السبت, أغسطس 15, 2026
25.2 C
Beirut

عندما تتغير القضية المركزية!

نشرت في

أخباركم – أخبارنا/ حسين قاسم

الحلقة السادسة

لم يكن الهدف من الحلقات الخمس السابقة استعادة محطات من التاريخ، بقدر ما كان محاولة للإجابة عن سؤال واحد: كيف تتحدد القضية المركزية في كل مرحلة تاريخية، ولماذا تنجح بعض القوى السياسية في قراءتها بينما تفشل قوى أخرى؟

لقد بينت تلك الحلقات أن القضية المركزية ليست شعاراً ثابتاً، ولا عقيدة صالحة لكل زمان، بل هي تعبير عن المهمة الوطنية والسياسية الأكثر إلحاحاً في لحظة تاريخية معينة. وعندما تخطئ القوى السياسية في تحديدها، فإنها قد تملك الشجاعة والتضحيات والبرامج، لكنها تفقد قدرتها على التأثير في مجرى الأحداث.

من هذا المنطلق، لم يكن استعراض تجربة لينين، أو الموقف من القضية الفلسطينية، أو صعود اليسار اللبناني بعد هزيمة عام 1967، أو إطلاق جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية عام 1982، أو التحولات التي أعقبت تحرير الجنوب، مجرد سرد تاريخي، بل محاولة لاستخلاص قاعدة واحدة: كل مرحلة تفرض قضية مركزية جديدة، ومن يعجز عن إدراك هذا التحول يفقد دوره، مهما كانت تضحياته أو صدق نواياه.

اليوم، وبعد الأحداث الكبرى التي شهدتها المنطقة منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، يبدو واضحاً أننا دخلنا مرحلة مختلفة عن تلك التي حكمت الشرق الأوسط طوال العقود الماضية. فهذه الأحداث لم تبدل موازين القوى العسكرية والسياسية فحسب، بل وضعت المشاريع الإقليمية جميعها أمام اختبار غير مسبوق، وكشفت حدود الكثير من المسلمات التي سادت خلال العقود الأخيرة.

ومن أبرز هذه التحولات، الأزمة العميقة التي أصابت المشروع الإيراني في المنطقة، ولا سيما في لبنان، بعد أن بُني طوال سنوات على سردية تقوم على فائض القوة والقدرة على فرض معادلات جديدة. واليوم، بصرف النظر عن المواقف السياسية المتباينة، بات من الصعب تجاهل أن هذه السردية تعرضت لاختبار قاسٍ ستكون له نتائج بعيدة المدى على الحياة السياسية في لبنان والمنطقة.

ولا تكمن أهمية هذه التحولات في بعدها العسكري وحده، بل في أنها تفرض إعادة تقييم شاملة للمرحلة السابقة، تماماً كما فرضت أحداث كبرى في التاريخ مراجعات عميقة للمفاهيم والتحالفات والخيارات السياسية. فالمطلوب ليس الدفاع عن الماضي ولا إدانته، بل فهمه واستخلاص دروسه.

ومن هنا، يصبح من المشروع إعادة النظر في الخيارات التي أعقبت تحرير الجنوب عام 2000، حين عاد لبنان تدريجياً إلى موقع الساحة المفتوحة لصراعات المحاور الإقليمية، بعدما كان الأمل أن يشكل التحرير بداية لاستعادة الدولة دورها الطبيعي وقرارها المستقل.

كما يصبح من المشروع مراجعة المواقف التي تبنتها قوى يسارية وقومية تحت شعارات مقاومة إسرائيل أو مواجهة الإمبريالية، من دون أن تعيد قراءة التحولات التي طرأت على الواقع اللبناني والإقليمي. وهذه المراجعة لا تستهدف أشخاصاً أو أحزاباً، بل نهجاً سياسياً كاملاً، لأن مراجعة التجارب ليست إدانة للماضي، بل شرطاً لبناء المستقبل.

وانطلاقاً من هذه القراءة، تبدو القضية المركزية في لبنان اليوم متمثلة في هدفين متلازمين لا يمكن الفصل بينهما: استكمال تحرير ما تبقى من الأراضي اللبنانية المحتلة، واستعادة الدولة اللبنانية سيادتها الكاملة واحتكارها المشروع لاستخدام القوة، وانهاء اي سلاح خارج قواها العسكرية وحصر قرار الحرب والسلم فيها دون منازع اطلاقاً ، بما يضمن استقلال القرار الوطني وإعادة توجيه الصراع مع إسرائيل ضمن إطار وطني جامع تقوده مؤسسات الدولة، لا بد من ان يسبق هذا المسار توجهاً عبر مرحلتين مباشرتين الاولى آنية عبر سحب السلاح غير الشرعي دون قيد او شرط، والثانية التفرغ لإزالة آثار العدوان.
وليس المقصود بذلك الانتقاص من قيمة كل من ضحى في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، إنما التأكيد أن لكل مرحلة أدواتها وظروفها. فما كان صالحاً في مرحلة معينة قد لا يكون صالحاً في مرحلة أخرى، تماماً كما أثبتت التجارب التي استعرضناها في الحلقات السابقة.

لقد أظهرت الحروب الأخيرة حجم التحول الذي شهدته طبيعة الصراعات العسكرية. فالتفوق التكنولوجي والاستخباراتي الهائل، وتطور وسائل الحرب، جعلا المواجهة العسكرية التقليدية أكثر تعقيداً، ليس بالنسبة إلى التنظيمات المسلحة فحسب، بل حتى بالنسبة إلى جيوش نظامية تمتلك إمكانات أكبر من إمكانات الجيش اللبناني. واظهرت أيضاً فشل تحويل القتال السري للمقاومة الى حرب نظامية هذا الفشل الذي احدث دماراً يصعب ترميمه لعقود قادمة. ومن هنا، فإن مسؤولية الدفاع عن لبنان لا تختزل في امتلاك السلاح، بما في ذلك للقوى العسكرية اللبنانية ولا يجوز تحميلها اكثر مما ينبغي، بل تبدأ ببناء دولة قادرة على توظيف عناصر قوتها السياسية والدبلوماسية والقانونية والاقتصادية، نحو تنمية تواكب العصر، وإقامة شبكة متوازنة من العلاقات الدولية التي تحمي مصالحها الوطنية، وفي هذا السياق تبرز أهمية تعزيز دور الجيش اللبناني وسائر القوى الأمنية.

كما تقتضي المرحلة اعتماد سياسة خارجية تقوم على الحياد الإيجابي تجاه صراعات المحاور الإقليمية، بما يحفظ للبنان أفضل العلاقات مع محيطه العربي والمجتمع الدولي، ويمنحه هامشاً أوسع للدفاع عن حقوقه، والاستفادة من التوازنات الدولية بدل أن يكون ضحية لها.

وإلى جانب ذلك، فإن المرحلة تستدعي إطلاق برنامج وطني للمواجهة المدنية والسلمية، يهدف إلى تثبيت الأهالي في القرى الحدودية، وإعادة إعمارها، ودعم صمود سكانها، ومواكبة أي مسار تفاوضي يهدف إلى استعادة الأراضي المحتلة وحماية الحقوق اللبنانية. فالمواجهة ليست شكلاً واحداً، بل هي منظومة متكاملة من العمل الوطني، تتبدل أدواتها بتبدل الظروف، بينما يبقى هدفها ثابتاً: حماية الوطن والدفاع عن سيادته.

أما اليسار، إذا أراد استعادة دوره التاريخي، فلا يكفيه التمسك بالشعارات التي صيغت في ظروف دولية وإقليمية مختلفة. فالقوى السياسية لا تُقاس بوفائها لشعارات الماضي، بل بقدرتها على فهم الحاضر والاستعداد للمستقبل. والتاريخ يعلمنا أن أكثر الحركات إخلاصاً لمبادئها قد تفقد دورها عندما تعجز عن إدراك أن القضية المركزية قد تغيرت.

إن الحياة السياسية لا تعرف الفراغ، والتاريخ لا ينتظر المترددين. وكل مرحلة تفرز قواها الجديدة وأولوياتها الجديدة، بينما يخرج من المشهد أولئك الذين يصرون على خوض معارك الأمس بأدوات الأمس، او عبر الهروب للأمام بتغليف المواقف بشعارات شعبوية مُستمدة من الماضي بينما هي تغطي أدواراً دمرت البلاد وأضرت بالقضايا النبيلة، من التحرر الوطني والحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية.

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

ماركس وباكونين: الصراع الذي شقّ الثورة إلى طريقين!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد من الأممية الأولى إلى مؤتمر لاهاي: من كان أقرب...

هالة نهرا ووجدي أبو ذياب في عملٍ إبداعيّ: من سلوفينيا إلى العالم!

أخباركم - أخبارنا تجلببتْ قصيدة «يا ضوء الأضواء» للشاعرة اللبنانية والعربية هالة نهرا، من...

اليسار الفلسطيني أمام مرآة الحقيقة: أزمة المشروع أم أزمة الاستقلال السياسي؟

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد ردّ على مقالة «اليسار الفلسطيني أمام لحظة الحقيقة.. من...

الحجّاج والسفّاح: هل يعيد التاريخ إنتاج وجهي السلطة؟

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد يصعب فهم الحجّاج بن يوسف الثقفي وأبي العباس السفّاح...

More like this

اليسار الفلسطيني أمام مرآة الحقيقة: أزمة المشروع أم أزمة الاستقلال السياسي؟

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد ردّ على مقالة «اليسار الفلسطيني أمام لحظة الحقيقة.. من...

الحجّاج والسفّاح: هل يعيد التاريخ إنتاج وجهي السلطة؟

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد يصعب فهم الحجّاج بن يوسف الثقفي وأبي العباس السفّاح...

تلازم السيادة والحل السياسي: تفكيك فخ الترتيبات الأمنية في التفاوض اللبناني!

أخباركم - أخبارنا/ أكرم محمود تقف الدولة اللبنانية عند مفترق طرق تاريخي في إدارتها لملف...