السبت, أغسطس 15, 2026
25.2 C
Beirut

بلاغة الشعارات وفاتورة الرماد: حين تغدو الشعوب قرباناً على مذبح الكلمة

نشرت في

أخباركم – أخبارنا/ أكرم محمود


مقدمة: السياسة في مسرح البلاغة
ثمة لحظاتٌ فارقةٌ في تاريخ الأمم تُقاس فيها القراراتُ بميزان الذهب، وتُوزَن فيها الخيارات بمقدار ما تحقنه من دماءٍ وما تصونه من أرواح. غير أن التاريخ العربي المعاصر ما زال يرزح تحت وطأة مأساةٍ مكررة؛ مأساة تحويل السياسة والمواجهات الاستراتيجية من مضمارٍ للعقلانية والتخطيط البارد إلى حلبة للمبارزة الشعرية والخطاب البلاغي الفصيح. في هذا المسرح الملتهب، تُنتج المطابع والمنصات سِجالاً نائياً عن الواقع، وتُصاغ الشعارات بنبرة تجذب الجماهير وتدغدغ العواطف، بينما ينشغل الواقع الميداني بطحن كل ما هو إنساني تحت وطأة الحديد والنار.
من غزة إلى الجنوب: متتالية الرهانات المكلفة
ليست المأساة في غزة ولا في جنوب لبنان والضاحية الجنوبية مجرد أحداث عابرة في كتاب الصراع، بل هي تجسيدٌ صارخ للتفاوت بين قراءة الشعارات الحماسية وحقيقة الموازين الميدانية.
عندما انطلقت شرارة الأحداث، وُضِعت الخيارات على طاولات البحث، وبرزت الفرص للوصول إلى تسوياتٍ أو ترتيباتٍ ميدانية جنّبت البلاد والعباد التدمير الشامل. في غزة، كُتِب للتسويات المبكرة أن تُردّ باسم الصمود، حتى لَأن المتابع يتساءل بمرارة: ماذا لو قُبِل بالحلول يوم كانت التكلفة في حدود المستطاع؟ ألم يكن بمقدور ذلك توفير آلاف الأرواح والحد من خرابٍ أتى على الشجر والحجر؟
واليوم، حين ينجلي الغبار عن قناعة متأخرة بقبول تسليم السلطة والسلاح بعد استنفاد كل حيل المواربة ومناورات الالتفاف، يتبدى المنظر أشد إيلاماً؛ إذ تحققت التسوية لكن “بعد خراب البصرة” ، وبعد أن دفعت غزة وأهلها ثماً خيالياً يفوق كل قدرة على الاحتمال والصبر، لتبدو النتيجة وكأنها نزولٌ عند المكتوب لكن بعد فوات الأوان.
ولم تكن جبهة الإسناد في لبنان بعيدة عن هذا النمط من التفكير؛ فحين حملت المبادرات الدولية مقترحات التراجع الميداني وتطبيق القرارات الدولية للحد من اتساع الحرائق، قوبلت تلك الأطروحات بسقوفٍ كلامية مرتفعة، وشعاراتٍ تُعلي من شأن الرادع المعنوي. لكن النتائج كانت قاسية إلى حد العجز عن التوصيف؛ فقد انفلقت غيمة النار، واستحالت القرى والمباني رماداً، وهُجّر أهل الأرض الذين وُجدوا فجأة في مواجهة آلة حربية لا تلتزم بقانون ولا ترتدع بأبيات القريض ولا بالخطب العصماء.
البلاغة كمخدر، والشعوب كقربان
إن أزمة الخطاب الأيديولوجي تسكن في قدرته على اختزال المآسي البشرية في مفاهيم تجريدية، وتحويل الكوارث الإنسانية إلى مفرداتٍ في قصيدة نصر مؤجل. غدا الانفصال تاماً بين “المنبر” و”الشارع”؛ فالمنبر يتحدث بلغة التاريخ والخلود والتصدي، والشارع يعيش بلغة البحث عن سقفٍ مأوًى، ولقمة عيش، وجرعة ماء، وجثمانِ فقيدٍ يُنتشل من تحت الركام.
“تكمن الفجوة الهيكلية في السياسة العربية في اعتبار الإنسان وسيلةً لا غاية؛ حيث يُطلب من المجتمعات أن تكون ‘بيئة حاضنة’ دائمة الاحتمال والتضحية، دون أن يمنحها التخطيط السياسي حق الحماية أو شبكات الأمان.”
إن استخدام اللسان الفصيح لرفع المعنويات أمرٌ مشروع في حدود الدفاع، غير أن تحويل هذا اللسان إلى بديلٍ عن حساب التفوق التكنولوجي، وفارق القوة، وسلوك الخصوم الوحشي، يعدّ مجازفةً تطيح بالأوطان. فالأعداء لا يقرؤون المجازات اللغوية، ولا يتأثرون بالجناس والطباق، بل يحسبون القوة بالتحكم والرصد والقدرة التدميرية.
العودة إلى واقعية الدولة والوطن
حين تنطفئ ألسنة اللهب وتبدأ مجالس العزاء الطويلة، تظهر الحقيقة العارية: الشعوب لا تقتات على الاستعارات المكنية، والأطفال لا يحتمون بالاستعارات التصريحية، والمدن المدمرة لا تُعاد بناؤها بالبيانات الحماسية.
تقتضي الحكمة الوطنية إعادة الاعتبار للسياسة الواقعية، تلك التي تجعل حياة المواطن وكرامته وأمنه هي المحور والأولوية القصوى. إن السياسة الحقيقية ليست معركة لإثبات صحة النظريات الأيديولوجية، بل هي فن إدارة الممكن لحماية الأمة من الاستنزاف والاندحار.
لقد دفعت الشعوب في غزة ولبنان فاتورةً أثقل من قدرة الجبال على الحمل. والدرس الأهم الذي ينبغي أن يُحفر في الذاكرة هو أن الحفاظ على الأرواح والأرض ليس استسلاماً ولا تراجعاً، بل هو أعلى درجات المسؤولية الوطنية والإنسانية. أما استمرار المبارزة بالشعار وسط الركام، فليس سوى استنزافٍ لما تبقى من رمقٍ في جسدٍ تُثخنه الجراح.

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

ماركس وباكونين: الصراع الذي شقّ الثورة إلى طريقين!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد من الأممية الأولى إلى مؤتمر لاهاي: من كان أقرب...

هالة نهرا ووجدي أبو ذياب في عملٍ إبداعيّ: من سلوفينيا إلى العالم!

أخباركم - أخبارنا تجلببتْ قصيدة «يا ضوء الأضواء» للشاعرة اللبنانية والعربية هالة نهرا، من...

اليسار الفلسطيني أمام مرآة الحقيقة: أزمة المشروع أم أزمة الاستقلال السياسي؟

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد ردّ على مقالة «اليسار الفلسطيني أمام لحظة الحقيقة.. من...

الحجّاج والسفّاح: هل يعيد التاريخ إنتاج وجهي السلطة؟

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد يصعب فهم الحجّاج بن يوسف الثقفي وأبي العباس السفّاح...

More like this

اليسار الفلسطيني أمام مرآة الحقيقة: أزمة المشروع أم أزمة الاستقلال السياسي؟

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد ردّ على مقالة «اليسار الفلسطيني أمام لحظة الحقيقة.. من...

الحجّاج والسفّاح: هل يعيد التاريخ إنتاج وجهي السلطة؟

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد يصعب فهم الحجّاج بن يوسف الثقفي وأبي العباس السفّاح...

تلازم السيادة والحل السياسي: تفكيك فخ الترتيبات الأمنية في التفاوض اللبناني!

أخباركم - أخبارنا/ أكرم محمود تقف الدولة اللبنانية عند مفترق طرق تاريخي في إدارتها لملف...