السبت, أغسطس 15, 2026
27.4 C
Beirut

من الدعوة إلى الدولة: النسخ والاجتهاد وكيف أعادت داعش إحياء القراءة الحرفية للقرآن المدني!

نشرت في

أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد

لم يكن الانتقال من مكة إلى المدينة مجرد هجرة جغرافية في التاريخ الإسلامي، بل كان انتقالاً من مرحلة الدعوة إلى مرحلة بناء الدولة. وهذا التحول السياسي والاجتماعي ترك بصمته بوضوح على طبيعة الخطاب القرآني والتشريع الإسلامي، وهو ما جعل عدداً كبيراً من الباحثين في الدراسات الإسلامية، من المسلمين وغير المسلمين، يميزون بين خصائص القرآن المكي والقرآن المدني.

السؤال هنا ليس: هل تغير الله؟ فهذا سؤال لاهوتي يتوقف جوابه على الإيمان الشخصي، وإنما السؤال الأكاديمي هو: كيف تغير الخطاب الديني مع تغير الظروف التاريخية التي عاشتها الجماعة الإسلامية الأولى؟

القرآن المكي: خطاب بناء الإيمان

في مكة، لم تكن للمسلمين دولة ولا جيش ولا مؤسسات حكم، بل كانوا جماعة صغيرة تعيش تحت ضغط قريش.

لذلك ركز القرآن المكي على التوحيد، والقيامة، والأخلاق، والصبر، وحرية الاختيار، والحوار.

ومن أبرز الآيات:

﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ ۝ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ (الغاشية: 21-22)

وقوله تعالى:

﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (الكهف: 29)

وقوله:

﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ (الكافرون: 6)

وتعكس هذه النصوص خطاباً يركز على الإقناع والدعوة وبناء القناعة الدينية أكثر من تركيزه على السلطة أو الإلزام.

القرآن المدني: خطاب الدولة

في المدينة تغير المشهد جذرياً.

أصبح للمسلمين قيادة سياسية، وجيش، وحدود، وقضاء، وعلاقات مع القبائل والدول، واقتصاد قائم على تنظيم المجتمع.

ولهذا بدأت تظهر أحكام لم تكن موجودة في مكة.

فنقرأ:

﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ (البقرة: 190)

ثم:

﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (التوبة: 5)

وقوله:

﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ…﴾ (التوبة: 29)

كما ظهرت الحدود:

﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (المائدة: 38)

﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ (النور: 2)

وهنا يتحول الخطاب من تربية الفرد إلى تنظيم المجتمع وإدارة الدولة.

الأحاديث تعكس التحول أيضاً

في المرحلة الأولى يروى عن النبي قوله:

“يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا.”
(رواه البخاري ومسلم)

وفي المدينة تظهر نصوص تتعلق بالحروب والأسرى والحدود وتنظيم المجتمع.

ومن ذلك قوله تعالى في أسرى بدر:

﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ (الأنفال: 67)

كما نزلت أحكام الغنائم:

﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ…﴾ (الأنفال: 41)

وهذه موضوعات لم تكن مطروحة في المرحلة المكية.

النسخ: بين العقيدة والتاريخ

من أكثر الموضوعات إثارة للنقاش قضية النسخ.

يقول القرآن:

﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ (البقرة: 106)

ويفهم الفقه التقليدي النسخ باعتباره انتقالاً من حكم إلى آخر وفق الحكمة الإلهية، بينما يرى عدد من الباحثين في الدراسات التاريخية أن النسخ يعكس تطور التشريع مع تطور المجتمع الإسلامي وانتقاله من مرحلة الاستضعاف إلى مرحلة الدولة.

كما أن التوسع في القول بالنسخ، وخاصة اعتبار “آية السيف” ناسخة لعشرات أو مئات آيات الصفح والتسامح، ليس محل إجماع بين علماء الإسلام، بل رفضه عدد من المفسرين والباحثين المعاصرين الذين رأوا أن آيات القتال مرتبطة بظروفها التاريخية ولا تلغي المبادئ العامة في العدل والتعايش.

النسخ وإعادة فتح باب الاجتهاد

إذا كان النسخ نفسه يمثل انتقالاً في التشريع تبعاً لتغير الظروف التي عاشها المجتمع الإسلامي الأول، فإن ذلك يفتح باباً مهماً لإعادة التفكير في العلاقة بين النص والواقع. فوجود تشريع تطور داخل زمن الوحي ذاته يدفع إلى التساؤل: أليس من المشروع أن يجتهد المسلمون اليوم في قراءة النصوص وفق تطور المجتمعات والدول الحديثة؟ ومن هنا يرى عدد من المفكرين المسلمين المعاصرين أن إعادة فتح باب الاجتهاد لا تعني تغيير القرآن، بل إعادة فهمه في ضوء مقاصده الكبرى، وبما ينسجم مع واقع يقوم على المواطنة المتساوية، والدساتير، وحقوق الإنسان، والعلاقات الدولية، وهي أوضاع تختلف جذرياً عن مجتمع الجزيرة العربية في القرن السابع الميلادي. وبهذا المعنى، يصبح الاجتهاد امتداداً لحيوية التشريع الإسلامي، لا خروجاً عليه.

داعش وإحياء القراءة الحرفية للآيات المدنية

كشفت تجربة تنظيم داعش عن المخاطر التي قد تنشأ عندما تُقرأ النصوص المدنية بمعزل عن سياقها التاريخي. فقد اعتمد التنظيم على آيات القتال والغنائم والسبي والحدود، مثل قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (التوبة: 5)، واستند إلى بعض الأحاديث الواردة في ظروف الحروب الأولى، ليبني نموذج دولة يعتقد أنه يعيد إنتاج الدولة الإسلامية الأولى. وفي المقابل، همّش آيات تؤكد قيم التعايش والبر والعدل، مثل قوله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ…﴾ (الممتحنة: 8)، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ… لِتَعَارَفُوا﴾ (الحجرات: 13). ولم يكن الخلاف مع داعش في وجود هذه النصوص، بل في طريقة توظيفها خارج سياقها التاريخي، وإغفال تطور الفقه الإسلامي، ومقاصد الشريعة، وتحولات العالم الحديث.

ماذا يعني ذلك للمسلم المعاصر؟

تكمن الإشكالية اليوم في أن كثيراً من الجدل الديني لا يزال يدور بين نصوص نزلت في ظروف تاريخية مختلفة. فالقرآن المكي يخاطب الإنسان بوصفه فرداً يبحث عن الإيمان، بينما يخاطب القرآن المدني مجتمعاً يؤسس دولة ويواجه تحديات الأمن والحرب والعلاقات الدولية. وعندما تُقرأ نصوص الحرب مجردة من ظروفها التاريخية، أو تُقرأ نصوص السلم بمعزل عن سياقها، ينشأ توتر في الفهم. ولهذا يدعو كثير من المفكرين المسلمين المعاصرين إلى قراءة تاريخية وسياقية تميز بين المبادئ الأخلاقية الدائمة وبين الأحكام التي ارتبطت بظروف سياسية وعسكرية محددة.

خاتمة

تكشف المقارنة بين القرآن المكي والمدني عن تحول واضح في موضوعات الخطاب وأولوياته، وهو تحول يرتبط، من منظور الدراسات التاريخية، بانتقال الجماعة الإسلامية من مرحلة الدعوة إلى مرحلة الدولة. غير أن تفسير هذا التحول يظل موضع اختلاف بين المدارس الفكرية؛ فالرؤية الإيمانية التقليدية تراه تعبيراً عن حكمة تشريعية تناسب اختلاف الأحوال، بينما يقرأه بعض الباحثين بوصفه انعكاساً للتطور التاريخي والسياسي للمجتمع الإسلامي الأول. ومن هنا يبقى التحدي الحقيقي أمام الفكر الإسلامي المعاصر هو تطوير قراءة للنصوص تستوعب سياقاتها التاريخية، وتحافظ في الوقت نفسه على المقاصد العليا للدين في تحقيق العدل والرحمة وكرامة الإنسان، بعيداً عن الجمود الذي يسمح بإعادة إنتاج نماذج تاريخية لا تنتمي إلى واقع القرن الحادي والعشرين.

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

ماركس وباكونين: الصراع الذي شقّ الثورة إلى طريقين!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد من الأممية الأولى إلى مؤتمر لاهاي: من كان أقرب...

هالة نهرا ووجدي أبو ذياب في عملٍ إبداعيّ: من سلوفينيا إلى العالم!

أخباركم - أخبارنا تجلببتْ قصيدة «يا ضوء الأضواء» للشاعرة اللبنانية والعربية هالة نهرا، من...

اليسار الفلسطيني أمام مرآة الحقيقة: أزمة المشروع أم أزمة الاستقلال السياسي؟

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد ردّ على مقالة «اليسار الفلسطيني أمام لحظة الحقيقة.. من...

الحجّاج والسفّاح: هل يعيد التاريخ إنتاج وجهي السلطة؟

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد يصعب فهم الحجّاج بن يوسف الثقفي وأبي العباس السفّاح...

More like this

من فيصل وبوتو إلى مكة: هل وُلدت المظلة النووية السعودية في السبعينيات وتستعد إسرائيل اليوم لمواجهتها؟

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد هناك سؤال يبدو في ظاهره بسيطاً، لكنه قد يكون مفتاحاً...

نحو شرق أوسط جديد!

أخباركم - أخبارنا/ حنا صالح على مدى الأشهر التي تلت كارثة طوفان الأقصى، زعم...

سلسلة تعيينات باسم خامنئي: هل بدأت عملية إعادة بناء السلطة من داخل السلطة ام نفذ انقلاب ابيض؟

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد ما جرى في إيران خلال الأيام الأخيرة من تعيينات...