أخباركم – أخبارنا/ أكرم محمود
مقدمة: صراع المبدأ وقانون الطبيعة
يُقال في الأثر إن “صاحب الحق سلطان”، وهي مقولة تعكس توقاً إنسانياً أزلياً إلى العدالة المطلقة، حيث يُفترض بالحق أن يحمل قوته الذاتية التي تفرض الانصياع على الجميع. بيد أن معترك الحياة الواقعية وتصاريفها يكشفان غالباً عن حقيقة مغايرة وأكثر قسوة؛ إذ لا يضمن الحق وحده لمستحقه الانتصار ما لم تدعمه موازين القوى المادية. إن قوانين الطبيعة، في كثير من تجلياتها المجردة، تميل إلى إعطاء الغلبة للأقوى، مما يضع الإنسان أمام مفارقة وجودية وأخلاقية معقدة حين يتصادم “الحق الأخلاقي” العاجز مع “القوة المادية” المستبدة.
أولاً: معضلة “صاحب الحق المستبد” وحصانة الوهم
تنشأ أعمق المآزق الأخلاقية عندما يمتزج شعور شخص ما بأنه صاحب حق مطلق مع امتلاكه لأدوات السلطة والنفوذ، سواء كانت هذه السلطة عائلية، أو وظيفية، أو اجتماعية. في هذه الحالة، يتحول الحق من مبدأ للعدالة إلى أداة للاستعلاء والاستبداد، ويغدو صاحبه متحصناً بوهم النزاهة الدائمة، معتبراً نفسه فوق المساءلة والمراجعة.
إن حوار شخص ينطلق من هذه الأرضية يصبح نوعاً من العبث الإجرائي؛ لأن أي نقد يوجه إلى أسلوبه أو أدائه يُفسر فوراً على أنه هجوم على “الحق ذاته”. وهنا يبرز عجز المنطق تماماً أمام القوة، ويقع الطرف الأضعف في مرارة العجز، حيث يرى التجبر متدثراً بعباءة الصواب، وتصبح المداراة والصمت في هذا السياق استراتيجية بقاء لا تعبيراً عن الضعف. فالأقوى لا يكتفي بفرض سلطته، بل يفرض روايته الخاصة للحق ويصيغها كقانون سائد لا يجوز التشكيك فيه.
ثانياً: سيكولوجية المهزوم وعناد الانتحار الذاتي
على المقلب الآخر من النزاع، تتبدى ظاهرة إنسانية لا تقل تعقيداً، وهي إصرار صاحب الحق الأعزل على العناد الأعمى رغم افتقاده التام لأسباب الربح ومقومات الانتصار المادية. في هذه الحالة، يتحول التمسك بالحق إلى آلية دفاع نفسية بامتياز، تهدف إلى حماية الكيان المعنوي والكبرياء الذاتي من السحق الكامل. يرى هذا الشخص في العناد والتضحية شكلاً من أشكال “النصر الأخلاقي المأساوي”، مفضلاً الفناء المادي على منح الخصم صك الاعتراف بالهزيمة أو التنازل عن الهوية.
ومع ذلك، فإن هذا الخيط الرفيع بين الثبات على المبدأ والعناد المنفصل عن الواقع يمثل فخاً مدمراً. إنه ينقل المعركة من سياق استرداد الحقوق إلى سياق تقديس المواجهة لذاتها، مما يترتب عليه أضرار فادحة تلحق بصاحب الحق وبالمحيطين به الذين يجدون أنفسهم في مأزق أخلاقي متعاظم؛ فهم لا يستطيعون خذلانه لأن قضيته عادلة، ولا يمكنهم مسايرته أو تأييده في مسار يقود حتماً إلى تدمير ما تبقى من مصالح وكيانات، وتحول النصيحة العقلانية في نظره إلى شكل من أشكال التخاذل أو الاستسلام.
ثالثاً: فلسفة التسوية كخيار أخلاقي واقتصادي
أمام هاتين المعضلتين — مستبد متحصن بالحق والقوة، ومهزوم يختار الفناء معانداً — تبرز “التسوية” ليس بوصفها تنازلاً مخزياً أو تخاذلاً عن المبادئ، بل باعتبارها قمة الواقعية الحكيمة والنضج الإنساني والأخلاقي. إن التسوية تقوم على وعي عميق بقوانين الواقع المادي وجدلياته، وتنطلق من قاعدة مفادها أن حماية الإنسان وما يمكن إنقاذه من الحقوق أولى من التضحية بكل شيء في سبيل شعارات رنانة لا تغير من واقع الهزيمة الحتمية شيئاً.
إن المرونة النفسية والعقلية التي تتطلبها التسوية تعكس فكرة “الانحناء المؤقت للعاصفة” لحفظ الجذور من الاقتلاع الكامل. ومن خلال منطق الواقعية القائم على مبدأ “خذ وطالب”، تصبح التسوية محطة استراتيجية لالتقاط الأنفاس، وإعادة ترتيب الأوراق، والبقاء داخل رقعة الشطرنج بدلاً من الإقصاء التام. إن القبول بالممكن المتاح يثبت الأقدام، ويحرم الأقوى من ميزة سحق الطرف الآخر بالكامل، مع الاحتفاظ بالحق الكامل كهدف بعيد المدى يُسعى إليه عندما تتبدل الظروف الموضوعية.
خاتمة: الحكمة في إدارة الممكن
في نهاية المطاف، يعلمنا التاريخ الفلسفي والسياسي للبشرية أن النصر الحقيقي في معارك الحياة اليومية والاجتماعية المعقدة لا يكمن دائماً في السحق الكامل للخصم أو في الموت دونه، بل في القدرة على الخروج من النزاعات بأقل الخسائر الممكنة وبأقصى قدر من المكتسبات المتاحة. إن اختيار التسويات الذكية هو انحياز صريح لغريزة البقاء ولحفظ كيان الإنسان، وتأكيد على أن الحكمة الحقيقية لا تتجلى في معرفة كيفية الهجوم العنيف فحسب، بل في امتلاك شجاعة التراجع التكتيكي وبناء الجسور لحماية الحق من الزوال الأبدي.



