السبت, أغسطس 15, 2026
25.2 C
Beirut

13 يناير 1986… عندما أكلت الثورة رجالها وانفجرت القبيلة تحت قميص الاشتراكية … عبد الفتاح إسماعيل واليمن الجنوبي: مشروع الدولة الحديثة، صراع الرجلين، وكارثة الحزب الذي امتلك البلاد ولم يمتلك آلية لحماية نفسه

نشرت في

أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد

تربّى جيلنا السياسي على كتابات فواز طرابلسي عن اليمن، لا بوصفه باحثاً في التاريخ فقط، بل بوصفه كاتباً وسياسياً يسارياً قرأ التجربة اليمنية من داخل سؤال الثورة، والدولة، والتحرر، وصراعات اليسار العربي مع ذاته ومع محيطه. في كتاباته عن اليمن، لم يكن الجنوب مجرد جغرافيا بعيدة عند طرف الجزيرة العربية، بل كان مختبراً سياسياً شديد الكثافة: تجربة دولة اشتراكية عربية حاولت أن تولد وسط بحر من الملكيات والإمارات المحافظة، وأن تبني مشروعاً مختلفاً في منطقة كانت تخشى أي نموذج يهدد توازناتها الاجتماعية والسياسية.

ومن جهة أخرى، كانت حكايات القائد الشيوعي نديم عبد الصمد عن خلافات الحزب الاشتراكي في اليمن الجنوبي تفتح أمامنا باباً آخر لفهم تلك التجربة من الداخل. لم تكن الحكايات مجرد ذكريات عن صراعات قيادية أو انقسامات حزبية، بل كانت دروساً قاسية في معنى أن تأكل الثورة أبناءها حين تفقد القدرة على إدارة الاختلاف، وحين يتحول الحزب من أداة لتحرير المجتمع إلى ساحة صراع على السلطة والنفوذ والمواقع.

وفي قلب هذه التجربة يبرز اسم عبد الفتاح إسماعيل، لا بوصفه قائداً سياسياً عادياً، بل بوصفه أحد أبرز العقول الثورية التي حاولت أن تمنح اليمن الجنوبي معنى فكرياً وسياسياً يتجاوز حدود السلطة اليومية. كان عبد الفتاح إسماعيل يمثل، في الذاكرة اليسارية، ذلك الطموح الصعب لبناء دولة اشتراكية عربية ذات أفق تحرري وأممي، دولة لا تنفصل فيها العدالة الاجتماعية عن التحرر الوطني، ولا يُختزل الحزب فيها إلى جهاز حكم بلا روح. لذلك فإن مأساة يناير 1986 لا تُقرأ فقط بوصفها صراعاً على السلطة، بل أيضاً بوصفها اغتيالاً سياسياً ورمزياً لجيل كامل من الحلم اليساري، كان عبد الفتاح إسماعيل أحد أبرز وجوهه وأكثرها كثافة.

من هنا، لا تأتي قراءة أحداث 13 يناير/كانون الثاني 1986 بوصفها حادثة دموية معزولة، بل بوصفها لحظة انفجار لكل التناقضات التي تراكمت داخل مشروع اليمن الجنوبي. كانت تلك اللحظة مفصلاً حاسماً كشف حدود التجربة، وقسوة الصراع داخل الحزب، وخطورة امتزاج الطموح الشخصي بالبنية القبلية والعسكرية والحزبية. ولذلك، حين نسأل عن علي ناصر محمد بين الغباء السياسي وشبهة الخيانة، فإننا لا نبحث عن حكم أخلاقي سريع، بل عن فهم أعمق لكيف يمكن لمشروع ثوري أن يُضرب من داخله، وكيف يمكن لقائد أن يتحول، بوعيه أو بعماه، إلى أداة في تدمير الدولة التي كان يفترض به أن يحميها.

يصادف الثامن والعشرون من يوليو/تموز ذكرى ميلاد عبد الفتاح إسماعيل، أحد أبرز القادة السياسيين والفكريين في تاريخ اليمن الحديث، والرجل الذي ارتبط اسمه بتأسيس الحزب الاشتراكي اليمني، وبمحاولة بناء أول دولة عربية أعلنت الماركسية اللينينية مرجعيتها الفكرية والسياسية بصورة رسمية.

لا يمكن تناول عبد الفتاح إسماعيل باعتباره رئيساً سابقاً لليمن الجنوبي فحسب، بل بوصفه أحد أبرز منظّري التجربة الاشتراكية العربية، وأحد القادة الذين حاولوا نقل مجتمع خرج لتوه من الاستعمار البريطاني ومن إرث السلطنات والمشيخات إلى دولة مركزية حديثة تقوم على العدالة الاجتماعية، والتعليم المجاني، والمساواة أمام القانون، وتراجع سلطة البنى التقليدية.

ومع أن التجربة حققت إنجازات لا يمكن إنكارها في مجالات التعليم والصحة والإدارة العامة وحقوق المرأة، فإنها انتهت إلى واحدة من أكثر المآسي السياسية دموية في التاريخ العربي الحديث، عندما تحولت قيادة الحزب الاشتراكي اليمني إلى طرفين متحاربين في 13 يناير/كانون الثاني 1986، وسقط آلاف الضحايا في أيام قليلة، وانهارت الثقة داخل الحزب والدولة، ليفتح ذلك الطريق أمام مرحلة جديدة انتهت بقيام الوحدة اليمنية عام 1990، ثم انهيارها عملياً في حرب 1994.

إن أحداث يناير ليست مجرد فصل من تاريخ اليمن، بل تمثل مختبراً سياسياً لفهم العلاقة بين الأيديولوجيا والسلطة، وبين الحزب والدولة، وبين المجتمع التقليدي ومحاولات تحديثه بالقوة. كما أنها تطرح سؤالاً ما يزال حاضراً حتى اليوم: هل فشلت الاشتراكية في اليمن الجنوبي، أم فشل النظام السياسي الذي احتكرها؟ وهل كانت الدولة أقوى من المجتمع، أم أن الولاءات المناطقية والقبلية بقيت كامنة حتى انفجرت عندما انهارت القيادة؟

ولد عبد الفتاح إسماعيل علي الجوفي في 28 يوليو/تموز 1939 في منطقة الحجرية التابعة لمحافظة تعز في شمال اليمن، في بيئة ريفية فقيرة بعيدة عن مراكز القرار السياسي. ولم تكن بداياته تشير إلى أنه سيصبح لاحقاً أحد أهم القادة العرب في النصف الثاني من القرن العشرين.

انتقل في شبابه إلى عدن، المدينة التي كانت آنذاك جوهرة التاج البريطاني في الجزيرة العربية، وأحد أهم الموانئ العالمية على طريق التجارة بين أوروبا وآسيا. وهناك عمل في مصفاة عدن، واختبر للمرة الأولى حياة الطبقة العاملة والنشاط النقابي، في مدينة كانت تختلف جذرياً عن محيطها اليمني والخليجي.

فقد كانت عدن مدينة متعددة الثقافات، تضم عمالاً من اليمن والهند والصومال وإفريقيا، وتشهد نشاطاً سياسياً ونقابياً وصحفياً واسعاً، الأمر الذي جعلها بيئة مثالية لانتشار الأفكار القومية واليسارية.

داخل هذه البيئة تشكل وعي عبد الفتاح إسماعيل، وانضم إلى حركة القوميين العرب، التي كانت آنذاك من أبرز الحركات الثورية العربية، متأثرة بأفكار جمال عبد الناصر والتحرر الوطني ومقاومة الاستعمار.

لكن تجربة عبد الفتاح لم تتوقف عند القومية العربية. فقد بدأ تدريجياً يميل نحو الماركسية، مقتنعاً بأن التحرر الوطني وحده لا يكفي، وأن الاستقلال السياسي يجب أن يترافق مع تغيير اجتماعي واقتصادي جذري يزيل الفوارق الطبقية ويقضي على البنى التقليدية التي أعاقت تطور المجتمع.

في الرابع عشر من أكتوبر/تشرين الأول 1963 اندلعت الثورة المسلحة ضد الوجود البريطاني في جنوب اليمن.

برزت في تلك المرحلة الجبهة القومية لتحرير جنوب اليمن المحتل، التي ضمت قوميين ويساريين ونقابيين وشخصيات وطنية من مختلف مناطق الجنوب.

شارك عبد الفتاح إسماعيل في بناء التنظيم السياسي للجبهة، وكان من أبرز منظريها، بينما تولى آخرون القيادة العسكرية الميدانية.

تميزت الجبهة القومية بانضباطها التنظيمي، لكنها لم تكن وحدها في الساحة. فقد نافستها جبهة تحرير جنوب اليمن المحتل (FLOSY)، ودخل الطرفان في صراع سياسي وعسكري بالتوازي مع مواجهة القوات البريطانية.

وبعد سنوات من العمليات المسلحة، أعلنت بريطانيا انسحابها، وفي 30 نوفمبر/تشرين الثاني 1967 أُعلن استقلال الجنوب وقيام جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية.

كان الاستقلال إنجازاً تاريخياً، لكنه لم يكن نهاية الصراع، بل بدايته.

ورثت الدولة الجديدة واقعاً شديد التعقيد. فجنوب اليمن لم يكن دولة موحدة قبل الاستقلال، بل كان يتكون من مستعمرة عدن، إلى جانب أكثر من عشرين سلطنة ومشيخة وإمارة ومحميات مختلفة، لكل منها نظامها المحلي وزعاماتها التقليدية.

ولذلك لم تكن مهمة القيادة الجديدة مجرد رفع العلم الوطني، بل بناء دولة حديثة من مجتمع شديد التباين.

جرى حل السلطنات وإلغاء الامتيازات الوراثية، وتوحيد الإدارة والقضاء، وإنشاء جيش وطني، وإعادة تنظيم أجهزة الدولة.

كانت تلك عملية تاريخية غير مسبوقة في الجزيرة العربية. لكنها اصطدمت سريعاً بسؤال جوهري: هل يمكن بناء دولة حديثة بسرعة، بينما المجتمع ما زال يحمل إرثاً قبلياً ومناطقياً عمره قرون؟

لم تمض سوى أقل من عامين على الاستقلال حتى انفجرت الخلافات داخل القيادة.

كان الرئيس قحطان محمد الشعبي يمثل اتجاهاً قومياً أقل راديكالية، بينما كان جناح آخر يقوده عبد الفتاح إسماعيل وسالم ربيع علي وآخرون يدفع نحو تبني الاشتراكية بصورة أكثر وضوحاً.

وفي 22 يونيو/حزيران 1969 نجح هذا الجناح فيما عُرف بالحركة التصحيحية، التي أطاحت بقحطان الشعبي ونقلت السلطة إلى قيادة يسارية.

منذ ذلك التاريخ دخل الجنوب مرحلة جديدة. لم تعد الدولة تكتفي بشعارات التحرر الوطني، بل بدأت تتبنى مشروعاً لإعادة تشكيل المجتمع نفسه.

أصبحت العدالة الاجتماعية والإصلاح الزراعي وتأميم المؤسسات الكبرى والتعليم المجاني والمساواة بين المرأة والرجل عناصر أساسية في سياسة الدولة.

وفي الوقت نفسه بدأت العلاقات تتعزز مع الاتحاد السوفييتي ودول المعسكر الاشتراكي، التي أصبحت المصدر الرئيسي للدعم العسكري والاقتصادي والسياسي.

في الأول من ديسمبر/كانون الأول 1970 تغير اسم الدولة إلى جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية.

لم يكن تغيير الاسم مجرد تعديل شكلي، بل إعلاناً واضحاً عن انتقال الجنوب إلى مشروع سياسي جديد يقوم على الاشتراكية العلمية.

شرعت الدولة في تنفيذ برنامج واسع للإصلاح.

فأُممت المصارف والشركات الكبرى، وأعيد توزيع الأراضي الزراعية، وأنشئ قطاع عام واسع، وأصبحت الدولة اللاعب الاقتصادي الرئيسي.

وفي المجال الاجتماعي توسع التعليم بصورة غير مسبوقة، وانخفضت معدلات الأمية، وأصبحت الرعاية الصحية متاحة لشرائح واسعة من السكان.

كما شهدت المرأة اليمنية الجنوبية تحولات مهمة، سواء في التعليم أو العمل أو قوانين الأحوال الشخصية، الأمر الذي جعل التجربة الجنوبية مختلفة عن معظم الدول العربية في تلك المرحلة.

لكن النجاح الاجتماعي لم يرافقه نجاح اقتصادي مماثل. فالبلاد كانت محدودة الموارد، وتعتمد بصورة متزايدة على المساعدات السوفييتية، كما أن السياسات الاقتصادية المركزية واجهت صعوبات كبيرة في اقتصاد صغير يفتقر إلى قاعدة صناعية واسعة.

إضافة إلى ذلك، أدت التأميمات الواسعة إلى هجرة قسم من رجال الأعمال والكفاءات، وهو ما انعكس على النشاط الاقتصادي.

ومع ذلك بقيت الدولة قادرة على الحفاظ على مستوى جيد من الخدمات العامة بفضل الدعم الخارجي والانضباط الإداري الذي تميزت به مؤسساتها.

لم يولد الحزب الاشتراكي اليمني فجأة عام 1978، بل كان حصيلة مسار سياسي وتنظيمي بدأ مع الجبهة القومية لتحرير جنوب اليمن المحتل، التي قادت الكفاح ضد الاستعمار البريطاني، ثم تحولت بعد الاستقلال إلى القوة الحاكمة في الدولة الجديدة.

لم تكن الجبهة القومية حزباً ماركسياً منذ تأسيسها، بل كانت إطاراً وطنياً واسعاً ضم قوميين عرباً ويساريين ونقابيين وعسكريين وشخصيات وطنية من اتجاهات متعددة، جمعهم هدف إنهاء الاحتلال البريطاني.

لكن بعد الاستقلال تغيرت طبيعة الصراع. فقد انتهت معركة التحرير، وبدأت معركة بناء الدولة. ومع انتقال الجبهة من تنظيم ثوري إلى سلطة حاكمة، ظهرت الحاجة إلى إطار سياسي أكثر وضوحاً من الناحية الفكرية والتنظيمية.

في عام 1975 أُعلن قيام التنظيم السياسي الموحد للجبهة القومية بعد دمج الجبهة مع عدد من التنظيمات اليسارية، وفي مقدمتها الاتحاد الشعبي الديمقراطي وحزب الطليعة الشعبية، في محاولة لإنهاء التعدد داخل السلطة وتوحيد المرجعية السياسية للدولة.

وجاءت الخطوة الأخيرة في أكتوبر/تشرين الأول 1978، عندما أُعلن رسمياً تأسيس الحزب الاشتراكي اليمني.

كان الحزب الجديد يعتبر نفسه حزب الطبقة العاملة والفلاحين والكادحين، ويتبنى الماركسية اللينينية مرجعاً فكرياً، ويعلن أن هدفه بناء مجتمع اشتراكي وتحقيق الوحدة اليمنية على أسس تقدمية.

لكن تركيبته الفعلية كانت أكثر تعقيداً.

فهو لم يكن حزباً شيوعياً تقليدياً كما في أوروبا الشرقية، بل ضم قوميين عرباً، وماركسيين، وناصريين سابقين، وعسكريين، ونقابيين، وشخصيات جاءت من بيئات قبلية وريفية ومدينية مختلفة.

وكان هذا التنوع مصدر قوة في البداية، لأنه جمع معظم القوى التي صنعت الاستقلال، لكنه تحول لاحقاً إلى مصدر توتر عندما بدأت الخلافات حول السلطة والقيادة.

منذ تأسيسه، لم يكن الحزب الاشتراكي اليمني مجرد حزب حاكم، بل أصبح العمود الفقري للدولة كلها. فأعضاء المكتب السياسي كانوا يقودون الدولة والجيش والأجهزة الأمنية والإدارة العامة في الوقت نفسه. وكانت اللجنة المركزية للحزب هي المرجعية العليا في رسم السياسات الداخلية والخارجية. أما البرلمان والحكومة، فكانا يعملان عملياً ضمن التوجهات التي يقررها الحزب.

وقد وفر هذا النموذج درجة عالية من الانضباط السياسي والإداري، لكنه خلق مشكلة بنيوية خطيرة. فعندما تكون الدولة والحزب شيئاً واحداً، فإن أي خلاف داخل الحزب يتحول تلقائياً إلى أزمة دولة.

ولا يبقى الخلاف مجرد نقاش سياسي، بل يصبح صراعاً على الجيش والأمن والاقتصاد والإعلام وكل مؤسسات الحكم. وهذا ما حدث فعلاً في النصف الأول من ثمانينيات القرن الماضي.

لقد نجح الحزب في توحيد القرار، لكنه فشل في إنشاء آليات ديمقراطية داخلية تسمح بتداول القيادة أو إدارة الخلافات بصورة سلمية. وأصبحت الهزيمة داخل الحزب تعني عملياً الخروج من السلطة وربما من الحياة السياسية كلها.

يصعب فهم الحزب الاشتراكي اليمني دون فهم شخصية عبد الفتاح إسماعيل.

فقد كان أكثر من رئيس دولة، وأكثر من أمين عام للحزب. كان العقل الفكري للتجربة الجنوبية.

امتلك قدرة كبيرة على صياغة الوثائق السياسية، وبناء التنظيمات، وتطوير الخطاب النظري للحزب.

وكان يؤمن بأن التحرر الوطني لا يكتمل إلا بإحداث ثورة اجتماعية تعيد توزيع الثروة، وتقضي على الإقطاع، وتحد من نفوذ القبيلة، وتمنح المرأة دوراً جديداً في المجتمع.

كما رأى أن الحزب يجب أن يكون القوة القائدة للدولة، وأن الجيش يجب أن يبقى تحت قيادته السياسية، حتى لا يتحول إلى لاعب مستقل.

في السياسة الخارجية كان من أكثر القادة العرب اقتراباً من الاتحاد السوفييتي، ودافع بقوة عن دعم حركات التحرر في فلسطين وظفار والقرن الإفريقي.

وكان يعتبر أن جنوب اليمن جزء من حركة ثورية عالمية، وليس مجرد دولة صغيرة في الجزيرة العربية. لكن هذا الوضوح الفكري جعله أيضاً شخصية مثيرة للجدل.

فقد رأى فيه مؤيدوه مفكراً ثورياً استثنائياً، بينما اعتبره خصومه متشدداً أيديولوجياً لا يراعي محدودية الإمكانات الاقتصادية ولا حساسية البيئة الاجتماعية.

ولد علي ناصر محمد عام 1939 في محافظة أبين. وعلى غرار عبد الفتاح إسماعيل، شارك في الكفاح ضد الاستعمار، وتدرج في صفوف الجبهة القومية، ثم تولى عدداً من المناصب العسكرية والسياسية بعد الاستقلال.

لكن شخصيته السياسية كانت مختلفة تماماً. لم يكن منظراً حزبياً بقدر ما كان رجل إدارة ودولة.

امتلك قدرة كبيرة على إدارة العلاقات الشخصية والسياسية، وكان أكثر هدوءاً في خطابه، وأقل ميلاً إلى اللغة الأيديولوجية.

وعندما تولى رئاسة الدولة عام 1980، حاول تخفيف حدة التوتر مع دول الخليج، وتحسين العلاقات مع سلطنة عمان، وفتح قنوات أكثر مرونة مع اليمن الشمالي.

كما سعى إلى إعطاء الأولوية للاستقرار الداخلي، وتقليل سياسة تصدير الثورة التي طبعت السنوات السابقة.

ولم يكن ذلك يعني تخليه عن الاشتراكية أو عن التحالف مع الاتحاد السوفييتي، بل كان محاولة لتكييف التجربة الجنوبية مع واقع إقليمي معقد. لكن هذه السياسة أثارت قلق جناح واسع داخل الحزب، رأى فيها بداية تراجع عن الخط الثوري الذي قامت عليه الدولة.

ولد عبد الفتاح إسماعيل وعلي ناصر محمد في العام نفسه تقريباً.دوشاركا معاً في الثورة ضد الاستعمار، وأسهما في بناء الدولة الجديدة.

لكن خلفية كل منهما أنتجت رؤية مختلفة. عبد الفتاح جاء من بيئة شمالية، وعاش تجربة الطبقة العاملة في عدن، وتأثر بالفكر الماركسي، واستندت شرعيته إلى الحزب والتنظيم والأيديولوجيا. أما علي ناصر فجاء من أبين، وتدرج داخل مؤسسات الدولة والجيش، واستندت قوته إلى الإدارة والخبرة التنفيذية والعلاقات السياسية. كان عبد الفتاح يرى أن حماية الثورة تتطلب استمرار الدور القيادي للحزب وتشديد الانضباط الثوري. أما علي ناصر فكان يرى أن بقاء الدولة يتطلب قدراً أكبر من الواقعية والانفتاح على العالم العربي. كان الأول يخشى ضياع المشروع الاشتراكي.

وكان الثاني يخشى انهيار الدولة تحت ضغط الصدامات المستمرة والأزمات الاقتصادية. وهنا بدأ الخلاف الحقيقي.

كثير من الكتابات اختزلت الصراع بين الرجلين في كونه صراعاً شخصياً. وهذا تبسيط شديد. كما أن اختزاله في صراع قبلي فقط لا يقل تبسيطاً.

كان هناك بالفعل خلاف فكري وسياسي.

فعبد الفتاح إسماعيل كان أكثر تمسكاً بالدور القيادي للحزب، وأكثر قرباً من المدرسة السوفييتية، وأكثر دعماً لاستمرار السياسة الثورية خارج الحدود.

بينما كان علي ناصر يميل إلى إعادة ترتيب الأولويات، وإعطاء الاقتصاد والعلاقات العربية مساحة أكبر، وتخفيف حدة المواجهة مع دول الخليج واليمن الشمالي.

لكن مع مرور الوقت، بدأ هذا الخلاف الفكري يتحول إلى صراع على السلطة. وأصبحت كل خطوة سياسية تُفسَّر على أنها محاولة لإقصاء الطرف الآخر.

ومع دخول الجيش والأجهزة الأمنية على خط الأزمة، لم يعد الخلاف يدور حول البرامج، بل حول من يملك القرار النهائي داخل الدولة.

إذا كان كثيرون يعتبرون أن يناير 1986 هو الانفجار الكبير، فإن جذور الأزمة تعود إلى ما قبل ذلك بسنوات. ففي يونيو/حزيران 1978 أُعدم الرئيس سالم ربيع علي بعد صراع داخل القيادة. وكان ذلك أول انتقال للسلطة داخل الدولة الجديدة ينتهي بإعدام رئيس سابق. أرسلت تلك الحادثة رسالة خطيرة إلى جميع قادة الحزب. فالخروج من السلطة لم يعد يعني الاعتزال السياسي، بل قد يعني نهاية الحياة نفسها. ومنذ ذلك الوقت، أصبح كل صراع داخل القيادة يحمل بعداً وجودياً. فالخاسر لا يخسر منصبه فقط، بل قد يخسر مستقبله بالكامل. ولهذا عندما بدأ الخلاف بين عبد الفتاح إسماعيل وعلي ناصر محمد يتصاعد، لم يعد أي منهما ينظر إليه باعتباره منافسة سياسية عادية.

لقد أصبح سؤال البقاء الشخصي جزءاً من الصراع.

في أبريل/نيسان 1980 استقال عبد الفتاح إسماعيل من جميع مناصبه، وغادر إلى الاتحاد السوفييتي.

وأعلنت القيادة أن السبب صحي. لكن معظم الدراسات تشير إلى أن الاستقالة كانت أيضاً نتيجة تراجع نفوذه داخل القيادة، ورغبة عدد من القادة في فتح مرحلة سياسية جديدة بقيادة علي ناصر محمد. لم يخرج عبد الفتاح من الحزب، ولم يعلن معارضته للدولة. لكنه ابتعد عن مركز القرار. وكان كثيرون يعتقدون أن مسيرته السياسية انتهت. غير أن السنوات أثبتت أن الرجل بقي حاضراً في الحياة الداخلية للحزب، وأن غيابه لم ينهِ الانقسام، بل أجله فقط.

في عام 1985 عاد عبد الفتاح إسماعيل إلى عدن. وعاد معه الصراع القديم. فقد التف حوله عدد من أبرز قادة الحزب، وفي مقدمتهم علي عنتر، وصالح مصلح، وعلي سالم البيض، وحيدر أبو بكر العطاس. ورأت هذه المجموعة أن علي ناصر محمد جمع سلطات واسعة في يده، وأن القيادة الجماعية أصبحت مهددة. أما أنصار الرئيس فاعتبروا أن عودة عبد الفتاح تعني محاولة لاستعادة السلطة وإعادة البلاد إلى مرحلة التشدد السابقة. ومنذ تلك اللحظة، بدأ الحزب ينقسم بصورة واضحة إلى جناحين. ولم تعد اجتماعات المكتب السياسي قادرة على احتواء الأزمة. كان الجميع يدرك أن لحظة الحسم تقترب، لكن أحداً لم يكن يتوقع أن تكون النهاية بهذا الحجم من الدم.

دخلت جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية عقد الثمانينيات وهي تحمل مشروعاً طموحاً لبناء دولة حديثة في بيئة إقليمية شديدة التعقيد. فمن جهة، كانت القيادة ترى أن نجاح التجربة الاشتراكية يتطلب تعميق الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية، ومن جهة أخرى كانت تواجه واقعاً اقتصادياً محدود الموارد، ومحيطاً إقليمياً ينظر بعين الريبة إلى الدولة العربية الوحيدة التي أعلنت تبنيها الماركسية اللينينية بصورة رسمية.

لم يكن التحدي اقتصادياً فقط، بل كان سياسياً وأمنياً أيضاً. فقد وجدت الدولة نفسها مطالبة ببناء مؤسسات حديثة، وتوحيد مجتمع خرج من إرث السلطنات والمشيخات، وفي الوقت نفسه الحفاظ على توازناتها الداخلية في ظل وجود تيارات متعددة داخل الحزب الحاكم.

اعتمدت الدولة نموذج الاقتصاد الموجَّه، حيث لعب القطاع العام الدور الرئيسي في إدارة النشاط الاقتصادي. جرى تأميم عدد كبير من المؤسسات، وأصبحت الدولة مسؤولة عن التخطيط والإنتاج والخدمات الأساسية.

وفي المقابل، حققت الحكومة تقدماً ملموساً في مجالات التعليم والرعاية الصحية ومحو الأمية، كما توسعت الخدمات العامة إلى مناطق لم تكن تعرف المدارس أو المستشفيات قبل الاستقلال.

غير أن هذه الإنجازات واجهت حدوداً واضحة. فجنوب اليمن لم يكن يمتلك قاعدة صناعية واسعة، كما أن عدد السكان المحدود وضعف الموارد الطبيعية جعلا قدرة الدولة على تمويل برامجها تعتمد بدرجة كبيرة على المساعدات الخارجية، ولا سيما الدعم السوفييتي. ومع تراجع أسعار بعض السلع العالمية وارتفاع تكاليف الإنفاق العسكري والإداري، بدأت الضغوط الاقتصادية تظهر بصورة أوضح مع بداية الثمانينيات.

إذا كان الأداء الاقتصادي موضع نقاش بين الباحثين، فإن كثيراً منهم يتفق على أن التجربة الجنوبية حققت نتائج مهمة في المجالين التعليمي والاجتماعي.

شهدت البلاد توسعاً كبيراً في بناء المدارس، وارتفعت معدلات الالتحاق بالتعليم، كما انخفضت نسبة الأمية بصورة ملحوظة مقارنة بما كانت عليه قبل الاستقلال.

أما المرأة، فقد حصلت على فرص أوسع في التعليم والعمل والمشاركة في مؤسسات الدولة، وأدخلت تعديلات قانونية هدفت إلى الحد من بعض الممارسات التقليدية التي كانت تقيد دورها في المجتمع.

ولم تكن هذه التغييرات سهلة، إذ واجهت مقاومة اجتماعية في بعض المناطق، لكنها شكلت أحد أبرز الفوارق بين اليمن الجنوبي وعدد من الدول العربية في تلك المرحلة.

أولت القيادة أهمية كبيرة لبناء جيش نظامي وأجهزة أمن مركزية، انطلاقاً من قناعة بأن الدولة الحديثة لا يمكن أن تقوم على الولاءات التقليدية. لكن هذه المؤسسات لم تكن معزولة عن التوازنات السياسية داخل الحزب. فمع مرور الوقت، أصبح لكل جناح داخل القيادة شبكة من المؤيدين داخل بعض الوحدات العسكرية والأجهزة الأمنية، وهو ما جعل أي خلاف سياسي مرشحاً للانتقال سريعاً إلى داخل مؤسسات القوة. وهكذا، بدلاً من أن تكون المؤسسة العسكرية حكماً بين الأطراف، أصبحت جزءاً من معادلة الصراع الداخلي.

ارتبطت جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية بعلاقات استراتيجية مع الاتحاد السوفييتي، الذي وفر لها دعماً عسكرياً واقتصادياً وتقنياً، وأسهم في تدريب كوادرها المدنية والعسكرية. غير أن هذه العلاقة لم تكن علاقة تبعية مطلقة كما تصورها بعض الأدبيات السياسية. فقد احتفظت القيادة الجنوبية بهامش من الاستقلال في عدد من الملفات الداخلية، كما حاول السوفييت في أكثر من مناسبة تشجيع القيادات اليمنية على احتواء خلافاتها الداخلية، إدراكاً منهم أن استمرار الانقسام يهدد استقرار الدولة الحليفة لهم في جنوب الجزيرة العربية. ومع ذلك، ظل الاتحاد السوفييتي الشريك الدولي الأكثر أهمية بالنسبة لعدن حتى أواخر الثمانينيات.

رغم صغر مساحته السكانية والجغرافية، لعب اليمن الجنوبي دوراً تجاوز حجمه. فقد نظر كثير من الحركات اليسارية والقومية العربية إلى عدن بوصفها تجربة عربية مختلفة، تحاول الجمع بين الاستقلال الوطني والإصلاح الاجتماعي. كما أصبحت المدينة محطة للنشاط السياسي والفكري، واستقبلت شخصيات وتنظيمات من فلسطين وسلطنة عُمان والقرن الإفريقي وعدد من الدول العربية، في إطار سياسة دعم حركات التحرر الوطني التي تبنتها القيادة الجنوبية. وفي المقابل، أثارت هذه السياسة قلق عدد من الحكومات العربية التي رأت فيها تدخلاً في شؤون المنطقة، مما أدى إلى توترات سياسية وأمنية متكررة. وهكذا وجد اليمن الجنوبي نفسه في موقع بالغ الحساسية بين طموحاته الثورية وضرورات البقاء في محيط إقليمي شديد التعقيد.

كانت القيادة تؤمن بإمكانية بناء دولة حديثة تقوم على المواطنة والمؤسسات، لكن المجتمع لم يكن قد تخلص بالكامل من بنيته التقليدية. فالانتماءات المناطقية والقبلية، وإن تراجعت في المجال الرسمي، بقيت حاضرة في العلاقات الاجتماعية، وفي شبكات الثقة، وأحياناً في موازين القوة داخل المؤسسات. ولم يكن هذا التناقض خاصاً باليمن وحده، بل عرفته تجارب ثورية عديدة حاولت الانتقال السريع من المجتمع التقليدي إلى الدولة الحديثة.

لكن خصوصية اليمن الجنوبي تمثلت في أن الحزب كان يعتقد أن الانضباط التنظيمي كفيل بتجاوز هذه التناقضات، بينما أثبتت الأحداث لاحقاً أن البنى الاجتماعية القديمة لم تختف، بل بقيت كامنة تحت السطح.

بحلول عام 1985 كانت مؤشرات الأزمة تتزايد. فالخلافات داخل المكتب السياسي أصبحت أكثر حدة، وتزايدت حالة عدم الثقة بين جناحي عبد الفتاح إسماعيل وعلي ناصر محمد. كما انعكست هذه الانقسامات على الجيش والأجهزة الأمنية، وأصبح كل قرار سياسي يُقرأ من زاوية ميزان القوى داخل القيادة. ومع عودة عبد الفتاح إسماعيل من موسكو، دخلت الأزمة مرحلة جديدة. لم يعد الخلاف يدور حول تقييم السياسات الاقتصادية أو العلاقات الخارجية، بل أصبح مرتبطاً مباشرة بمستقبل القيادة نفسها، وبمن يملك الشرعية لقيادة الحزب والدولة. وكان واضحاً أن استمرار هذا الوضع من دون تسوية سياسية سيقود إلى مواجهة مفتوحة.

وهذا ما وقع بالفعل في صباح الثالث عشر من يناير/كانون الثاني 1986، عندما تحولت خلافات الحزب إلى واحدة من أكثر المواجهات دموية في تاريخ اليمن الحديث.

دخلت جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية عام 1986 وهي تعيش حالة استقطاب غير مسبوقة داخل الحزب الاشتراكي اليمني. فقد أصبحت القيادة منقسمة إلى معسكرين رئيسيين: الأول يقوده الرئيس علي ناصر محمد، والثاني يضم عدداً من كبار قادة الحزب، وفي مقدمتهم عبد الفتاح إسماعيل، وعلي عنتر، وصالح مصلح، وعلي شايع هادي، مع تأييد شخصيات بارزة أخرى داخل اللجنة المركزية والمكتب السياسي.

لم يعد الخلاف مقتصراً على أسلوب إدارة الدولة أو السياسة الخارجية، بل أصبح يدور حول مستقبل القيادة نفسها، وآليات اتخاذ القرار داخل الحزب، وحدود صلاحيات رئيس الدولة في مواجهة القيادة الجماعية التي نصت عليها أدبيات الحزب.

وفي ظل غياب آلية مؤسسية لحسم هذا النزاع، أصبحت المواجهة المسلحة احتمالاً قائماً، وإن لم يكن كثيرون يتوقعون أن تقع داخل أعلى مؤسسة قيادية في الدولة.

صباح الثالث عشر من يناير

في صباح 13 يناير/كانون الثاني 1986 انعقد اجتماع للمكتب السياسي للحزب الاشتراكي اليمني في عدن.

وخلال الاجتماع اندلع إطلاق نار داخل مقر الاجتماع، فتحول خلال دقائق إلى اشتباك دموي بين حراس القادة.

وتختلف الروايات التاريخية حول اللحظة الأولى التي بدأ فيها إطلاق النار، كما تختلف في تحديد المسؤولية المباشرة عنه، إلا أن معظم الدراسات تتفق على أن الحادثة شكلت الشرارة التي أطلقت مواجهة عسكرية كانت عواملها قد تراكمت منذ سنوات.

أسفر الهجوم الأول عن مقتل عدد من أبرز قادة الحزب، وفي مقدمتهم علي عنتر وصالح مصلح وعلي شايع هادي، بينما بقي مصير عبد الفتاح إسماعيل موضع جدل في الساعات الأولى من القتال.

لم يبقِ إطلاق النار الأزمة داخل قاعة الاجتماع. فخلال ساعات انتقلت الاشتباكات إلى وحدات الجيش والأمن، ثم إلى شوارع عدن. انقسمت القوات المسلحة بين الطرفين، وتحولت العاصمة إلى ساحة معارك استخدمت فيها الأسلحة الثقيلة والدبابات والمدفعية. واستمرت المواجهات عدة أيام، مخلفة دماراً واسعاً في عدد من أحياء المدينة، وشللاً شبه كامل في مؤسسات الدولة. ولم تكن الحرب بين جيشين، بل بين وحدات تنتمي إلى الدولة نفسها، وتدين جميعها بالولاء للحزب ذاته. وهذه المفارقة جعلت أحداث يناير واحدة من أكثر الحروب الأهلية الداخلية تعقيداً في التاريخ العربي المعاصر.

يبقى مقتل عبد الفتاح إسماعيل من أكثر جوانب أحداث يناير غموضاً. فقد اختفى خلال المعارك، ولم يُعثر على جثمانه بصورة رسمية، الأمر الذي أدى إلى ظهور روايات متعددة حول كيفية مقتله. وتذهب غالبية الدراسات التاريخية إلى أنه قُتل خلال الساعات الأولى من المواجهات أثناء محاولته الانتقال بين مواقع القتال أو نتيجة استهداف الموكب الذي كان يستقله. ورغم اختلاف التفاصيل، فإن أغلب الباحثين يتفقون على أن عبد الفتاح إسماعيل لم ينجُ من أحداث يناير، وأن غيابه شكّل نهاية أحد أبرز العقول السياسية والفكرية في تاريخ اليمن الجنوبي. وقد ترك مقتله فراغاً كبيراً داخل الحزب، ليس فقط لأنه كان قائداً سياسياً، بل لأنه كان أيضاً أبرز منظري التجربة الاشتراكية في البلاد.

رغم أن قوات الرئيس علي ناصر محمد تمكنت في البداية من الاحتفاظ بعدد من المواقع المهمة، فإن ميزان القوى بدأ يميل تدريجياً إلى الطرف الآخر. ومع اتساع نطاق الاشتباكات، فقدت الرئاسة السيطرة على أجزاء كبيرة من العاصمة، وانضمت وحدات عسكرية إضافية إلى خصومها. وفي نهاية المواجهة اضطر علي ناصر محمد إلى مغادرة عدن مع عدد من أنصاره، متجهاً إلى اليمن الشمالي. وبذلك انتهت فعلياً فترة حكمه، وبدأت مرحلة جديدة في تاريخ الدولة.

يصعب تحديد عدد دقيق لضحايا أحداث يناير، إذ تختلف التقديرات بين المصادر. وتشير معظم الدراسات إلى سقوط آلاف القتلى والجرحى خلال أيام قليلة، إضافة إلى موجة نزوح واسعة، ولا سيما من أبناء محافظة أبين الذين ارتبط كثير منهم بالمعسكر الخاسر. كما تعرضت مؤسسات الدولة والقوات المسلحة لخسائر كبيرة، وفقد الحزب الاشتراكي عدداً من أبرز قادته التاريخيين في وقت واحد. ولم تكن الخسارة في عدد الضحايا فقط، بل في انهيار الثقة داخل النخبة السياسية التي قادت مشروع الدولة منذ الاستقلال.

ظل هذا السؤال محوراً للنقاش بين الباحثين.

يرى فريق أن الصراع كان في جوهره خلافاً سياسياً داخل الحزب حول القيادة، والسياسات الداخلية، والعلاقات الخارجية، ثم اكتسب لاحقاً أبعاداً مناطقية وقبلية مع انتقاله إلى الوحدات العسكرية.

ويرى فريق آخر أن الولاءات المناطقية كانت حاضرة منذ البداية، وأن الانقسام السياسي لم يكن منفصلاً عن البنية الاجتماعية التي ظل المجتمع يحملها رغم مشروع التحديث.

أما القراءة الأكثر توازناً، فتشير إلى أن العاملين تفاعلا معاً.

فالخلاف السياسي كان حقيقياً، لكن البنى الاجتماعية التقليدية وفرت له أدوات التعبئة والاصطفاف، وهو ما جعل الأزمة أكثر دموية وأصعب احتواءً.

خرج الجناح المناوئ لعلي ناصر محمد منتصراً عسكرياً وسياسياً، وتولت قيادة جديدة إدارة الدولة، برز فيها علي سالم البيض وحيدر أبو بكر العطاس وشخصيات أخرى.

غير أن هذا الانتصار كان باهظ الثمن.

فالحزب، وإن احتفظ بالسلطة، فقد جزءاً كبيراً من نخبه التاريخية، وتعرض جيشه لاستنزاف شديد، وخرج من الأزمة أقل تماسكاً وأكثر اعتماداً على التوازنات الداخلية. ومنذ تلك اللحظة، لم يعد الحزب الاشتراكي اليمني يمتلك القوة السياسية والتنظيمية التي كان يتمتع بها في سبعينيات القرن العشرين. وقد انعكس هذا الضعف لاحقاً على مسار الوحدة اليمنية، وعلى قدرة الجنوب على التفاوض من موقع متكافئ مع الشمال.

لم تكن أحداث 13 يناير مجرد صراع على السلطة بين جناحين داخل حزب حاكم، بل شكلت نقطة تحول تاريخية غيرت مسار اليمن الجنوبي. فقد أنهت جيلاً من القادة الذين صنعوا الاستقلال، وأضعفت الدولة في لحظة كانت المنطقة تشهد تغيرات استراتيجية متسارعة، أبرزها بداية تراجع النفوذ السوفييتي واقتراب نهاية الحرب الباردة.

ومن هنا، ينظر كثير من المؤرخين إلى يناير 1986 باعتباره الحدث الذي مهد، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، للوحدة اليمنية عام 1990، إذ دخل الجنوب تلك الوحدة وهو مثقل بخسائر بشرية وسياسية ومؤسساتية لم يتمكن من تجاوزها بالكامل.

أحدثت أحداث الثالث عشر من يناير/كانون الثاني 1986 تحولاً جذرياً في مسار جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية. فالدولة التي خرجت منتصرة من معركة الاستقلال، وبنت خلال عقدين مؤسسات إدارية وعسكرية وتعليمية متقدمة مقارنة بواقعها السابق، وجدت نفسها بعد أيام قليلة أمام أزمة وجودية أصابت الحزب والجيش والإدارة العامة في آن واحد.

ولم يكن التحدي مقتصراً على إعادة تشكيل القيادة السياسية، بل تعداه إلى إعادة بناء الثقة داخل المجتمع والدولة، في ظل خسارة عدد كبير من أبرز الكوادر التي صنعت التجربة منذ الاستقلال.

بعد انهيار قواته في عدن، غادر الرئيس علي ناصر محمد اليمن الجنوبي متوجهاً إلى الجمهورية العربية اليمنية (اليمن الشمالي)، حيث أقام لسنوات طويلة.

وبخروجه انتهت مرحلة سياسية كاملة، لكنه لم ينسحب من الحياة العامة. فقد استمر في الإدلاء بمواقف سياسية، وكتب مذكراته، وشارك في لقاءات وحوارات تناول فيها أسباب ما جرى، مؤكداً أن ما حدث كان نتيجة تراكمات داخل الحزب، وأن اللجوء إلى السلاح كان خطأً دفع الجميع ثمنه.

وفي مراحل لاحقة، ولا سيما بعد قيام الوحدة اليمنية، دعا علي ناصر محمد إلى المصالحة الوطنية والحوار، وظل يؤكد أن مستقبل اليمن لا يمكن أن يبنى على منطق الإقصاء أو الثأر السياسي.

وبغض النظر عن تقييم مواقفه، فإن مكانته بقيت جزءاً من الذاكرة السياسية اليمنية، سواء لدى أنصاره أو لدى خصومه.

بعد انتهاء القتال، تولت قيادة جديدة إدارة الدولة، وكان من أبرز وجوهها علي سالم البيض، الذي أصبح الأمين العام للحزب الاشتراكي اليمني، وحيدر أبو بكر العطاس، الذي تولى لاحقاً رئاسة الوزراء ثم رئاسة الدولة.

واجهت القيادة الجديدة مهمة شديدة الصعوبة.

فالحزب خرج من الصراع منهكاً، والجيش فقد عدداً كبيراً من ضباطه وقادته، كما أن الاقتصاد كان يعاني من آثار الحرب ومن محدودية الموارد.

ورغم الجهود التي بذلت لإعادة تنظيم مؤسسات الدولة، فإن التجربة لم تستعد الزخم الذي عرفته خلال سبعينيات القرن العشرين.

في النصف الثاني من ثمانينيات القرن الماضي، بدأت البيئة الدولية تتغير بسرعة.

فقد أطلق ميخائيل غورباتشوف في الاتحاد السوفييتي سياسات “البيريسترويكا” و”الغلاسنوست”، وبدأت موسكو تخفف من انخراطها الخارجي وتعيد ترتيب أولوياتها الاقتصادية والسياسية.

وبالنسبة لليمن الجنوبي، كان هذا التحول بالغ الأهمية، لأن الدولة اعتمدت لعقود على الدعم السياسي والعسكري والاقتصادي السوفييتي.

ومع تراجع قدرة موسكو على تقديم الدعم السابق، بدأت القيادة الجنوبية تبحث عن خيارات جديدة لضمان الاستقرار السياسي والاقتصادي.

في هذا السياق، اكتسب مشروع الوحدة بين الشمال والجنوب زخماً جديداً.

فالعلاقات بين الدولتين شهدت خلال العقود السابقة فترات من الصراع العسكري والتوتر السياسي، لكنها شهدت أيضاً جولات من الحوار حول فكرة الوحدة.

وبعد سنوات من المفاوضات، أُعلنت في 22 مايو/أيار 1990 قيام الجمهورية اليمنية، برئاسة علي عبد الله صالح، فيما أصبح علي سالم البيض نائباً للرئيس.

استقبل كثير من اليمنيين الوحدة بوصفها تحقيقاً لحلم تاريخي، ورأوا فيها فرصة لإنهاء الانقسام وبناء دولة يمنية موحدة.

لكن الوحدة جاءت أيضاً نتيجة ظروف سياسية واقتصادية فرضتها التحولات الإقليمية والدولية، ولم تكن ثمرة توافق كامل حول شكل الدولة الجديدة وآليات تقاسم السلطة.

لم تستطع مؤسسات الدولة الموحدة احتواء التباينات بين النظامين السابقين. فقد اختلفت الرؤى بشأن توزيع السلطات، وإعادة هيكلة الجيش، وإدارة الموارد، وطبيعة النظام السياسي. وتفاقمت الأزمة تدريجياً إلى أن انفجرت في حرب صيف 1994، التي انتهت بانتصار القوات التابعة للرئيس علي عبد الله صالح، وخروج معظم قيادات الحزب الاشتراكي اليمني من السلطة. وبذلك انتهت عملياً تجربة الدولة الجنوبية المستقلة، بينما بقي إرثها السياسي والاجتماعي حاضراً في الحياة اليمنية حتى اليوم.

يصعب إصدار حكم واحد على تجربة جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، لأن الباحثين ينظرون إليها من زوايا مختلفة.

يرى عدد من المؤرخين أنها نجحت في بناء مؤسسات دولة حديثة، وتوسيع التعليم، وتحسين الخدمات الصحية، وتعزيز مشاركة المرأة، وإرساء إدارة مركزية أكثر كفاءة مما كان قائماً قبل الاستقلال.

في المقابل، يشير آخرون إلى أن التجربة عانت من مركزية حزبية شديدة، وضعف التعددية السياسية، واعتماد اقتصادي كبير على الخارج، إضافة إلى عدم نجاحها في بناء آليات مؤسسية لمعالجة الخلافات داخل القيادة.

واللافت أن كثيراً من الدراسات الحديثة تحاول الابتعاد عن الأحكام المطلقة، فتتعامل مع التجربة بوصفها محاولة تاريخية جمعت بين إنجازات اجتماعية حقيقية وأخطاء سياسية كبيرة.

يظل هذا السؤال من أكثر الأسئلة حضوراً في دراسة تاريخ اليمن الجنوبي.

فالربط المباشر بين أحداث يناير والاشتراكية بوصفها فكرة يتجاهل أن صراعات السلطة عرفتها أنظمة ذات مرجعيات فكرية مختلفة.

وفي المقابل، فإن تجاهل تأثير طبيعة النظام السياسي وآليات اتخاذ القرار سيكون تبسيطاً لا يقل خطورة.

ويبدو أن جوهر المشكلة لم يكن في المبادئ الاجتماعية التي رفعتها الدولة، بل في غياب مؤسسات مستقلة قادرة على إدارة الخلافات السياسية، وفي اندماج الحزب والدولة والجيش في بنية واحدة، بحيث أصبح أي انقسام داخل القيادة يهدد وجود النظام بأكمله.

تمثل تجربة اليمن الجنوبي إحدى أكثر التجارب السياسية العربية ثراءً وتعقيداً في القرن العشرين.

فقد نجحت في إنهاء الاستعمار، وتوحيد كيان سياسي كان موزعاً بين السلطنات والمشيخات، وأطلقت مشروعاً واسعاً للتحديث الاجتماعي والتعليمي والإداري.

لكنها، في المقابل، عجزت عن بناء آليات تضمن انتقال السلطة وإدارة الاختلاف داخل الحزب والدولة، فتحول الخلاف السياسي إلى مواجهة مسلحة أضعفت التجربة من الداخل، وأسهمت في تغيير مسار اليمن الحديث.

وبعد أربعة عقود على أحداث الثالث عشر من يناير، ما تزال تلك التجربة موضوعاً للنقاش بين المؤرخين والباحثين، ليس باعتبارها مجرد صفحة من الماضي، بل بوصفها درساً في العلاقة بين المشروع الفكري، وبناء الدولة، وإدارة السلطة، وحدود قدرة الأيديولوجيا على تجاوز تعقيدات المجتمع والتاريخ.

تدفعنا قراءة تاريخ اليمن الجنوبي، ولا سيما أحداث كانون الثاني/يناير 1986، إلى طرح سؤال قاسٍ لا يمكن الإجابة عنه بحكم نهائي، بل بالاستنتاج السياسي والتاريخي: هل كان تصرّف علي ناصر محمد تعبيراً عن عمالة مركّبة للغرب ودول الخليج التي كانت تخشى وجود تجربة اشتراكية على حدودها، بما يحمله ذلك من تهديد رمزي وسياسي للإمارات والممالك المحافظة؟ أم أنه كان، في جوهره، طموحاً شخصياً أعمى، وعجزاً عن تقدير النتائج الكارثية لما يقوم به، فانتهى إلى ضرب مشروع الدولة الاشتراكية في اليمن الجنوبي من داخله؟

ما هو ثابت تاريخياً أن جنوب اليمن كان الدولة الماركسية الوحيدة في العالم العربي، وأن موقعه الجغرافي والسياسي جعله مصدر قلق دائم للأنظمة الخليجية المحافظة، خصوصاً بسبب علاقاته بالاتحاد السوفياتي، وبسبب دعمه السابق لحركات يسارية وثورية في الجزيرة والخليج. لذلك لم تكن تجربة جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية مجرد تجربة محلية معزولة، بل كانت جزءاً من توازنات الحرب الباردة في المنطقة، ومن الصراع بين مشروع تحرري يساري ومحيط محافظ يخشى انتقال العدوى السياسية والاجتماعية إلى حدوده.

لكن أحداث 1986 لا يمكن اختصارها في مؤامرة خارجية وحدها. فقد انفجر الصراع داخل الحزب الاشتراكي اليمني من قلب بنية شديدة المركزية، ومن داخل نظام حكم كانت فيه الخلافات السياسية والتنظيمية محكومة بمنطق السيطرة على الحزب والدولة والجيش والأجهزة. ومع أن العامل الخارجي كان حاضراً في حسابات الإقليم والدول الكبرى، فإن العامل الداخلي كان حاسماً أيضاً: صراع قيادات، وتراكم أزمات، وانعدام آليات ديمقراطية لحل الخلافات، وتحول التناقض داخل الحزب إلى مواجهة دموية دمّرت التجربة من الداخل.

لذلك، فإن القول إن علي ناصر محمد كان “عميلاً” يحتاج إلى وثائق حاسمة لا يكفي فيها التحليل السياسي أو النتائج التي ترتبت على فعله. فالتاريخ السياسي لا يُبنى على الانطباع وحده، ولا على الكراهية السياسية، بل على الوثيقة والسياق والنتيجة معاً. ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن سلوكه السياسي، سواء كان ناتجاً عن ارتباط خارجي أو عن طموح شخصي قاتل، أدى عملياً إلى خدمة خصوم التجربة الاشتراكية في جنوب اليمن، وألحق ضربة عميقة بمشروع الدولة الجنوبية، وبالحزب الاشتراكي اليمني، وبفكرة بناء نموذج يساري عربي على حدود الخليج.

ومن هنا يصبح السؤال الأصح ليس: هل كان علي ناصر عميلاً أم غبياً؟ بل: كيف يمكن لطموح فردي، داخل حزب حاكم شديد المركزية، وفي دولة محاصرة إقليمياً، أن يتحول إلى وظيفة سياسية تخدم خصوم المشروع، حتى لو لم تكن هناك عمالة مباشرة؟ هنا تصبح الخيانة أوسع من معناها الأمني الضيق؛ فقد تكون خيانة سياسية لمشروع كامل، حين يضع القائد سلطته الشخصية فوق الدولة، وفوق الحزب، وفوق مستقبل تجربة تاريخية كانت، رغم أخطائها وتناقضاتها، واحدة من أهم محاولات بناء دولة يسارية حديثة في المنطقة العربية.

لقد كانت مأساة كانون الثاني/يناير 1986 لحظة كاشفة لا لسلوك علي ناصر محمد وحده، بل لأزمة أعمق في بنية الحكم والحزب والدولة. فقد بيّنت أن المشروع الاشتراكي لا يمكن أن يعيش فقط بالشعارات، ولا بالتحالفات الدولية، ولا بالخطاب الثوري، إذا لم يبنِ مؤسسات ديمقراطية داخلية قادرة على إدارة الخلاف ومنع تحول الصراع السياسي إلى تصفية دموية. وهنا تكمن المأساة الكبرى: أن تجربة رفعت شعار التحرر والعدالة انتهت إلى جرح داخلي عميق، سهّل على خصومها محاصرتها، ومهّد لاحقاً لإضعاف الجنوب وإدخاله في مسارات لم يتعافَ منها حتى اليوم.

تمثل تجربة جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية إحدى أهم التجارب السياسية العربية في القرن العشرين، ليس لأنها كانت الدولة العربية الوحيدة التي أعلنت تبني الماركسية اللينينية بصورة رسمية، بل لأنها حاولت الانتقال بمجتمع خرج من الاستعمار والسلطنات والإمارات التقليدية إلى دولة حديثة تقوم على المؤسسات والقانون والتعليم المجاني والمساواة الاجتماعية.

وقد نجحت هذه التجربة في تحقيق إنجازات ملموسة في مجالات التعليم، والصحة، والإدارة العامة، وتمكين المرأة، وبناء مؤسسات دولة مركزية، وهي إنجازات ما تزال كثير من الدراسات الأكاديمية تشير إليها عند تقييم مرحلة ما بعد الاستقلال.

لكن التجربة واجهت في المقابل تحديات بنيوية كبيرة، أبرزها محدودية الموارد الاقتصادية، والاعتماد على الدعم الخارجي، واندماج الحزب والدولة في بنية واحدة، وغياب مؤسسات مستقلة لإدارة الخلافات السياسية.

ولم يكن الصراع الذي انفجر في 13 يناير/كانون الثاني 1986 حدثاً مفاجئاً، بل نتيجة تراكمات سياسية وتنظيمية وفكرية استمرت سنوات. فقد تحولت الخلافات حول إدارة الدولة والحزب إلى صراع على السلطة، ثم إلى مواجهة عسكرية أنهكت الحزب الاشتراكي اليمني، وأضعفت مؤسسات الدولة، وغيرت مسار تاريخ اليمن الجنوبي.

كما أظهرت التجربة أن بناء الدولة الحديثة لا يعتمد على البرنامج السياسي وحده، بل يحتاج أيضاً إلى مؤسسات دستورية مستقلة، وآليات واضحة لتداول القيادة، وإدارة الاختلاف داخل النخب الحاكمة، بحيث لا تتحول المنافسة السياسية إلى صراع وجودي.

لقد بقيت تجربة اليمن الجنوبي، بما لها وما عليها، إحدى أهم التجارب العربية التي تستحق الدراسة بعيداً عن الأحكام الأيديولوجية المسبقة، لأنها تقدم نموذجاً غنياً لفهم العلاقة بين التحرر الوطني، وبناء الدولة، والعدالة الاجتماعية، وإدارة السلطة في المجتمعات الخارجة من الاستعمار.

هكذا انتهى صراع اليمن الجنوبي إلى ما هو أبعد من هزيمة طرف وانتصار آخر. لم تكن مأساة 13 يناير/كانون الثاني 1986 مجرد فصل دموي في تاريخ حزب حاكم، بل كانت لحظة انكشاف كبرى: انكشاف هشاشة الدولة، وعجز الحزب عن إدارة خلافاته، وعودة القبيلة والعصبية والمناطقية من تحت قميص الاشتراكية، وانفجار ما كان مكبوتاً خلف الشعارات الكبيرة عن الثورة والطبقة والتحرر.

لقد أكلت الثورة رجالها يوم لم تعد قادرة على التمييز بين النقد والخيانة، وبين الخلاف السياسي والمؤامرة، وبين الحزب بوصفه أداة لتحرير المجتمع والحزب بوصفه سلطة مغلقة تدير مصير الناس من فوق. وفي تلك اللحظة، لم يسقط أفراد فقط، بل سقطت معهم أحلام جيل كامل كان يرى في عدن والجنوب إمكانية مختلفة: دولة حديثة، تعليم، مساواة، تحرر للمرأة، استقلال وطني، وموقع عربي يساري على تخوم الخليج المحافظ.

لكن السؤال يبقى مفتوحاً، وربما سيبقى كذلك طويلاً: هل انهزم مشروع اليمن الجنوبي لأنه كان محاصراً من الخارج، أم لأنه حمل في داخله بذور انفجاره؟ هل كانت مأساة يناير نتيجة مؤامرة إقليمية ودولية على تجربة اشتراكية مقلقة، أم نتيجة عجز داخلي عن بناء ديمقراطية حزبية ومؤسسات دولة أقوى من الأفراد؟ وهل كان علي ناصر محمد مجرد طامح أعمته السلطة، أم أنه، بفعله ونتائجه، أدى وظيفة سياسية خدمت خصوم المشروع أكثر مما خدم تاريخه ورفاقه ودولته؟

لا جواب حاسماً هنا. فالتاريخ لا يسلّم أسراره بسهولة. لكنه يترك لنا جرحاً مفتوحاً وسؤالاً لا يهدأ: كيف يمكن لثورة رفعت راية العدالة أن تنتهي إلى اقتتال دموي بين أبنائها؟ وكيف يمكن لحزب أراد بناء الإنسان الجديد أن يعجز عن بناء آلية واحدة تمنع تحويل الخلاف إلى مجزرة؟ وربما يكون الدرس الأقسى أن الاشتراكية، حين تفقد الديمقراطية، تصبح جسداً بلا روح؛ وأن الثورة، حين لا تحمي أبناءها من جنون السلطة، تتحول إلى مأساة تأكل ذاكرتها بيديها.

ولا يقف السؤال عند حدود اليمن الجنوبي وحده. فالمأساة تعيد طرح سؤال أوسع على اليسار العربي كله: أي ماركسية نريد للعالم العربي؟ وهل يمكن تطبيق ماركسية ما في مجتمعاتنا دون أن تُوطَّن هذه الماركسية، ودون أن تُعاد صياغتها بما يشبه تاريخنا، وبنيتنا الاجتماعية، وتعددنا القبلي والطائفي والقومي، وعلاقتنا المعقدة بالدولة والدين والهوية؟ إن الماركسية التي تُنقل كقالب جاهز، بلا قراءة للواقع الملموس، قد تتحول من أداة تحليل وتحرير إلى لغة سلطة جديدة، ومن منهج نقدي إلى عقيدة مغلقة لا تسمع إلا صوتها.

ربما كان أحد دروس اليمن الجنوبي أن الاشتراكية لا تكفيها الشعارات الكبرى، ولا يكفيها الانتماء إلى المعسكر السوفياتي، ولا يكفيها إعلان العداء للإمبريالية والرجعية. الاشتراكية، لكي تعيش في العالم العربي، تحتاج إلى ديمقراطية داخلية، وإلى فهم عميق للمجتمع، وإلى مصالحة صعبة بين الطبقة والقبيلة، بين الدولة والحرية، بين التحرر الوطني والتعددية، وبين العدالة الاجتماعية وحق الناس في الاختلاف. من دون ذلك، يصبح الحزب أقوى من المجتمع، ثم أقوى من الدولة، ثم يتحول أخيراً إلى ساحة اقتتال على معنى الثورة نفسها.

لا جواب حاسماً هنا. فالتاريخ لا يسلّم أسراره بسهولة. لكنه يترك لنا جرحاً مفتوحاً وسؤالاً لا يهدأ: كيف يمكن لثورة رفعت راية العدالة أن تنتهي إلى اقتتال دموي بين أبنائها؟ وكيف يمكن لحزب أراد بناء الإنسان الجديد أن يعجز عن بناء آلية واحدة تمنع تحويل الخلاف إلى مجزرة؟ وربما يكون الدرس الأقسى أن الاشتراكية، حين تفقد الديمقراطية، تصبح جسداً بلا روح؛ وأن الثورة، حين لا تحمي أبناءها من جنون السلطة، تتحول إلى مأساة تأكل ذاكرتها بيديها.

لهذا، لا يُقرأ جنوب اليمن بوصفه ماضياً انتهى، بل بوصفه سؤالاً عربياً مفتوحاً عن الثورة والدولة والحزب والسلطة. سؤالاً عن كل مشروع تغييري لا يبني مؤسساته بقدر ما يبني شعاراته، ولا يحمي تعدديته الداخلية بقدر ما يحرس وحدته الشكلية. ومن تحت رماد عدن، ما زال السؤال يطلّ علينا: من قتل الحلم؟ الأعداء على الحدود، أم الرفاق داخل البيت؟ وهل كانت المشكلة في الماركسية نفسها، أم في ماركسية لم تجد بعد لغتها العربية، ولم تتصالح بعد مع مجتمعاتها كما هي، كي تستطيع أن تغيّرها لا أن تنكسر فوقها؟

  1. عبد الفتاح إسماعيل، الأعمال الكاملة والوثائق السياسية، الحزب الاشتراكي اليمني، عدن.
  2. علي ناصر محمد، الذاكرة السياسية: شهادات ووثائق حول اليمن الجنوبي والوحدة اليمنية، عدة طبعات.
  3. الحزب الاشتراكي اليمني، وثائق المؤتمر التأسيسي (1978)، عدن.
  4. الحزب الاشتراكي اليمني، وثائق المؤتمر الثالث والمؤتمر الرابع.
  5. دستور جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية (1970، وتعديلاته اللاحقة).
  6. مركز الدراسات والبحوث اليمني، صنعاء، دراسات متعددة حول تاريخ اليمن الحديث.
  7. عبد العزيز عبد الغني، اليمن: التاريخ والسياسة.
  8. Noel Brehony, Yemen Divided: The Story of a Failed State in South Arabia, I.B. Tauris, London, 2011.
  9. Fred Halliday, Revolution and Foreign Policy: The Case of South Yemen 1967–1987, Cambridge University Press.
  10. Fred Halliday, Arabia Without Sultans, Penguin Books.
  11. Fred Halliday, “Catastrophe in South Yemen”, Middle East Report, 1986.
  12. Paul Dresch, A History of Modern Yemen, Cambridge University Press, 2000.
  13. Robert D. Burrowes, Historical Dictionary of Yemen, Scarecrow Press.
  14. Robert D. Burrowes, “Oil Strike and Leadership Struggle in South Yemen”, Middle East Journal.
  15. Sheila Carapico, Civil Society in Yemen: The Political Economy of Activism in Modern Arabia, Cambridge University Press.
  16. Helen Lackner, Yemen in Crisis: The Road to War, Verso.
  17. F. Gregory Gause III, Saudi-Yemeni Relations: Domestic Structures and Foreign Influence, Columbia University Press.
  18. Charles Hobday, Communist and Marxist Parties of the World, Longman.
  19. John E. Peterson, “The Rebellion in Dhufar”, Middle East Journal.
  20. Peter Salisbury, Yemen’s Southern Powder Keg, Chatham House Papers.
  21. Mark N. Katz, دراسات متعددة حول السياسة السوفييتية في الشرق الأوسط واليمن الجنوبي.
  22. Fred Halliday, Revolution and Foreign Policy: The Case of South Yemen, 1967–1987, Cambridge: Cambridge University Press, 1990.
  23. Fred Halliday, Arabia Without Sultans, London: Saqi Books, revised edition.
  24. Noel Brehony, Yemen Divided: The Story of a Failed State in South Arabia, London: I.B. Tauris, 2011.
  25. Robert D. Burrowes, Historical Dictionary of Yemen, Lanham: Scarecrow Press, 2010.
  26. Manfred W. Wenner, Modern Yemen, 1918–1966, Baltimore: Johns Hopkins University Press, 1967.
  27. Paul Dresch, A History of Modern Yemen, Cambridge: Cambridge University Press, 2000.
  28. Joseph Kostiner, South Yemen’s Revolutionary Strategy, 1970–1985: From Insurgency to Bloc Politics, Boulder: Westview Press, 1990.
  29. F. Gregory Gause III, Saudi-Yemeni Relations: Domestic Structures and Foreign Influence, New York: Columbia University Press, 1990.
  30. Steven R. David، أبحاث حول الأمن الإقليمي والتحالفات في الجزيرة العربية خلال الحرب الباردة.
  31. William Zartman (ed.), دراسات حول تسوية النزاعات وبناء الدولة في اليمن.
  32. تقارير ووثائق وزارة الخارجية البريطانية (Foreign and Commonwealth Office) المتعلقة باستقلال جنوب اليمن (1963–1968).
  33. وثائق وزارة الخارجية الأمريكية (Foreign Relations of the United States – FRUS)، المجلدات الخاصة باليمن والجزيرة العربية خلال الحرب الباردة.
  34. وثائق الأمم المتحدة المتعلقة بانسحاب بريطانيا من عدن، وعضوية جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية، ثم جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية.

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

ماركس وباكونين: الصراع الذي شقّ الثورة إلى طريقين!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد من الأممية الأولى إلى مؤتمر لاهاي: من كان أقرب...

هالة نهرا ووجدي أبو ذياب في عملٍ إبداعيّ: من سلوفينيا إلى العالم!

أخباركم - أخبارنا تجلببتْ قصيدة «يا ضوء الأضواء» للشاعرة اللبنانية والعربية هالة نهرا، من...

اليسار الفلسطيني أمام مرآة الحقيقة: أزمة المشروع أم أزمة الاستقلال السياسي؟

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد ردّ على مقالة «اليسار الفلسطيني أمام لحظة الحقيقة.. من...

الحجّاج والسفّاح: هل يعيد التاريخ إنتاج وجهي السلطة؟

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد يصعب فهم الحجّاج بن يوسف الثقفي وأبي العباس السفّاح...

More like this

من فيصل وبوتو إلى مكة: هل وُلدت المظلة النووية السعودية في السبعينيات وتستعد إسرائيل اليوم لمواجهتها؟

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد هناك سؤال يبدو في ظاهره بسيطاً، لكنه قد يكون مفتاحاً...

نحو شرق أوسط جديد!

أخباركم - أخبارنا/ حنا صالح على مدى الأشهر التي تلت كارثة طوفان الأقصى، زعم...

سلسلة تعيينات باسم خامنئي: هل بدأت عملية إعادة بناء السلطة من داخل السلطة ام نفذ انقلاب ابيض؟

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد ما جرى في إيران خلال الأيام الأخيرة من تعيينات...