكال الاستغلال في المطبخ وداخل المنزل».
منذ منتصف القرن الماضي وحتى اليوم، شهدت الحركة النسوية العالمية ظهور موجات متعددة واتجاهات متنوعة، من أبرزها النسوية الليبرالية والنسوية الراديكالية.
كما أفرزت التجارب الاجتماعية المختلفة تنوعًا موضوعيًا داخل الحركة النسوية العالمية، ارتبط باختلاف أوضاع المجتمعات وطبيعة تناقضاتها وصراعاتها. فعلى سبيل المثال، لم تجد النساء السود في الولايات المتحدة قضاياهن وتجاربهن الخاصة ممثلة داخل الحركة النسوية التي كانت تهيمن عليها النساء البيض، الأمر الذي أدى إلى ظهور الحركة النسوية للسود، وكانت من أبرز رموزها في سبعينيات القرن الماضي أنجيلا ديفيس.
وفي الوقت نفسه برزت قضية أخرى بالغة الأهمية، هي النسوية في المجتمعات المستعمَرة، حيث ارتبط النضال من أجل التحرر الوطني ارتباطًا وثيقًا بالنضال من أجل تحرير المرأة. ولذلك قالت إحدى القيادات النسوية في فيتنام إن استعمار الوطن واحتلاله يشبهان اغتصاب الجسد وانتهاكه.
في كردستان، كما في كثير من بلدان العالم الثالث، تتسم القضايا المرتبطة بالنضال النسوي بالتعدد والتنوع، فهي تضم قضايا مشتركة مع الحركة النسوية العالمية، إلى جانب قضايا خاصة فرضتها الظروف التاريخية والسياسية والاجتماعية للشعب الكردي، الأمر الذي يجعل من الضروري النضال من أجل تحقيق الانسجام بين هذين البعدين.
فمن بين القضايا المشتركة العمل على القضاء على العنف ضد المرأة، وتحقيق المساواة الجندرية، وضمان مشاركة النساء في مراكز صنع القرار، وإصلاح قوانين الأحوال الشخصية، وإدماج مبدأ المساواة الجندرية في إعداد الموازنة العامة للدولة.
أما القضية التي تبقى ذات خصوصية في كردستان فهي قضية التحرر الوطني، التي ناضلت النساء الكرديات من أجلها عبر التاريخ وقدمن في سبيلها التضحيات، وهي مهمة لم تكتمل بعد، إلى جانب القضايا المرتبطة بالنضال الطبقي، التي لا يمكن فصلها عن مهام الحركة النسوية.
إن التجربة الفكرية والعملية لليسار والأحزاب الشيوعية تبين بوضوح أن مفهوم الجندر ليس مفهومًا منفصلًا عن الطبقة، ولا عن قضية التمييز الجنسي، ولا عن قضية التحرر الوطني، بل إنه يتفاعل مع التناقضات والصراعات التي يشهدها كل مجتمع.
ومن هنا تبرز أهمية هذا التوجه بالنسبة لليسار في كردستان، بحيث يُنظر إلى الماركسية والنسوية بوصفهما مفهومين متكاملين، والعمل على مزيد من بلورة مفهوم النسوية الكردستانية الأصيلة، بما يحرر نضال المرأة من الاتجاهات النسوية الليبرالية القائمة على عقلية السوق الحرة، ومن الاتجاهات المحافظة التي ترتدي عباءة الدين في إطار حركات الإسلام السياسي النسائية، والتي ترفع شعار مشاركة المرأة في السياسة ومؤسسات صنع القرار، بينما تعمل، في الواقع، على تكريس استمرار اللامساواة في الأعراف والقوانين.
وينبغي التأكيد على أن الماركسيين لا ينظرون إلى النضال من أجل المساواة الجندرية، ولا إلى النضال ضد الرأسمالية ومن أجل المساواة الطبقية، ولا إلى النضال الوطني، بوصفها قضايا منفصلة أو ميكانيكية، وإنما يتناولونها بمنهج جدلي ضمن إطار شامل للنضال من أجل العدالة الاجتماعية، وهو إطار يستوعب هذه الميادين الثلاثة بوصفها عناصر مترابطة.
ومن أبرز المؤشرات على حيوية المجتمع الكردستاني وجود حركة نسوية واضحة وصريحة في رؤيتها وأهدافها وأساليب نضالها، استطاعت أن ترسخ هوية أصيلة لها في الأجزاء الأربعة من كردستان.
وقد جاء ذلك ثمرة قراءة صحيحة للواقع التاريخي لكردستان، ولطبيعة حركة التحرر الوطني الكردستانية في مختلف أجزائها، فضلًا عن فهم جوهر التناقضات الاجتماعية واختيار اتجاه الصراع، الذي يتجسد في تحديد طريق النضال الوطني، والتمسك بخندق المقاومة في مواجهة الاحتلال وأعداء الشعب الكردي، والعمل على منع إعادة إنتاج التقاليد الإقطاعية والفكر المحافظ والسلفي، وهي القوى التي تمثل اليوم الحاضنة الاجتماعية والسياسية للمصالح المرتبطة بالأمم المهيمنة في المنطقة، وتسعى بصورة واضحة إلى عرقلة التغيير الاجتماعي، وإعاقة النضال من أجل المساواة الجندرية والتنوير والتقدم.
قد تزامنت هذه المهام النضالية للمرأة الكردستانية مع كفاحها من أجل الحفاظ على اللغة الأم، وصيانة الثقافة الكردية الأصيلة، وتربية الأجيال المتعاقبة على حب كردستان والاستعداد للتضحية في سبيل حريتها واستقلالها.
ففي شمال كردستان، كانت المرأة منذ البدايات في مقدمة المدافعين عن اللغة الكردية، وفي طليعة النضال من أجل حماية الهوية القومية للشعب الكردي، كما شكلت روحًا حية لحركة التحرر الوطني الكردستانية، وكانت حاضرة بصورة يومية في النشاط السياسي والجماهيري، وفي التجمعات والتظاهرات والاحتجاجات الشعبية.
أما في غرب كردستان، فقد أصبحت بطولات المرأة الكردية وتضحياتها في الحرب ضد الإرهاب، ودورها في هزيمة ما سمي بـ «الدولة الإسلامية»، إلى جانب مشاركتها في العمل السياسي، ومواجهة قوى الاحتلال، والدفاع عن الأرض، وإسهامها بوصفها قوة دافعة للتغيير الاجتماعي، ومشاركتها في الإدارة والحكم، موضع إعجاب الرأي العام الديمقراطي والتقدمي في العالم، وقدمت نموذجًا رياديًا للنضال النسوي على المستوى العالمي.
وفي شرق كردستان، كانت المرأة شعلة الثورة والحرية، ورمزًا لمواجهة التقاليد المحافظة والثقافة المتخلفة التي تراكمت عبر قرون طويلة. وهي تخوض يوميًا نضالًا شاقًا دفاعًا عن اللغة والثقافة والبيئة الكردستانية، وقد تحولت تضحياتها وريادتها إلى مدرسة نضالية للمجتمع، فيما أصبح شعار «المرأة، الحياة، الحرية» شعارًا تتبناه جماهير المطالبين بالحرية في كردستان، ويحظى بدعم واسع من القوى الديمقراطية والتقدمية في مختلف أنحاء العالم.
أما في جنوب كردستان، فقد ارتبط النضال الوطني الكردستاني، الذي يستند إلى تاريخ طويل من مقاومة الدكتاتورية، والسعي إلى كردستان حرة، والدفاع عن حق الشعب الكردي في تقرير مصيره، بالنضال من أجل تحرير المرأة، وتحقيق المساواة الجندرية، والقضاء على العنف ضد النساء، وضمان مشاركتهن الفاعلة في الحياة السياسية والاجتماعية.
خلال هذه المسيرة، واجهت النساء في جنوب كردستان حملات متواصلة من القوى المحافظة والنظام الأبوي، ولا سيما في معارك تعديل قانون الأحوال الشخصية، وتشريع قانون مناهضة العنف ضد المرأة، والنضال من أجل المشاركة في مؤسسات صنع القرار، وضمان المساواة في الحقوق والحريات.
ورغم كل محاولات التشويه التي استهدفت الحركة النسوية، والسعي إلى إفراغ مفاهيم حرية المرأة والمساواة الجندرية من مضمونها، فإن إرادة الصمود وعدم التراجع ظلت السمة الأساسية للحركة النسوية في جنوب كردستان.
ولهذا تؤكد الحركة النسوية اليوم، في ظل الظروف الراهنة، مجموعة من الأولويات، من أهمها: تطوير المؤسسات المعنية بتمكين المرأة، وتعزيز مراكز دراسات الجندر في جامعات كردستان، وتفعيل وحدات المساواة الجندرية في وزارات الحكومة، والعمل على ترسيخ مجتمع يحمي الأسرة على أساس احترام حقوق وكرامة جميع أفرادها، وتجريم جميع أشكال العنف والتمييز ضد النساء والفتيات.
إن استعراض المشهد النسوي في الأجزاء الأربعة من كردستان يكشف عن جملة من السمات الأساسية التي تشكل هوية الحركة النسوية الكردستانية، ويمكن تلخيصها في النقاط الآتية:
أولًا: في كردستان الكبرى، وبمختلف أجزائها الأربعة، نشأت حركة نسوية تبلورت عبر التاريخ النضالي، ومن خلال ميدان الصراع من أجل تحديد المتطلبات الموضوعية لعملية التغيير الاجتماعي. وقد تطورت هذه الحركة في خضم التناقضات والصراعات الاجتماعية، ولم تكن معزولة عنها، بل شهدت تحولًا مستمرًا في رؤيتها وممارستها مع تراكم الخبرة الفكرية والعملية. كما لم تنفصل عن الحركة النسوية العالمية في نضالها من أجل الحرية والحقوق، وإنما كانت جزءًا حيًا وفاعلًا منها، وأسهمت في إغنائها وإثرائها.
ثانيًا: إن الحركة النسوية الكردستانية ليست حركة مستوردة من بلدان الغرب أو من خارج كردستان، وإنما هي حركة سياسية واجتماعية أصيلة، نشأت من رحم التناقضات والصراعات التي عرفها المجتمع الكردستاني، وتطورت استجابةً لاحتياجاته التاريخية والاجتماعية.
ثالثًا: بحكم الخصوصية السياسية والاجتماعية والاقتصادية لكردستان، ونتيجة خضوعها لسلطة الدول التي اقتسمت أرضها وألحقتها بإرادتها بعيدًا عن إرادة الشعب الكردي، فقد تشكل في كل جزء من أجزاء الوطن واقع خاص للحركة النسوية، ارتبط بطبيعة حركة التحرر الوطني والنضال من أجل الحرية والاستقلال في ذلك الجزء، وانعكس ذلك على الرؤية النسوية ومسارات نضال النساء وأولوياتهن.
رابعًا: على الرغم من هذه الخصوصيات، فإن الحركة النسوية في مختلف أجزاء كردستان تشترك في رؤية عامة واحدة، تتمثل في النضال من أجل الحرية، والمساواة، والعدالة الاجتماعية، وحق الشعب الكردي في تقرير مصيره. وهذا يفرض العمل، في إطار من التعددية والتنوع، على تعزيز التنسيق بين مكونات هذه الحركة، وتحديد المهام المشتركة، وتوطيد وحدتها بوصفها حركة نسوية كردستانية جامعة.
خامسًا: على المستوى العملي، اختارت المرأة الكردستانية موقع المواجهة والصمود، وأسهمت في إنتاج تقاليد حضارية وتقدمية داخل المجتمع، وأصبحت أحد العوامل الأساسية في حركة التغيير الاجتماعي، وفي النضال من أجل إزالة مختلف أشكال الاضطهاد والاستغلال.
إن بلورة خطاب يساري نسوي كردستاني لا تعني استنساخ تجارب الآخرين، ولا الاكتفاء باستيراد مفاهيم جاهزة، وإنما تعني بناء مشروع فكري وسياسي يستند إلى الواقع الكردستاني، ويستفيد في الوقت نفسه من التجارب الإنسانية التقدمية. وهو مشروع يربط بين التحرر الوطني، والتحرر الاجتماعي، والتحرر الجندري، بوصفها قضايا مترابطة لا يمكن فصل إحداها عن الأخرى.
ومن هذا المنطلق، فإن النسوية الكردستانية المنشودة ليست مجرد خطاب للمطالبة بحقوق المرأة، بل هي رؤية شاملة للتغيير الديمقراطي والاجتماعي، ترى أن تحرر المرأة يشكل معيارًا أساسيًا لتحرر المجتمع بأسره، وأن بناء مجتمع ديمقراطي عادل لا يمكن أن يتحقق من دون القضاء على جميع أشكال التمييز والاضطهاد، سواء كانت قائمة على الجنس أو الطبقة أو القومية أو أي شكل آخر من أشكال الهيمنة.
إن هذه الرؤية تجعل من المرأة الكردستانية شريكًا كاملًا في صناعة المستقبل، وفي بناء مجتمع الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية، وتؤكد أن نضالها يشكل جزءًا لا يتجزأ من النضال الأشمل الذي يخوضه الشعب الكردي من أجل الحرية، والديمقراطية، وحقه في تقرير مصيره، ومن النضال الإنساني العالمي من أجل عالم أكثر عدالة ومساواة وكرامة.



