السبت, أغسطس 15, 2026
27.4 C
Beirut

سوق الغرب 1989… المعركة التي كادت تغيّر لبنان ومهّدت للطائف

نشرت في

أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد

معركة تتجاوز حدود الذكرى

في عيد الجيش اللبناني، تعود بي الذاكرة إلى معركة سوق الغرب في الثالث عشر من آب 1989، لا بوصفها مجرد معركة عسكرية من معارك الحرب الأهلية، بل باعتبارها واحدة من أكثر المعارك تأثيراً في رسم المرحلة الأخيرة من الحرب اللبنانية.

كانت معركة تجاوزت حدود الجغرافيا، لأن نتائجها كانت ستنعكس مباشرة على مستقبل السلطة في لبنان، وعلى موقع الجيش، وعلى مصير حكومة العماد ميشال عون العسكرية، وعلى التوازن بين القوى اللبنانية المتصارعة، ثم على شكل التسوية السياسية التي انتهت لاحقاً باتفاق الطائف.

سوق الغرب… مفتاح بعبدا واليرزة

احتلت سوق الغرب أهمية استراتيجية استثنائية، فمن يسيطر على مرتفعاتها وتلة 888 يصبح قادراً على تهديد الطريق المؤدي إلى بعبدا واليرزة، حيث القصر الجمهوري ووزارة الدفاع وقيادة الجيش.

لذلك لم تكن المعركة مواجهة على بلدة أو تلة فقط، بل مواجهة على قلب المعادلة العسكرية والسياسية في لبنان. فسقوط سوق الغرب كان سيضع مواقع العماد ميشال عون تحت ضغط مباشر، وربما كان سيفتح الطريق أمام تغيير واسع في ميزان القوى قبل الوصول إلى أي تسوية سياسية.

المعركة في ذروة حرب التحرير

جاءت المعركة في ذروة ما عُرف بـ«حرب التحرير» التي أعلنها العماد ميشال عون ضد الوجود السوري في الرابع عشر من آذار 1989.

كانت البلاد تعيش آنذاك مرحلة من أعنف مراحل الحرب، مع قصف متبادل بين المناطق، وانقسام مؤسسات الدولة، وصراع بين حكومتين، وتدخل سوري مباشر في إدارة الجبهات والتوازنات الداخلية.

في تلك الظروف، جرى التحضير للهجوم على سوق الغرب باعتباره محاولة لتوجيه ضربة عسكرية كبيرة إلى مواقع الجيش المرتبطة بحكومة عون، وفتح الطريق أمام تغيير المعادلة القائمة في بعبدا واليرزة.

من شارك في الهجوم؟

قاد جيش التحرير الشعبي، الذراع العسكرية للحزب التقدمي الاشتراكي، الهجوم الأساسي على سوق الغرب، وكان الشهيد رجا حرب في صلب القيادة الميدانية للمعركة.

لكن الهجوم لم يكن جهداً اشتراكياً منفرداً، ولم تخضه قوات الحزب التقدمي الاشتراكي وحدها. فقد شاركت فيه وحدات ومقاتلون من الحزب الشيوعي اللبناني، كما شاركت مجموعات من الفصائل الفلسطينية الموجودة على الساحة اللبنانية آنذاك.

هذه المشاركة ليست بالنسبة إليّ استنتاجاً مأخوذاً من روايات لاحقة، بل هي شهادة مباشرة على وجود مقاتلين شيوعيين وفلسطينيين في أرض المعركة، ويعرف ذلك المقاتلون الذين كانوا هناك، كما تعرفه القيادات التي شاركت في التحضير والعمليات.

ولذلك فإن اختزال المعركة لاحقاً بجيش التحرير الشعبي وحده لا ينصف حقيقة ما جرى، ولا يعكس تعدد القوى التي دفعت مقاتليها إلى تلك الجبهة وقدمت قتلى وجرحى في محاولة السيطرة على سوق الغرب.

عندما بدا الحسم قريباً

شهدت الساعات الأولى من الهجوم تقدماً مهماً للقوات المهاجمة. ووصلت مجموعات قتالية إلى مسافات قريبة من المواقع الحاكمة، وكان الاعتقاد سائداً بين كثير من المقاتلين أن اختراق الجبهة أصبح ممكناً، وأن استمرار الإسناد المدفعي كان كفيلاً بفتح الطريق أمام حسم المعركة.

لم يكن الشعور باقتراب الحسم وهماً لدى المقاتلين المتقدمين. كانت هناك مجموعات وصلت إلى نقاط حساسة، وكانت المواجهة قد دخلت مرحلة شديدة الخطورة بالنسبة إلى القوات المدافعة.

لكن في تلك اللحظات الحاسمة تبدلت صورة المعركة.

توقف الإسناد وانقلاب مسار الهجوم

وفق شهادات مقاتلين شاركوا في المعركة، توقف الإسناد المدفعي الذي كان يشكل عنصراً أساسياً لاستمرار التقدم، أو مُنع في اللحظة التي احتاجت فيها المجموعات المتقدمة إلى تغطية نارية كثيفة.

أدى ذلك إلى انكشاف الوحدات المهاجمة أمام دفاعات الجيش اللبناني، فتوقف التقدم وبدأ الاضطراب في صفوف القوات، ثم تحول الهجوم تدريجياً إلى انسحاب تحت ضغط النيران.

حصل هرج ومرج في أرض المعركة، واضطر من بقي من المقاتلين الأحياء إلى تغطية انسحاب رفاقهم، وكان لمدفع «ب-10» دور في تأمين هذه التغطية ومنع تحول التراجع إلى انهيار كامل. والمقاتلون الذين نجوا من تلك الساعات يعرفون هذه التفاصيل جيداً، لأنها ليست رواية سياسية نُسجت لاحقاً، بل جزء من الذاكرة الحية للمعركة.

ومع ذلك، فإن المسؤولية التاريخية تفرض التمييز بين شهادة المقاتلين وبين الوثيقة العسكرية الرسمية. فحتى اليوم، لم تُفتح الأرشيفات العسكرية السورية واللبنانية بصورة تتيح معرفة الأوامر التي صدرت في اللحظات الأخيرة، ومن قرر وقف القصف، وما إذا كان ذلك قراراً سياسياً متعمداً أم نتيجة تفاهم أو حسابات ميدانية أخرى.

هل منعت سوريا الحسم؟

لفهم الشكوك المحيطة بسوق الغرب، لا يكفي النظر إلى ساعات القتال وحدها، بل يجب العودة إلى طبيعة السياسة السورية في لبنان منذ عام 1976.

عندما دخل الجيش السوري إلى لبنان بصورة واسعة في ذلك العام، كانت الحركة الوطنية اللبنانية والمقاومة الفلسطينية قد حققتا تقدماً كبيراً على حساب الجبهة اللبنانية والقوى اليمينية المسيحية.

تدخلت سوريا يومها لمنع انتصار كامل للحركة الوطنية والمقاومة الفلسطينية، ودخلت في مواجهات مع قوى كانت ترفع شعارات قريبة من الشعارات التي كانت دمشق تدّعي الدفاع عنها.

لم يكن الهدف السوري نصرة المسيحيين لذاتهم أو حماية المارونية بوصفها مشروعاً سياسياً، بل منع انهيار التوازن اللبناني بطريقة تتيح للحركة الوطنية فرض معادلة جديدة لا تكون سوريا قادرة على التحكم بها.

ومنذ ذلك الوقت، ظهرت قاعدة ثابتة في السياسة السورية: لا تسمح لأي حليف بتحقيق انتصار كامل، ولا تترك أي خصم يسقط نهائياً، بل تحافظ على توازن يجعل جميع القوى بحاجة إلى دمشق.

ومن هذا المنظور، رأى كثير من المقاتلين أن سوريا ربما أرادت إضعاف ميشال عون والضغط عليه، لكنها لم تكن راغبة في سقوط سوق الغرب بصورة تمنح الحزب التقدمي الاشتراكي والحزب الشيوعي والقوى الفلسطينية انتصاراً ميدانياً واسعاً يعيد رسم التوازن بعيداً عن القرار السوري.

هذه فرضية سياسية تدعمها سوابق السياسة السورية في لبنان، لكنها تحتاج إلى وثائق العمليات والأوامر العسكرية حتى تتحول إلى حقيقة تاريخية نهائية.

الجيش اللبناني وصمود المواقع

في المقابل، لا يمكن لأي قراءة منصفة أن تتجاهل أن وحدات الجيش اللبناني التي دافعت عن سوق الغرب أظهرت قدرة كبيرة على الصمود، واستفادت من طبيعة الموقع ومن التحصينات ومن معرفتها الدقيقة بالجبهة.

تمكنت تلك الوحدات من منع سقوط المنطقة رغم شراسة الهجوم وكثافة النيران، وهو أمر يجب الاعتراف به عند قراءة المعركة عسكرياً.

إن احترام أداء الجيش اللبناني في سوق الغرب لا يتناقض مع احترام تضحيات مقاتلي القوى الوطنية، لأن الطرفين كانا يضمان لبنانيين قاتلوا وفق القناعات السياسية والعسكرية التي آمنوا بها في تلك المرحلة.

لكن المأساة أن اللبنانيين كانوا يقتلون بعضهم، فيما كانت القوى الإقليمية تتحكم بمستوى النار وبحدود التقدم وبحجم الانتصار المسموح لكل طرف بتحقيقه.

وليد جنبلاط وروايته عن المعركة

بعد سنوات طويلة، تحدث وليد جنبلاط عن معركة سوق الغرب، وقدم رواية ركز فيها على دوره الشخصي ودور جيش التحرير الشعبي في التحضير للهجوم وخوضه.

وقال إنه بحث خطة الهجوم مع رئيس أركان الجيش السوري آنذاك حكمت الشهابي، وإن الشهابي حذره من صعوبة الجبهة وقوة تحصيناتها، ومن أن الجيش المتمركز هناك يضم وحدات من أفضل التشكيلات العسكرية التابعة للعماد ميشال عون.

وبحسب روايته، أصر جنبلاط على خوض المعركة رغم التحذيرات، وكلف رجا حرب بقيادة الهجوم ومحاولة السيطرة على سوق الغرب وتلة 888.

تكتسب هذه الشهادة أهمية خاصة، لأنها تؤكد أن قرار المعركة لم يكن منفصلاً عن التشاور مع القيادة العسكرية السورية، وأن طبيعة الجبهة وقوة تحصيناتها كانتا معروفتين مسبقاً.

لكن المشكلة في رواية جنبلاط ليست فقط في ما قاله، بل أيضاً في ما أغفله.

فقد قدم المعركة في كثير من الأحيان كأنها معركة خاضها جيش التحرير الشعبي وحده، مع تغييب واضح لدور الحزب الشيوعي اللبناني والمقاتلين الفلسطينيين الذين شاركوا فعلياً في الهجوم.

هذا الإغفال ليس تفصيلاً بسيطاً، لأن الاعتراف بمن شاركوا في المعركة جزء من الأمانة تجاه الذين قاتلوا وسقطوا. ومن غير المقبول اختصار تضحيات قوى متعددة في رواية تمنح المجد السياسي والعسكري لطرف واحد، خصوصاً عندما يعرف وليد جنبلاط جيداً حجم المشاركة الشيوعية ودور المقاتلين الذين كانوا إلى جانب قواته.

بين التحذير السوري وقرار الهجوم

تفتح رواية جنبلاط عن لقائه مع حكمت الشهابي أسئلة إضافية حول طبيعة القرار السوري.

إذا كان الشهابي قد حذر فعلاً من صعوبة الجبهة، فهل كان التحذير عسكرياً خالصاً؟ وهل كانت القيادة السورية ترى أن المعركة لن تنجح؟ أم أنها كانت تريد إضعاف مواقع عون من دون السماح بسقوطها؟

وإذا كانت سوريا قد وافقت على انطلاق الهجوم، فلماذا لم يستمر الإسناد حتى النهاية بحسب شهادات المقاتلين؟ ولماذا تُركت المجموعات المتقدمة مكشوفة في اللحظة التي اعتقدت فيها أنها أصبحت قريبة من الحسم؟

لا يمكن الإجابة بصورة نهائية من دون وثائق، لكن الربط بين التشاور المسبق مع الشهابي وبين توقف الإسناد لاحقاً يجعل السؤال مشروعاً، ويمنع اختزال الهزيمة في قوة دفاعات الجيش وحدها.

هل أسست سوق الغرب للطائف؟

عسكرياً، انتهت المعركة بتراجع القوات المهاجمة وعدم تحقيق هدف السيطرة على سوق الغرب وتلة 888.

لكن سياسياً، كانت نتائجها أكبر من حدود الجبهة. فقد أكدت أن الحسم العسكري أصبح شديد الصعوبة، وأن استمرار الحرب لن ينتج منتصراً لبنانياً قادراً على فرض مشروعه منفرداً.

جاء اتفاق الطائف بعد أسابيع قليلة من المعركة، في تشرين الأول 1989، ضمن مسار عربي ودولي كان قد بدأ قبل سوق الغرب، لكن المعركة سرعت الإحساس بأن الحرب وصلت إلى طريق مسدود.

لهذا أعتبر أن سوق الغرب ساهمت في تأسيس المناخ الذي أفضى إلى الطائف. لم تكن السبب الوحيد في الاتفاق، لكنها كانت واحدة من المعارك التي أثبتت أن ميزان القوى لا يسمح بانتصار نهائي لأي طرف، وأن التسوية السياسية أصبحت الطريق الوحيد المتاح.

غير أن الطائف، رغم إنهائه الحرب، لم ينتج دولة مستقلة القرار بصورة كاملة، بل طُبق تحت وصاية سورية واسعة، وتحولت دمشق بعد الحرب إلى المرجع الأعلى في تعيين الرؤساء وتشكيل الحكومات وإدارة التوازنات اللبنانية.

من دفع ثمن الطريق إلى التسوية؟

إذا كانت سوق الغرب قد مهدت للطائف، فإن الطريق إلى التسوية فُتح بدماء جنود الجيش اللبناني ومقاتلي جيش التحرير الشعبي والحزب الشيوعي اللبناني والفصائل الفلسطينية.

لم يكن الذين سقطوا يعرفون أنهم يفتحون الطريق نحو اتفاق سيعيد تنظيم النظام الطائفي بدلاً من تجاوزه. كثيرون منهم قاتلوا من أجل مشاريع مختلفة تماماً: دولة مدنية، أو تحرير لبنان من التدخل الخارجي، أو إسقاط النظام الطائفي، أو الدفاع عن المؤسسة العسكرية.

لكن التسوية التي جاءت لاحقاً احتفظت بالطائفية، وعدلت توزيع الصلاحيات داخلها، ثم وضعت البلاد تحت هيمنة سورية طويلة.

وهنا تكمن مأساة سوق الغرب: دفع المقاتلون ثمن المعركة، فيما حصد السياسيون نتائجها وأعادوا كتابة روايتها بما يناسب زعاماتهم.

من مُنع من دخول دولة ما بعد الطائف؟

بعد اتفاق الطائف، لم يُنتخب مجلس نيابي جديد مباشرة، بل جرى عام 1991 تعيين خمسة وخمسين نائباً لاستكمال المجلس ورفع عدد أعضائه إلى 108، في عملية خضعت بدرجة كبيرة لموازين القوى التي فرضتها الوصاية السورية وحلفاؤها اللبنانيون. ورغم موقع جورج حاوي التاريخي ودور الحزب الشيوعي اللبناني في الحركة الوطنية والمقاومة، استُبعد حاوي واستُبعد الحزب من هذه التعيينات، ولم يستخدم وليد جنبلاط ثقله السياسي للدفاع عن تمثيل حليفه القديم، ولو من باب الوفاء لتحالف امتد سنوات ودفع فيه الشيوعيون أثماناً باهظة. ولا يصح القول تقنياً إن جنبلاط «لم يصوّت له»، لأن المقاعد لم تُحسم بانتخاب نيابي عادي، لكن السؤال السياسي يبقى مشروعاً: لماذا لم يدعم تعيينه؟ وهل جاء استبعاده استجابة لرغبة سورية في معاقبة حاوي على استقلاليته المتزايدة واندفاعه نحو حوار لبناني داخلي مع خصوم الأمس، ولا سيما القوات اللبنانية، ثم عقده مؤتمر أنطلياس للحوار؟ لقد حاول حاوي فتح مسار مصالحة وطنية ينتج تفاهاً لبنانياً داخلياً خارج القنوات التي كانت دمشق تريد احتكارها. وتدعم شهادات سياسية فرضية أن النظام السوري لم يكن مرتاحاً لهذا التوجه، لكن لا توجد وثيقة منشورة قاطعة تثبت أن قرار استبعاد حاوي صدر بأمر سوري مباشر. لذلك تبقى المسؤولية السياسية موزعة بين سلطة الوصاية التي أدارت التعيينات وبين حلفائها اللبنانيين، وفي مقدمهم وليد جنبلاط، الذين قبلوا دخول مجلس ما بعد الحرب من دون الرجل والحزب اللذين قاتلا إلى جانبهم وساهما في تثبيت مواقعهم وزعاماتهم.

سؤال إلى وليد جنبلاط

خدم الحزب الشيوعي اللبناني وليد جنبلاط طويلاً باعتباره حليفاً أساسياً في الحركة الوطنية، وساهم مقاتلوه وقياداته وقواعده الشعبية في حماية موقعه السياسي والعسكري، وفي تثبيت زعامة المختارة خلال أكثر مراحل الحرب خطورة.

قاتل الشيوعيون إلى جانب قوات الحزب التقدمي الاشتراكي في جبهات عديدة، وقدموا الشهداء والجرحى، وساهموا في الدفاع عن الجبل وفي دعم المشروع السياسي الذي قاده كمال جنبلاط ثم ورثه وليد جنبلاط.

لكن وليد جنبلاط، في رواياته اللاحقة عن الحرب وعن معركة سوق الغرب تحديداً، قلل من حضور الحزب الشيوعي، أو تجاهله، وقدم المعركة كأنها إنجاز خاص بجيش التحرير الشعبي وقيادته.

وهنا يطرح السؤال نفسه: لماذا لم يعترف وليد جنبلاط، ولو مرة واحدة، بفضل الحزب الشيوعي اللبناني عليه وعلى زعامته؟ ولماذا تنكر لدور حزب يعرف جيداً كم خدم موقعه السياسي، وكم قاتل الشيوعيون دفاعاً عن تحالفهم معه، وكم دفعوا من دمائهم في معارك لم تكن نتائجها السياسية لمصلحتهم؟

هل كان الحزب الشيوعي بالنسبة إليه حليفاً ضرورياً في زمن القتال، ثم أصبح عبئاً على الرواية بعد انتهاء الحرب؟ وهل جرى تغييب دوره لأن الاعتراف به يحد من احتكار زعامة المختارة لتاريخ الحركة الوطنية ومعاركها؟

ليس المطلوب من وليد جنبلاط مجاملة الحزب الشيوعي، بل قول الحقيقة وإنصاف الذين قاتلوا إلى جانب قواته. فالتاريخ لا يُكتب بمن تحدث بعد الحرب فقط، بل أيضاً بمن سقطوا في أرض المعركة ولم يبق لهم من يدافع عن أسمائهم.

المعركة التي لم تنتهِ أسئلتها

تبقى سوق الغرب معلقة بين روايات متعددة: رواية الجيش الذي صمد ومنع سقوط مواقعه، ورواية جيش التحرير الشعبي الذي تقدم وخسر عدداً كبيراً من مقاتليه، ورواية الحزب الشيوعي والفلسطينيين الذين شاركوا ثم تراجع حضورهم في سردية المعركة، ورواية المقاتلين الذين يؤكدون أن الحسم كان قريباً قبل توقف الإسناد.

لا يجوز أن تتحول الذاكرة إلى أداة لتصفية الحسابات، لكن لا يجوز أيضاً دفن شهادات المقاتلين تحت روايات الزعماء.

إن كتابة تاريخ سوق الغرب تحتاج إلى فتح الأرشيف، وجمع شهادات ضباط الجيش ومقاتلي الحزب التقدمي الاشتراكي والحزب الشيوعي والفصائل الفلسطينية، ومراجعة أوامر المدفعية والاتصالات والقرارات السياسية التي سبقت الهجوم ورافقت توقفه.

إلى أن يحدث ذلك، ستبقى المعركة مفتوحة على أسئلة كبرى: هل مُنع انتصار القوى الوطنية في اللحظة الأخيرة؟ هل أرادت سوريا إضعاف ميشال عون من دون إسقاطه؟ وهل كانت سوق الغرب آخر محاولة لتغيير المعادلة عسكرياً قبل أن يعاد إنتاجها في الطائف تحت الوصاية السورية؟

أما المؤكد فهو أن المقاتلين الذين كانوا هناك يستحقون رواية لا تحذف أسماءهم، ولا تختصر تضحياتهم في زعيم واحد، ولا تسمح لمن حصد نتائج تحالفاتهم بأن يتنكر لاحقاً لفضلهم ودورهم.

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

ماركس وباكونين: الصراع الذي شقّ الثورة إلى طريقين!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد من الأممية الأولى إلى مؤتمر لاهاي: من كان أقرب...

هالة نهرا ووجدي أبو ذياب في عملٍ إبداعيّ: من سلوفينيا إلى العالم!

أخباركم - أخبارنا تجلببتْ قصيدة «يا ضوء الأضواء» للشاعرة اللبنانية والعربية هالة نهرا، من...

اليسار الفلسطيني أمام مرآة الحقيقة: أزمة المشروع أم أزمة الاستقلال السياسي؟

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد ردّ على مقالة «اليسار الفلسطيني أمام لحظة الحقيقة.. من...

الحجّاج والسفّاح: هل يعيد التاريخ إنتاج وجهي السلطة؟

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد يصعب فهم الحجّاج بن يوسف الثقفي وأبي العباس السفّاح...

More like this

هالة نهرا ووجدي أبو ذياب في عملٍ إبداعيّ: من سلوفينيا إلى العالم!

أخباركم - أخبارنا تجلببتْ قصيدة «يا ضوء الأضواء» للشاعرة اللبنانية والعربية هالة نهرا، من...

من برغز إلى جمال ساطي… حين كانت المقاومة مشروع تحرير وطني لا ذراعاً في مشروع إقليمي

أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد يفصل بين ذكرى معركة برغز في الثاني والثالث من...

بين جعجعة نعيم قاسم وردّ نواف سلام… حان وقت قول الحقيقة

أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد اتهم الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم السلطة السياسية...